توفيق صايغ منفياً قبل الموت منسياً بعده

شاعر الخسارات المتتالية والعراك الضاري مع اللغة

توفيق صايغ
توفيق صايغ
TT

توفيق صايغ منفياً قبل الموت منسياً بعده

توفيق صايغ
توفيق صايغ

ليس الشعر في جوهره سوى تعبير مكثف ورمزي عن سوء التفاهم العميق الذي يحكم علاقة الشعراء بأنفسهم وبمحيطهم الخارجي، وبالحياة بوجه عام. لذلك فإن المصائر التراجيدية للشعراء والمبدعين ما هي إلا المحصلة الطبيعية لتبرمهم بالواقع، وخروجهم على السائد، سواء تعلق الأمر بالسياسة والاجتماع ونظام القيم، أو باللغة نفسها.
هكذا يبدو كل شاعر حقيقي بمثابة مزيج متفاوت النِّسب من بروميثيوس وسيزيف، حيث حُكم على الأول بجعل كبده طعماً للنسور، لأنه سرق النار من الآلهة وأعطاها للبشر. فيما كان على الثاني، بسبب خداعه للآلهة، أن يرفع إلى أعلى الجبل الصخرة التي لا تكف عن الإفلات من بين يديه كلما شارف على بلوغ القمة. وإذا كان في تجربة كل شاعر ما يتصل بهذا البعد التراجيدي، فإن توفيق صايغ يجسد، عبر حياته وسيرته وشعره، الأنموذج الأكثر تعبيراً عن غربة الشاعر وانفصاله عن محيطه وصراعه العبثي مع أكثر من تنّين. فمنذ صباه المبكر بدا صايغ وكأنه شريد المنافي المتعددة التي حملته من الجنوب السوري، حيث ولد، إلى وطنه الأصلي فلسطين، ومن ثم إلى لبنان، فبريطانيا وأميركا، حيث عاش سنواته الأخيرة، رغم أن ولاءه الأعمق كان لفلسطين التي غادرها قسراً بفعل النكبة. في حين أن المرأة التي أرادها ملاذاً وحبل نجاة يعصمه من وطأة التيه وخيانات البشر، ما لبثت أن قادته بدورها إلى المزيد من المرارة والخذلان. أما ثالثة الأثافي فقد تمثلت في إصداره لمجلة «حوار» التي تبين فيما بعد، ودون علم من الشاعر على الأرجح، أنها ممولة من وكالة المخابرات الأميركية، الأمر الذي ألب عليه الأصدقاء والأعداء، ليعود إلى بيركلي في الغرب الأميركي، ويموت في مصعد المبنى الذي يسكنه إثر نوبة قلبية مباغتة.
لم يكن توفيق صايغ غزير الإنتاج على الصعيد الشعري البحت، إذ إن تجربته الشعرية اقتصرت على ثلاثة أعمال، هي «ثلاثون قصيدة» و«القصيدة ك» و«معلقة توفيق صايغ»، فضلاً عن بعض القصائد التي جُمعت لاحقاً تحت عنوان «صلاة جماعة ثم فرد»، أو تلك التي عثر عليها محمود شريح وأصدرها تحت عنوان «التوفيقيات المجهولة»، وهي عبارة عن نصوصٍ ستة غير مكتملة، ولا تحمل أي قيمة فنية حقيقية. ولعل أول ما يستوقفنا في باكورة توفيق الشعرية «ثلاثون قصيدة» هو التقديم المفعم بالتقريظ الذي خص به سعيد عقل صديقه الشاعر، رغم الموقف العدائي الذي لم يكفّ صاحب «قدموس» عن الإفصاح عنه تجاه الحداثة الشعرية العربية، وقصيدة النثر على نحو خاص. والأرجح أن عقل كان