تونس .. البراغماتية تنتصر على الآيديولوجيا

حسم عقودا من الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين؟

تونس .. البراغماتية تنتصر على الآيديولوجيا
TT

تونس .. البراغماتية تنتصر على الآيديولوجيا

تونس .. البراغماتية تنتصر على الآيديولوجيا

أسفرت الانتخابات البرلمانية التونسية عن نتائج لا يختلف الخبراء - مهما كانت اختلافاتهم - حول كونها ستؤثر على نتائج الانتخابات الرئاسية المقررة يوم 26 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي فضلا عن تمهيدها لتغييرات شاملة في المشهد السياسي التونسي.
فما الذي يبرر ما وصفه البعض بـ«تسوماني» يوشك أن يتسبب في تغييرات جوهرية في كامل الخارطة السياسية والحزبية في تونس وفي الدول المجاورة لها وفي عموم دول «الربيع العربي»؟
وهل ستحسم التطورات في المشهد السياسي التونسي الذي تأثر طوال عقود بصراعات آيديولوجية وفكرية وسياسوية بين الإسلاميين والعلمانيين بمختلف مدارسهم؟
وما سيناريوهات المرحلة القادمة بعد بدء معارك «افتراضية» بين تياري «الثوريين» بزعامة الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي و«الواقعيين» بزعامة الباجي قائد السبسي و«الوسطيين» بزعامة شخصيات وأحزاب «ديمقراطية» و«مستقلين» يشاركون في السباق نحو كرسي الرئاسة في قرطاج ومنصبي رئيسي الحكومة والبرلمان في قصري القصبة وباردو؟
لنبدأ منذ البداية..
يعتقد عدد من قادة حزب «نداء تونس» - مثل أبو جمعة الرميلي - أن المنعرج الشعبي لفائدة حزب (نداء تونس) بدأ منذ مدة.. وتحديدا منذ مقتل القيادي في الحزب عن جهة تطاوين لطفي نقض بعد هجوم على مكتبه في 2012 من قبل عشرات المتظاهرين المحسوبين على «رابطات حماية الثورة».. التي اتهمت أحزاب الـ«ترويكا» السابقة بدعمها قبل الموافقة على حلها تحت ضغط المعارضة العلمانية.. التي اتهمت تلك «الرابطات الثورية» بكثير من التجاوزات، وبينها الهجمات على مقرات اتحاد نقابات العمال ومكاتب بعض الأحزاب العلمانية وبينها أحزاب يسارية وماركسية قريبة من حمه الهمامي زعيم الجبهة الشعبية وأحد أبرز المعادين لتيارات الإسلام السياسي في تونس والمنطقة المغاربية منذ عقود..

