«حتى نهاية الزمان»... كيف نضفي معنى على تجربتنا البشرية؟

كتاب جديد لبرايان غرين يطرح فيه موضوعات فلسفية في سياق تناول مفاهيم فيزيائية

برايان غرين
برايان غرين
TT

«حتى نهاية الزمان»... كيف نضفي معنى على تجربتنا البشرية؟

برايان غرين
برايان غرين

ينشر يوم 18 من هذا الشهر كتاب للفيزيائي اللامع برايان غرين، صاحب أكثر الكتب مبيعاً، ومنها كتابه الشهير «الكون الأنيق». والكتاب الجديد بعنوان «حتى نهاية الزمان: العقل والمادة وبحثنا عن معنى في كون متطور». وهنا قراءة في الكتاب:
مَنْ هم الفلاسفة الحقيقيون في عصرنا هذا الذي يوصف بعصر موت الفلسفة؟ سيكون أمراً متوقعاً إذا تباينت الإجابات والأفكار بهذا الشأن، إنما هناك قناعة باتت تترسخ بأن الفيزيائيين (والرياضياتيين كذلك) هم الوحيدون الجديرون ليوصفوا بكونهم فلاسفة حقيقيين. وتتأسّسُ هذه القناعة على فكرة مفادُها أنّ الفلسفة هي في جوهرها مساءلة للموضوعات الكبرى في الكون، واستكشاف التأصيل الفكري الممكن لكلّ من الكينونات الثلاث الكبرى بحسب ترتيبها المنطقي: الكون، والحياة، والوعي. وقد تقنّعت هذه الموضوعات الثلاثة تحت تسميات وتوصيفات كثيرة منذ عصر بداية الفلسفة الإغريقية حتى انتهت في يومنا هذا لتتجوهر في هذه الثلاثية الإشكالية.
وشهدت العقود الثلاثة الأخيرة طفرة نوعية في المؤلفات التي تتناول هذه الثلاثية المعرفية من قبل فيزيائيين صاروا يعدّون في طليعة الفلاسفة الفاعلين في المشهد الفكري العالمي، ويمكن تعداد بعض الأسماء المهمّة المؤثرة في هذا الشأن: كارلو روفيلي، وشين كارول، وماكس تيغمارك، ونِك بوستروم، وماركوس دو سوتوي، وبول ديفيز، وميتشيو كاكو،... إلخ. ولا يمكننا هنا إغفال أحد الأسماء المهمّة في هذا الميدان: بريان غرين.
وقفز اسم بريان غرين (Brian Greene)، أستاذ الفيزياء والرياضيات في جامعة كولومبيا الأميركية العريقة، إلى طليعة أفضل الكُتّاب العلميين عقب نشر كتابه الذائع الصيت «الكون الأنيق» (The Elegant Universe) الذي حقّق نجاحاً كبيراً، وتصدّر قائمة أفضل الكتب مبيعاً لأسابيع عدّة، ثمّ تتالت النجاحات التي نالتها كتبه الأخرى: «نسيج الكون» (The Fabric of the Cosmos)، و«الواقع الخفي» (The Hidden Reality)، وأخيراً كتابه الذي سيصدر بعد أيام، وعنوانه «حتى نهاية الزمان: المادة والعقل وبحثُنا عن المعنى في عالم متطوّر» (Until the End of Time: Mind، Matter، and Our Search for Meaning in an Evolving Universe).
ويعمل بريان غرين، البالغ من العمر 56 سنة، بالإضافة لأستاذية الفيزياء والرياضيات، مديراً لمركز جامعة كولومبيا للفيزياء النظرية، ويعدُّ أحد الفيزيائيين الطليعيين المناصرين لـ«نظرية الأوتار» (String Theory) التي يعتقد كثير من الفيزيائيين بأنها ستمثّل المقاربة الصائبة لتحقيق التوحيد المرتجى للقوى الفيزيائية المعروفة.
ويتمايزُ هذا الكتاب جوهرياً عن كتب بريان غرين الأخرى، فهو أكثر مساءلة للموضوعات الفلسفية في سياق تناول المفاهيم الفيزيائية، وقد توسّع المؤلّف في ذائقته الفلسفية، فتناول موضوعات على شاكلة: تطوّر اللغة وعلاقته بالوعي البشري، والدين في عالم متغيّر، والسياسة والعلم والتقنية وصناعة القرارات ذات المفاعيل العالمية، وتعليم العلم في القرن الحادي والعشرين، وهو ما يمنح هذا الكتاب مواصفاتٍ أراها مسوّغة للإقرار بأفضليته وتفوّقه النوعي على الكتب الأخرى -ذات الطبيعة الفيزيائية التقنية المحضة- التي كتبها غرين، وفي الوقت ذاته هو السبب الذي جعل هذا الكتاب أكثر بدانة من الكتب الأخرى (448 صفحة، بسطور متقاربة وكلمات صغيرة مرصوصة رصاً). لكنّ الفائدة والمتعة المرجوّتين من هذا الكتاب تعادلان كلّ عناء القراءة والتنقيب والبحث الفيزيائي المشوب بمطيّبات فلسفية مستساغة.
وتُعدُّ ثنائية (المعنى - الغاية) موضوعة لطالما ظلّت تمثّل إشكالية على كلّ الجبهات المعرفية (فكرية، وفلسفية، وعلمية، وجودية). فمنذ بداية النهضة العلمية والتأسيس المعلن للعلم الفيزيائي، سادت قناعة (ميتافيزيقية الطابع) بأنّ المعنى كامنٌ في الغاية، ومشروط بوجودها، وقد صارت مشروطية ارتهان المعنى بالغاية عنواناً عريضاً لعصر التنوير الأوروبي، مثلما صارت ميداناً لمباحث فلسفية كثيرة أرادت جعل موضوعة (الغائية) مقترنة بكمال وجمال الوجود الإنساني، حتى على صعيد العلم الطبيعي، ويمكن في هذا الميدان أن نشهد كيف تحولت الفلسفة الديكارتية إلى نمط اختزالي ميكانيكي يجعل الموجودات (بدءاً من الكائن البشري حتى الكون) محكومة بقوانين ميكانيكية محددة تنقاد للفيزياء النيوتنية التي عُدّت في نهاية المطاف المثال الأكمل والأسمى في كيفية اقتران المعنى بالغاية.
إذن، كل الأشياء موجودة من أجل غاية محددة خليقة بخلع معنى متّسم بالمهابة والجلال، ويشي بالقدرة الخلاقة للصانع الأمهر (الإله كلي القدرة)، وقد أبدى العلماء من جانبهم انبهاراً -لم يلبث أن تعاظم مع الأيام- بالصياغات الرياضياتية المحكمة التي جاءت بها الميكانيكا النيوتنية التي صارت مسك ختام العلم الطبيعي، وأيقونته العصية على البلى أو الاندثار. وظلّ الأمر على هذا المنوال حتى بدايات القرن العشرين، وانبثاق الميكانيكا الكمومية التي قلبت الأسس الفلسفية للعلم الفيزيائي.
قد لا يُبدي بعض المنافحين عن وجود معنى للحياة، مقترن شرطياً بغائية فيها، ولعاً بالتفاصيل الفلسفية والرياضياتية والفيزيائية؛ لذا نراهم يحاججون بتلك الحجة اللاهوتية الأزلية: كيف يمكن تصوّر العيش في عالم غير ذي غاية ولا معنى؟ وهل ثمة إمكانية لوجود أخلاقيات في مثل هذا العالم؟ هم يسعون في طلب مرجعية أخلاقياتية في مكانٍ ما من العالم (أو الكون)، لكنّ التفكّر الوجودي والفلسفي سيقودنا في النهاية للاقتناع المُسبب بأن المرجعية إنما تكمن في دواخلنا نحن -لا غيرنا- من يصنعها ويشكّلها تبعاً لرؤيتنا الفلسفية وتوجهاتنا العلمية ومحرّكاتنا الأخلاقية.
ويناقش المؤلف في الكتاب -وباستفاضة مدهشة- الكيفية التي انبثقت بها الحياة البشرية عقب سلسلة متتابعة من الوقائع الكمومية الضخمة التي تعود إلى بدايات الانفجار العظيم. وعندما ندرك هذه الحقيقة التي ترى أنّ العقل والحياة إنما هما محض ظاهرتين عابرتين بالمقياس الكوني، فسندرك حينها الأهمية العظمى لمسعيين أساسيين في هذه الحياة: الأول أن نحاول بأعظم ما نستطيع من جهد ترك ميراث نبيل لنا بعد غيابنا، والثاني هو الإيمان بأن كلّ فردٍ فينا إنما أعطِي فرصة عظيمة ومدهشة لاختبار الحياة، ولا ينبغي تحت أي سبب أو ذريعة نسيان هذه الفرصة العظيمة التي سرعان ما ستنطفئ في لجّة الزمان الكوني.
إنّ فهم الكيفية التي تناغمنا بها مع الصورة الكونية الأشمل يظلّ دوماً مصدر فائدة عظمى، وإذا ما فهمنا هذا التناغم الممتد من الانفجار الكبير حتى نهاية التخوم الزمنية التي يمكن أن ينتهي معها الكون -وحياتنا كذلك- فسيقودنا هذا الأمر إلى إعادة تشكيل مفهومنا عن المعنى والغاية في الحياة: سندركُ أن ليس ثمة جوابٍ نهائي يجوبُ أعماق الكون منتظراً من كائنات بشرية مثلنا أن تكتشفه، بل إن معرفة حكاية السردية الكونية سترفع عنّا عبء البقاء مأسورين لذلك الهاجس الكوني اللحوح، وسيدفعنا في الوقت ذاته لتطوير أسبابنا الذاتية العميقة لموضوعة الغاية من وجودنا البشري، والتفكّر الحثيث في تلك الموضوعة مع كلّ طور ارتقائي في حياتنا.
ليس بالعلم وحده يحيا الإنسان، هذا ما يؤكّده المؤلّف عندما يتناولُ موضوعة (الدين)، وهو يرى عسفاً راديكالياً وأصولية علمية من جانب بعض العلماء عندما يسائلون الدين على أساس كمّ المعلومات الحقيقية التي يمكن أن يقدّمها لنا في فهم الواقع الموضوعي. وليس هذا من الإنصاف أو المروءة لأعلى الصعيد القيمي أو البراغماتي، إذ تكمن فائدة الدين -بعيداً عن مواضعاته اللاهوتية- في قدرته على تحفيز نوعٍ من حسّ الانتماء الجمعي عبر رؤية حيواتنا في سياق كوني أكبر من النظرة الفردية الضئيلة، وتسكين مخاوفنا المتأصّلة تجاه حتمية الفناء والموت. ويورد المؤلف العبارة التالية في هذا الشأن: «عندما أتفكّرُ في سعيي الدائم لفهم ذاتي -باعتباري كائناً بشرياً- ولفهم الكيفية التي تتناغم بها كينونتي البشرية مع السلسلة الطويلة من الثقافة الإنسانية التي تمتدّ آلاف السنوات في عمق التاريخ البشري، فإنّ الدين جزء حيوي مفيدٌ للغاية في تلك الحكاية».
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أنّ مثل هذه المساءلات الجوهرية للموضوعات الكبرى (الكون، والحياة، والوعي) إنما تنشأ منذ بواكير الطفولة؛ وبهذا تكون الطفولة مصدر التنوير والشغف المعرفي الذي ينبغي الانتباه إليه وتطويره. ويعترف بريان غرين: «منذ أن كنتُ طفلاً، تلبّسني ولعٌ عظيم في التفكير بهذه الأسئلة: لم أفكّر بـ(لماذا أنا هنا؟)، بل بـ(كيف جرى الأمر لأكون هنا؟)، ولم أفكّر بـ(لماذا يوجد كونٌ؟)، بل بـ(كيف حصل الأمر ليكون الكون على ما هو عليه؟). إنّ مثل هذه الأسئلة تقودك حتماً إلى قلب الفيزياء». ويكمن معنى الحياة وغائيتها في عقولنا وأرواحنا فحسب: هذا هو ما تعكسه هذه الأسئلة الجوهرية لطفلٍ يافع عبر التفكّر في سؤال (كيف؟)، بدلاً من سؤال (لماذا؟).
كتابُ غرين هذا هو أقربُ ليكون جولة رائعة يحكي لنا فيها المؤلّف كيف انبثقت الحياة والعقل من الفوضى الأولى، وكيف نخلعُ معنى على تجربتنا البشرية بوسائط عدّة: السرديات الكبرى (قصّة الخلق)، والأسطورة، والدين، والإبداع الخلّاق، والعلم، والأنساق الثقافية، والسعي الحثيث وراء الكشف عن الحقيقة، والتوق الغلغامشي إلى المطلق الخالد الأبدي.
بقي أن أقول: لا بد لهذا الكتاب (وأمثاله من أدبيات الثقافة الثالثة) أن يعطى أسبقية في الترجمة، بقصد إشاعة هذه الثقافة في أوساطنا العربية، وتحبيبها إلى القرّاء الشغوفين، وتشجيعهم على قراءتها وجعلها عنصراً إثرائياً لا غنى عنه في ثقافتهم العامة.
- كاتبة روائية مترجمة عراقية مقيمة في الأردن


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!