حياة «سلفستر الثاني»... تبنّى علوم العرب وشيطنه الإنجليز

أكثر باباوات الفاتيكان إثارة للجدل

حياة «سلفستر الثاني»... تبنّى علوم العرب وشيطنه الإنجليز
TT

حياة «سلفستر الثاني»... تبنّى علوم العرب وشيطنه الإنجليز

حياة «سلفستر الثاني»... تبنّى علوم العرب وشيطنه الإنجليز

بجرأة وبحث دقيق يتحرى الكاتب المصري الفرانكفوني الدكتور أحمد يوسف حياة واحد من أكثر الباباوات إثارة للجدل في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية هو البابا سلفستر الثاني.
الكتاب الصادر حديثاً بالفرنسية بعنوان «البابا الذي أحب الله... من قرطبة إلى الفاتيكان ألف عام من سوء الفهم»، يقع في 222 صفحة عن دار نشر «ديرفي» الباريسية.
تكمن أهمية الكتاب في كونه يتتبع رحلة بابا الفاتيكان سلفستر الثاني الذي قال مرة: «لا يمكن لأوروبا أن تتقدم إلا بمعرفة علوم العرب».
يقول المؤلف في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط»: «يعتبر سلفستر الثاني المولود في فرنسا (946 - 1003) واسمه الحقيقي جربير دورياك هو أول بابا فرنسي للفاتيكان، وهو أول من أدخل الأرقام الحسابية العربية لأوروبا، وهجاه الشاعر الفرنسي فيكتور هوجو في قصيدة بديوانه (أسطورة العصور)، كما أشيع أن هذا البابا يقضي وقته في التجارب السوداء، وأنه يحاول القضاء على البشرية، وقد نسجت حول حياته الكثير من الإشاعات ومرت تقريباً ألف سنة من سوء الفهم والمغالطات التي أحاطت بحياته ومؤلفاته وإرثه الحضاري من منظور تعامل الغرب مع الإسلام».
يسلط الكتاب الضوء من جديد على حياة هذا البابا، مفككاً الغموض والالتباس حوله واتهامه بالشعوذة والسحر؛ إذ يشير المؤلف إلى أن سلفستر أعطى أوامر بترجمة الكتب والمخطوطات العربية ومواكبتها لكي يتمكن من الاطلاع عليها، وانغمس في علوم العرب، خصوصاً الحساب والفلك والكيمياء والطب. ويضيف يوسف: استغرق البحث في سيرة هذا البابا نحو 4 سنوات قمت خلالها بزيارة البلدة التي ولد فيها (أورياك)، والدير الذي قضى به طفولته ومطلع شبابه في بلدة ريبول بإقليم كاتالونيا الملاصق للأندلس في جنوب إسبانيا، وتصادف أن أمير إسباني مسيحي (الكونت بوريل) استقدمه للدراسة بإسبانيا، وهناك انغمس البابا في التعلم، خاصة اللغة العربية».
عاش سلفستر الثاني 53 سنة شغوفاً بالعلوم، وبعد أن صنع أسطرلاباً صنع أيضاً أول ساعة ميكانيكية لينتهي عصر الساعات الشمسية والرملية، وأول آلة حاسبة في التاريخ، ومن ثم لم يكن غريباً اتهامه بالشعوذة والمس والسحر؛ لأن الكنيسة المسيحية في ذاك الوقت كانت ضد العلم في العصور الوسطى.
ويؤكد الكتاب عبر استشهادات ومراجع، أن سلفستر الثاني بتبنيه علوم العرب أنقذ الغرب من الانحدار والانهيار، لكنه لم يدخل الإسلام كما أشيع أيضاً، ويجيب بوضوح عن إسهامات الإسلام في الحضارة الغربية عبر تقديم المؤلف لأول مرة قائمة بأسماء المراجع اللاتينية والهندية التي ترجمها العرب قبل أن تطلع عليها أوروبا مطلقاً عليها.
وفي فصول كرسها المؤلف للإرث الحضاري للبابا سلفستر الثاني عبر الألفية التي تلت وفاته يكشف تأثر أباطرة ألمانيا وفرنسا وملوك أوروبا، ومنهم الإمبراطور فريديريك الثاني، الذي اشتهر عهده بالصراع مع البابوية من أجل السيطرة على إيطاليا، وقاد الحملة الصليبية السادسة (1228 - 1229)، وهي لم تكن صليبية في الواقع؛ إذ وقّع الإمبراطور معاهدة سلام مع الملك الكامل سلطان مصر حصل بمقتضاها علي القدس دون إراقة دماء مقابل حرية العبادة والسلام للمسلمين.
وقد أعجب فريدريك الثاني بالثقافة العربية الإسلامية، وشجع دراستها والترجمة منها. وأصبحت صقلية في عهده مركزاً مهماً لانتقال الحضارة الإسلامية إلى أوروبا. لكن معاهدة الإمبراطور مع مصر حنق الفاتيكان، فاتهموه بالهرطقة والخروج عن الدين.
ومن الإرث الجرماني إلى الإرث الفرنسي، يفتح الكتاب ملف تأثر الإمبراطور نابليون الثالث بمنهج البابا. واعتبر السان سيمونيون في فرنسا أنهم ورثة انفتاح البابا علي حضارة الشرق وورثة نهج نابليون الأول، ومن ثم قدموا للإمبراطور نابليون الثالث مشروع «المملكة العربية لفرنسا»، الذي أراد أن يجعل من الجزائر مملكة تابعة للتاج الفرنسي ليحقق حلم الربط بين الشرق والغرب، ويولّي عليها الأمير عبد القادر الجزائري لإعجابه الشديد به.
وكان انتخاب جربير أورياك لمنصب البابوية قد تم في 2 أبريل (نيسان) 999، وتوفي بعد ذلك بأربع سنوات في 12 مايو (أيار) 1003. ويلفت المؤلف إلى أن أهمية دراسة هذه الحقبة التاريخية الحرجة مهمة للتعرف على الفترة التي تلته والتي أنجبت ليوناردو دافنشي ونيوتن وصولاً لأينشتين وجول فيرن.
وحول دور الإنجليز في شيطنة بابا الفاتيكان، يروي الكتاب أنه قبل مرور 100 عام على وفاة البابا سلفستر الثاني عام 1003م ظهر الكونت مالميزبوري في لندن ومعه وثائق عدة يقول إنه حصل عليها من أحد الرحالة الإنجليز في الأندلس، وتكشف عن أن جربير دورياك «سلفستر الثاني» كان تلميذاً في مدارس المسلمين في قرطبة، وأنه تعلم السحر على أيدي العرب المغاربة في هذه المدينة، وأنه كان يمارس ألعاب السحر، وكان على صلة بالشيطان،، مضيفاً أنه عندما كان جربير دورياك طالباً في مدرسة العالم الأندلسي المرجيطي في مدريد كان يذهب للحدائق والمقابر ليلاً ليتحادث مع الموتى، ويقوم بأفعال السحر فيها قبل أن يعود لدير ريبول الذي يقيم فيه بمقاطعة كاتالونيا بإسبانيا».
لكن الكتاب يوضح أن هناك مؤرخين كثيرين يعتقدون أن البابا سلفستر الثاني تعرض لهذه الحملة العنيفة من الإنجليز؛ «لأنه أول فرنسي يتولى هذا المنصب في الفاتيكان، ثانياً: لأن الإنجليز كانوا يعتبرون الكنيسة الكاثوليكية هي عدوة مطلقة لكنيستهم الإنجليكانية، وأن إدخال علوم العرب على هذه الكنيسة ما هي إلا بداية انحدار الغرب».
ويتابع: ظهرت في الفترة نفسها تقريباً بعد أقل من 100 عام على وفاة البابا روايات أخرى رواها بعض تلاميذه، تقول إن جربير دورياك تعلم بالفعل في مدارس العرب، وحينما أصبح بابا الفاتيكان طلب ترجمة مجمل علوم العرب، خاصة في علوم الطب والرياضيات والكيمياء، وطلب من بعض المبعوثين «المستعربين» الذين كان يرسلهم إلى قرطبة الرجوع إليه من بلاد العرب ومعهم اختراعات العرب في علم الحساب الجديد، وعلى أثر ذلك اخترع الآلة الحاسبة، وفي مجال العلوم الفلكية اخترع أسطرلاباً، واخترع الساعة الميكانيكية بتروس فيما بعد بناءً على علوم العرب في حساب مواقيت الشمس والقمر، وكان ذلك بداية فتح كبير في علوم تحديد الزمن في ذاك الوقت.
هناك شهود تاريخية على أن كل الرحالة الأوروبيين الذين انطلقوا في رحلة استكشاف العالم من جديد، سواء البرتغالي فاسكو دي غاما في اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، أو كريستوفر كولومبوس في اكتشاف الأميركتين، استخدموا اختراعات البابا في جولاتهم... إذ ساهمت اكتشافات البابا في دخول أوروبا في عصر الاكتشافات الجديد الذي ستكون له توابع شديدة الأهمية على اقتصاد الحضارات العربية في مصر وبلاد المغرب العربي، وسوف تنحدر الحضارات العربية بداية من نهايات القرن الحادي عشر وبدايات القرن الثاني عشر الميلادي مع ظهور الاكتشافات الجغرافية، وعلى وجه الدقة غداة الحروب الصليبية.
ويوضح الكتاب أن الإنجليز دعموا فكرة شيطنة البابا على مدار القرون من الرابع عشر وحتى السادس عشر، وتأثر بها المؤرخون الفرنسيون والكتاب والمثقفون الفرنسيون، وفي نحو عام 1853 أرادت فرنسا الاحتفال بذكرى البابا، وأقامت له تمثالاً كبيراً في مدينة أورياك في جنوب فرنسا بمسقط رأسه، لكن روى بعض الناس في القرن التاسع عشر عن أنه يوم إسدال الستار على التمثال ثارت عاصفة كبيرة وتوفي بعض الحضور، وقيل إن هنالك لعنة ما تحيط به، وإن الموتى خرجوا من قبورهم».



إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).