عبد العزيز السماعيل: المسرح السعودي عائد بقوة والمرأة ستثبت حضورها على الخشبة

رئيس «المسرح الوطني» يقول إنه سيتم الاستثمار في الثقافة المسرحية حتى يقل الاعتماد على الدولة

الأمير بدر بن عبد الله وزير الثقافة السعودي، وعبد العزيز السماعيل،  رئيس المسرح الوطني خلال تدشين مبادرة المسرحِ الوطني بالرياض (تصوير سعد الدوسري)
الأمير بدر بن عبد الله وزير الثقافة السعودي، وعبد العزيز السماعيل، رئيس المسرح الوطني خلال تدشين مبادرة المسرحِ الوطني بالرياض (تصوير سعد الدوسري)
TT

عبد العزيز السماعيل: المسرح السعودي عائد بقوة والمرأة ستثبت حضورها على الخشبة

الأمير بدر بن عبد الله وزير الثقافة السعودي، وعبد العزيز السماعيل،  رئيس المسرح الوطني خلال تدشين مبادرة المسرحِ الوطني بالرياض (تصوير سعد الدوسري)
الأمير بدر بن عبد الله وزير الثقافة السعودي، وعبد العزيز السماعيل، رئيس المسرح الوطني خلال تدشين مبادرة المسرحِ الوطني بالرياض (تصوير سعد الدوسري)

أطلق الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة السعودي الثلاثاء الماضي، مبادرة المسرح الوطني، في حفل فني ومسرحي بمركز الملك فهد الثقافي بالرياض، بحضور مجموعة من الفنانين والمثقفين والمهتمين بالفنون المسرحية من المملكة والعالم العربي.
وأعلن الأمير بدر أن «رؤية المملكة 2030 تنظر إلى الثقافة بوصفها (من مقوّمات جودة الحياة)، لذا فإن وزارة الثقافة ملتزمة بدعم الحركة المسرحية وتمكين المسرحيين من أداء رسالتهم وفتح مساحات أرحب لإبداع السعوديين»، مؤكداً أن وزارة الثقافة تسعى لأن يكون المسرح الوطني قائداً للإبداع في الفنون الأدائية، وبناء القدرات البشرية لصناعة مسرحية محلية بجودة عالمية، مشدداً على أهمية الشراكة مع المسرحيين السعوديين في تحقيق أهداف المبادرة، «فمن خلالهم سنحقق الأهداف وسنتجاوز الصعوبات معاً، لنبني بنية ثقافية مستدامة».
الكاتب والسيناريست والفنان عبد العزيز السماعيل، قضى أكثر من 45 عاماً من عمره على خشبة المسرح، ممثلاً ومؤلفاً ومخرجاً وناقداً ومُحَكّمَاً وإدارياً ومشرفاً، حمل هموم المسرح ومعاناة المسرحيين على ظهره، وقدم أعمالاً مهمة كمسرحية «تراجيع» ومسرحية «الملقن»، حتى مسرحيته الشهيرة «موت المغني فرج باللغة».
وفي الحوار التالي مع «الشرق الأوسط» يتحدث السماعيل، عن مبادرة «المسرح الوطني» وسبل تفعيلها وعلاقتها بالفرق المسرحية، ودور المسرح حاضناً للإبداع الفني:> هل يمكنك أن تحدثنا عن مبادرة المسرح الوطني... ماذا تمثل؟ ما مكوناتها؟
- مبادرة المسرح الوطني إحدى المبادرات التي أطلقتها وزارة الثقافة بعد إعلان استراتيجيتها في 27 مارس (آذار) 2019، حيث تم بعد ذلك صدور قرار الأمير بدر وزير الثقافة بتعييني رئيساً للمبادرة، إلى جانب مبادرة الفرقة الوطنية للموسيقى بتاريخ 2 أبريل (نيسان) 2019، ومنذ ذلك التاريخ بدأنا في التخطيط والدراسة، ومن ضمن ذلك البحث عن تجارب العمل وأساليب الإنتاج في أهم المسارح الوطنية في العالم، حتى توصلنا إلى دراية شاملة بأهم تلك التجارب وكيفية الاستفادة منها...
> كيف تتلخص رؤيتكم للمسرح... كمؤسسة وليس كمسرحيين؟
- إنه استثمار بعيد المدى، المسرح فنّ بحجم الحياة تماماً، لا أقل ولا أكثر، وما تراه على الخشبة دائماً هو القائم الآن وهنا في هذا الوقت، هذا هو سر المسرح...
وبناء عليه تمت صياغة المسودة الأولى لخطة المسرح الوطني ورؤيته لتنسجم مع رؤية المملكة 2030 كمشروع ثقافي يشمل التدريب والتطوير والعمل الثقافي للمسرح وفنون الأداء، وليس الإنتاج المسرحي فقط...
> هل لهذا السبب تم تغيير الاسم؟
- نعم، تمّ تغيير الاسم من «مبادرة الفرقة الوطنية للمسرح» إلى «المسرح الوطني» ليكون منسجماً مع هذا الهدف...
> كيف يمكن أن تحتوي المبادرة أشكال العمل المسرحي؟
- لأن المسرح وفنون الأداء أشكال وصيغ فنية وثقافية متنوعة، ولها نفس الأهمية والترابط مع بعضها، تم تقسيم العمل عليها إلى عدة مسارات متوازية لتحقيق شمولية في دعم وتطوير المسرح الوطني السعودي ليكون بالفعل منصة للإبداع المسرحي وفنون الأداء؛ منها الإنتاج المسرحي (ويشمل كل أنواع فنون المسرح)، والإنتاج المسرحي بالتعاون مع الفرق المحلية، والتدريب والتطوير، وتنظيم المهرجانات، ومسرح الطفل، والدراما في التعليم، والمسار الثقافي...
وكل واحد من هذه المسارات تتفرع منه خطط وبرامج متنوعة تصب في النهاية في مفهوم المسار نفسه...
> دعنا نتحدث عن «الإنتاج» مثلاً، أو «المهرجانات»...
- الإنتاج سيكون بالتعاون مع الفرق المحلية، وسوف يتم سنوياً إنتاج عدد من العروض المسرحية تزيد سنوياً من خلال الفرق المحلية بتوفير الدعم المادي اللازم لها ومساندتها في تطوير تجاربها في أكثر من مدينة ومحافظة داخل المملكة، بينما تنظيم المهرجانات يشمل المهرجانات المحلية والدولية بأنواعها، ومسار الإنتاج يشمل المسرح للكبار والأطفال والمسرح الغنائي والأوبرا والمونودراما ودراما التعليم، والمسار الثقافي سوف يشمل التأليف والترجمة وطباعة النصوص... إلخ.

مهرجان ومسابقة 2020
> هل سيقوم المسرح الوطني بتنظيم مهرجانات وإطلاق جوائز مسرحية؟ في هذه الحالة؛ هل سيكون بديلاً عن المؤسسات التي تنظم المهرجانات المسرحية؟
- لا توجد الآن مؤسسات تنظم مهرجانات باستثناء عدد محدود جداً في بعض فروع الجمعية، إضافة إلى قلة الدعم والمساندة المالية لها، لذلك سوف يقوم المسرح الوطني بدوره في تنظيم مهرجانات محلية ودولية تليق باسم المملكة وبالمسرح السعودي من ناحية الإعداد والتنظيم، وسوف نبدأ هذا العام بتنظيم مهرجان وطني للعروض المسرحية وفنون الأداء في مدينة الرياض ليستمر متجولاً بعد ذلك على أهم المدن في المملكة كل عام. وسوف نعلن أيضاً في 2020 عن أولى مسابقات المسرح الوطني لتأليف النصوص المسرحية للكبار والأطفال، ولها جوائز قيمة لتكون قاعدة بيانات مهمة للكتاب السعوديين وتأسيس مكتبة مسرحية سعودية.
> ماذا تضيف هذه المبادرة للمسرح السعودي؟ أنت تعلم أن المسرح المحلي يعاني من إهمال من المؤسسات، حتى إنه لا يملك مسرحاً...
- سوف يضيف المسرح الوطني الكثير للمسرح السعودي، خصوصاً أن تجربة المسرح السعودي قبل ذلك - رغم أهميتها والجهود العظيمة التي بذلت فيها من المسرحيين السعوديين - كانت معتمدة في الغالب على الجهود الفردية وشبه الفردية ولم تتوفر لها البنية التحتية اللازمة ولا الدعم المالي الكافي، إضافة إلى ندرة الكوادر المتخصصة في دراسة المسرح.
> ما علاقة هذه المبادرة بالفرق المسرحية الناشطة؟
- يمكن أن أقول بوضوح إن المسرح الوطني سوف يعتمد على الفرق المحلية في الإنتاج كعنصر أساسي في أكثر من مسار بما في ذلك الدراما في التعليم، ليس بهدف توفير عدد من العروض ذات جودة عالية فقط في مختلف مناطق المملكة، بل للمساهمة في تطوير تلك الفرق جنباً إلى جنب مع تطور المسرح الوطني، والاستفادة من الخبرات المتميزة لدى البعض منها في مجال التمثيل والإخراج والتأليف وحتى التدريب والتطوير.
>... وكيف ستتعامل المبادرة مع جمعية المسرحيين وجمعيات الثقافة والفنون؟
- جمعية المسرحيين وجمعية الثقافة والفنون وكل المؤسسات الثقافية القائمة حالياً أصبحت من مسؤولية وزارة الثقافة، وهي تعمل الآن على تحقيق دراسة شاملة لمستقبل كل الجمعيات والمؤسسات الأهلية المعنية بالثقافة.
> تقولون إن المبادرة ستمثل حجر الأساس لتوفير منصة للإبداع المسرحي وفنون الأداء... هل لديكم تصور لكيفية احتضان هذه الفنون وتقديمها؟
- تصورنا لتحقيق تلك الأهداف سوف ينمو تدريجياً ويتطور في كل عام مستعينين بالكادر السعودي المتوفر وبعض الخبرات اللازمة من الدول العربية والأجنبية حتى تكتمل سعودة قطاع المسرح والإنتاج بالكامل. وكما قلت عمل المسرح الوطني سوف يوزع على مسارات متوازية في كل أشكال المسرح وفنون الأداء، بحيث نضمن جودة الإعداد وتصميم خطط العمل لكل مسار وتفرعاته على حدة قبل التنفيذ، بهدف الحصول على مخرجات ناجحة، وتقييم واضح للأداء في كل عناصر العمل منذ البداية وحتى النهاية.
> وكيف ستكون علاقة المسرح الوطني بالجمهور السعودي؟
- نحن نؤمن بأن المسرح فن وظاهرة اجتماعية بالدرجة الأولى؛ وقد وضعت أساس رؤية المسرح الوطني على اعتبار أن الجمهور المحلي هو الهدف الأول وحتى العاشر، وسوف نستهدف الجمهور المحلي بتقديم أعمال راقية جاذبة له وممتعة ومفيدة، ومن أجل ذلك سوف نستلهم من عمق تراثنا وتقاليدنا وثقافتنا الأصيلة قضايانا الملحة في النص وعروضنا المسرحية لنعزز معاً نحن والجمهور الهوية الخاصة للمسرح السعودي دائماً، ومن دون أن نغفل أهمية الاستفادة والتفاعل مع أهم التجارب العالمية الحديثة.
> هناك ما يسمى الاستثمار في الثقافة... ماذا تقول عن ذلك؟
- نحن أيضاً سوف نستثمر في الثقافة المسرحية، وفي الإنتاج وتقديم العروض، هذا مهم ليس فقط من أجل استدامة عطاء المسرح وتطويره، بل من أجل بناء علاقة تبادلية محفزة بين المسرح والجمهور أيضاً، وتوفير دخل ذاتي مهم للمسرح والعاملين فيه، بحيث يقل تدريجياً الاعتماد الكلي على دعم الدولة الكامل للمسرح، وذلك أحد أهم أهداف رؤية المملكة 2030 لمشروع الثقافة المستدامة.
> قلت إن المبادرة تتجه لتنشيط التدريب والتطوير في مجال المسرح، هل هناك أكاديمية للفنون المسرحية؟
- يعدّ مسار التدريب والتطوير من أهم المسارات التي سيعمل عليها المسرح الوطني لأنه يحقق الفائدة ويخدم كل المسارات ومن ضمنه تصميم وتنفيذ برامج طموحة لاكتشاف المواهب المسرحية السعودية قيد الدراسة حالياً، تمهيداً لإطلاقه في عام 2021 بإذن الله، أما الدراسات المتخصصة في مختلف علوم المسرح ومنها البرامج متوسطة وبعيدة المدى فسوف تكون من مسؤولية برنامج الابتعاث الذي أطلقته الوزارة مؤخراً، إضافة إلى الأكاديميات الفنية التي تضمنتها استراتيجية وزارة الثقافة.
> ماذا بشأن مشاركة المرأة في الأداء المسرحي؟
- بلا شك سوف يضفي حضور المرأة على خشبة المسرح بهجة وقوة على العروض المسرحية، فهي المكمل والعنصر الناقص دائماً في مسرحنا سابقاً، ولكن حضورها سيكون حضوراً جاداً وراقياً منسجماً مع عاداتنا وتقاليدنا، لتكون شريكاً بالكامل في المنعطف الذي سوف يسلكه مسار المسرح الوطني.

المسرح السعودي... بداية متأخرة ومسيرة متعثرة... ومستقبل واعد
> تاريخياً، بدأ المسرح السعودي متأخراً عن أمثاله في العالم العربي، وحتى في بعض دول الخليج، ورغم الحراك الثقافي السعودي، ظلّ المسرح متعثراً وبطيء النمو، ومتأخراً في النشأة والتأسيس، بسبب الموقف العام من الفنون الأدائية والبصرية، شأنه شأن السينما، فقد تأسس المسرح العربي قبل نحو 160 عاماً على يد مارون النقاش (1817 - 1855) الذي قدم أول مسرحية عربية عام 1847 في بيروت حملت اسم «البخيل»، لكن هذا الفن احتاج لأكثر من قرن ليتبرعم وينمو ببطء في السعودية، وقد أدى التواصل مع الحواضر الثقافية العربية خصوصاً في مصر لبروز تجارب مسرحية خاصة في الحجاز، وكان أول نص مسرحي ألفه الشاعر حسين عبد الله سراج عام 1932، وهو العام الذي أعلن فيه توحيد السعودية. كان الشاعر حسين سراج أول من كتب المسرحية الشعرية، بفعل تأثره بالتجربة المصرية، وقد كتب المسرحية الشعرية «الظالم نفسه» عام 1932 ومسرحية «جميل بثينة» عام 1943 ومسرحية «غرام ولادة» عام 1952، كما كتب مسرحية «الشوق إليك» عام 1974.
وكتب الدكتور عصام خوقير المسرحية النثرية «الدوامة» عام 1959، ومسرحية «السعد وعد»، كما كتب عبد الله عبد الجبار مسرحية «العم سحنون» و«الشيطان الأخرس» عام 1945. وكتب أحمد عبد الغفور عطار مسرحيتي «الهجرة» و«الملحمة» 1946. وألف محمد مليباري نصَي «مسيلمة الكذاب» و«فتح مكة» 1960. وعاد عصام خوقير بنص «الليل لما خلى»، وكتب إبراهيم حمدان نص مسرحية نسائية بعنوان «مونوكليا».
وقد شهدت نهاية الخمسينات أولى بوادر التجربة المسرحية السعودية، حين أسس أحمد السباعي مسرح قريش في مكة المكرمة، وقام بتأسيس فرقة مسرحية في مكة، ومدرسة للتمثيل، أطلق عليها اسم «دار قريش للتمثيل الإسلامي»، واختار مسرحية «صقر قريش» لتعرض في ليلة الافتتاح (1960)، لكنّ هذه التجربة تعرضت للإجهاض قبل أن ترى النور.
ومع تأسيس جمعية الفنون الشعبية عام 1970، تلاه إنشاء قسم الفنون المسرحية بالرئاسة العامة لرعاية الشباب عام 1974، وتأسيس الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، أخذ الاهتمام بالمسرح يتصاعد، وبرز دور جمعية الثقافة والفنون راعياً للتجارب المسرحية، التي اتخذت صبغة اجتماعية في عروضها ومواضيعها.
وقد أرست «رؤية السعودية 2030» انطلاقة جديدة للثقافة السعودية باعتبارها من أهم محركات التحول الوطني نحو التنمية البشرية. وأطلقت وزارة الثقافة حزمة مبادرات تتضمن 27 مبادرة (تنتمي إلى 16 قطاعاً ثقافياً) لتكريس الثقافة نمط حياة في المجتمع، والثقافة من أجل النمو الاقتصادي، والثقافة من أجل تعزيز مكانة المملكة الدولية... ونصّت المبادرة السادسة على تأسيس «الفرقة الوطنية للمسرح».



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي