أمطار غزة تضاعف مأساة عائلة صُبح

أمطار غزة تضاعف مأساة عائلة صُبح

10 أفراد يحلمون بالحصول على أبسط مقومات الحياة
الجمعة - 27 جمادى الآخرة 1441 هـ - 21 فبراير 2020 مـ رقم العدد [ 15060]
غزة: محمد أبو دون

على مقربة من الحدود الشمالية لقطاع غزة، يقف غازي صُبح رافعاً يديه باتجاه السماء، متمنياً عدم شروق شمس جديدة عليه وعلى عائلته التي تتكون من عشرة أفراد، وتعيش في مكان لا تتجاوز مساحته الـ70 متراً، محاطة جوانبه بالخشب المُغطى بالنايلون الممزق، إلا وأحوالهم قد تحسنت وتوفرت لهم مقومات الحياة البسيطة.

يقول الرجل الذي يبلغ من العمر (36 سنة)، لـ«الشرق الأوسط»: «قبل عامين تعرضت أنا وأسرتي لظرفٍ عائلي خاص، دفعنا إلى لهذا المكان الذي أقمته على أرضٍ صغيرة اشتريتها من المال الذي كان متوافراً معي حينذاك، واستخدمت لذلك بعض المعدات البدائية فقط، وحتى الآن نعيش على الرمل مباشرة ولا يستر رؤوسنا أي سقف».

- انعدام سبل الحياة

ولدى غازي الذي يعاني من أمراضٍ مزمنة، تحول دون قدرته على الاستمرار في عمله الزراعي الشاق، ثمانية أبناء، يدرس ستة منهم في المدارس، في حين الآخرون أطفال دون سن السادسة، ويحتاجون إلى رعاية خاصة؛ كونهم دائمي الإصابة بالأمراض بسبب الظروف الصعبة التي تعيشها العائلة.

ويضيف الرجل الثلاثيني، أنه لم يستسلم للواقع الذي يعيشه ولا لحظة واحدة، وأصر على العمل لتأمين متطلبات أسرته، لكنه لم يتمكن من ذلك، بسبب شح فرص العمل في القطاع المحاصر منذ 13 عاماً، حيث إن أفضل الأيام التي يحصل فيها على شغل، يتقاضى أجراً لا يتجاوز عشرة دولارات، لا تكفي لتأمين الاحتياجات، وفقاً لقوله.

ويوضح أنه لجأ كثيراً للمؤسسات الإغاثية والجهات الحكومية، وطلب منهم تحقيق أمنيات أبنائه من توفير مسكن مناسب يقيهم تقلبات الطقس والحشرات الضارة، ولو بالحد الأدنى، لكنه لم يجد سوى التسويف ورفض الطلبات من معظمها؛ مما فاقم من معاناته ويأسه من تحسن ظروفه المعيشية.

وكثير من المواطنين في القطاع، ينتظرون قدوم فصل الشتاء حتى ينعموا بأجواء الدفء وأحاديث السمر التي يصنعونها بأنفسهم، للترفيه عن ذواتهم وعائلاتهم، كما يبين صُبح، الذي لا يتمنى هو أو أحد من أفراد أسرته هطول أي قطرة ماء؛ لأن ذلك مرتبط كثيراً بمأساتهم ومرضهم.

- غرق ومرض

وخلال فصل الشتاء الحالي، تعرض منزل العائلة للغرق، وغمرت المياه المكان الذي كان ينام فيه الصغار، وفي حينها تواصلت العائلة مع أجهزة الدفاع المدني في قطاع غزة، لطلب النجدة، لكنهم لم يستجيبوا لهم وفقاً لما قال الرجل، وطلبوا منهم الخروج منفردين إلى مكان آخر يبعدهم عن الخطر.

وتسببت المنخفضات الجوية التي ضربت فلسطين خلال الفترة الماضية، في أضرار في بعض الممتلكات المنزلية التي تمتلكها العائلة لتستخدمها في تيسير أمورها البسيطة، ومنها كان «برميل» المياه الوحيد الذي يبلغ حجمه 1000 لتر، حيث سقط بسبب الرياح الشديدة أرضاً، ولم يستطيعوا إصلاحه حتى هذا الوقت. وفي الصيف تكون العائلة على موعد مع معاناة أخرى، حيث تذكر الأم رندة صُبح (34 سنة) أن الحشرات الضارة والقوارض يكثر تواجدها كلما زادت حرارة الجو، وفي كثير من الأوقات تهاجم الصغار الذين لا يستطيعون التعامل معها، فيبدأون بالصراخ، حتى يأتي أحد الكبار لإنقاذهم.

وتروي أن عربيداً ساماً، يبلغ طوله نحو متر ونصف المتر، هاجم ابنها الصغير الذي لا يتجاوز عمره السنوات الثلاث بينما كان غارقاً بالنوم ليلاً في ظلَ ظلام دامس تسبب به انقطاع التيار الكهربائي والإنارة عنهم: «ولولا لطف الله وملاحظة أخيه الأكبر لذلك العربيد، لأصاب الطفل بسمه الخطير آنذاك». ولا تمتلك العائلة اشتراكاً كهربائياً رسمياً تتمكن من خلاله من الإنارة على نفسها في الليل أو حتى تشغيل الثلاجة التي تبرع لهم بها أحد الجيران، ويلفت الأب إلى أن شركة توزيع الكهرباء، خالفته أكثر من مرة، وطلبت منهم تنظيم أوراقه رسمياً، إلا أنه لم يتمكن من فعل ذلك، بسبب عدم امتلاكه لأي مال.

- حلم بسيط

الطفلة سجى صُبح، تبلغ من العمر (12 سنة)، تسرد لـ«الشرق الأوسط»، أنها خلال العامين الماضيين لم تعش أي يوم سعيد في حياتها، وهي دائماً ما تتعرض للتنمر في المدرسة من الطالبات، بسبب لباسها القديم وحذائها المهترئ؛ الأمر الذي يؤثر كثيراً على نفسيتها وتحصيلها الدراسي. وتشير إلى أن مداومة أسرتها على إشعال النار لاستخدامها بديلاً عن الغاز في كل أوقات العام، تسبب لها في الكثير من الحروق في جسدها، وقد باتت في إحدى المرات يومين في مستشفى «الإندونيسي» الواقع شمال قطاع غزة، بسبب الحروق الخطرة في جسدها.

وتؤدي الطفلة التي لا تحلم سوى بحياة آمنة كغيرها من الأطفال، عدداً من الأدوار داخل المكان الذي تعيش به، لمساعدة أمها وشيقتيها الكبرى وإخوانها، الذين باتوا جميعهم يعانون من الأمراض في سنٍ مبكرة، ولا تحمل سجى بيدها أي «مصروف» لدى ذهابها للمدرسة بشكل يومي، حسب كلامها.

يُشار إلى أن اللجنة الشعبية لكسر الحصار، كانت قد أعلنت في آخر تقاريرها، أن 70 في المائة من السكان في قطاع غزة، يعانون من انعدام الأمن الغذائي وعدم توافر مقومات الحياة الأساسية، وحسب بيانات وزارة التنمية الاجتماعية، فقد بلغت نسبة الفقر في القطاع، نحو 75 في المائة.


فلسطين الطقس

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة