خمس روايات تقتحم «الغيتو» مثيرةً أسئلةً عديدةً (1 - 2): اليهود في الرواية السعودية... كل شيء إلا التطبيع

يهود من نجران عام 1936
يهود من نجران عام 1936
TT

خمس روايات تقتحم «الغيتو» مثيرةً أسئلةً عديدةً (1 - 2): اليهود في الرواية السعودية... كل شيء إلا التطبيع

يهود من نجران عام 1936
يهود من نجران عام 1936

خلال نحو أربع سنوات، صدرت خمس روايات لكتّاب سعوديين (نصفهم كاتبات) تتناول الشأن اليهودي: حياة اليهود، وتاريخهم، وأنماط سلوكهم، من خلال شخصيات يهودية تفتح الباب على مسرح يعجّ بتفاصيل البيئة اليهودية الأقرب إلى الجزيرة العربية، وهي بيئة اليهود اليمنيين. وفي إحدى الروايات تصبح القاهرة مسرحاً لأحداث الاتصال الأول بالعنصر اليهودي.
في الروايات جميعها، يندمج اليهود في حكايات إنسانية تستدعي التعرف على المجتمع اليهودي، ومن خلاله تدور رحى الأحداث لتتناول قضايا إنسانية عامة تقفز من وعي المؤلف لتشّكل حجر الزاوية للقضايا التي تتناولها الرواية: الهوية والصراع القومي، أو قضايا المرأة وذكورية المجتمع. وهي في العموم قضايا يمكن أن تمضي قدماً من دون توظيف العنصر اليهودي الذي يبدو طارئاً في أغلب هذه الأعمال.
الروايات الخمس تبحث عن «تميّز»، وربما وجدت في «الغيتو» اليهودي، عناصر لم تُطرق من قبل لاستلهام فكرة الرواية وبناء مسرحها... لكنّ كون هذه الأعمال صدرت في أوقات متقاربة، فقد أثارت الكثير من الأسئلة... رغم أن مؤلفيها الذين تحدثنا معهم يستبعدون التوظيف السياسي لرواياتهم، ولا يرون أنها تعبّد الطريق لقبول ثقافة التطبيع.
يجادل الروائيون المشاركون في هذا التحقيق، بأن اليهودية كانت جزءاً من التكوين الثقافي للجزيرة العربية، ففي جنوب الجزيرة وغربها، كما في اليمن عاشت قبائل من اليهود، بل إن باحثين جزموا بأنّ التوراة نزلت في جنوب جزيرة العرب، آخرهم الدكتور أحمد بن سعيد قشاش، في كتابه «أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة ولهجات أهل السراة»، الصادر عن أدبي الباحة، ومؤسسة الانتشار العربي، سنة 2018، وفي هذا الكتاب يستشهد المؤلف قشاش بأن علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر، ذكر في مجلة «العرب»، أن الموطن الأصلي لبني إسرائيل في جزيرة العرب، كان في منطقة العُلا (ص 293 – 294 من الكتاب).
وقبل ذلك بالطّبع المؤرخ اللبناني د. كمال الصليبي في دراسته الشهيرة «التوراة جاءت من جزيرة العرب»، (1985) مقدماً نظرية مثيرة للجدل، ترى أن عسير هي فلسطين التوراتية... وأنها كانت المكان التاريخي لجميع الأحداث التي وردت في التوراة، وإنّ بني إسرائيل من شعوب العرب البائدة، وقد نشأت الديانة اليهوديّة بين ظهرانيهم.
الروايات الخمس التي صدرت مؤخراً هي: رواية «يهودية مُخَلِّصَة» لسالمة الموشي، صدرت عام 2015. ورواية «مجنون ليلى اليهودية» لحمد حميد الرشيدي، صدرت عام 2016. ورواية «قاع اليهود» لعلي الأمير، صدرت عام 2018. ورواية «غربة يهودية» لرجاء بندر، صدرت عام 2020. ورواية «اللّيدي تالي - الأحساء 1912» لفوزي صادق.
- «يهودية مُخَلِّصَة» لسالمة الموشي
الرواية الأولى للكاتبة سالمة الموشي، صدرت 2015 عن دار (أزمنة)، سبقها كتابان نقديان هما «أيها النقصان من رآك... نساء تحت العرش» و«الحريم الثقافي بين الثابت والمتحول».
سالمة الموشي، باحثة في التاريخ، وناشطة ثقافية، وفي مجال تمكين المرأة، وهي عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية.
رغم أن الرواية تحمل اسم (يهودية مُخلّصة)، وتروي قصة فتاة عاشت في بيئة يهودية في اليمن، إلا أن الكاتبة سالمة الموشي، حاولت أن تجعل من الرواية رحلة مضنية للبحث عن الخلاص الروحي، رغم اجتراح الألم، في البدء أهدت الرواية: «إلى الأرواح التي عاشت واختبرت الألم العظيم. أولئك الذين أثمرت شجرة توت على جراحهم الدامية».
اختارت الكاتبة يهود اليمن، ليشكّلوا بيئة الرواية، وتسرد قصة فتاة يهودية اسمها (هوشع)، يرمز اسمها لمعنى «الخلاص»، ومن خلالها تلج إلى مجتمع اليهود اليمني، وتغوص قليلاً في نشأته وفكره وعقائده، والظروف السياسية والاجتماعية التي أدت به للنزوح عن اليمن بعد نكبة فلسطين وقيام دولة إسرائيل 1948، مشيرة إلى الهجرات السريّة التي موّلتها ونظّمتها بريطانيا وأميركا ونجحت في نقل 49 ألفاً من اليهود إلى فلسطين.
تعود الرواية إلى قالبها الإنساني الروحي، فتفجّر خليطاً من المشاعر المتضاربة حول الذات والبحث عن الخلاص، وتتناول في الضمن قضايا المجتمع والمرأة، وتوّظف الكاتبة بطلة السرد (مجد) التي أحبّت شاباً اسمه (غيث) لكي تصبح الصوت الذي ينبعث من معاناة الأنثى الصغيرة (هوشع)، التي تقاوم ذكورية المجتمع وسطوة رجال الدين، وتحفر في الموروث اليهودي، حيث تتخذ طائفة «الشماسون» وهم من يهود السفارديم، موقفاً ذكورياً متعصباً، فهم يؤمنون بأن الأنثى هبة ناقصة، وأن ولادتها إيذان بالشر، وتصاحبها حين تأتي للدنيا تسع لعنات... وغير ذلك.
- «قاع اليهود» لعلي الأمير
«قاع اليهود»، رواية كتبها الروائي السعودي علي الأمير، خلال عامي 2016 و2017 وصدرت في 2018 عن دار النابغة في مصر، وتقع في 384 صفحة، يدور معظمها في حي قاع اليهود، وهو حي قديم في صنعاء، وتدور حول بطل الرواية (خالد)، وهو طالب سعودي، أبوه من جازان وأمّه من اليمن، يملك والده مستوصفاً في جازان وآخر في عسير، وحلمه أن يراه طبيباً، لكن يفشل في الحصول على قبول في الجامعات السعودية، فيتوجه لدراسة الصيدلة في صنعاء.
ولبعده عن رقابة والده، اندفع مستعيناً بالمال وبوسامته خلف ملذّاته وأهمل دراسته، وقد وقع في غرام ثلاث فتيات: (منيرة)، الأثيرة عند (الفندم) المتنفّذ في البلد، والذي ترفض الإفصاح عنه فيبقى اسمه مجهولاً في الرواية، ومنه كانت تستمد نفوذها، مقابل استخدامه لها في الإيقاع بخصومه.
الثانية (صبريّة)، فتاة (شيعيّة) تنتمي للطبقة الفقيرة، وتسكن حي قاع اليهود. أما الثالثة فهي (لوزة)، (اليهودية)، أسرتها هي الأسرة الوحيدة التي بقيت في حي القاع، لذلك ظل أفرادها يتكتّمون على يهوديتهم. تعمل (لوزة) مع (منيرة) في فرقة الرقص في الأعراس، وفي مشغلها الخاص بفساتين العرائس، تتظاهر بالإسلام أمام منيرة وأمام حبيبها خالد، لكنها لا تتحفّظ أمام خالد في إبداء تعاطفها مع اليهود.
عندما يكتشف خالد يهوديتها، لم يتأثر حبه لها، بل يقرّر عدم مفاتحتها بما عرف، احتراماً لرغبتها. بعد اعترافها له بيهوديتها، أصبحت تتحدث براحة حول معاناة قومها في موطنهم اليمن، حيث لم يجدوا في وطنهم سوى التمييز، في المهن والتعليم.
الرواية تنقب من خلال الكتب والمناقشات عن بداية وجود اليهود في اليمن قبل ثلاثة آلاف عام، وقبل ذلك إلى خروج موسى عليه السلام باليهود من عبودية فرعون، وقصة سليمان عليه السلام سنة 1000 ق.م، وعلاقته ببلقيس، والسبي البابلي، وزمن اللعنات في 600 ق.م على يد نبوخذ نصر، وصولاً إلى الصراع اليهودي المسيحي في اليمن، ومحرقة نجران في الأخدود، وانتهاءً بعصرنا الحاضر وترحيل يهود اليمن إلى إسرائيل، عبر جسرٍ جوي من عدن، أطلق عليه «بساط الريح»، فقد فيه يهود اليمن 600 طفل في إسرائيل.
- «غربة يهودية» لرجاء بندر
تقع هذه الرواية في 176 صفحة، من القطع المتوسط، وصدرت عن نادي جازان الأدبي، بالتعاون مع الدار العربية للعلوم (ناشرون)، 2020.
وهي الرواية الأولى للشابة رجاء بندر، لم يسبق لها أن أصدرت أي عمل أدبي قبل هذه الرواية. و«غربة يهودية» تروي قصة فتاة وُلدت لأم يمنية يهودية وأب عربي مسلم من جنسية أخرى، يفترقان بعد زواج دام ثلاث سنوات. يترك الزوج طفلته التي تترعرع لدى أمها في بيئة يهودية، وتنشأ وفق التعاليم اليهودية وتعتنقها كدين. لكن وفاة الأم تدفع الأب إلى العودة واصطحاب ابنته إلى بلده حيث مجتمع آخر وحياة مختلفة.
في قراءته النقدية لهذه الرواية يقول علي الأمير: «نَحَت الكاتبة في هذه الرواية منحى الواقعيّة السحريّة، من خلال مزجها للواقع بالفنتازيا بالعجائبيّة بالأسطورة. فعلى صعيد الواقع نقلتنا من طرق ترابيّة في قرية بيت بوس في اليمن، إلى شوارع وأرصفة وإشارات مرور في مدينة عبد الله والد عفراء، التي تجمع بين المدينة والقرية... أصرّت الكاتبة على عدم التصريح باسم هذه المدينة، كإصرارها على عدم الإفصاح عن جنسية عبد الله وعائلته الذين تتكون منهم شخصيات الرواية، وتركت لنا معرفة المكان الذي دارت فيه حوادث الرواية، بعد انتقالها السريع إليه، قادمة من اليمن».
تنتقل بطلة الرواية، وهي شابة يهودية للعيش في بيئة إسلامية بعد وفاة أمها (أم عفراء) في قرية «بيت بوس» في اليمن، فهي في سنّ الـ19 تبدأ التعرف على والدها وبيئتها الجديدة.
تبدو ملامح (جازان) المنطقة المحاذية لليمن شاخصة في فضاء الرواية، حيث انتقل إليها عبد الله وابنته عفراء، وتصبح دون أن تذكرها الكاتبة مسرحاً جديداً لأحداث الرواية.
هذه الرواية أيضاً اشتغلت على ثيمات اجتماعية، كحال النساء، والصراع بين القيم القديمة والحياة المعاصرة، وعلاقات الرجال بالنساء التي تهيمن عليها الذكورية غالباً، إضافةً إلى الأمراض التي تفشّت في منطقتها كالأنيميا الحادة ومتلازمة داون.
الموضوع اليهودي في الرواية ليس صلباً، فالرواية تتناول قصة فتاة من اليمن وأمها (عفراء وأم عفراء)، صادف أنهما من مجتمع يمني محلي ينتمي أفراده لطائفة يهودية، سوى ذلك فهما يمنيتان في أغلب تفاصيل حياتهما.
أما الميزات الخاصة بالمجتمع اليهودي في اليمن، فالرواية أغفلتها عموماً، كحرصهم على حماية هويتهم من الذوبان في المحيط الإسلامي، سواء بالتعليم الخاص أو عدم الترحيب بالزواج المختلط وغير ذلك.
- «مجنون ليلى اليهودية» لحمد حميد الرشيدي
مؤلفها الروائي والناقد والشاعر السعودي حمد حميد الرشيدي، صادرة عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت، وتقع في 502 صفحة من الحجم المتوسط، وصدرت عام 2016.
هي رواية خيالية، توظّف الأحداث التاريخية وتسقطها على الواقع في قوالب أدبية، وهي تسرد قصة شاب سعودي من أصول بدوية هاجرت أسرته إلى الشام في ظروف اقتصادية قاسية مرّت بها الجزيرة العربية، ثم نشأ في العاصمة الرياض في حياة ثرية وتيسّر له السفر إلى القاهرة للدراسة وهناك تدور أحداث الرواية.
يحمل بطل الرواية تصوراً سلبياً عن اليهود ودورهم في الصراع مع العرب، تصورٌ استقاه من التاريخ ثم من الصراع العربي مع الحركة الصهيونية، لذلك تحوّلت بطلة الرواية «ليلى شالوم اليهودية» إلى عنصر تحريك للقضايا القومية التي آمن بها بطل الرواية الشاب السعودي (شاكر)، ووجد في قصة الحبّ العاصفة بين ليلى فائقة الجمال، وشاب يمني يحمل اسم (إبراهيم)، هام بها عشقاً حتى سلبته لبّه، شكلاً من الاستدراج السياسي والحضاري... ولذلك تستيقظ لديه كوامن الصراع الثقافي بين العرب واليهود.
حاول شاكر الفرار من الوقوع في هوى ليلى، وكان يقاومه بضراوة: «سألتني ليلى كأنها تريد أن تستشفّ المزيد من شخصيتي الجامدة والمحيّرة والغامضة (...): أنت شخص غريب فعلاً يا شاكر! قلت لها بعد أن أمعنت النظر في عينيها النجلاوين الساحرتين قليلاً، مشيحاً بوجهي عنها مجدداً كي لا يفتنني سحرهما (الفرعوني) الفتاك الذي لا ينجيني منه سوى آي من القرآن الكريم: لا تعاتبيني يا ليلى على عدم فعلي لما تقومي أنتِ بفعله... ليلى! (...) أرجوكِ أنا شخص متزوج وأب ومن عائلة عربية مسلمة ومحافظة».
تمرّ الرواية على أحداث في مصر بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، والتي تسببت في عودته إلى مدينته الرياض.
- «اللّيدي تالين - الأحساء 1912» لفوزي صادق
تتميز رواية «اللّيدي تالين» لمؤلفها فوزي صادق بأنها الرواية الوحيدة من بين الروايات الأخيرة التي تناولت شأن اليهود، في أنها تنقّب عن اليهود الذين كان يعيش بعضهم في الأحساء شرقي السعودية، وتدور أحداثها في كواليس حارة اليهود بالهفوف، في الأحساء.
الرواية من المنتظر أن تشق قريباً طريقها نحو المكتبات، بعد أن تمّ طبعها، وهي أيضاً تروي قصة حبّ فتى من الأحساء لفتاة يهوديّة.
‏تتحدث الرواية عن حارة اليهود التي قدمها العشرات من العوائل اليهودية المهاجرة والتي استوطنت الأحساء مع سيطرة العثمانيين، كما تصف مقبرة اليهود التي تقع في أرض مرتفعة خارج السور الذي يطوّق الحارة، ويوجد شريط ‏طويل من النخيل من الشمال من حارة اليهود حتى عين «أم خريسان» الشهيرة.
وخلف حارة اليهود يعيش بعض المهاجرين المنبوذين في صناديق وعشش، وهم بعض العوائل التي ليس لها أصل مثل الغجر والنساء اللاتي قدمن في السفن أو عن طريق البر، ويمنع دخولهم السور إلى البلدة القديمة أو حارة اليهود، فهم يقبعون خارج السور يعملون في مهن وضيعة كالتحميل، كما أنهم متهمون بنشر الرذيلة، ولذلك جرى وشمهم بوشم خلف الكف يميزهم حـتـى لا يختلطوا بالناس.
تقع الرواية في 320 صفحة وهي تصدر عن مركز الأدب العربي.
وصدر لفوزي صادق مجموعة من الأعمال الروائية والقصصية، مع كتب تتضمن مقالات، حيث صدرت له روايته «حريمستان»، وقبلها رواية «2012»، ورواية «أميرة إبليس»، ورواية «سري للغاية»، ورواية «عش العفاريت»، وكتاب «رسائل من كشكول الحياة».


مقالات ذات صلة

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

ثقافة وفنون دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.