توفيق صايغ منفياً قبل الموت منسياً بعده

شاعر الخسارات المتتالية والعراك الضاري مع اللغة

توفيق صايغ
توفيق صايغ
TT

توفيق صايغ منفياً قبل الموت منسياً بعده

توفيق صايغ
توفيق صايغ

ليس الشعر في جوهره سوى تعبير مكثف ورمزي عن سوء التفاهم العميق الذي يحكم علاقة الشعراء بأنفسهم وبمحيطهم الخارجي، وبالحياة بوجه عام. لذلك فإن المصائر التراجيدية للشعراء والمبدعين ما هي إلا المحصلة الطبيعية لتبرمهم بالواقع، وخروجهم على السائد، سواء تعلق الأمر بالسياسة والاجتماع ونظام القيم، أو باللغة نفسها.
هكذا يبدو كل شاعر حقيقي بمثابة مزيج متفاوت النِّسب من بروميثيوس وسيزيف، حيث حُكم على الأول بجعل كبده طعماً للنسور، لأنه سرق النار من الآلهة وأعطاها للبشر. فيما كان على الثاني، بسبب خداعه للآلهة، أن يرفع إلى أعلى الجبل الصخرة التي لا تكف عن الإفلات من بين يديه كلما شارف على بلوغ القمة. وإذا كان في تجربة كل شاعر ما يتصل بهذا البعد التراجيدي، فإن توفيق صايغ يجسد، عبر حياته وسيرته وشعره، الأنموذج الأكثر تعبيراً عن غربة الشاعر وانفصاله عن محيطه وصراعه العبثي مع أكثر من تنّين. فمنذ صباه المبكر بدا صايغ وكأنه شريد المنافي المتعددة التي حملته من الجنوب السوري، حيث ولد، إلى وطنه الأصلي فلسطين، ومن ثم إلى لبنان، فبريطانيا وأميركا، حيث عاش سنواته الأخيرة، رغم أن ولاءه الأعمق كان لفلسطين التي غادرها قسراً بفعل النكبة. في حين أن المرأة التي أرادها ملاذاً وحبل نجاة يعصمه من وطأة التيه وخيانات البشر، ما لبثت أن قادته بدورها إلى المزيد من المرارة والخذلان. أما ثالثة الأثافي فقد تمثلت في إصداره لمجلة «حوار» التي تبين فيما بعد، ودون علم من الشاعر على الأرجح، أنها ممولة من وكالة المخابرات الأميركية، الأمر الذي ألب عليه الأصدقاء والأعداء، ليعود إلى بيركلي في الغرب الأميركي، ويموت في مصعد المبنى الذي يسكنه إثر نوبة قلبية مباغتة.
لم يكن توفيق صايغ غزير الإنتاج على الصعيد الشعري البحت، إذ إن تجربته الشعرية اقتصرت على ثلاثة أعمال، هي «ثلاثون قصيدة» و«القصيدة ك» و«معلقة توفيق صايغ»، فضلاً عن بعض القصائد التي جُمعت لاحقاً تحت عنوان «صلاة جماعة ثم فرد»، أو تلك التي عثر عليها محمود شريح وأصدرها تحت عنوان «التوفيقيات المجهولة»، وهي عبارة عن نصوصٍ ستة غير مكتملة، ولا تحمل أي قيمة فنية حقيقية. ولعل أول ما يستوقفنا في باكورة توفيق الشعرية «ثلاثون قصيدة» هو التقديم المفعم بالتقريظ الذي خص به سعيد عقل صديقه الشاعر، رغم الموقف العدائي الذي لم يكفّ صاحب «قدموس» عن الإفصاح عنه تجاه الحداثة الشعرية العربية، وقصيدة النثر على نحو خاص. والأرجح أن عقل كان في قرارته يمتدح المجموعة بوصفها نثراً فنياً محكم الصياغة، رغم أن العنوان الذي وُضع لها يشي بغير ذلك. وبمعزل عن طابع المجاملة الذي كان يحكم الكثير من مقدمات سعيد عقل لأعمال أدبية مختلفة، فأغلب الظن أنه وجد في باكورة صديقه ما يتواءم مع لغته الباذخة والمقطّرة من جهة، ومع خلفيته اللاهوتية، من جهة أخرى. هكذا لا يتوانى صاحب المقدمة عن القول «إن كتابه لا ليُقرأ. إنه ليغدو خلجات فيك، ودماً دافقاً وناراً. إنه مزيج من شبق ولاهوت، من كشفٍ علمي وخطيئة وبراءة ملائكية أولى». أما الأمر الآخر الذي يصعب القفز عنه، فيتعلق بإغفال النقد العربي لريادة صايغ في كتابة قصيدة النثر، رغم أن 6 سنوات كاملة تفصل باكورته الشعرية عن مجموعتي أنسي الحاج «لن»، ومحمد الماغوط «حزن في ضوء القمر». وبصرف النظر عن الطابع الإشكالي لتجربة صايغ وأسلوبه اللذين لقيا حماساً لدى البعض وفتوراً لدى البعض الآخر، فإن إخراج الشاعر من ريادة قصيدة النثر العربية ليس سوى ضرب من ضروب العسف، والتنكر غير المبرر للحقيقة.
إن المتتبع لسيرة توفيق صايغ ونتاجه الإبداعي لا بد أن يقف على المفارقات المأزقية التي تحكم حياته برمتها، وهو الذي يتصارع في داخله الملاك والشيطان، السماوي والأرضي، والفضيلة مع الإثم. وإذا كان الجانب الروحي من شخصية صايغ وتجربته، عائداً إلى تربيته الطهرانية، وهو ابن قس مسيحي بروتستانتي، فإن الجانب الحسي الشهواني يتصل بنزعته المضادة للتمرد على السائد، بقدر ما هو ردة فعل على خيبات أمله وتحطّم أحلامه. وهذا الانشقاق المرير بين الخيارين نرى تمثلاته في «ثلاثون قصيدة»، حيث لا يكف الشاعر عن إظهار تمزقه الدامي بين الديني والدنيوي. ففي الجانب الأول يتحول الشعر إلى نوع من الابتهال والأدعية والمناجاة التي تذكّر بالمزامير: «أعرف أنني ملوم\ وأراكَ خلعتَ عليَّ رداءك قاضي\ وقلبْتني الخصمَ الذي ظننتُه فيك\ أنت وصمتني\ وتعيينك منفاي لي\ لرضاك علي\ وفي حَجْبك الكفّارة عني\ وقولك: اسْع إلى كفارتك\ حيّرتني إلهي\ حيرتي تشفع لي». وفي الجانب الثاني، يذهب الشاعر إلى الخانة المضادة، ويجد في المتع الحسية خلاصه الأنجع: «أيتها المهرة البيضاء\ أيتها المهرة القوية الغنوج\ صهيلكِ أنغامٌ وتراتيل\ سمعتها تهلّل لي في السرير\ ألف منخاسٍ في ظهرك يئنّ.. \ معاً نرود الأفق القصي \ ودارة اللذة النديّة\ وقّعي حركاتكِ على نغمٍ متوحش\ أضجّ به وتضجين».
وليس صدفة أن تحتل المرأة والحب الحيز الأكبر من شعر توفيق صايغ. ذلك أنه، بفعل ضياع وطنه الأم وتنقله بين المنافي وتعرّضه الدائم للخيانات والمكائد، كان يبحث من خلالها عن الكنف والملاذ والحضن الدافئ الذي يعصمه من اليأس والانكسار. ومع أن علاقته بالمرأة لم توفر له الاستقرار الذي ينشده، ولم تكن وردية في جميع الحالات، فهو لم يكف عن مطاردة صور الأنوثة وظلالها عبر غير حالة ونموذج، وهو ما نتبينه بوضوح في كتاب الناقد محمود شريح المميز «توفيق صايغ... سيرة شاعر ومنفى». أما نصوصه الشعرية فتعكس بدورها الطابع الإشكالي لعلاقته بالمرأة التي تبدو رومانسية حيناً وجسدية حيناً آخر. وقد يتحول الشعر أحياناً إلى نثر عادي، حين يخاطب صايغ حبيبته الخائنة بالقول: «خدعْتِني فلم أبالِ\ لأنك انتقيتِ، يوم بحثت عن حبيبٍ، صديقي». لكن العلاقة العاطفية المحورية في حياة صايغ هي من دون شك علاقته بالفتاة البريطانية كاي، التي اختزل الشاعر اسمها بالحرف «ك»، وتمحورت حولها مجموعته الشهيرة «القصيدة ك»، حيث لا الحب العاصف ولا اللقاء الجسدي أمكنهما أن يردما ذلك الشرخ الحضاري الهائل الذي يفصل بين الرجل العاشق والمرأة المعشوقة. وقد أسهمت «ك» إلى حد غير مسبوق في استنزاف حيوية الشاعر وإيصاله إلى ذرى الألم وذرى الكتابة، وفق صديقه رياض نجيب الريس. ولذا لا يملك صايغ سوى أن يسأل بحرقة «ماذا أفعل بك عندما أصطادك؟ أأجرّك وأعود بك إلى بيتي الذي انطلقتُ منه في إثرك؟\ ويقينٌ بداخلي أن لا بيت لي\ ولا قفصَ لكِ أو سياج». كما تتكرر في «معلقة توفيق صايغ» فكرة البحث عبر المرأة عن وطنٍ أصلي أو أرض ميعادٍ بديلة، حيث يهتف الشاعر قائلاً: «الناس من حولنا يتصايحون يولولون\ وأنا لا أحس إلا بك\ بأن بلداً لم يحترق\ وبلداً لم يوصد بوجه أبنائه أبوابه\ ما دام ذراعاكِ يلفّانني\ غافلٌ لا أحسّ بغير النار\ فمي على صدرك يستدرّ الحب والرحمة\ وعيناي ورائي تتملّيان الرعب». ولا بد من الإشارة هنا إلى إلحاح صايغ على ابتكار أسلوبه الخاص وسط أقرانه ومجايليه، هو الذي دفعه على الأرجح إلى البحث عن رموزه الخاصة به، حيث وجد ضالته في أسطورة الكركدن، أو وحيد القرن، الذي يقوده سعيه الدائم خلف فتاة عذراء إلى حتفه المأساوي، والوقوع في قبضة الصيادين.
أما على المستوى الأسلوبي والفني، فتبدو تجربة توفيق صايغ غريبة بدورها، وشبه منبتة عن السياقات الحداثية المماثلة لدى الرواد المؤسسين. فهو إذ يجانب العبارات الطويلة السيالة والتدفق الغنائي التلقائي، يحرص بالمقابل على صياغة جمل محكمة ومتينة السبك، دون أن يجهد نفسه في إخفاء شبهة التأليف والكدح الأسلوبي. وهو ما دفعه، على طريقة سعيد عقل، إلى استمراء الاشتقاقات اللغوية واللعب بالضمائر، من مثل «وهبتكها» و«عرّفتكها» و«بحْلقتها» و«آكلناك»، أو رفد معجمه الشعري الخاص بالكثير من المفردات المحكية المتداولة، من مثل «تتقربط» و«تشحشطتُ» و«حسْمستُ» وغيرها. كما أن غياب الوزن التقليدي عن أعمال الشاعر، لا يمنع القارئ المتفحص من أن يلاحظ الحضور القوي للإيقاع في هذه النصوص، سواء عبر التناظر الإيقاعي شبه المتساوي بين الجمل، أو عبر المغالبة مع الأوزان التي لا ينجح صايغ على الدوام في تجنبها، كما في قوله «ثم ماذا يقْلب الملهاة مأساة»، وهو على بحر الرمل، أو قوله «أسرعي أسرعي، يا خيول الظلامْ»، وهو على «المتدارك»، بما يُكسب التساؤل عما إذا كان تجاوز الشاعر لبحور الخليل قد تم عن إرادة واعية لا عن جهل بها، مشروعيته التامة. أما التركيب الخاص للجمل في شعر صايغ، كتقديم المفعول به على الفاعل، أو الخبر على المبتدأ، فلعله عائد إلى نشأته الدينية، وتأثره بلغة الكتاب المقدس ولغة الأناجيل، سواء من حيث رموز الألم والجلجلة والفداء والقيامة، أو من حيث صيغ الابتهال والتضرع والنداء والتعجب والاستفهام، أو عبر العصب التعبيري المشدود على توتر، الذي يختلف تمام الاختلاف عن العناصر البلاغية والجمالية للأسلوب القرآني. أما العنصر الآخر الذي لعب دوراً بارزاً في تحديد ملامح تجربة الشاعر فهو اطلاعه الواسع على الأدب الغربي، والأنجلوسكسوني على نحوٍ خاص. وهو ما انعكس بشكل جلي في نصوصه وأعماله النقدية التي تنم عن ثقافة واسعة وذكاء متوقد، كما انعكس في ترجماته الحاذقة للأدبين الأميركي والإنجليزي، وفي تأثره الواضح بتجارب ت. س. إليوت ونيتشه وييتس ووالاس ستيفنز وغيرهم.
قد لا يعوزنا أخيراً الانتباه إلى أن توفيق صايغ يجسد في شعره وحياته كل مواصفات البطولة التراجيدية وعناصرها. فهو المنفي عن الوطن، وفيه، وهو المختلف لغةً وتجربةً وأسلوباً. وهو طريد الجغرافيا وشريد المرأة وشهيدها. وهو يتشاطر مع يوسف الخال نزوعه اللاهوتي وتجربته الصحافية الرائدة والمضنية. ويتقاسم مع أنسي الحاج مروقه اللغوي ولقب «القديس الملعون». وهو يبدو الترجمة الحية لبطل توفيق الحكيم في «عصفور من الشرق»، وسهيل إدريس في «الحي اللاتيني»، والطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال». وهو يتقاسم مع صلاح عبد الصبور الخنجر إياه الذي فطر قلبيهما معاً على مذبح الاتهام بالخيانة. ليس بالمستغرب تبعاً لذلك أن تبلغ تجربة الشاعر ذروتها الأخيرة في قصيدته الأجمل «من الأعماق صرخت إليك يا موت»، حيث، أبعد من ربقة البلاغة، يهتف صايغ بالمرأة - اللغة قائلاً: «اركضي اركضي\ اصعدي الجبال واعبري المجاري\ سأبقى الريح والطيرَ والضوءَ ووعودَ المحبين\ لا تعرجي بي على المراعي الخصبة بالهشيم\ ومستنقع الشيخوخة الكدِر\ فوحدكِ أُحبّ\ ووحدكِ تعرفين منجاي وبيتي وعَدْني\ اقرَبي يا مسعفي ومرشدي ومخلّصي وأمي\ اركضي بي أيتها الشهر زاد الحديثة\ تفتضّ كل ليلة شهرياراً وتمتصّه حتى الفناء».



مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».


دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
TT

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

وأوضح الباحثون في النتائج التي نُشرت الجمعة، بدورية «Nature Medicine» أن هذا الدواء المبتكر قد يمثل نقلة نوعية في علاج اضطرابات الدهون والأمراض الأيضية المرتبطة بها.

وعند تناول الطعام، يحوّل الجسم السعرات الحرارية الزائدة، خصوصاً من الكربوهيدرات والسكريات والدهون والكحول، إلى جزيئات تُعرف بالدهون الثلاثية، وهي شكل من أشكال الدهون التي تُخزَّن في الخلايا الدهنية لاستخدامها مصدراً للطاقة بين الوجبات، إلا أن ارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والتهاب البنكرياس، ما يجعل التحكم فيها ضرورة صحية ملحّة.

ويعتمد توازن دهون الدم على تناغم دقيق بين إنتاج الدهون في الكبد والأمعاء وبين تكسيرها وإزالتها من مجرى الدم. وعندما يختل هذا التوازن، تتراكم الدهون الثلاثية، ممهّدة الطريق لأمراض مثل اضطراب دهون الدم، والتهاب البنكرياس الحاد، ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي.

وأحد المفاتيح الرئيسية في هذا النظام هو بروتين يُعرف بمستقبل الكبد «إكس» (LXR)، الذي ينظم عدداً من الجينات المسؤولة عن تصنيع الدهون والتعامل معها. و يؤدي تنشيط هذا المستقبل لارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول، ما جعل استهدافه دوائياً فكرة جذابة، لكنه محفوف بالمخاطر؛ إذ يشارك هذا المستقبل أيضاً في مسارات وقائية للكوليسترول بأنسجة أخرى من الجسم.

ولتجاوز هذه المعضلة، طوّر الفريق مركباً دوائياً يُؤخذ عن طريق الفم، يُعرف باسم «TLC‑2716»، يتميز بقدرته على تثبيط نشاط مستقبل (LXR) بشكل انتقائي في الكبد والأمعاء فقط، دون التأثير على المسارات الوقائية للكوليسترول في باقي الجسم. ويُصنَّف الدواء كـ«ناهض عكسي»، أي أنه لا يكتفي بمنع تنشيط المستقبل، بل يدفعه لإرسال إشارة معاكسة لتأثيره المعتاد.

خفض الدهون

وأظهرت التجارب قبل السريرية على الحيوانات أن الدواء نجح في خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم وتقليل تراكم الدهون في الكبد. وفي نماذج كبد بشرية مخبرية، لوحظ انخفاض تراكم الدهون، مع تراجع الالتهاب والتليف الكبدي. كما أظهرت دراسات السلامة أن الدواء يتركز في الكبد والأمعاء فقط، ما يقلل مخاطره على بقية الأنسجة.

وشملت التجربة السريرية من المرحلة الأولى بالغين أصحاء، تلقوا الدواء يومياً لمدة 14 يوماً. وركّزت على تقييم السلامة والتحمّل، حيث أثبت الدواء نجاحه في تحقيق هذه الأهداف دون تسجيل آثار جانبية مُقلقة.

أما على صعيد الفاعلية، فقد خفّض الدواء الدهون الثلاثية بنسبة 38.5 في المائة عند أعلى جرعة (12 ملغ)، كما أدى لانخفاض الكوليسترول المتبقي بعد الوجبات بنسبة 61 في المائة، رغم أن المشاركين كانت لديهم مستويات دهون شبه طبيعية في الأساس. كما ساعد الدواء في تسريع إزالة الدهون الثلاثية من الدم عبر خفض نشاط بروتينين معروفين بتأخير هذه العملية.


«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
TT

«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)

أخيراً نالت قلعة راشيا، رمز الاستقلال اللبناني، الاهتمام الذي تستحق، وتحوَّلت إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب، ونيل السيادة، بأدوات عصرية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والهولوغرام والتوثيق الدقيق.

ترميم متقن، وإعادة جمع للمستندات والصور والصحف، كما الملابس والحاجيات والأثاث، لجعل القلعة أشبه ما يمكن، بما كانت عليه في تلك الفترة الفاصلة من تاريخ لبنان والمنطقة.

هولوغرام الرئيس رياض الصلح (متحف الاستقلال)

موقع القلعة مرتفع وخلاب، يُشرف على منحدرات محيطة بها من 3 جهات، وعلى قمة حرمون. وهي مبنى تاريخي شُيِّد على مراحل، تنطوي على آثار رومانية، وبرج صليبي أقيم لمراقبة قوافل التجار الآتين من فلسطين عبر وادي التيم، ومن دمشق إلى القدس، كما بنى الفرنسيون السور الشرقي للقلعة عندما دخلوها عام 1920.

لهذا، فإن تحويل المكان برمزيته العالية وموقعه على مفترق طرق، إلى «متحف الاستقلال» في هذه الفترة التي تفتت بها دول، وتخشى أخرى من العدوى، هو أمر في غاية الأهمية.

فبعد أن كانت قلعة راشيا شبه فارغة، رغم بنيانها الرائع بقناطره وشرفاته وردهاته، ها هي تصبح موضع جذب سياحي وشبابي.

في الطابق السفلي حيث العقد الصليببي القديم، أُعيد تأهيل المدخل الجميل، وزوّد بجهاز ذكي، تطرح عليه، مع بدء الزيارة، ما يخطر على بالك من أسئلة. فهو مجهز ليجيبك بأي معلومة تحتاجها. في هذا الطابق أيضاً تُشاهد عرضاً مشوقاً عن تاريخ القلعة التي بُنيت على مراحل، ومرت عليها سلطات وعهود، تركت آثارها في المبنى.

مرحلة الاستقلال ليست سوى الجزء الأخير من تاريخ المكان. فقد شهد جانباً من الثورة العربية الكبرى التي قام بها الموحدون الدروز ضد الفرنسيين عام 1925. وها هي خيمة قائد الثورة السلطان باشا الأطرش تنتصب هنا، لتذكرنا بما سبق الاستقلال من مقاومات ونضالات.

يحدثنا الدكتور عبد السلام ماريني، مدير عام مؤسسة الوليد بن طلال، التي قامت بجهد كبير لإعادة بث الحياة في جوانب المتحف، بالتعاون مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور، عن حرص المؤسسة على أن تكون الخيمة بالمواصفات نفسها التي كانت للسلطان باشا الأطرش، وهذا تطلب بحثاً وجهداً خاصين. يومها اقتحم الدروز القلعة وتمكنوا من الدخول على الفرنسيين، وكادت القلعة تسقط، لكن جنود الانتداب طلبوا دعماً من قيادتهم في الشام، فأرسلت الطائرات التي قصفت راشيا وأحرقتها وقتلت 400 من الثوار. وفي المتحف لوحة بأسمائهم تخلّد ذكرى بطولاتهم الوطنية، على طريق تحرير بلادهم.

تستكمل حكاية الاستقلال نابضة، مجسدة، في الطابق الثاني من القلعة. هنا في ليل 11 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1943، كان الحدث التاريخي الفاصل. فقد احتجزت سلطة الانتداب الفرنسيّة رئيس الجمهورية اللبنانيّة الشيخ بشارة الخوري، ورئيس مجلس الوزراء رياض الصلح والوزراء: كميل شمعون، وعادل عسيران، وسليم تقلا، والنائب عبد الحميد كرامي، جرّاء معركة تعديل الدستور، التي قرّرت خلالها السلطة اللبنانيّة إنهاء الانتداب الفرنسي.

مكتب الرئيس رياض الصلح وقلمه وطربوشه (متحف الاستقلال)

غرفة رئيس الوزراء رياض الصلح أعيد تأثيثها، لتعود كما كانت يوم سُجن فيها. وها هو يقف منتصباً أمامك، بفضل تقنية الهولوغرام، يشرح ظروف اعتقاله وما عاشه في سجنه، وكيف اقتيد مع رفاقه من بيروت إلى راشيا، ولم يكن أي منهم يحمل سلاحاً، ولا يطلب منصباً، بل كل ما كانوا يبتغونه هو الحرية. دقيقتان ونصف دقيقة تقف فيها أمام رياض الصلح، كأنه حاضر اليوم. و«هو أمر لم يكن بالسهل تقنياً. فاستعادة الصوت والهيئة والطلة لشخص غادرنا، ولم يبقَ من آثاره الكثير، كان تحدياً كبيراً»، يقول الدكتور ماريني، وكذلك استعادة الأثاث والحاجيات، من أسرّة وملابس ومقتنيات. فقد أريد لهذه الأمكنة أن تكون حيوية، وكأنما هؤلاء الثوار لا يزالون فيها. هذا نراه أيضاً في غرفة الرئيس بشارة الخوري، الذي يحدث زائريه أيضاً بالهولوغرام، وهو ما يُضفي على المتحف صفة الطرافة ويجعله أكثر جذباً للشباب والتلامذة الصغار. وهم الجمهور المستهدف بشكل أساسي.

نمر على غرفة التحقيقات والاتصالات والتنصت بأجهزتها التي كانت تُستخدم في تلك الفترة، وغرفة الضابط الفرنسي بمستلزماتها. هناك أيضاً حجرة الجنود الفرنسيين، وأخرى للإعلام جمعت فيها أعداد الصحف التي صدرت عام 1943 أي عام الاعتقال، ليطّلع الزائر على كيفية سرد الأخبار حينها. وثمة تسجيلات لمقابلات أُجريت مع أشخاص عاصروا المرحلة، بينهم امرأة تروي كيف كانت نساء راشيا يطبخن للسجناء، ويرسلن لهم الطعام. وقد فارقتنا هذه السيدة، ولحسن حظنا أنها سجلت شهادتها قبيل وفاتها.

إحدى باحات القلعة المهابة (متحف الاستقلال)

حرص المشرفون على المتحف على ألَّا تكون زيارته عابرة، بل تحتاج وقتاً وتمعناً. ويمكن أن يقضي الزائر ساعتين ونصف ساعة مستمعاً، قارئاً، متفرجاً، متأملاً، لينتهي به الأمر إلى غرفة متَّسعة تصلح لمجموعات الزائرين الذين يودون التباري في ما بينهم، لاختبار معلومات تعلموها خلال جولتهم. وفي المتحف غرفة مخصصة للاجتماعات والحوارات.

نائب المنطقة، وائل أبو فاعور، سعيد وهو يتحدث عن هذا الإنجاز لبلدته التي أُعيد رصف أحيائها القديمة، والسوق الأثرية، ودرج الاستقلال وهو يصل السوق بالقلعة، كما تمت إنارتها.

«هذا يشكل مشروعاً متكاملاً بحيث يتمكن الزائر للمتحف من الاستمتاع بطبيعة راشيا، وسحر موقعها، كما يزور قلعتها ويفهم تاريخها، وقد استكملت هويتها»، يقول النائب أبو فاعور. «في المتحف يعيش الزائر لحظة الاستقلال، كما هي، سياسياً ووطنياً. لقد حرصنا على بلورة وتقديم الحكاية الأكثر تعبيراً عن المرحلة، وعن تلاقي الإرادات الوطنية اللبنانية». كما يحدثنا النائب أبو فاعور عن أمله في أن يلعب المتحف دوراً توجيهياً وتربوياً، على مدار السنة وليس في عيد الاستقلال فقط. «ويجري العمل حالياً مع وزارتي التربية والثقافة، لتحفيز المدارس على تنظيم رحلات لطلابهم لزيارة المتحف، والاستفادة منه».

وكانت «مؤسسة الوليد بن طلال» قد أخذت قراراً بترميم القلعة منذ عام 2009. لكن فكرة المتحف لم تكن قد نضجت بعد، كما أن تجميع المقتنيات الشخصية لرجالات الاستقلال وتوثيق تفاصيل إقامتهم في القلعة لم يكن بالأمر اليسير. «التواصل مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور أتى أُكُله، وكذلك التعاون مع البلدية، وتجاوب وزير الثقافة غسان سلامة الذي اشتغل على قانون يؤمّن الحفاظ على متاحف لبنان»، حسب د. ماريني.

من مقتنيات غرفة الاتصال في المتحف (متحف الاستقلال)

أما إعادة توثيق حكاية الاستقلال، فقد احتاجت عودة إلى كتب ووثائق، منها مذكرات الرئيس بشارة الخوري، وكتاب لجبران جريج، أحد الذين كانوا قد اعتقلوا في قلعة راشيا، وروى في كتابه كيف كانت ظروف السجناء، كذلك تمت مراسلة جهات فرنسية مختصة، لمعرفة اسم الضابط الذي كان مشرفاً على المكان، والحصول على صورته، ووثائق أخرى.

وحرصاً على الاستفادة من تجارب سبقت، تم التواصل مع عدد من المتاحف في فرنسا وألمانيا، و«مدام توسو» في بريطانيا. أما التحدي الحقيقي فكان إنجاز الهولوغرام للرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، حيث يجب أن تأتي المقاييس مطابقة لما كانت عليه الشخصية، وكذلك الحركة ونبرة الصوت، والملابس. «الهولوغرامات في المتاحف موجودة، لكن المتقن منها قليل وله تكاليفه العالية، حيث تُحسب بالثانية التي يتحدث فيها الشخص. ونحن حرصنا على أن نقدِّم أفضل ما يمكننا، لذا وقع اختيارنا على إيطاليا لتنفيذ الهولوغرامين»، يقول د. ماريني.

تكتمل الزيارة بإطلالة من شرفة المتحف على بيوت راشيا القرميدية الساحرة، ووادي التيم بجماله الخلاب، وجبل حرمون بروحانيته الشفافة، لتشعر أن المجيء إلى هنا واجب وطني بحق.