في قرارته يمتدح المجموعة بوصفها نثراً فنياً محكم الصياغة، رغم أن العنوان الذي وُضع لها يشي بغير ذلك. وبمعزل عن طابع المجاملة الذي كان يحكم الكثير من مقدمات سعيد عقل لأعمال أدبية مختلفة، فأغلب الظن أنه وجد في باكورة صديقه ما يتواءم مع لغته الباذخة والمقطّرة من جهة، ومع خلفيته اللاهوتية، من جهة أخرى. هكذا لا يتوانى صاحب المقدمة عن القول «إن كتابه لا ليُقرأ. إنه ليغدو خلجات فيك، ودماً دافقاً وناراً. إنه مزيج من شبق ولاهوت، من كشفٍ علمي وخطيئة وبراءة ملائكية أولى». أما الأمر الآخر الذي يصعب القفز عنه، فيتعلق بإغفال النقد العربي لريادة صايغ في كتابة قصيدة النثر، رغم أن 6 سنوات كاملة تفصل باكورته الشعرية عن مجموعتي أنسي الحاج «لن»، ومحمد الماغوط «حزن في ضوء القمر». وبصرف النظر عن الطابع الإشكالي لتجربة صايغ وأسلوبه اللذين لقيا حماساً لدى البعض وفتوراً لدى البعض الآخر، فإن إخراج الشاعر من ريادة قصيدة النثر العربية ليس سوى ضرب من ضروب العسف، والتنكر غير المبرر للحقيقة.
إن المتتبع لسيرة توفيق صايغ ونتاجه الإبداعي لا بد أن يقف على المفارقات المأزقية التي تحكم حياته برمتها، وهو الذي يتصارع في داخله الملاك والشيطان، السماوي والأرضي، والفضيلة مع الإثم. وإذا كان الجانب الروحي من شخصية صايغ وتجربته، عائداً إلى تربيته الطهرانية، وهو ابن قس مسيحي بروتستانتي، فإن الجانب الحسي الشهواني يتصل بنزعته المضادة للتمرد على السائد، بقدر ما هو ردة فعل على خيبات أمله وتحطّم أحلامه. وهذا الانشقاق المرير بين الخيارين نرى تمثلاته في «ثلاثون قصيدة»، حيث لا يكف الشاعر عن إظهار تمزقه الدامي بين الديني والدنيوي. ففي الجانب الأول يتحول الشعر إلى نوع من الابتهال والأدعية والمناجاة التي تذكّر بالمزامير: «أعرف أنني ملوم\ وأراكَ خلعتَ عليَّ رداءك قاضي\ وقلبْتني الخصمَ الذي ظننتُه فيك\ أنت وصمتني\ وتعيينك منفاي لي\ لرضاك علي\ وفي حَجْبك الكفّارة عني\ وقولك: اسْع إلى كفارتك\ حيّرتني إلهي\ حيرتي تشفع لي». وفي الجانب الثاني، يذهب الشاعر إلى الخانة المضادة، ويجد في المتع الحسية خلاصه الأنجع: «أيتها المهرة البيضاء\ أيتها المهرة القوية الغنوج\ صهيلكِ أنغامٌ وتراتيل\ سمعتها تهلّل لي في السرير\ ألف منخاسٍ في ظهرك يئنّ.. \ معاً نرود الأفق القصي \ ودارة اللذة النديّة\ وقّعي حركاتكِ على نغمٍ متوحش\ أضجّ به وتضجين».
وليس صدفة أن تحتل المرأة والحب الحيز الأكبر من شعر توفيق صايغ. ذلك أنه، بفعل ضياع وطنه الأم وتنقله بين المنافي وتعرّضه الدائم للخيانات والمكائد، كان يبحث من خلالها عن الكنف والملاذ والحضن الدافئ الذي يعصمه من اليأس والانكسار. ومع أن علاقته بالمرأة لم توفر له الاستقرار الذي ينشده، ولم تكن وردية في جميع الحالات، فهو لم يكف عن مطاردة صور الأنوثة وظلالها عبر غير حالة ونموذج، وهو ما نتبينه بوضوح في كتاب الناقد محمود شريح المميز «توفيق صايغ... سيرة شاعر ومنفى». أما نصوصه الشعرية فتعكس بدورها الطابع الإشكالي لعلاقته بالمرأة التي تبدو رومانسية حيناً وجسدية حيناً آخر. وقد يتحول الشعر أحياناً إلى نثر عادي، حين يخاطب صايغ حبيبته الخائنة بالقول: «خدعْتِني فلم أبالِ\ لأنك انتقيتِ، يوم بحثت عن حبيبٍ، صديقي». لكن العلاقة العاطفية المحورية في حياة صايغ هي من دون شك علاقته بالفتاة البريطانية كاي، التي اختزل الشاعر اسمها بالحرف «ك»، وتمحورت حولها مجموعته الشهيرة «القصيدة ك»، حيث لا الحب العاصف ولا اللقاء الجسدي أمكنهما أن يردما ذلك الشرخ الحضاري الهائل الذي يفصل بين الرجل العاشق والمرأة المعشوقة. وقد أسهمت «ك» إلى حد غير مسبوق في استنزاف حيوية الشاعر وإيصاله إلى ذرى الألم وذرى الكتابة، وفق صديقه رياض نجيب الريس. ولذا لا يملك صايغ سوى أن يسأل بحرقة «ماذا أفعل بك عندما أصطادك؟ أأجرّك وأعود بك إلى بيتي الذي انطلقتُ منه في إثرك؟\ ويقينٌ بداخلي أن لا بيت لي\ ولا قفصَ لكِ أو سياج». كما تتكرر في «معلقة توفيق صايغ» فكرة البحث عبر المرأة عن وطنٍ أصلي أو أرض ميعادٍ بديلة، حيث يهتف الشاعر قائلاً: «الناس من حولنا يتصايحون يولولون\ وأنا لا أحس إلا بك\ بأن بلداً لم يحترق\ وبلداً لم يوصد بوجه أبنائه أبوابه\ ما دام ذراعاكِ يلفّانني\ غافلٌ لا أحسّ بغير النار\ فمي على صدرك يستدرّ الحب والرحمة\ وعيناي ورائي تتملّيان الرعب». ولا بد من الإشارة هنا إلى إلحاح صايغ على ابتكار أسلوبه الخاص وسط أقرانه ومجايليه، هو الذي دفعه على الأرجح إلى البحث عن رموزه الخاصة به، حيث وجد ضالته في أسطورة الكركدن، أو وحيد القرن، الذي يقوده سعيه الدائم خلف فتاة عذراء إلى حتفه المأساوي، والوقوع في قبضة الصيادين.
أما على المستوى الأسلوبي والفني، فتبدو تجربة توفيق صايغ غريبة بدورها، وشبه منبتة عن السياقات الحداثية المماثلة لدى الرواد المؤسسين. فهو إذ يجانب العبارات الطويلة السيالة والتدفق الغنائي التلقائي، يحرص بالمقابل على صياغة جمل محكمة ومتينة السبك، دون أن يجهد نفسه في إخفاء شبهة التأليف والكدح الأسلوبي. وهو ما دفعه، على طريقة سعيد عقل، إلى استمراء الاشتقاقات اللغوية واللعب بالضمائر، من مثل «وهبتكها» و«عرّفتكها» و«بحْلقتها» و«آكلناك»، أو رفد معجمه الشعري الخاص بالكثير من المفردات المحكية المتداولة، من مثل «تتقربط» و«تشحشطتُ» و«حسْمستُ» وغيرها. كما أن غياب الوزن التقليدي عن أعمال الشاعر، لا يمنع القارئ المتفحص من أن يلاحظ الحضور القوي للإيقاع في هذه النصوص، سواء عبر التناظر الإيقاعي شبه المتساوي بين الجمل، أو عبر المغالبة مع الأوزان التي لا ينجح صايغ على الدوام في تجنبها، كما في قوله «ثم ماذا يقْلب الملهاة مأساة»، وهو على بحر الرمل، أو قوله «أسرعي أسرعي، يا خيول الظلامْ»، وهو على «المتدارك»، بما يُكسب التساؤل عما إذا كان تجاوز الشاعر لبحور الخليل قد تم عن إرادة واعية لا عن جهل بها، مشروعيته التامة. أما التركيب الخاص للجمل في شعر صايغ، كتقديم المفعول به على الفاعل، أو الخبر على المبتدأ، فلعله عائد إلى نشأته الدينية، وتأثره بلغة الكتاب المقدس ولغة الأناجيل، سواء من حيث رموز الألم والجلجلة والفداء والقيامة، أو من حيث صيغ الابتهال والتضرع والنداء والتعجب والاستفهام، أو عبر العصب التعبيري المشدود على توتر، الذي يختلف تمام الاختلاف عن العناصر البلاغية والجمالية للأسلوب القرآني. أما العنصر الآخر الذي لعب دوراً بارزاً في تحديد ملامح تجربة الشاعر فهو اطلاعه الواسع على الأدب الغربي، والأنجلوسكسوني على نحوٍ خاص. وهو ما انعكس بشكل جلي في نصوصه وأعماله النقدية التي تنم عن ثقافة واسعة وذكاء متوقد، كما انعكس في ترجماته الحاذقة للأدبين الأميركي والإنجليزي، وفي تأثره الواضح بتجارب ت. س. إليوت ونيتشه وييتس ووالاس ستيفنز وغيرهم.
قد لا يعوزنا أخيراً الانتباه إلى أن توفيق صايغ يجسد في شعره وحياته كل مواصفات البطولة التراجيدية وعناصرها. فهو المنفي عن الوطن، وفيه، وهو المختلف لغةً وتجربةً وأسلوباً. وهو طريد الجغرافيا وشريد المرأة وشهيدها. وهو يتشاطر مع يوسف الخال نزوعه اللاهوتي وتجربته الصحافية الرائدة والمضنية. ويتقاسم مع أنسي الحاج مروقه اللغوي ولقب «القديس الملعون». وهو يبدو الترجمة الحية لبطل توفيق الحكيم في «عصفور من الشرق»، وسهيل إدريس في «الحي اللاتيني»، والطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال». وهو يتقاسم مع صلاح عبد الصبور الخنجر إياه الذي فطر قلبيهما معاً على مذبح الاتهام بالخيانة. ليس بالمستغرب تبعاً لذلك أن تبلغ تجربة الشاعر ذروتها الأخيرة في قصيدته الأجمل «من الأعماق صرخت إليك يا موت»، حيث، أبعد من ربقة البلاغة، يهتف صايغ بالمرأة - اللغة قائلاً: «اركضي اركضي\ اصعدي الجبال واعبري المجاري\ سأبقى الريح والطيرَ والضوءَ ووعودَ المحبين\ لا تعرجي بي على المراعي الخصبة بالهشيم\ ومستنقع الشيخوخة الكدِر\ فوحدكِ أُحبّ\ ووحدكِ تعرفين منجاي وبيتي وعَدْني\ اقرَبي يا مسعفي ومرشدي ومخلّصي وأمي\ اركضي بي أيتها الشهر زاد الحديثة\ تفتضّ كل ليلة شهرياراً وتمتصّه حتى الفناء».



«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
TT

7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

كشف مسؤولون في ​الهند، اليوم الثلاثاء، أن جميع الركاب السبعة الذين كانوا على متن طائرة إسعاف ‌من طراز ‌«بيتشكرافت» ​لقوا ‌حتفهم ⁠بعد سقوطها ​في ولاية ⁠جاركاند أمس الاثنين.

وكان على متن الطائرة اثنان من أفراد الطاقم ⁠ومريض وأقاربه.

حطام طائرة الإسعاف الجوي التي سقطت بالقرب من غابة في منطقة تشاترا بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

وقالت ‌المديرية ‌العامة للطيران ​المدني ‌في الهند ‌أمس الاثنين إن طائرة «بيتشكرافت سي 90»، التي تشغلها شركة ‌«ريد بيرد إيرويز»، أقلعت من رانشي في ⁠جاركاند، ⁠لكنها طلبت تغيير مسارها بسبب الأحوال الجوية.

وأضافت المديرية أن الطائرة فقدت الاتصال بعد ذلك واختفت ​من على ​شاشات الرادار.


بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
TT

بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)

بين محاولات عزيزة ترميم صورتها، وتورّط والدها وجارتهما في عاصفة من الإشاعات، تتشكّل ملامح الموسم الثاني من مسلسل «شارع الأعشى». هنا لا تبدو السمعة مجرد قيمة اجتماعية، بل ساحة صراع مفتوحة تُختبر فيها الشخصيات تحت ضغط مجتمع يضيق فيه هامش الخطأ وتتعاظم التأويلات.

مع انقضاء الأسبوع الأول من رمضان، يواصل المسلسل تصدّر قائمة الأعمال الأكثر متابعة في السعودية وعدد من الدول العربية، مستفيداً من العلاقة التي بناها مع جمهوره منذ الموسم الأول. غير أن العودة هذه المرة لا تكتفي باستثمار النجاح السابق، بل تدفع الشخصيات إلى مرحلة أشد قسوة؛ إذ تنتقل الحكاية من التعريف إلى الاختبار، ومن البناء إلى المواجهة، حيث تتحول النيات الحسنة نقاطَ اشتباك، وتصبح الشائعة أداة تدفع الأحداث نحو مسارات جديدة.

عزيزة... من الاندفاع إلى الاتزان

مشهد من ليلة زواج عزيزة الذي شهد مرحلة انتقالية للشخصية (شاهد)

تتمحور حكاية الموسم الأول حول الشابة المتهورة عزيزة (لمى عبد الوهاب)، التي تدفع نفسها باستمرار إلى قلب المتاعب، واضعة سمعتها على المحك. فبين محاولات الهروب المتكررة والبحث عن الحب بوصفه خلاصاً سريعاً من واقع ضاغط، تنجرف الشخصية نحو سلسلة من القرارات التي تقودها إلى نتائج قاسية. ويبلغ هذا المسار ذروته حين تفكر في الهرب مع حبيبها، قبل أن تنتهي الحكاية بمقتله في ختام الموسم الأول.

في الموسم الثاني، تعود عزيزة بقدر أكبر من الاتزان، مدفوعة بإحساس متزايد بالمسؤولية تجاه حياتها وخياراتها. وتبدأ ملامح التحول مع زواجها من خالد (ناصر الدوسري)، وهي تجربة تضعها أمام واقع مختلف تماماً؛ إذ تواجه علاقة يغلب عليها الطابع العملي والقسوة، بعيداً عن الأحلام الرومانسية التي سعت إليها في السابق.

ورغم صعوبة هذا التحول، تختار عزيزة الصبر والتحمّل، محاولة الحفاظ على ما تبقّى من ثقة عائلتها وإثبات قدرتها على التكيّف داخل الإطار الاجتماعي الذي سعت يوماً إلى التمرد عليه وكسره. بذلك، ينتقل مسار الشخصية من الهروب الدائم إلى مواجهة يومية مع الواقع، في رحلة إعادة بناء الصورة أمام الأهل والمجتمع.

وضحى... مواجهة الثمن الأعلى

إلهام علي تؤدي شخصية وضحى التي تتعرض لمتاعب كبيرة في الموسم الثاني (شاهد)

على خط درامي موازٍ، تتقدّم شخصية وضحى (إلهام علي) إلى واجهة الأحداث بمساحة أوسع وتأثير أشد. وتبدأ افتتاحية المسلسل بالتحدّي المصيري الذي تواجهه بعد سجن ابنها متعب (باسل الصلي)؛ ما يدفعها إلى اتخاذ قرار قاسٍ ببيع منزلها من أجل تأمين إطلاق سراحه. ويحمل هذا القرار تضحية مضاعفة؛ إذ لا يمسّ الاستقرار المادي فحسب، بل يطول الذاكرة العائلية في عمقها.

وتتجلَّى المفارقة حين يكون المشتري جارها أبو إبراهيم (خالد صقر). ومنذ تلك اللحظة، تبدأ الأقاويل بالانتشار داخل الحارة، وتتحول الصفقة من موقف شهم إلى مادة للشك والنميمة. ويجد أهل الحي في تصرفاتهما مساحة للتأويل والمراقبة، في حين يسبق الكلامُ الوقائع بخطوات، لتجد وضحى نفسها في قلب عاصفة اجتماعية تتَّسع دائرتها مع كل حلقة، وتتحول فيها النية الحسنة عبئاً يتطلب دفاعاً يومياً.

الخلوة... لحظة تغيّر المسار

خالد صقر يمر بتحولات جديدة في الموسم الثاني (حساب الفنان في إكس)

تبلغ هذه الحبكة ذروتها في الحلقة السادسة، حين يجتمع أبو إبراهيم ووضحى صدفة في منتصف الليل داخل محل ابنها. ويتحوَّل هذا اللقاء العابر أزمةً كبيرة بعد اقتحام الشرطة المكان والقبض عليهما بتهمة الخلوة غير الشرعية، وهي تهمة كانت تُواجَه بحزم شديد في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهي الفترة الزمنية التي يستلهم منها المسلسل عالمه الاجتماعي خلال الموسم الثاني.

ومنذ تلك اللحظة، تتَّسع دائرة الأقاويل، ويتعرض الاثنان إلى هجوم مباشر من أهل الحارة الذين يرتابون من سلوكهما، لتتحول النظرات والهمسات تدريجياً موقفاً علنياً يضعهما تحت ضغط اجتماعي كثيف.

أمام هذا الواقع، يقرِّر أبو إبراهيم الزواج من وضحى، في خطوة تهدف إلى ردع الأقاويل ووضع حد للتأويلات المتزايدة؛ سعياً إلى حماية السمعة قبل أي اعتبار آخر. غير أن هذه الخطوة تفتح جبهة جديدة داخل بيته، وتضع أسرته أمام اختبار صعب تتداخل فيه المشاعر مع ضغط المجتمع ونظرته.

وتدخل زوجته نورة (عائشة كاي) في تحدٍّ مختلف عمَّا عاشته في الموسم الأول؛ فبعدما تمحورت أزماتها سابقاً حول أبنائها وبناتها، تجد نفسها اليوم أمام أزمة تمس علاقتها الزوجية مباشرة. ومع تراكم الضغوط وتصاعد الكلام داخل الحارة، يلحظ الجمهور بداية تصدّع في هذه العلاقة، تحت وطأة المجتمع وثقل سمعته.

سعد... عودة بوجه مزدوج

براء عالم ملثماً في دور الهارب سعد (حساب الفنان في إكس)

في سياقٍ آخر، يعود الشاب سعد (براء عالم) بعد المسار الذي اتخذه في الموسم الأول، حين انحرف وانضم إلى فئات فكرية ضالّة، وانتشر خبر مقتله. غير أن الموسم الثاني يكشف عن أن سعد ما زال حياً، وأنه يتعامل سراً مع الشرطة للقبض على المطلوبين، ليتحرك بين أزقة الحي متلثماً بشماغه، ويظهر في صورة تجمع بين الغموض والخطر.

ويجعل هذا الحضور الملتبس بعضَ سكان الحارة يلمحونه ويشكّون في هويته، كما يضيف خط سعد طبقة جديدة من التوتر إلى عالم «شارع الأعشى». ويعزّز هذا المسار فكرة السمعة والذاكرة والهوية بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل مصائر الشخصيات، مانحاً الموسم بُعداً إضافياً يتجاوز الصراع العائلي إلى صراع مع الماضي وصورته في عيون الآخرين.

وجوه جديدة... وشخصيات تتبدّل

وكذلك، يشهد الموسم الجديد تحولاً في شخصية فواز (محمد الحربي)، الذي كان حضوره هامشياً ومحدوداً في الموسم الأول بوصفه صبياً صغيراً، ليظهر اليوم في صورة مراهق يحاول فرض سيطرته على تصرفات أخواته، ويغار عليهن من شباب الحي، في محاولة لمحاكاة التحولات التي يمر بها الصبيان خلال مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب.

ويبدو لافتاً ما يحمله الموسم الثاني من «شارع الأعشى» من مشاركة جديدة لعدد من النجوم الذين انضموا إلى العمل، مثل ناصر الدوسري، ومهند الحمدي، ومها محمد، ومحمد الحجي إلى جانب أسماء أخرى؛ وهو ما أسهم في توسيع عالم الحكاية وفتح مسارات درامية جديدة، ومنح الحارة وجوهاً أخرى تتقاطع مع الشخصيات الأساسية.

في المقابل، شهد الموسم الثاني استبدال شخصية ضاري، التي كان يؤديها الممثل عبد الرحمن بن نافع في الجزء الأول، ليحل محله مصعب المالكي. وأثار هذا التغيير جدلاً واسعاً بين الجمهور خلال الأسبوع الأول من العرض، وفتحِ باب المقارنات بين أداء الممثلين، في نقاش يعكس حجم ارتباط المشاهدين بالشخصيات وتفاصيلها.

ديكور وأزياء أكثر ثراءً

على المستوى البصري، يبرز في هذا الموسم تطور واضح في ديكور الحارة؛ إذ جاء أكثر إتقاناً وغنًى بالتفاصيل، بما يعزّز الإحساس بالمكان والزمن، ويمنح المشاهد شعوراً أعمق بالاندماج في العالم الدرامي. فقد بدت الأزقة والبيوت والمحال وكأنها تحمل طبقات من الذاكرة، وتخدم فكرة الحارة بوصفها كائناً حيّاً يراقب ويحتفظ بالأسرار.

وينسجم هذا التطور مع عناية أكبر بتفاصيل الأزياء، التي جاءت مشغولة بدقة بمشاركة مستشارة الأزياء فوزية بن خميس. كما برز فستان زواج عزيزة من خالد، باللون الوردي المنفوش والمشغولات الذهبية، بوصفه أحد أكثر العناصر البصرية لفتاً للانتباه في الحلقات الأولى.

إلى جانب ذلك، يظهر جانب آخر في شخصية الجازي (أميرة الشريف)، يتمثل في اهتمامها بتصميم الأزياء لسيدات الحارة، وهو تفصيل يضيف بُعداً إنسانياً واجتماعياً جديداً إلى نسيج العمل، ويمنحه مساحة أوسع للتعبير عن الأذواق والطبقات والهوية البصرية للشخصيات.

الحارة... محكمة مفتوحة

إجمالاً، يكشف الموسم الثاني عن تحوّل المكان نفسه إلى سلطة قائمة بذاتها؛ فالحارة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل محكمة مفتوحة لا تتوقف عن المراقبة وإصدار الأحكام. تتحول النظرات اتهاماً، والكلمات قرارات مصيرية، في حين تكتسب الشائعات قوة تفوق الحقيقة أحياناً، لتدفع الشخصيات نحو اختيارات قاسية لا يفرضها القدر بقدر ما يفرضها المجتمع.

ومع مواصلة المسلسل تصدُّر المشاهدة منذ أسبوعه الأول، يتضح أن الجمهور يتابع هذه التحولات بوصفها امتداداً طبيعياً لعالم تعرّف إليه سابقاً، ويراه اليوم في مواجهة أكثر حدة مع اختياراته ونتائجها. وهكذا يقدّم «شارع الأعشى» في موسمه الثاني حكاية شارع يحتفظ بذاكرته، وأشخاص يخوضون سباقاً يومياً على السمعة، ومجتمعاً يجعل من الصورة العامة ساحة صراع مفتوحة، تتقاطع فيها النيات الحسنة مع قسوة التأويل.