خمس روايات تقتحم «الغيتو» مثيرةً أسئلةً عديدةً (1 - 2): اليهود في الرواية السعودية... كل شيء إلا التطبيع

يهود من نجران عام 1936
يهود من نجران عام 1936
TT

خمس روايات تقتحم «الغيتو» مثيرةً أسئلةً عديدةً (1 - 2): اليهود في الرواية السعودية... كل شيء إلا التطبيع

يهود من نجران عام 1936
يهود من نجران عام 1936

خلال نحو أربع سنوات، صدرت خمس روايات لكتّاب سعوديين (نصفهم كاتبات) تتناول الشأن اليهودي: حياة اليهود، وتاريخهم، وأنماط سلوكهم، من خلال شخصيات يهودية تفتح الباب على مسرح يعجّ بتفاصيل البيئة اليهودية الأقرب إلى الجزيرة العربية، وهي بيئة اليهود اليمنيين. وفي إحدى الروايات تصبح القاهرة مسرحاً لأحداث الاتصال الأول بالعنصر اليهودي.
في الروايات جميعها، يندمج اليهود في حكايات إنسانية تستدعي التعرف على المجتمع اليهودي، ومن خلاله تدور رحى الأحداث لتتناول قضايا إنسانية عامة تقفز من وعي المؤلف لتشّكل حجر الزاوية للقضايا التي تتناولها الرواية: الهوية والصراع القومي، أو قضايا المرأة وذكورية المجتمع. وهي في العموم قضايا يمكن أن تمضي قدماً من دون توظيف العنصر اليهودي الذي يبدو طارئاً في أغلب هذه الأعمال.
الروايات الخمس تبحث عن «تميّز»، وربما وجدت في «الغيتو» اليهودي، عناصر لم تُطرق من قبل لاستلهام فكرة الرواية وبناء مسرحها... لكنّ كون هذه الأعمال صدرت في أوقات متقاربة، فقد أثارت الكثير من الأسئلة... رغم أن مؤلفيها الذين تحدثنا معهم يستبعدون التوظيف السياسي لرواياتهم، ولا يرون أنها تعبّد الطريق لقبول ثقافة التطبيع.
يجادل الروائيون المشاركون في هذا التحقيق، بأن اليهودية كانت جزءاً من التكوين الثقافي للجزيرة العربية، ففي جنوب الجزيرة وغربها، كما في اليمن عاشت قبائل من اليهود، بل إن باحثين جزموا بأنّ التوراة نزلت في جنوب جزيرة العرب، آخرهم الدكتور أحمد بن سعيد قشاش، في كتابه «أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة ولهجات أهل السراة»، الصادر عن أدبي الباحة، ومؤسسة الانتشار العربي، سنة 2018، وفي هذا الكتاب يستشهد المؤلف قشاش بأن علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر، ذكر في مجلة «العرب»، أن الموطن الأصلي لبني إسرائيل في جزيرة العرب، كان في منطقة العُلا (ص 293 – 294 من الكتاب).
وقبل ذلك بالطّبع المؤرخ اللبناني د. كمال الصليبي في دراسته الشهيرة «التوراة جاءت من جزيرة العرب»، (1985) مقدماً نظرية مثيرة للجدل، ترى أن عسير هي فلسطين التوراتية... وأنها كانت المكان التاريخي لجميع الأحداث التي وردت في التوراة، وإنّ بني إسرائيل من شعوب العرب البائدة، وقد نشأت الديانة اليهوديّة بين ظهرانيهم.
الروايات الخمس التي صدرت مؤخراً هي: رواية «يهودية مُخَلِّصَة» لسالمة الموشي، صدرت عام 2015. ورواية «مجنون ليلى اليهودية» لحمد حميد الرشيدي، صدرت عام 2016. ورواية «قاع اليهود» لعلي الأمير، صدرت عام 2018. ورواية «غربة يهودية» لرجاء بندر، صدرت عام 2020. ورواية «اللّيدي تالي - الأحساء 1912» لفوزي صادق.
- «يهودية مُخَلِّصَة» لسالمة الموشي
الرواية الأولى للكاتبة سالمة الموشي، صدرت 2015 عن دار (أزمنة)، سبقها كتابان نقديان هما «أيها النقصان من رآك... نساء تحت العرش» و«الحريم الثقافي بين الثابت والمتحول».
