برلين تسابق لندن على «قلب أوروبا» الاقتصادي

برلين تسابق لندن على «قلب أوروبا» الاقتصادي

البيروقراطية والضرائب أبرز أسلحة المعركة
السبت - 14 جمادى الآخرة 1441 هـ - 08 فبراير 2020 مـ رقم العدد [ 15047]
العاصمة الألمانية تجذب المزيد من رؤوس أموال الشركات الناشئة منذ قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي (رويترز)
برلين: راغدة بهنام

في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، أحدث إيلون ماسك، رجل الأعمال الغني صاحب شركة تسلا للسيارات الكهربائية، مفاجأة كبيرة في برلين، عندما أعلن أنه اختار العاصمة الألمانية لتكون مقراً لمصنعه الجديد الضخم في أوروبا.
هذا المصنع الذي من المفترض أن يبدأ بإنتاج السيارات الكهربائية عام 2021، سيخلق ما يزيد على 10 آلاف فرصة عمل، وهو يقع بالقرب من مطار برندنبورغ الجديد الذي من المفترض أن يفتتح في الخريف المقبل بعد تأجيل دام 9 سنوات بسبب مشاكل تقنية. هذا الرابط بين المصنع الذي سيبدأ العمل على تشييده قريبا، والمطار المؤجل افتتاحه منذ سنوات، أحدث الكثير من المقارنات الفكاهية باحتمال أن يصيب مصنع تسلا نفس مصير مطار براندنبورغ، خاصة مع اعتراض بعض السكان على تشييد المصنع. ولكن رغم ذلك فإن برلين تلقت بشكل عام الخبر بالكثير من الافتخار والاحتفال.
فالعاصمة الألمانية تجذب المزيد من رؤوس أموال الشركات الناشئة عاماً بعد عام منذ قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي. ويقول شتيفان فرانسكي مدير عام مركز «برلين بارتنرز» الممول من حكومة برلين المحلية وهدفه مساعدة الشركات الناشئة على الاستقرار في العاصمة، إن الأعوام الماضية شهدت ارتفاعا كبيرا في أعداد الشركات القادمة إلى برلين.
ويضيف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الكثير من الشركات الآسيوية والخليجية كانت تختار لندن عندما تريد التوسع في أوروبا، إلا أنها مؤخراً بدأت تتجه إلى برلين بشكل متزايد.
ومنذ التصويت على بريكست، ارتفعت أعداد الشركات الناشئة التي تستقطبها برلين بنسبة 56 في المائة، كما أن أكثر من نصف الشركات الناشئة في كل ألمانيا تستقر في العاصمة التي تحولت في السنوات الأخيرة مركزا لـ«فين تيك» أو التكنولوجيا المالية. ومن بين الدول الأوروبية الأخرى، قد تكون برلين أكثر من يستفيد من خروج لندن من السوق الموحدة.
وبحسب «بيتشبوك» pitchbook، وهي شركة ألمانية تنشر إحصاءات حول الأسواق، فإن برلين استقطبت عام 2018 أكثر من ملياري يورو من رؤوس أموال الشركات الناشئة، لتسبق بذلك باريس وأمستردام، وتحل في المرتبة الثانية أوروبياً بعد لندن التي بقيت في الطليعة بفرق كبير واستقطبت أكثر من 5 مليارات يورو من رؤوس أموال الشركات الناشئة.
ولكن هذه الأرقام قد تتغير بعد الخروج الفعلي لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتهاء المرحلة الانتقالية في نهاية العام الجاري، إذا لم يتم تأجيلها لاكتمال المفاوضات. ويتوقع فرانسكي أن تزداد أعداد الشركات الأجنبية التي تنتقل إلى برلين فيما تنخفض في لندن، بسبب سهولة الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة من برلين، خاصة في حال عدم تمكن بريطانيا من التوصل لاتفاق حول التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي.
ويأتي هذا رغم التعقيدات القانونية والبيروقراطية التي تُعرف بها برلين، والضرائب المرتفعة كذلك التي هي أعلى بكثير من الضرائب التي تفرض على الأعمال في لندن. وقد دفع هذا بعدد من السياسيين والاقتصاديين من التحذير بأنه في حال لم تبدأ ألمانيا بدراسة تقديم تسهيلات ضريبية للشركات الجديدة، فإن «فورتها» هذه قد تتراجع؛ خاصة أن لندن قد تقدم تسهيلات ضريبية إضافية عند خروجها الفعلي من الاتحاد الأوروبي في محاولة لإعادة استقطاب الشركات الهاربة.
ويرى مدير عام مركز «برلين بارتنرز» أن البيروقراطية من جهة أخرى التي تعرف بها برلين هي شيء «إيجابي»، لأنها تعني «قوانين واضحة» لا يمكن اللعب عليها.
وتساهم رؤوس الأموال التي تستقطبها برلين بارتفاع أسعار العقارات التي تزيد بنسبة 10 إلى 15 في المائة سنوياً، علما بأن التنبؤات كانت تشير إلى ارتفاعها بنسبة تتراوح بين 5 و8 في المائة. وهذا بدوره ساهم برفع أسعار الإيجارات بشكل جنوني في السنوات الماضية، ما دفع بحكومة برلين المحلية إلى اعتماد قانون بتجميد الإيجارات لمدة 5 سنوات. ولكن هذا القانون تسبب بجدل كبير، إذ حذر المعارضون له من عدم القدرة على السيطرة على السوق بعد انتهاء مهلة قرار تجميد الإيجارات، وأبدوا كذلك تخوفهم من أنه سيدفع بالمستثمرين في العقارات بعيداً، ما قد يؤثر سلبا على تشييد أبينة جديد خاصة أن برلين تعاني نقصا شديدا من الوحدات السكنية مقابل أعداد السكان.
ورغم أن برلين نفسها تستفيد من بريكست عبر تحولها شيئا فشيئا لمركز الأعمال الأوروبي، فإن الاقتصاد الألماني بشكل عام يعاني سلبا من خروج بريطانيا من السوق الأوروبية المشتركة، بسبب حجم التبادل التجاري الكبير بين البلدين. ففي مطلع العام الماضي وحده، عانت الصادرات الألمانية من خسارة بلغت 3 ملايين ونصف المليون يورو إلى بريطانيا. ويعتقد الخبراء الاقتصاديون أنه كلما طالت فترة عدم اليقين، أي عدم وجود اتفاق تجاري يحكم البلدين، فإن الخسائر قد تستمر، وقد تزداد أكثر في حال لم يتم التوصل لاتفاق تجاري بين لندن وبروكسل.
ولكن رغم كل ذلك، فإن برلين تتحول شيئا فشيئا إلى مركز جذب لرؤوس الأموال «مواز» للندن. فعندما سئل إيلون ماسك عن سبب اختياره برلين لتكون مقرا لما يبدو أنه سيكون أكبر مصنع لتسلا، قال في البداية ممازحا إن «لدى برلين أفضل نوادٍ ليلية»، ولكنه تابع يشرح بجدية أنه بعد أن فحص العديد من المواقع والمدن، اختار برلين لأن الموقع الذي سيبني فيه مصنعه كانت تخطط شركة «بي إم دبليو» لبناء مصنع كبير لها فيه، وكانت الكثير من التراخيص البيئية وغيرها قد أصدرت ما سهل الأمر بيروقراطياً كثيراً على تسلا. وأضاف يقول إن «الإجراءات حصلت بسرعة، والحكومة كانت مرحبة جدا بنا، ووجدت أيضا أن المكان جميل».


المانيا إقتصاد ألمانيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة