كيف ترعرعت «داعش» داخل سجن أميركي؟

{بوكا} الضخم ضم بعض أخطر العناصر الأصولية المتطرفة.. و90 % من خريجيه عادوا للإرهاب

حراسة مشددة على سجن بوكا بمدينة الكرمة أحد أسوأ سجون العراق سمعة («واشنطن بوست»)
حراسة مشددة على سجن بوكا بمدينة الكرمة أحد أسوأ سجون العراق سمعة («واشنطن بوست»)
TT

كيف ترعرعت «داعش» داخل سجن أميركي؟

حراسة مشددة على سجن بوكا بمدينة الكرمة أحد أسوأ سجون العراق سمعة («واشنطن بوست»)
حراسة مشددة على سجن بوكا بمدينة الكرمة أحد أسوأ سجون العراق سمعة («واشنطن بوست»)

في مارس (آذار) 2009. اجتاحت حالة من البلبلة مدينة الكرمة الواقعة جنوب العراق التي تضم أحد أسوأ سجون العراق من حيث السمعة. وقد ضم هذا السجن الضخم المعروف بسجن بوكا بعض أخطر العناصر الأصولية المتطرفة النشطة على امتداد الحدود مع الكويت. وتلك الفترة، كان قد تم الإفراج عن المئات منهم للتو، ووقف في انتظار المفرج عنهم أفراد عائلات محلية مبتهجين بالإفراج عن أبنائهم وأشقائهم وآبائهم الذين قبعوا في بوكا لسنوات. إلا أنه في المقابل، شعر البعض بالقلق، ومنهم أحد المسؤولين المحليين.
في حديث له مع أنتوني شديد، مراسل «واشنطن بوست»، قال رئيس الشرطة سعد عباس محمود: «هؤلاء الرجال لم يسجنوا لزراعتهم ورودا مخالفة بإحدى الحدائق»، وأعرب عن اعتقاده بأن 90 في المائة من السجناء المفرج عنهم سيستأنفون القتال قريبا. وأضاف: «هؤلاء لم يقبض عليهم لتسكعهم بالشوارع. إن هذه المشكلة كبرى وخطيرة. وللأسف لا يبدو أن الحكومة أو السلطات العراقية مدركة لأي مدى بلغت فداحة هذه المشكلة».
بمرور الوقت، أثبتت الأيام نفاد بصيرة التقييم الذي طرحه محمود، حيث أصبح السجن الآن بمثابة فصل مفتوح في تاريخ «داعش» - حيث التقى الكثير من قيادات الجماعة، بما في ذلك أبو بكر البغدادي، ببعضهم البعض هناك. وحسبما أفاد مسؤولون سابقون بالسجون ومحللون وجنود، فإن سجن بوكا وفر بيئة فريدة تتيح تحول السجناء نحو الراديكالية وتواطؤهم مع بعضهم البعض - وشكل السجن فترة مهمة في مشوار تطور «داعش» وبلوغها ما هي عليه الآن.
بصورة إجمالية، قضى 9 من كبار قيادات «داعش» بعض الوقت في بوكا، تبعا لما ذكرته «مجموعة صوفان»، وهي مؤسسة معنية بتحليل قضايا الإرهاب. وبخلاف البغدادي، الذي قضى 5 سنوات بهذا السجن، كان من بين قيادات «داعش» الأخرى التي سجنت هناك الرجل الثاني في الجماعة وهو أبو مسلم التركماني، وحاجي بكر، القيادي العسكري البارز الذي توفي مؤخرا، وأبو قاسم قائد المقاتلين الأجانب، حسبما أفادت المؤسسة. وأضافت المؤسسة أنه رغم احتمالات أن يكون هؤلاء الأشخاص قد تحولوا للتطرف بعد دخولهم السجن، يبقى الأمر المؤكد أنهم خرجوا جميعا من السجن متطرفين.
وفي مقال لهما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» هذا الشهر، أوضح أندرو ثومبسون، العسكري السابق، والأكاديمي جيرمي سري أنه «قبل احتجازهم، كان البغدادي وآخرون من الراديكاليين الذين يميلون للعنف والعازمين على مهاجمة أميركا. وجاءت فترة احتجازهم في السجن لتعمق تطرفهم ولتمنحهم فرص توسيع دائرة أتباعهم.. وتحولت السجون لجامعات إرهابية فعلية، حيث لعب الراديكاليون المخضرمون دور الأساتذة، بينما كان باقي السجناء الطلاب. أما سلطات السجن فلعبت دور الحارس الغائب».
الملاحظ أن هذا السيناريو حير سلطات فرض القانون منذ أمد بعيد. ومن التساؤلات التي يثيرها: كيف يمكن التعامل بصرامة مع التطرف من دون خلق المزيد منه؟ من التحول نحو الراديكالية في صفوف العنصريين البيض داخل السجون الأميركية إلى محاولة المملكة المتحدة الكارثية لسجن أعضاء الجيش الجمهوري الآيرلندي، تبقى المشكلة كما هي: أن السجون معاقل للتطرف في انتظار شرارة واحدة للانفجار.
داخل سجن بوكا، كان هناك فيض من الشرر. وقد كتب المأمور السابق لسجن بوكا، جيمس سكيلر غيروند، في رسالة عبر «تويتر» مع تزايد الاهتمام بالفترة التي قضاها البغدادي في سجن بوكا، إن «الكثير منا داخل سجن بوكا ساوره القلق من أنه بدلا من احتجازنا للسجناء، فإننا واقع الأمر كنا ندير مفرخة للمتطرفين». يذكر أن غيروند عمل بالسجن بين عامي 2006 و2007. عندما كان يعج بالآلاف من الراديكاليين، بينهم البغدادي.
وقد أدين الكثير من السجناء بمهاجمة جنود أميركيين، لكن كثيرين آخرين لم يدانوا بمثل هذه الجرائم، وإنما سجنوا «لمجرد أنهم ذكور شباب ذوو مظهر مريب وجدوا في منطقة محيطة بهجوم ما»، تبعا لما ورد بمقال رأي نشرته «تايمز». وتناول شادد هذا الأمر بصورة مكثفة عام 2009. مشيرا إلى أن الكثيرين اعتبروا هذا الأمر «خطأ جسيما في تطبيق العدالة حيث لا يواجه السجناء اتهامات ولا يسمح لهم بالاطلاع على الأدلة القائمة ضدهم، ولذا فإن المفرج عنهم منهم قد ينتهي بهم الحال في صفوف جماعة متمردة».
لذا فإن ظهور حركة التمرد تلك نهاية الأمر على السطح لم يكن مثيرا للدهشة. في ذروة أعمال العنف بالعراق عام 2007، عندما تضخم عدد نزلاء السجن بصورة هائلة بلغت 24.000 سجين، اعتملت جنبات السجن بمشاعر التطرف. وجرى تقسيم السجناء تبعا لانتماءاتهم الطائفية، أملا في تخفيف حدة التوتر، حسبما ذكر تقرير عسكري. وعمد السجناء للجوء إلى الشريعة الإسلامية في تسوية خلافاتهم. وأضاف التقرير: «خلف هذه القضبان متطرفون إسلاميون مستعدون لتشويه أو قتل زملائهم المسجونين لإتيانهم بأي سلوك يعتبرونه ضد الإسلام».
وذكر أحد الجنود في ثنايا التقرير أن «محاكم الشريعة تفرض الكثير من القواعد داخل جدران السجن. ويتعرض أي شخص يأتي بسلوك يعد (غربيا) لعقاب شديد من قبل العناصر المتطرفة داخل السجن.. ويصبح الأمر مرعبا للغاية بعض الأحيان».
من جانبهم، لاحظ بعض رؤساء السجون مثل غيروند ظاهرة تنامي التطرف. وفي تصريح لمجلة «مذر جونز»، قال غيروند: «كان هناك ضغط جماعي هائل يمارس على السجناء كي يتحولوا نحو مزيد من الراديكالية في أفكارهم.. لقد لجأ السجناء لبعضهم البعض طلبا للدعم. وحال وجود راديكاليين في الدائرة الداعمة لهم، تظهر حينئذ دوما احتمالية اعتناقهم مزيدا من الراديكالية».
ومهدت البيئة الفريدة داخل سجن بوكا التي جمعت علمانيي حزب البعث الخاص بصدام حسين بأصوليين إسلاميين الساحة أمام ظهور ما هو أسوأ: التواطؤ بين الجانبين. داخل السجن، انضمت هاتان المجموعتان معا لتشكيل اتحاد «تجاوز كونه زواج مصلحة»، حسبما أوضحت مؤسسة «صوفان».
وتوصلت «صوفان» إلى أن كلتا المجموعتين عرضت على الأخرى شيئا تفتقده، ففي داخل معسكر البعثيين السابقين وجد الجهاديون المهارات التنظيمية والانضباط العسكري. في المقابل، وجد البعثيون السابقون في صفوف الجهاديين الهدف. وأوضح تقرير صادر عن «صوفان غروب»: «داخل بوكا، تبدلت الأماكن، مع انتهاج الآيديولوجيين للخصال العسكرية والبيروقراطية، وتحول البيروقراطيون إلى متطرفين ينتهجون العنف».
ومن بين رماد ما سماه سجناء سابقون «مدرسة القاعدة» ولدت «داعش». وبالفعل، ذكرت «واشنطن بوست» من قبل أن هؤلاء السجناء عندما أفرج عنهم عام 2009 وعادوا إلى بغداد، تحدثوا عن أمرين: تحولهم للراديكالية - والانتقام.

* خدمة «واشنطن بوست»
* (خاص بـ {الشرق الأوسط})



ما دلالة تصنيف باراغواي «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً»؟

محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)
محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)
TT

ما دلالة تصنيف باراغواي «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً»؟

محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)
محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)

دفع تصنيف باراغواي «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً» إلى تساؤلات حول تأثير القرار على مستقبل التنظيم وعناصره. يأتي هذا في ظل تصاعد الصراع بين «قيادات (الإخوان) في الخارج» حول قيادة التنظيم. وقال باحثون في الحركات المتطرفة والإرهاب إن «قرار باراغواي أشار إلى ارتباط (الإخوان) بـ(تنظيمات الإرهاب)، وقد يدفع القرار دولاً أخرى إلى أن تتخذ قرارات مماثلة ضد التنظيم».
ووافقت اللجنة الدائمة بكونغرس باراغواي على «اعتبار (الإخوان) (تنظيماً إرهابياً) يهدد الأمن والاستقرار الدوليين، ويشكل انتهاكاً خطيراً لمقاصد ومبادئ الأمم المتحدة». جاء ذلك في مشروع قرار تقدمت به ليليان سامانيغو، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس المكوّن من 45 عضواً. وقال البرلمان في بيان نشره عبر موقعه الإلكتروني (مساء الخميس) إن «تنظيم (الإخوان) الذي تأسس في مصر عام 1928، يقدم المساعدة الآيديولوجية لمن يستخدم (العنف) ويهدد الاستقرار والأمن في كل من الشرق والغرب». وأضاف البيان أن «باراغواي ترفض رفضاً قاطعاً جميع الأعمال والأساليب والممارسات (الإرهابية)».
ووفق تقارير محلية في باراغواي، فإن باراغواي رأت في وقت سابق أن «(حزب الله)، و(القاعدة)، و(داعش) وغيرها، منظمات (إرهابية)، في إطار مشاركتها في الحرب على (الإرهاب)». وقالت التقارير إن «تصنيف (الإخوان) من شأنه أن يحدّ من قدرة هذه الجماعات على التخطيط لهجمات (إرهابية) وزعزعة استقرار الدول». كما تحدثت التقارير عن دول أخرى أقرت خطوات مماثلة ضد «الإخوان» من بينها، روسيا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات، والبحرين.
وتصنف دول عربية عدة «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً». وعدّت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية التنظيم «جماعة إرهابية منحرفة» لا تمثل منهج الإسلام. وذكرت الهيئة في بيان لها، نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020، أن «(الإخوان) جماعة إرهابية لا تمثل منهج الإسلام وإنما تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي ديننا الحنيف، وتتستر بالدين وتمارس ما يخالفه من الفُرقة، وإثارة الفتنة، والعنف، والإرهاب». وحذّرت حينها من «الانتماء إلى (الإخوان) أو التعاطف مع التنظيم».
كذلك أكد مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي أن كل مجموعة أو تنظيم يسعى للفتنة أو يمارس العنف أو يحرّض عليه، هو تنظيم إرهابي مهما كان اسمه أو دعوته، معتبراً «(الإخوان) تنظيماً (إرهابياً)».
وتحظر الحكومة المصرية «الإخوان» منذ عام 2014، وقد عدّته «تنظيماً إرهابياً». ويخضع مئات من قادة وأنصار التنظيم حالياً، وعلى رأسهم المرشد العام محمد بديع، لمحاكمات في قضايا يتعلق معظمها بـ«التحريض على العنف»، صدرت في بعضها أحكام بالإعدام، والسجن «المشدد والمؤبد».
وحسب الباحث المصري المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، منير أديب، فإن «تصنيف باراغواي (الإخوان) يؤكد الاتهامات التي توجَّه إلى التنظيم، بأن تنظيمات العنف خرجت من رحم (الإخوان)، أو أنها نهلت من أفكار التنظيم»، لافتاً إلى أن «قرار باراغواي أشار إلى أن (الإخوان) وفّر الحماية لتنظيمات التطرف التي نشأت في الشرق والغرب». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «قرار بعض الدول العربية في وقت سابق حظر (الإخوان) يعود إلى أمرين؛ الأول أن التنظيم مارس العنف، والآخر أن التنظيم وفّر الحماية لجماعات الإرهاب».
وفي وقت سابق أكدت وزارة الأوقاف المصرية «حُرمة الانضمام لـ(الإخوان)»، مشيرةً إلى أن التنظيم يمثل «الخطر الأكبر على الأمن القومي العربي». وفي فبراير (شباط) 2022 قالت دار الإفتاء المصرية إن «جميع الجماعات الإرهابية خرجت من عباءة (الإخوان)». وفي مايو (أيار) الماضي، قام مفتي مصر شوقي علام، بتوزيع تقرير «موثق» باللغة الإنجليزية على أعضاء البرلمان البريطاني يكشف منهج «الإخوان» منذ نشأة التنظيم وارتباطه بـ«التنظيمات الإرهابية». وقدم التقرير كثيراً من الأدلة على علاقة «الإخوان» بـ«داعش» و«القاعدة»، وانضمام عدد كبير من أعضاء «الإخوان» لصفوف «داعش» عقب عزل محمد مرسي عن السلطة في مصر عام 2013، كما لفت إلى أذرع «الإخوان» من الحركات المسلحة مثل «لواء الثورة» و«حسم».
وحول تأثير قرار تصنيف باراغواي «الإخوان» على «قيادات التنظيم في الخارج»، أكد الباحث المصري المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، أن «قرار باراغواي سوف يؤثر بالقطع على عناصر التنظيم في الخارج، لأن التنظيم يزعم أنه ينتشر في دول كثيرة حول العالم، ومثل هذا القرار يؤثر على عناصر (الإخوان) الموجودة في باراغواي وفي الدول المجاورة لها، كما أن القرار قد يدفع دولاً أخرى إلى اتخاذ قرار مماثل ضد (الإخوان)».
يأتي قرار باراغواي في وقت يتواصل الصراع بين «قيادات الإخوان في الخارج» حول منصب القائم بأعمال مرشد التنظيم. ويرى مراقبون أن «محاولات الصلح بين جبهتي (لندن) و(إسطنبول) لحسم الخلافات لم تنجح لعدم وجود توافق حول ملامح مستقبل التنظيم». والصراع بين جبهتي «لندن» و«إسطنبول» على منصب القائم بأعمال المرشد، سبقته خلافات كثيرة خلال الأشهر الماضية، عقب قيام إبراهيم منير، القائم بأعمال مرشد «الإخوان» السابق، بحلّ المكتب الإداري لشؤون التنظيم في تركيا، وقيامه بتشكيل «هيئة عليا» بديلة عن «مكتب إرشاد الإخوان». وتبع ذلك تشكيل «جبهة لندن»، «مجلس شورى» جديداً، وإعفاء أعضاء «مجلس شورى إسطنبول» الستة، ومحمود حسين (الذي يقود «جبهة إسطنبول»)، من مناصبهم.


بولوارتي تضع البيرو في مواجهة مع حكومات المنطقة

رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)
رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)
TT

بولوارتي تضع البيرو في مواجهة مع حكومات المنطقة

رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)
رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)

بعد التدهور الأخير في الأوضاع الأمنية التي تشهدها البيرو، بسبب الأزمة السياسية العميقة التي نشأت عن عزل الرئيس السابق بيدرو كاستيو، وانسداد الأفق أمام انفراج قريب بعد أن تحولت العاصمة ليما إلى ساحة صدامات واسعة بين القوى الأمنية والجيش من جهة، وأنصار الرئيس السابق المدعومين من الطلاب من جهة أخرى، يبدو أن الحكومات اليسارية والتقدمية في المنطقة قررت فتح باب المواجهة السياسية المباشرة مع حكومة رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي، التي تصرّ على عدم تقديم موعد الانتخابات العامة، وتوجيه الاتهام للمتظاهرين بأنهم يستهدفون قلب النظام والسيطرة على الحكم بالقوة.
وبدا ذلك واضحاً في الانتقادات الشديدة التي تعرّضت لها البيرو خلال القمة الأخيرة لمجموعة بلدان أميركا اللاتينية والكاريبي، التي انعقدت هذا الأسبوع في العاصمة الأرجنتينية بوينوس آيريس، حيث شنّ رؤساء المكسيك والأرجنتين وكولومبيا وبوليفيا هجوماً مباشراً على حكومة البيرو وإجراءات القمع التي تتخذها منذ أكثر من شهر ضد المتظاهرين السلميين، والتي أدت حتى الآن إلى وقوع ما يزيد عن 50 قتيلاً ومئات الجرحى، خصوصاً في المقاطعات الجنوبية التي تسكنها غالبية من السكان الأصليين المؤيدين للرئيس السابق.
وكان أعنف هذه الانتقادات تلك التي صدرت عن رئيس تشيلي غابرييل بوريتش، البالغ من العمر 36 عاماً، والتي تسببت في أزمة بين البلدين مفتوحة على احتمالات تصعيدية مقلقة، نظراً لما يحفل به التاريخ المشترك بين البلدين المتجاورين من أزمات أدت إلى صراعات دموية وحروب دامت سنوات.
كان بوريتش قد أشار في كلمته أمام القمة إلى «أن دول المنطقة لا يمكن أن تدير وجهها حيال ما يحصل في جمهورية البيرو الشقيقة، تحت رئاسة ديما بولوارتي، حيث يخرج المواطنون في مظاهرات سلمية للمطالبة بما هو حق لهم ويتعرّضون لرصاص القوى التي يفترض أن تؤمن الحماية لهم».
وتوقّف الرئيس التشيلي طويلاً في كلمته عند ما وصفه بالتصرفات الفاضحة وغير المقبولة التي قامت بها الأجهزة الأمنية عندما اقتحمت حرم جامعة سان ماركوس في العاصمة ليما، مذكّراً بالأحداث المماثلة التي شهدتها بلاده إبّان ديكتاتورية الجنرال أوغوستو بينوتشي، التي قضت على آلاف المعارضين السياسيين خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي.
وبعد أن عرض بوريتش استعداد بلاده لمواكبة حوار شامل بين أطياف الأزمة في البيرو بهدف التوصل إلى اتفاق يضمن الحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان، قال «نطالب اليوم، بالحزم نفسه الذي دعمنا به دائماً العمليات الدستورية في المنطقة، بضرورة تغيير مسار العمل السياسي في البيرو، لأن حصيلة القمع والعنف إلى اليوم لم تعد مقبولة بالنسبة إلى الذين يدافعون عن حقوق الإنسان والديمقراطية، والذين لا شك عندي في أنهم يشكلون الأغلبية الساحقة في هذه القمة».
تجدر الإشارة إلى أن تشيلي في خضمّ عملية واسعة لوضع دستور جديد، بعد أن رفض المواطنون بغالبية 62 في المائة النص الدستوري الذي عرض للاستفتاء مطلع سبتمبر (أيلول) الفائت.
كان رؤساء المكسيك وكولومبيا والأرجنتين وبوليفيا قد وجهوا انتقادات أيضاً لحكومة البيرو على القمع الواسع الذي واجهت به المتظاهرين، وطالبوها بفتح قنوات الحوار سريعاً مع المحتجين وعدم التعرّض لهم بالقوة.
وفي ردّها على الرئيس التشيلي، اتهمت وزيرة خارجية البيرو آنا سيسيليا جيرفاسي «الذين يحرّفون سرديّات الأحداث بشكل لا يتطابق مع الوقائع الموضوعية»، بأنهم يصطادون في الماء العكر. وناشدت المشاركين في القمة احترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، والامتناع عن التحريض الآيديولوجي، وقالت «يؤسفني أن بعض الحكومات، ومنها لبلدان قريبة جداً، لم تقف بجانب البيرو في هذه الأزمة السياسية العصيبة، بل فضّلت تبدية التقارب العقائدي على دعم سيادة القانون والنصوص الدستورية». وأضافت جيرفاسي: «من المهين القول الكاذب إن الحكومة أمرت باستخدام القوة لقمع المتظاهرين»، وأكدت التزام حكومتها بصون القيم والمبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، رافضة أي تدخّل في شؤون بلادها الداخلية، ومؤكدة أن الحكومة ماضية في خطتها لإجراء الانتخابات في الموعد المحدد، ليتمكن المواطنون من اختيار مصيرهم بحرية.
ويرى المراقبون في المنطقة أن هذه التصريحات التي صدرت عن رئيس تشيلي ليست سوى بداية لعملية تطويق إقليمية حول الحكومة الجديدة في البيرو بعد عزل الرئيس السابق، تقوم بها الحكومات اليسارية التي أصبحت تشكّل أغلبية واضحة في منطقة أميركا اللاتينية، والتي تعززت بشكل كبير بعد وصول لويس إينياسيو لولا إلى رئاسة البرازيل، وما تعرّض له في الأيام الأخيرة المنصرمة من هجمات عنيفة قام بها أنصار الرئيس السابق جاير بولسونارو ضد مباني المؤسسات الرئيسية في العاصمة برازيليا.


واشنطن: مادورو غير شرعي

نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)
نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)
TT

واشنطن: مادورو غير شرعي

نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)
نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)

قالت الولايات المتحدة اليوم (الثلاثاء)، إنها ما زالت ترفض اعتبار نيكولاس مادورو الرئيس الشرعي لفنزويلا، وتعترف بسلطة الجمعية الوطنية المُشَكَّلة عام 2015 بعد أن حلت المعارضة «حكومتها المؤقتة».
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس للصحافيين: «نهجنا تجاه نيكولاس مادورو لا يتغير. إنه ليس الرئيس الشرعي لفنزويلا. نعترف بالجمعية الوطنية المُشَكَّلة عام 2015»، وفق ما أفادت به وكالة الصحافة الفرنسية.
ولدى سؤاله عن الأصول الفنزويلية، ولا سيما شركة النفط الفنزويلية في الولايات المتحدة، قال برايس إن «عقوباتنا الشاملة المتعلقة بفنزويلا والقيود ذات الصلة تبقى سارية. أفهم أن أعضاء الجمعية الوطنية يناقشون كيف سيشرفون على هذه الأصول الخارجية».