* تنازلات الغنوشي؟
* في الأثناء يتواصل الجدل داخل غالبية الأحزاب «الديمقراطية والعلمانية» - مثل أحزاب أحمد نجيب الشابي ومصطفى بن جعفر ومحمد عبو ومحمد الحامدي - وكذلك في صفوف مناضلي حركة النهضة وحلفائها «الثوريين» مثل حزب المؤتمر بزعامة المرزوقي عن أسباب «التسوماني السياسي» الذي خلط أوراق كل الأطراف.
الجامعي والإعلامي الحبيب بوعجيلة وعدد كبير من المحللين السياسيين القريبين من الرئيس المنصف المرزوقي و«الراديكالييين» داخل حركة النهضة يقدمون في مواقعهم الاجتماعية وعلى أعمدة الصحف وشاشات القنوات التونسية تحاليل تبرز «تغول» أعداء الثورة ورموز النظام السابق بسبب تنازلات زعيم حركة النهضة السيد راشد الغنوشي ومقربين منه لفائدتهم منذ لقائه في أغسطس (آب) 2013 بباريس مع زعيم جبهة الإنقاذ المعارضة آنذاك الباجي قائد السبسي ثم انخراطه في أكتوبر (تشرين الأول) 2013 في «مؤامرة» الحوار الوطني التي تزعمها قادة نقابات العمال ورجال الأعمال. وكان ذلك الحوار قد أسفر عن إقالة «ناعمة» لحكومة الـ«ترويكا» بزعامة علي العريض الأمين العام الحالي لحركة النهضة.
كتاب وسطيون عادة - مثل د.سامي إبراهيم ود.زهير بن يوسف - يفسرون «انتصار رموز النظام القديم» بالمعركة غير المتكافئة ماديا وإعلاميا وسياسيا بين «الثوريين» بزعامة قياديين في الـ«ترويكا» و«المحافظين» بزعامة قيادات من حزب «نداء تونس» والأحزاب الدستورية التي خرجت من رحم حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الذي كان حزب الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
في نفس الوقت برز في وسائل الإعلام والمواقع الاجتماعية مثل «فيسبوك» تيار قوي من شباب النهضة وقياديين في أحزاب «ثورية» - مثل عبد الرؤوف العيادي زعيم حركة وفاء لدماء الشهداء - وينتقد هؤلاء «التوجه المعتدل جدا لقيادة حركة النهضة بزعامة راشد الغنوشي - ويعتبر هؤلاء أن انتخابات 26 أكتوبر كان «انقلابا ناعما ضد الثورة ومبادئ الثورة».
ويتهم هؤلاء «الثوريون» زعيم حركة النهضة وحلفاءه بتقديم تنازلات بالجملة لفائدة الباجي قائد السبسي زعيم «نداء تونس» وحزبه منذ «مفاجأة» لقائهما في باريس في صائفة 2013 بعد اغتيال محمد البراهمي وحصول منعرج عسكري في مصر. بعد وساطة «قامت بها عدة شخصيات علمانية ورجال أعمال كبار من أصدقاء الباجي قائد السبسي وقيادة حركة النهضة».
زعيم حركة وفاء السياسي «المتشدد» عبد الرؤوف العيادي وأنصاره وقياديون في حزب المنصف المرزوقي يفسرون «تراجع» النهضة بتنازلاتها لفائدة «الدولة العميقة» وخصوصا لفائدة مسؤولين سابقين في النظام السابق والسماح لهم بالمشاركة في الانتخابات «قبل أن تقول العدالة الانتقالية كلمتها».
ويستدل معارضو هذه «المصالحة السابقة لأوانها مع رموز الفساد والاستبداد في العهد السابق على موقفهم بما يصفونه «الهجوم المضاد» الذي قام به رموز نظام بن علي على القائمات الانتخابية. وترشح نحو عشرة من وزراء بن علي والقياديين السابقين في مؤسسات النظام لمنصب رئيس الجمهورية.
كما يفسر زعماء في «الأحزاب الديمقراطية» النتائج بانقسامات زعاماتهم وحرص مسؤوليهم على البروز دوما في «الصفوف الأولى» وإن كان الثمن انهيار الحزب والمشروع. وقد يكون في كل هذا قدر من الوجاهة.

* دور المجتمع المدني؟
* في المقابل فإن أنصار خيار «التوافق السياسي الوطني» - وبينهم راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة - يتمسكون بصواب الخيار الذي اتبعوه عندما منعوا «سيناريوهات الدم والانقلاب العسكري» عندما قبلوا الحوار مع خصومهم برعاية المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان ونقابات العمال ورجال الأعمال.
واعتبر الغنوشي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن قوة النموذج السياسي التونسي في موافقة كبار السياسيين منذ عام على الاحتكام إلى المجتمع المدني في فض خلافاتهم مهما كانت حدتها، بينما عجزت الأطراف السياسية المصرية عن ذلك فلجأت إلى المؤسسة العسكرية «فكانت النتيجة بناء مسار تعددي انتقالي جديد في تونس ودفعت مصر نحو مسار آخر ظهرت نقائصه».
كما يعتبر أنصار «التيار المعتدل» داخل حركة النهضة - بزعامة راشد الغنوشي - أن من بين المكاسب التاريخية التي أنجزتها حركة النهضة التونسية تقديم نموذج للأحزاب العلمانية والإسلامية في كامل العالم تقديم نموذج للتوافق والتعايش بين الإسلاميين المعتدلين والعلمانيين الديمقراطيين لا سيما من خلال مشاركتهم في صياغة «دستور توافقي وتقدمي» وقانون انتخابي ديمقراطي نموذجي يرفض الإقصاء - على حد تعبير رفيق عبد السلام وزير خارجية حكومة الـ«ترويكا» في 2012.

* وزراء سقطوا
* كما - فسر الغنوشي نتائج الانتخابات التشريعية وتراجع حركته نسبيا بعوامل كثيرة بينها «تهرئة» الحكم ووسائل الإعلام لعدد من قادة حركة النهضة والـ«ترويكا» وخصوصا بعض الذين عينتهم أحزابهم على رأس قائمتها..وخصوصا من سبق أن تحملوا مسؤوليات حكومية أو على رأس مؤسسات عليا في الدولة.
وكان بعض هؤلاء مثل الوزير السابق للنقل عبد الكريم الهاروني سقطوا في الانتخابات.
في المقابل فإن مسؤولين من الحجم الكبير في النهضة مثل أمينها العام علي العريض رئيس الحكومة السابق والقيادي عبد اللطيف المكي - وزير الصحة سابقا - أو نائبة رئيس المجلس الوطني التأسيسي محرزية العبيدي فازوا لكن بعد أن تفوقت عليهم قائمات حزب «نداء تونس» بفارق.. وسقط كثير من أعضاء قائماتهم وبينهم سجناء سياسيون سابقون.
ويبدو أن الدوائر الانتخابية التي لم يرأسها وزراء سابقون - مثل دوائر 6 من محافظات الجنوب التونسي - مكنت حركة النهضة من الفوز بالمرتبة الأولى وبأغلبية مريحة ضد حزب «نداء تونس»، وهو ما اعتبره بعض المختصين في الدراسات الدولية - مثل الجامعي ونائب رئيس رابطة حقوق الإنسان د.زهير بن يوسف - مؤشرا على كون التصويت كان «انتقائيا»، أي انتخاب «الشخصيات التي لم تتحمل مسؤوليات حكومية» دون تردد مقابل التصويت الـ«عقابي» ضد بعض الأسماء وضد بعض المسؤولين السابقين في الدولة وليس ضد «المشروع السياسي للقوى المؤمنة بالثورة داخل حركة النهضة والـ(ترويكا) والقوى الديمقراطية والتقدمية».

* الخوف من الإرهاب؟
* في سياق آخر فسر حقوقيون وجامعيون بارزون - مثل رئيس منظمة «دستورنا» جوهر بن مبارك في تصريح لـ«الشرق الأوسط» - حصول «تسوماني سياسي» خلال انتخابات 26 أكتوبر بتخوفات قطاع كبير من الناخبين والناخبات من «المشروع المجتمعي» لتيار من الإسلاميين رغم مصادقة حركة النهضة على الدستور التوافقي وعلى كل فصوله «التقدمية» والتي تبنت المواثيق الأممية لحقوق الإنسان والمرجعيات الكونية للحريات وبينها «حرية الضمير» وحرية المعتقد.. إلخ إلا أن جامعيين ومحللين سياسيين آخرين مثل الخبير القانوني صالح الزكراوي ربطوا بين النتائج التي كانت لصالح حزب «نداء تونس» - والعملية الإرهابية التي أجهضت قبل ساعات من انطلاق الاقتراع العام في مدينة وادي الليل «جنوب العاصمة تونس».
ويعتبر هؤلاء أن شبح عودة الإرهاب «ورقة» أثرت على قرار قطاع كبير من الناخبات وحثهم على التصويت «المفيد» أو «التصويت العقابي» ضد مرشحي النهضة خاصة والـ«ترويكا» والأحزاب التقليدية عامة.. والتوجه للأحزاب «الجديدة» مثل «نداء تونس» و«آفاق» و«الوطني الحر» و«الجبهة الشعبية»..أي الأحزاب التي لا يعتبرها المواطن مسؤولة سياسيا عن «الثغرات الأمنية» وعن العمليات الإرهابية خلال العامين الماضيين و«غلطات» كلفت تونس غاليا بينها حادثة الهجوم على السفارة الأميركية يوم 24 سبتمبر (أيلول) 2012 لمدة 5 ساعات كاملة.
ومن بين ما يؤكد أهمية «تخوفات الناخبات والناخبين من عودة الإرهاب» أن قائمات أحزاب النهضة والمؤتمر ووفاء والتكتل وغيرها من الأحزاب «الثورية» و«التقدمية» سجلت أضعف النتائج خاصة في المحافظات الغربية للبلاد مثل الكاف وباجة وسليانة والقصرين، أي في المناطق التي ينتمي إليها غالبية المدنيين والعسكريين الذي قتلوا خلال العمليات الإرهابية. يضاف إلى ذلك أن سكان هذه المحافظات المتاخمة للحدود الجزائرية أصبحوا مستاءين جدا من كون غاباتهم وجبالهم أصبحت منذ 2011 مسرح المواجهات بين قوات الجيش والأمن من جهة والإرهابيين من جهة أخرى، بما أضر بمصالحهم وعمق مشكلاتهم لموروثة عن مرحلة ما قبل انتفاضة شباب تلك الجهات «المهمشة» وعلى رأسها النسب العالية جدا للبطالة والفقر والجريمة المنظمة والتهريب.. إلخ مقارنة بالمحافظات الساحلية والشمالية للبلاد.

* منعرج «اجتماع الملاسين»
* لكن يبدو أن «المنعرج» لصالح حزب نداء تونس حيث التعاطف الشعبي سبق يوم الاقتراع العام وبدأ يوم افتتاح الحملة الانتخابية لحزب الباجي قائد السبسي في الاجتماع الانتخابي الشعبي الكبير والناجح الذي نظم في ساحة شعبية في مدينة فقيرة في قلب «الأحياء القزديرية السابقة».
وقد نجح التجمع الشعبي في الملاسين وحضره السيد الباجي قائد السبسي رغم اعتراضات «جهات أمنية» خوفا عليه من الاغتيال ومن حصول أحداث عنف قد تندلع بسبب هجوم قد يشنه «ثوريون» ضد ما سوف يعتبرونه «استعراضا استفزازيا للقوة من قبل رموز النظام السابق بزعامة الباجي قائد السبسي».
لكن الباجي قائد السبسي برهن خلال تجمع الملاسين عن رهانه على الاتصال المباشر بالأوساط الشعبية.. وعلى ورقة الأحياء الشعبية.. وإن كان قسم كبير من الحاضرين في الحدث من بين منخرطي الحزب وأنصاره القادمين من عدة ولايات في تونس الكبرى. لا شك أن أحزابا كثيرة نظمت تجمعات شعبية ضخمة - بينها حركة النهضة - لكن التوجه إلى الملاسين وتنظيم حملات اتصال مباشر مع أبناء الطبقات الشعبية في أحياء التضامن والوردية والجبل الأحمر والكرم الغربي خيار مهم راهن عليه قياديون في نداء تونس ولعب لفائدتهم.. ولفائدة «ماكينتهم «الانتخابية». بينما نظمت حركة النهضة تجمعاتها الشعبية الضخمة أساسا في الشارع الرئيسي للعاصمة تونس وفي ميادين «فخمة» في كبرى المدن التونسية.

* ضغط الانتخابات الرئاسية
* ضمن هذا المسار العام إلى أين تسير البلاد؟ وما هو المشهد السياسي المرتقب بعد الانتخابات الرئاسية المقررة ليوم 23 نوفمبر في دورتها الأولى ثم في 26 ديسمبر (كانون الأول) في دورتها الثانية؟
حسب مصادر قيادية من مختلف الأحزاب وتصريحات ثلة من أبرز الـ27 مرشحا لتلك الانتخابات يتضح أن المشهد السياسي سيتطور قبل الانتخابات وبعدها حسب القرار الذي ستتخذه قيادة حركة النهضة فيما يتعلق بمشاركتها في الحكومة القادمة واسم المرشح الذي ستدعو منخرطيها وأنصارها إلى التصويت لفائدته، باعتبارها لم ترشح شخصية من كوادرها لهذا المنصب عندما كانت تتوقع الفوز بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية، حسب المنذر ثابت الأمين العام للحزب الاجتماعي التحرري.
ويعتبر الجامعي نوفل سعيد أن «اسم المرشح الذي ستدعمه حركة النهضة سيؤثر في تحالفات الأحزاب الكبرى قبل الانتخابات وخصوصا بعدها» بعد أن روجت أطراف كثيرة سيناريو تقاسم المناصب الكبرى بين حزبي النداء والنهضة والمستقلين والأحزاب الديمقراطية بما فيها تلك التي لم تفز بمقاعد كثيرة في البرلمان الجديد مثل أحزاب التكتل والجمهوري وآفاق والجبهة الشعبية. وحسب هذا السيناريو يمكن أن يتنازل الباجي قائد السبسي لحركة النهضة عن رئاسة البرلمان مقابل تصويتها لفائدته في الانتخابات الرئاسية بما قد يضمن فوزه منذ الدورة الأولى وموافقتها على المشاركة في حكومة «وحدة وطنية» قد ترأسها شخصية مستقلة قريبة من «نداء تونس» لأن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية الخطيرة الموروثة عن 4 سنوات من الاضطرابات وضعف الدولة تستوجب جهدا وطنيا وتعبئة كل الطاقات لمعالجتها عوض إقحام البلاد مجددا في لعبة الاستقطاب الثنائي والصراعات الهامشية»

* هيمنة حزب واحد
* وفي صورة فوز الباجي قائد السبسي في انتخابات رئاسة الجمهورية - دون حصوله على دعم عدد من الأحزاب وبينها حركة النهضة - ويخشى كثير من المراقبين والسياسيين والنقابيين التونسيين من أن يعجز حزب نداء تونس عن تشكيل حكومة توافق وطني وعن إقناع الأحزاب الكبرى بالتعاون معه وطي صفحة الماضي لأسباب كثيرة من بينها «معارضة تغول حزب واحد يمثل النظام القديم الذي ثار عليه الشعب قبل 4 أعوام وهيمنته على البرلمان والسلطة التنفيذية بقطبيها: رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة» على حد تعبير الإعلامية والجامعية فاطمة الكراي.
ويقود المنصف المرزوقي - الرئيس المتخلي والمرشح لانتخابات 26 نوفمبر - ومجموعات من أنصاره والمتعاطفين معه داخل عدة أحزاب بينها حركات نهضة ووفاء والتيار الديمقراطي حملة للتحذير من «تغول الحزب الحاكم في عهد بن علي الذي أعاد تسويق نفسه تحت تسمية «نداء تونس» ومحاولاته الهيمنة على كل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية بما في ذلك رئاسة المحكمة الدستورية، على حد تعيير الكلمة الافتتاحية للمرزوقي في حملته الانتخابية.

* المأزق.. والقطيعة
* لكن ماذا إذا انحاز الحزب الثاني من حيث القوة في تونس - أي حركة النهضة - إلى جبهة معارضي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية القادمة بزعامة المنصف المرزوقي - هل لن تكون تونس عرضة مجددا للاستقطاب الثنائي الذي قد يتسبب في مواجهات سياسية عنيفة في الشوارع وربما في أعمال عنف وأعمال إرهابية؟
وماذا سيكون موقف الدول التي تدعم منذ سنوات مسار الانتقال الديمقراطي في تونس وبعض «دول الرييع»؟ هل ستكتفي بالفرجة أم ستتدخل؟
هل سيتواصل دعمها للخيار السياسي أم تشجع بعض «الفاعلين الكبار» على وقف الفوضى عبر ترجيح سيناريو «إعادة هيبة الدولة» عبر كل الوسائل بما في ذلك عبر وقف المسار التعددي والديمقراطي وإطلاق يد المؤسستين الأمنية والعسكرية لتصبح اللاعب الرئيسي والطرف المحدد في خيارات البلاد والطبقة السياسية، بحجة «فشل المدنيين» و«السياسيين التقليديين».
تساؤلات كثيرة تفرض نفسها في بلد تتداخل فيه العوامل الظرفية بالعوامل الهيكلية وتتشابك فيه العوامل الداخلية بالعوامل الجيو استراتيجية. وفي كل السيناريوهات تبدو تونس بدأت بعد 4 أعوام من ثورتها قد نجحت في فك الاشتباك التقليدي بين الإسلام والحداثة وبين الإسلاميين والحداثيين وأصبحت المعارك أساسا سياسية وحزبية وليست عقائدية وآيديولويجية.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.