غير بعيد عن «دار الصويري»، حيث تستعيد الموسيقى الأندلسية كامل بهائها وقيمتها الفنية والتاريخية مع فنانين مغاربة، من الديانتين الإسلامية واليهودية، ضمن فعاليات مهرجان «الأندلسيات الأطلسية» في دورته الـ11. يحتضن فضاء العرض بـ«برج باب مراكش» التاريخي معرضا تشكيليا، تحت عنوان «مطروز أندلسي»، بمشاركة 11 فنانا، يتحدر أغلبهم من «مدينة الرياح»، هم محمد السنوسي وسعاد عتابي ومصطفى بومزوغ ورومان لازاريف وعبد الرحيم حربيدة ومحمد منتصر وأمينة بوخبزة وسليمان الدريسي ومحمد تفردين وأمين شرادي وعزيز أوموسى.
وقال عبد الرحيم حربيدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد الفنانين المشاركين، فضلا عن الموضوع المحرك للمعرض، يأتي متناغما مع برنامج وتوجه الدورة الـ11 من مهرجان «الأندلسيات الأطلسية»، مبرزا أن المعرض يشكل بداية عمل لعدد من الفنانين ضمن «مجموعة الصويرة موغادور للفن والإبداع»، هدفها جمع شتات الفنانين الصويريين، حتى لا يبقى اشتغالهم فرديا وحكرا على الرسم، بل المساهمة، أيضا، في الإشعاع الثقافي بالمدينة وضمان أفضل شروط العمل الفني.
وعن طبيعة مشاركته في المعرض الجماعي، قال إنه عبر عن موضوع المعرض بعدد من الرسومات، بينها لوحة «مطروز أندلسي»، التي تستوحي فسيفساء الفن وعمارة البيوت المغربية، من جهة أن الموسيقى وعبق التاريخ يجدان لهما امتدادا في حياة المغاربة، بشكل عام.
وتوقف حربيدة عند قيمة فضاء العرض، واعتبره أحد أفضل أماكن العرض الفني بالمغرب، سواء من جهة قيمته التاريخية، أو هندسته التي تتضمن قاعات متفرقة، تبرز قيمة ما يعرض.
من جهته، ربط أمين الشرادي موضوع المعرض الجماعي بمشاركته كفنان صويري، فقال إنه اشتغل على مواضيع قريبة من الموسيقى التراثية الصوفية العريقة. وعن مدى تأثره بالمناخ الفني الذي يميز الصويرة، قال الشرادي إن الفنان ابن بيئته، وإنه يجد نفسه قريبا من هذه البيئة، بتاريخها وأعلامها، وهو ما يُلاحظ في اشتغاله على الرموز والمعالم الأثرية والموروث الشعبي الخاص بالمدينة، مشيرا إلى أنه تأثر، في بداياته الفنية، ببوجمعة الأخضر، أحد الأسماء التي اشتهرت في المجال التشكيلي بالصويرة، إلى جانب الحسين الميلودي والركراكية، وغيرهما، مبرزا أنه حاول الخروج بأسلوب خاص به، غرائبي وأسطوري يجد فيه راحته، ويعبر به عن أفكاره الفنية.
وتعج الصويرة بالتشكيليين والكتاب والموسيقيين، وبفضل فنانيها، أصبحت المدينة أحد المراكز المهمة في الحركة التشكيلية المغربية المعاصرة، الشيء الذي جعلها تزخر بالقاعات، التي تعرض لوحات كبار الفنانين، معظمهم من أبناء المدينة، الذين اشتهروا بفنهم الفطري.
وعن علاقة المعروضات بمكان العرض، قال الشرادي إن «برج باب مراكش» يلعب دورا مهما في تقديم أعمال الفنان، ممثلا لذلك بأعماله التي تستند على الرموز والأقواس ومآثر المدينة.
ويشكل فضاء العرض التاريخي، الذي يرجع بناؤه، حسب عدد من الكتابات التاريخية، إلى القرن الـ18، تحفة تاريخية بقيمة فنية تجعل الزائر يتيه بين المعمار الفريد لمكان العرض، وما يتم عرضه فيه من فن تشكيلي.
ويعد «برج باب مراكش» إحدى البنايات الأثرية التي تبرز الغنى التاريخي والحضاري لمدينة الصويرة. ورغم أن الأبحاث الأركيولوجية التي أجريت بجزيرة «موغادور»، قرب مدينة الصويرة، أكدت وجود مرفأ تجاري فنيقي إغريقي روماني، وأن «موغادور»، الاسم القديم للصويرة، أتى من الاسم الفنيقي «ميغدول»، الذي يعني «الحصن الصغير»، فإن العهد العلوي يعد عهد التأسيس الحقيقي للمدينة، الذي يعود إلى 1760، السنة التي تتزامن مع إنشاء السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث).. (1710 - 1790) ميناء الصويرة، الذي فُتح في وجه التجارة الخارجية بغية تطوير المغرب لعلاقاته مع أوروبا. وكان من بين مقتضيات أمن المغرب، في مفهوم هذا السلطان العلوي، تحصين الثغور والمدن الرئيسية الساحلية، الشيء الذي جعله يكثر من بناء الأبراج والحصون.
ويعد «برج باب مراكش» واحدا من الحصون الدفاعية المهمة التي شُيِّدت لحماية المدينة والميناء من أي هجوم من الشرق والجنوب الشرقي، لذلك تم تدعيمه، وقتها، بعشرات المدافع. ويبلغ قطر البرج 35 مترا، فيما تصل مساحته إلى 980 متر مربعا، كما يمكن أن يكون وُظّف لتخزين المؤن والأسلحة، وهو يتميز بالصلابة والمتانة، إذ بُني بالحجارة المنجورة، وهي التقنية الأوروبية المستعملة في كامل البنايات الأثرية بالمدينة، كما يتوزعه مدخل بممرين متعرجين متناظرين يفضيان إلى السطح، حيث توجد 3 قباب.
ونقرأ في وثيقة تقديمية، تعود لوزارة الثقافة المغربية، معلقة في مدخل البناية، أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار التواريخ التي دونت على شواهد القبور، فقد تم تشييد البرج على عهد السلطان مولاي عبد الرحمن، سنة 1846. أي بعد عامين من الحصار والقصف الذي عرفته مدينة الصويرة من قبل الأمير «دي جوانفيل» عام 1844. وهو الهجوم الذي وقع بالتزامن مع معركة «إيسلي»، في شرق المغرب، التي جرت يوم 14 أغسطس (آب) 1844، وانتهت بانتصار الفرنسيين وفرضهم شروطا قاسية على المغرب، أهمها اقتطاع فرنسا لبعض الأراضي المغربية، وفرضها غرامة مالية على المغرب، ومنعها المغاربة من تقديم الدعم للجزائر، كما اشتهرت، في كتب التاريخ، باتفاقية «للا مغنية»، وقد وقّعت سنة 1845.
ولكن، وطبقا للنقوش وخطاطات عدد من المهندسين والطوبوغرافيين الأوروبيين، فإن «برج باب مراكش» كان موجودا بالفعل خلال فترة حكم السلطان سيدي محمد بن عبد الله، مؤسس المدينة.
وعرف البرج، الذي أصبح فضاء ثقافيا، بعدما كان حصنا عسكريا، تحولات كثيرة على مدى التاريخ الحديث للمغرب، حيث استُخدم مربطا لخيول جنود الاحتلال الفرنسي بالمدينة، قبل أن يتم التخلي عنه خلال خمسينات القرن الماضي، ليخصص، خلال العقدين الأخيرين من القرن نفسه، لاحتضان بعض التظاهرات الفنية والحرفية.
وعرفت البناية تحولا مهما، خاصة في 2007، حيث تم ترميمها وإعادة تأهيلها من طرف وزارة الثقافة، وذلك بناء على طلب فنانين وفاعلين ثقافيين وجمعيات بالمدينة.
وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) قد اهتمت بالصويرة وأولتها عناية كبرى، خاصة فيما يتعلق بترميم جدرانها وبناياتها التاريخية، وبينها «برج باب مراكش». ونقرأ في نصب تذكاري يتوسط المدينة: «بناء على الاتفاقية المتعلقة بحماية التراث الثقافي العالمي تم تسجيل المدينة التاريخية للصويرة ضمن لائحة التراث العالمي. إن هذا التصنيف يرسخ القيمة العالمية الاستثنائية لهذا الإرث الثقافي، وذلك حفاظا عليه لفائدة الإنسانية جمعاء. الصويرة نموذج استثنائي لمدينة مُحصّنة من القرن الـ18 بُنيت بشمال أفريقيا وفق مقاييس الهندسة العسكرية الأوروبية المعروفة في تلك الفترة، ومنذ إنشائها، ظلت المدينة ميناء تجاريا دوليا متميزا يربط المغرب والمناطق الصحراوية المجاورة بأوروبا وباقي بقاع العالم».
معرض تشكيلي تحت عنوان «مطروز أندلسي».. في الصويرة المغربية
بهدف مساهمة الفنانين في الإشعاع الثقافي بالمدينة
من أعمال الفنان التشكيلي أمين شرادي («الشرق الأوسط»)
معرض تشكيلي تحت عنوان «مطروز أندلسي».. في الصويرة المغربية
من أعمال الفنان التشكيلي أمين شرادي («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