سالمة الموشي، باحثة في التاريخ، وناشطة ثقافية، وفي مجال تمكين المرأة، وهي عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية.
رغم أن الرواية تحمل اسم (يهودية مُخلّصة)، وتروي قصة فتاة عاشت في بيئة يهودية في اليمن، إلا أن الكاتبة سالمة الموشي، حاولت أن تجعل من الرواية رحلة مضنية للبحث عن الخلاص الروحي، رغم اجتراح الألم، في البدء أهدت الرواية: «إلى الأرواح التي عاشت واختبرت الألم العظيم. أولئك الذين أثمرت شجرة توت على جراحهم الدامية».
اختارت الكاتبة يهود اليمن، ليشكّلوا بيئة الرواية، وتسرد قصة فتاة يهودية اسمها (هوشع)، يرمز اسمها لمعنى «الخلاص»، ومن خلالها تلج إلى مجتمع اليهود اليمني، وتغوص قليلاً في نشأته وفكره وعقائده، والظروف السياسية والاجتماعية التي أدت به للنزوح عن اليمن بعد نكبة فلسطين وقيام دولة إسرائيل 1948، مشيرة إلى الهجرات السريّة التي موّلتها ونظّمتها بريطانيا وأميركا ونجحت في نقل 49 ألفاً من اليهود إلى فلسطين.
تعود الرواية إلى قالبها الإنساني الروحي، فتفجّر خليطاً من المشاعر المتضاربة حول الذات والبحث عن الخلاص، وتتناول في الضمن قضايا المجتمع والمرأة، وتوّظف الكاتبة بطلة السرد (مجد) التي أحبّت شاباً اسمه (غيث) لكي تصبح الصوت الذي ينبعث من معاناة الأنثى الصغيرة (هوشع)، التي تقاوم ذكورية المجتمع وسطوة رجال الدين، وتحفر في الموروث اليهودي، حيث تتخذ طائفة «الشماسون» وهم من يهود السفارديم، موقفاً ذكورياً متعصباً، فهم يؤمنون بأن الأنثى هبة ناقصة، وأن ولادتها إيذان بالشر، وتصاحبها حين تأتي للدنيا تسع لعنات... وغير ذلك.
- «قاع اليهود» لعلي الأمير
«قاع اليهود»، رواية كتبها الروائي السعودي علي الأمير، خلال عامي 2016 و2017 وصدرت في 2018 عن دار النابغة في مصر، وتقع في 384 صفحة، يدور معظمها في حي قاع اليهود، وهو حي قديم في صنعاء، وتدور حول بطل الرواية (خالد)، وهو طالب سعودي، أبوه من جازان وأمّه من اليمن، يملك والده مستوصفاً في جازان وآخر في عسير، وحلمه أن يراه طبيباً، لكن يفشل في الحصول على قبول في الجامعات السعودية، فيتوجه لدراسة الصيدلة في صنعاء.
ولبعده عن رقابة والده، اندفع مستعيناً بالمال وبوسامته خلف ملذّاته وأهمل دراسته، وقد وقع في غرام ثلاث فتيات: (منيرة)، الأثيرة عند (الفندم) المتنفّذ في البلد، والذي ترفض الإفصاح عنه فيبقى اسمه مجهولاً في الرواية، ومنه كانت تستمد نفوذها، مقابل استخدامه لها في الإيقاع بخصومه.
الثانية (صبريّة)، فتاة (شيعيّة) تنتمي للطبقة الفقيرة، وتسكن حي قاع اليهود. أما الثالثة فهي (لوزة)، (اليهودية)، أسرتها هي الأسرة الوحيدة التي بقيت في حي القاع، لذلك ظل أفرادها يتكتّمون على يهوديتهم. تعمل (لوزة) مع (منيرة) في فرقة الرقص في الأعراس، وفي مشغلها الخاص بفساتين العرائس، تتظاهر بالإسلام أمام منيرة وأمام حبيبها خالد، لكنها لا تتحفّظ أمام خالد في إبداء تعاطفها مع اليهود.
عندما يكتشف خالد يهوديتها، لم يتأثر حبه لها، بل يقرّر عدم مفاتحتها بما عرف، احتراماً لرغبتها. بعد اعترافها له بيهوديتها، أصبحت تتحدث براحة حول معاناة قومها في موطنهم اليمن، حيث لم يجدوا في وطنهم سوى التمييز، في المهن والتعليم.
الرواية تنقب من خلال الكتب والمناقشات عن بداية وجود اليهود في اليمن قبل ثلاثة آلاف عام، وقبل ذلك إلى خروج موسى عليه السلام باليهود من عبودية فرعون، وقصة سليمان عليه السلام سنة 1000 ق.م، وعلاقته ببلقيس، والسبي البابلي، وزمن اللعنات في 600 ق.م على يد نبوخذ نصر، وصولاً إلى الصراع اليهودي المسيحي في اليمن، ومحرقة نجران في الأخدود، وانتهاءً بعصرنا الحاضر وترحيل يهود اليمن إلى إسرائيل، عبر جسرٍ جوي من عدن، أطلق عليه «بساط الريح»، فقد فيه يهود اليمن 600 طفل في إسرائيل.
- «غربة يهودية» لرجاء بندر
تقع هذه الرواية في 176 صفحة، من القطع المتوسط، وصدرت عن نادي جازان الأدبي، بالتعاون مع الدار العربية للعلوم (ناشرون)، 2020.
وهي الرواية الأولى للشابة رجاء بندر، لم يسبق لها أن أصدرت أي عمل أدبي قبل هذه الرواية. و«غربة يهودية» تروي قصة فتاة وُلدت لأم يمنية يهودية وأب عربي مسلم من جنسية أخرى، يفترقان بعد زواج دام ثلاث سنوات. يترك الزوج طفلته التي تترعرع لدى أمها في بيئة يهودية، وتنشأ وفق التعاليم اليهودية وتعتنقها كدين. لكن وفاة الأم تدفع الأب إلى العودة واصطحاب ابنته إلى بلده حيث مجتمع آخر وحياة مختلفة.
في قراءته النقدية لهذه الرواية يقول علي الأمير: «نَحَت الكاتبة في هذه الرواية منحى الواقعيّة السحريّة، من خلال مزجها للواقع بالفنتازيا بالعجائبيّة بالأسطورة. فعلى صعيد الواقع نقلتنا من طرق ترابيّة في قرية بيت بوس في اليمن، إلى شوارع وأرصفة وإشارات مرور في مدينة عبد الله والد عفراء، التي تجمع بين المدينة والقرية... أصرّت الكاتبة على عدم التصريح باسم هذه المدينة، كإصرارها على عدم الإفصاح عن جنسية عبد الله وعائلته الذين تتكون منهم شخصيات الرواية، وتركت لنا معرفة المكان الذي دارت فيه حوادث الرواية، بعد انتقالها السريع إليه، قادمة من اليمن».
تنتقل بطلة الرواية، وهي شابة يهودية للعيش في بيئة إسلامية بعد وفاة أمها (أم عفراء) في قرية «بيت بوس» في اليمن، فهي في سنّ الـ19 تبدأ التعرف على والدها وبيئتها الجديدة.
تبدو ملامح (جازان) المنطقة المحاذية لليمن شاخصة في فضاء الرواية، حيث انتقل إليها عبد الله وابنته عفراء، وتصبح دون أن تذكرها الكاتبة مسرحاً جديداً لأحداث الرواية.
هذه الرواية أيضاً اشتغلت على ثيمات اجتماعية، كحال النساء، والصراع بين القيم القديمة والحياة المعاصرة، وعلاقات الرجال بالنساء التي تهيمن عليها الذكورية غالباً، إضافةً إلى الأمراض التي تفشّت في منطقتها كالأنيميا الحادة ومتلازمة داون.
الموضوع اليهودي في الرواية ليس صلباً، فالرواية تتناول قصة فتاة من اليمن وأمها (عفراء وأم عفراء)، صادف أنهما من مجتمع يمني محلي ينتمي أفراده لطائفة يهودية، سوى ذلك فهما يمنيتان في أغلب تفاصيل حياتهما.
أما الميزات الخاصة بالمجتمع اليهودي في اليمن، فالرواية أغفلتها عموماً، كحرصهم على حماية هويتهم من الذوبان في المحيط الإسلامي، سواء بالتعليم الخاص أو عدم الترحيب بالزواج المختلط وغير ذلك.
- «مجنون ليلى اليهودية» لحمد حميد الرشيدي
مؤلفها الروائي والناقد والشاعر السعودي حمد حميد الرشيدي، صادرة عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت، وتقع في 502 صفحة من الحجم المتوسط، وصدرت عام 2016.
هي رواية خيالية، توظّف الأحداث التاريخية وتسقطها على الواقع في قوالب أدبية، وهي تسرد قصة شاب سعودي من أصول بدوية هاجرت أسرته إلى الشام في ظروف اقتصادية قاسية مرّت بها الجزيرة العربية، ثم نشأ في العاصمة الرياض في حياة ثرية وتيسّر له السفر إلى القاهرة للدراسة وهناك تدور أحداث الرواية.
يحمل بطل الرواية تصوراً سلبياً عن اليهود ودورهم في الصراع مع العرب، تصورٌ استقاه من التاريخ ثم من الصراع العربي مع الحركة الصهيونية، لذلك تحوّلت بطلة الرواية «ليلى شالوم اليهودية» إلى عنصر تحريك للقضايا القومية التي آمن بها بطل الرواية الشاب السعودي (شاكر)، ووجد في قصة الحبّ العاصفة بين ليلى فائقة الجمال، وشاب يمني يحمل اسم (إبراهيم)، هام بها عشقاً حتى سلبته لبّه، شكلاً من الاستدراج السياسي والحضاري... ولذلك تستيقظ لديه كوامن الصراع الثقافي بين العرب واليهود.
حاول شاكر الفرار من الوقوع في هوى ليلى، وكان يقاومه بضراوة: «سألتني ليلى كأنها تريد أن تستشفّ المزيد من شخصيتي الجامدة والمحيّرة والغامضة (...): أنت شخص غريب فعلاً يا شاكر! قلت لها بعد أن أمعنت النظر في عينيها النجلاوين الساحرتين قليلاً، مشيحاً بوجهي عنها مجدداً كي لا يفتنني سحرهما (الفرعوني) الفتاك الذي لا ينجيني منه سوى آي من القرآن الكريم: لا تعاتبيني يا ليلى على عدم فعلي لما تقومي أنتِ بفعله... ليلى! (...) أرجوكِ أنا شخص متزوج وأب ومن عائلة عربية مسلمة ومحافظة».
تمرّ الرواية على أحداث في مصر بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، والتي تسببت في عودته إلى مدينته الرياض.
- «اللّيدي تالين - الأحساء 1912» لفوزي صادق
تتميز رواية «اللّيدي تالين» لمؤلفها فوزي صادق بأنها الرواية الوحيدة من بين الروايات الأخيرة التي تناولت شأن اليهود، في أنها تنقّب عن اليهود الذين كان يعيش بعضهم في الأحساء شرقي السعودية، وتدور أحداثها في كواليس حارة اليهود بالهفوف، في الأحساء.
الرواية من المنتظر أن تشق قريباً طريقها نحو المكتبات، بعد أن تمّ طبعها، وهي أيضاً تروي قصة حبّ فتى من الأحساء لفتاة يهوديّة.
‏تتحدث الرواية عن حارة اليهود التي قدمها العشرات من العوائل اليهودية المهاجرة والتي استوطنت الأحساء مع سيطرة العثمانيين، كما تصف مقبرة اليهود التي تقع في أرض مرتفعة خارج السور الذي يطوّق الحارة، ويوجد شريط ‏طويل من النخيل من الشمال من حارة اليهود حتى عين «أم خريسان» الشهيرة.
وخلف حارة اليهود يعيش بعض المهاجرين المنبوذين في صناديق وعشش، وهم بعض العوائل التي ليس لها أصل مثل الغجر والنساء اللاتي قدمن في السفن أو عن طريق البر، ويمنع دخولهم السور إلى البلدة القديمة أو حارة اليهود، فهم يقبعون خارج السور يعملون في مهن وضيعة كالتحميل، كما أنهم متهمون بنشر الرذيلة، ولذلك جرى وشمهم بوشم خلف الكف يميزهم حـتـى لا يختلطوا بالناس.
تقع الرواية في 320 صفحة وهي تصدر عن مركز الأدب العربي.
وصدر لفوزي صادق مجموعة من الأعمال الروائية والقصصية، مع كتب تتضمن مقالات، حيث صدرت له روايته «حريمستان»، وقبلها رواية «2012»، ورواية «أميرة إبليس»، ورواية «سري للغاية»، ورواية «عش العفاريت»، وكتاب «رسائل من كشكول الحياة».


مقالات ذات صلة

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

ثقافة وفنون «ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

نجح الكاتب اللبناني أمين معلوف، من خلال روايته الشهيرة «ليون الأفريقي»، في تقديم شخصية حسن الوزّان إلى العالم بوصفه بطلاً عابراً للحدود ورحّالةً كبيراً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

للشاعر السعودي، إبراهيم زولي، صدر مؤخراً كتاب «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، عن مجموعة «متون للنشر والتوزيع» بالقاهرة.

ميرزا الخويلدي (الدمام)
المشرق العربي قبل 6 أيام من الاغتيال... خدام قال للحريري: «غادر لبنان» فرد: «لديّ انتخابات»

قبل 6 أيام من الاغتيال... خدام قال للحريري: «غادر لبنان» فرد: «لديّ انتخابات»

غداء بيروت في 8 فبراير 2005 كما ترويه المذكرات: تحذير أخير لرفيق الحريري، ورسالة من ماهر الأسد عبر صاحب صحيفة، وحماية تقلّصت من خمسين عنصراً إلى ستة

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها.

سوسن الأبطح
كتب تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

هواري تواتي
هواري تواتي
TT

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

هواري تواتي
هواري تواتي

نجح الكاتب اللبناني أمين معلوف، من خلال روايته الشهيرة «ليون الأفريقي»، في تقديم شخصية حسن الوزّان إلى العالم بوصفه بطلاً عابراً للحدود ورحّالةً كبيراً كان شاهداً على سقوط غرناطة وتقلّبات المتوسط. غير أنّه لم يسعَ إلى كتابة سيرة تاريخية وثائقية بالمعنى الصارم؛ فقد أخذ من حياة الوزّان عناصرها الكبرى، ثم أعاد بناءها داخل عملٍ أدبي.

اليوم تكتمل الصورة بصدور كتابٍ جديد في نحو ثلاثمائة صفحة، عنوانه «يوحنا ليون الأفريقي: إنسانيٌّ عربي في النهضة الأوروبية»، لصاحبه المؤرّخ والأنثروبولوجي الجزائري هواري تواتي، مدير دراسات في «المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية» بباريس وعضو أكاديمية أوروبا. والكتاب ليس سيرةً ولا عملاً روائياً، بل هو ثمرة بحثٍ دام سنوات من أجل إبراز الدور الفكري لحسن الوزان المعروف في أوروبا بليون الأفريقي بوصفه وسيطاً بين التراث العربي والفضاء الأوروبي.

وُلد الحسن بن محمد الوزّان على الأرجح قرب غرناطة في أواخر القرن الخامس عشر، ثم حملته أسرته إلى فاس بعد سقوط المدينة سنة 1492. هناك تلقّى علومه في مدارسها، فتعلّم الفقه وأصول الدين، وتذوق التاريخ والشعر. وفي سنٍّ مبكرة، بدأ رحلاتٍ دبلوماسية حملته إلى الريف والسوس وأطراف الصحراء، ثم إلى تونس والقاهرة والقسطنطينية. وفي 1518، بينما كان عائداً من مهمّة، اعترض سفينتَه قرصانٌ صقلّي من فرسان القديس يوحنا، فاقتيد إلى روما وحُبس في قلعة سانت أنجلو. وما جرى بعد ذلك هو موضوع كتاب هواري تواتي. فالبابا لم يعرض أسيره على الزوّار كأعجوبة، بل منحه راتباً ومهمّة: أن يعلّم العربية، وأن يُستشار في اللغة والفقه وشؤون المتوسط.

يشرح الباحث أنّ روما التي نزل بها الوزّان لم تكن مدينةَ باباواتٍ فحسب، بل كانت ورشةً محمومة يُعاد فيها رسم صورة العالم. كان فيها الكاردينال إيجيديو دا فيتربو، المولع باللغات الشرقية، الذي طلب من ضيفه الأسير أن يعلّمه العربية ليقرأ القرآن في لغته الأصلية. وفيها كان الأمير ألبرتو بيو دا كاربي يبني مكتبةً شرقية، إضافةً إلى أنجلو كولوتشي (1474 – 1549)، العالِم الإيطالي وأمين أسرار البابا، وجامع المخطوطات والآثار.

في هذا الوسط، وجد الوزّان موقعه. فأقام سنة 1525 في دار الكاردينال بفيتربو بصفته معلّماً له، وراجع هناك ترجمةً لاتينية للقرآن الكريم، وعلّم العربية في بولونيا، ونسخ نصوصاً عربية لمكتبات الأمراء، وجالس المترجمين والأطباء والشعراء.

ومن هنا يبدأ الانقلاب الذي يقترحه الكتاب. فالثقافة العامة، عربيةً كانت أم أوروبية، اختزلت حسن الوزّان في عمله الشهير «وصف أفريقيا»، ذلك الكتاب الذي أنجزه سنة 1526 وظلّ قروناً مرجعَ أوروبا الوحيد عن المغرب وأفريقيا. أما تواتي فينقل مركز الثقل إلى ثلاثة أعمال أخرى أقلّ شهرة لكنها أبعد أثراً: مجموعة تراجم، ومعجم، ورسالة في العَروض.

حين وصل الوزّان إلى روما، كانت جامعات أوروبا تدرّس ابن سينا والرازي وابن رشد منذ ثلاثة قرون، وهي تجهل عنهم كلّ شيء تقريباً. لم يكن في المكتبات اللاتينية سيرةٌ واحدة لأيٍّ من هؤلاء. كان طالب الطب في بادوفا أو مونبلييه يحفظ «القانون» ويجهل متى عاش صاحبه وأين. وما تداولته أوروبا عنهم لم يكن أكثر من حكاياتٍ متناقَلة: أنّهم عاشوا جميعاً في الأندلس في زمنٍ واحد، وأنّ ابن رشد «دسّ السمّ لابن سينا بدافع الحسد».

ويتوقّف تواتي عند هذه الثغرة ليشرح سببها. فالعرب حين نقلوا علوم اليونان، نقلوا معها سِيَر أصحابها وقوائم كتبهم: «التاريخ الفلسفي» لفرفوريوس، وسيرة أرسطو المنسوبة إلى بطليموس، ورسالة جالينوس في ترتيب مؤلفاته. لقد عرفوا مَن يقرأون، وأقاموا على هذه المعرفة فنّاً كاملاً في الكتابة. أما الترجمة من العربية إلى اللاتينية فأخذت النصوص وتركت أصحابها في الظلّ. في هذا الظلّ كتب الوزّان مؤلفه «بعض الرجال المشاهير عند العرب والعبرانيين»، في روما سنة 1527.

وهو أوّل عمل أوروبي يقول للقارئ اللاتيني بوضوح: هذه الكتب التي بين يديك لها مؤلفون، ولهم مدنٌ وأساتذة ومدارس وتواريخ. فيها الفارابي والغزالي وابن رشد وابن سينا، وإلى جانبهم أعلامٌ يهود.

ولم يكن أثر هذا العمل عابراً، فقد ظلّ مرجعاً لا ينازع حتى منتصف القرن التاسع عشر. بل إنّ «الموسوعة» التي أشرف عليها ديدرو ودالمبير، وهي أشهر عملٍ فكري في عصر الأنوار الفرنسي ورمزه الأكبر، نقلت عن كتاب الوزّان أكثر من نصف ما أوردته عن أفريقيا، وأدرجت تراجمه ووصفه كما وردت، من غير تغيير يُذكر. ثلاثة قرون كانت أوروبا تروي فيها تاريخ العقل العربي بكلمات رجلٍ من فاس، من غير أن تذكر اسمه في الغالب، كما يشير الباحث الجزائري.

كانت أوروبا تروي لثلاثة قرون تاريخ العقل العربي بكلمات رجلٍ من فاس من غير أن تذكر اسمه في الغالب

أطرف ما في الكتاب بابه الخاص بـ«رسالة العَروض». فقد كان أنجلو كولوتشي من أوائل من درسوا بنية اللغات الرومانسية وأوزان الشعر في العامّيات الإيطالية، يجمع مخطوطات شعراء بروفانس وصقلّية ويقارن بينها، باحثاً عن جوابٍ لسؤالٍ شغل أدباء عصره: من أين جاءت القافية إلى الشعر الأوروبي؟ فالشعر اللاتيني القديم لم يعرفها، ثم ظهرت فجأةً عند التروبادور. فهل أخذها شعراء بروفانس عن الأندلسيين، جيرانهم من وراء البرانس؟ كان الجواب يقتضي معرفةً بالعَروض العربي من الداخل: بالبحور والزحافات والعلل، وبالفرق بين الرويّ والقافية. وهي معرفة لم تكن متاحة لأحدٍ في إيطاليا، فوجدها كولوتشي عند الوافد الجديد. ومن هذا اللقاء وُلد واحد من أوائل نصوص الوزّان اللاتينية: «رسالة في فنّ العَروض العربي»، وصلتنا في نسخةٍ نقلها ناسخ إيطالي سنة 1527.

وفي بولونيا، في يناير (كانون الثاني) 1524، فرغ الوزّان من معجمٍ عربي – عبري – لاتيني وضعه لصديقه الطبيب والمترجم اليهودي يعقوب مانتينو. ويشير الباحث إلى أنّ العمل، وإن كان مشتركاً، فإنّ الوزّان هو من حمل عبأه الأكبر: نحو خمسة آلاف وخمسمائة مادة عربية بقلمه، لا يقابلها من قلم شريكه سوى مائة وسبعين مادة عبرية ومائتين وثلاثين لاتينية. وقد بقي هذا المعجم مخطوطاً في مكتبة الإسكوريال، ولم يُطبع إلا سنة 1664 على يد المستشرق السويسري يوهان هاينريش هوتينغر؛ أي أنّ الاستشراق الأوروبي انتفع بمادّته قرناً ونصف قرن قبل أن ينسب الفضل إلى واضعه.

يرى هواري تواتي أنّ ليون الأفريقي لم يكن مجرّد جغرافي نقل إلى أوروبا أخبار أفريقيا، بل كان مثقفاً عربياً اضطلع بدور محوري في نقل المعارف بين الحضارتين العربية والأوروبية، وهو ما يدعو إلى النظر إلى النهضة لا بوصفها ظاهرة أوروبية خالصة، بل باعتبارها فضاءً تفاعلت فيه روافد حضارية متعدّدة. فالفكر الإنساني لم يكن حكراً على أوروبا، بل نشأ من تفاعل حضاري واسع أسهم فيه مفكّرون عرب. وفي الأخير، يدعو الكاتب إلى إعادة الاعتراف بهذا التراث الذي واصلت أوروبا استثماره بينما تراجعت الثقافة العربية عن بعضه.


«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي
TT

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

للشاعر السعودي، إبراهيم زولي، صدر مؤخراً كتاب «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، عن مجموعة «متون للنشر والتوزيع» بالقاهرة.

ويعتبر المؤلف أن كتابه الجديد ليس مرثيةً للورق، ولا لائحةَ اتهامٍ للشاشة، ولا خطاباً متوتراً يندب زماناً انقضى ثم يتعامل معه كأنه الفردوس المفقود، بل يرى أن الأزمنة لا تعود، والتاريخ لا يسير إلى الوراء، والحياة لا تنتظر الحالمين بالرجوع كي تستأنف حركتها. «ما يعنيني هنا ليس الدفاع عن ماضٍ ضد حاضر، ولا الانتصار لجيلٍ على آخر، بل محاولةُ النظر فيما جرى لنا، نحن الذين عبرنا من ضفةٍ إلى أخرى، أو وجدنا أنفسنا عالقين بين ضفتين: ضفةٍ كان للكتاب فيها زمنُه الخاص، وللقراءة طقسُها، وللكلمة مهابتها، وضفةٍ صار العالم فيها يُستهلك من خلال شاشة، وتُختصر الخبرة الإنسانية في تمريرٍ سريع، وتُقاس القيمة بكمّ الظهور لا بعمق الأثر».

وفي مقدمة الكتاب يضيف المؤلف: «القضية، في جوهرها، ليست قضية أدوات فحسب. ليست المسألة أن الشاشة حلّت محلَّ الورق، أو أن المكتبة انزوت قليلاً أمام المنصات. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تمسّ بنية الإدراك نفسها، شكل الانتباه، إيقاع الزمن، صلة الإنسان بلغته، علاقته بأسرته، طريقته في بناء صورته عن نفسه، ومفهومه للمعرفة، والنجاح، والظهور».

ويقول أيضاً: «هنا لا نتحدث عن جهاز جديد دخل حياتنا، بل عن بيئة كاملة أخذت تعيد ترتيب الحواس والأولويات، وتعيد كتابة اليومي على نحو يكاد يبدو طبيعياً، بل بديهياً، حتى لكأن ما حدث كان قدراً لا تاريخاً، وطبيعةً لا صناعةً بشرية».

وبحسب الكاتب، فإن فكرة هذا الكتاب، تنبع، من أن «أخطر ما في الثقافة الحديثة ليس ما تقوله بصوت عالٍ، بل ما تمرره همساً، عبر الصورة، والتكرار، والإيقاع اليومي، والعادة التي لا نشك فيها».

ويستشهد بما كتبه رولان بارت، في كتابه الشهير «أسطوريات»، حين صاغ هذه الفكرة بعبارة كثيفة قائلاً إن الأسطورة «تحوّل التاريخ إلى طبيعة»؛ أي إنها تجعل ما هو مصنوع، وتاريخي، وقابل للنقد، يبدو كأنه أمرٌ طبيعي لا يُسأل عن أصله ولا عن مصلحته. وهو يرى أن «ما تفعله المنصات اليوم، في كثير من وجوهها، قريبٌ من هذا السحر الناعم: إنها لا تفرض رؤيتها علينا بالعصا، بل تجعلنا نألفها حتى نظنها هي العالم نفسه».

وبالنسبة لعنوان الكتاب، فالمؤلف يرى أنه لا يقسم العالم بقدر ما يكشف صدعه، ويقول: «(حين اخترتُ عنوان أبناء قوقل وأحفاد المتنبي) لم أكن أبحث عن مفارقة لفظية جذابة فحسب، ولا عن مقابلةٍ بلاغية بين رمزٍ رقمي وآخر تراثي. كنت أبحث عن استعارتين تلتقطان تحوّلاً عميقاً في الإنسان العربي المعاصر». فـ(أبناء قوقل) ليسوا فئة عمرية محددة، وليسوا المراهقين وحدهم، ولا الشباب وحدهم، بل هم كل الذين أخذتهم المنصات إلى داخل نمط جديد من الوعي: وعيٍ سريع، متشظٍّ، يتغذى على التدفق، ويعيش تحت سطوة الإشعار، ويجد نفسه في مرايا الآخرين أكثر مما يجدها في عزلته الخاصة. هم أبناء عالم لا يذهب فيه المرء إلى المعرفة كما كان يذهب إلى مكتبة، بل تنهال عليه المعرفة، أو ما يشبهها، في هيئة مقاطع، وملخصات، وصور، واقتباسات مبتورة، ورأيٍ يجاور نكتةً، وخبرٍ يجاور إعلاناً، وفضيحةٍ تعلو فوق كتاب».

لكن ماذا بشأن «أحفاد المتنبي»؟، يضيف: هؤلاء «ليسوا حراساً لمتحف اللغة، ولا جماعة تعيش خارج التاريخ، ولا كائنات ورقية ترفض الزمن لأنها تخشاه. إنهم أبناء تكوين آخر: تكوين صاغته القراءة البطيئة، والإنصات الطويل، ومشقة البحث عن الكتاب، وفتنة الانتظار، والرهبة التي كانت ترافق إرسال النص إلى صحيفة أو مجلة ثم ترقب الرد بعد أيام أو أسابيع. إنهم أبناء زمنٍ لم تكن المعرفة فيه فورية، ولذلك كانت أعمق أثراً وأشد رسوخاً؛ زمنٍ كان على القارئ فيه أن يذهب إلى الكتاب، لا أن يهبط عليه الكتاب في شظايا متناثرة وسط ضجيج لا ينتهي».

يحتوي الكتاب رغم مساحته القصيرة على مقدمة واثني عشر فصلاً، حمل الفصل الأول عنوان: الآيديولوجيا في ثياب اليومي، والفصل الثاني، عنوان: أبناء قوقل: الإنسان الذي تعلّم العالم عبر الشاشة، أما الفصل الثالث، فكان عنوانه: أحفاد المتنبي: ذاكرة الورق وبطء التكوين، والفصل الرابع: من القارئ إلى المتصفّح: كيف خسرنا القراءة الطويلة؟، والفصل الخامس: اللغة بين الفصاحة والاختزال: ماذا فعلت المنصات بالكلام؟، والفصل السادس: العائلة في البيت الواحد والغربة الواحدة، والفصل السابع: اقتصاد الشهرة الفارغة: حين يسبق المؤثر الموهبة.

وحمل الفصل الثامن عنوان: الخوارزمية بوصفها محرراً: من يقرر ما نقرأ وما نرى؟ والفصل التاسع: الصورة أقوى من السيرة: تشكّل الهوية المرئية، والفصل العاشر: الأدب في عصر السرعة: ماذا تبقّى للكلمة؟ والفصل الحادي عشر: الوجه المضيء للتقنية: ما الذي أعطته المنصات ولم نكن نملكه؟ والفصل الثاني عشر: بين أبناء قوقل وأحفاد المتنبي: هل المصالحة ممكنة؟ أما خاتمة الكتاب فضمت مقالاً بعنوان: تحوّل في صورة الإنسان.


رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر