عبد العزيز السماعيل: المسرح السعودي عائد بقوة والمرأة ستثبت حضورها على الخشبة

رئيس «المسرح الوطني» يقول إنه سيتم الاستثمار في الثقافة المسرحية حتى يقل الاعتماد على الدولة

الأمير بدر بن عبد الله وزير الثقافة السعودي، وعبد العزيز السماعيل،  رئيس المسرح الوطني خلال تدشين مبادرة المسرحِ الوطني بالرياض (تصوير سعد الدوسري)
الأمير بدر بن عبد الله وزير الثقافة السعودي، وعبد العزيز السماعيل، رئيس المسرح الوطني خلال تدشين مبادرة المسرحِ الوطني بالرياض (تصوير سعد الدوسري)
TT

عبد العزيز السماعيل: المسرح السعودي عائد بقوة والمرأة ستثبت حضورها على الخشبة

الأمير بدر بن عبد الله وزير الثقافة السعودي، وعبد العزيز السماعيل،  رئيس المسرح الوطني خلال تدشين مبادرة المسرحِ الوطني بالرياض (تصوير سعد الدوسري)
الأمير بدر بن عبد الله وزير الثقافة السعودي، وعبد العزيز السماعيل، رئيس المسرح الوطني خلال تدشين مبادرة المسرحِ الوطني بالرياض (تصوير سعد الدوسري)

أطلق الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة السعودي الثلاثاء الماضي، مبادرة المسرح الوطني، في حفل فني ومسرحي بمركز الملك فهد الثقافي بالرياض، بحضور مجموعة من الفنانين والمثقفين والمهتمين بالفنون المسرحية من المملكة والعالم العربي.
وأعلن الأمير بدر أن «رؤية المملكة 2030 تنظر إلى الثقافة بوصفها (من مقوّمات جودة الحياة)، لذا فإن وزارة الثقافة ملتزمة بدعم الحركة المسرحية وتمكين المسرحيين من أداء رسالتهم وفتح مساحات أرحب لإبداع السعوديين»، مؤكداً أن وزارة الثقافة تسعى لأن يكون المسرح الوطني قائداً للإبداع في الفنون الأدائية، وبناء القدرات البشرية لصناعة مسرحية محلية بجودة عالمية، مشدداً على أهمية الشراكة مع المسرحيين السعوديين في تحقيق أهداف المبادرة، «فمن خلالهم سنحقق الأهداف وسنتجاوز الصعوبات معاً، لنبني بنية ثقافية مستدامة».
الكاتب والسيناريست والفنان عبد العزيز السماعيل، قضى أكثر من 45 عاماً من عمره على خشبة المسرح، ممثلاً ومؤلفاً ومخرجاً وناقداً ومُحَكّمَاً وإدارياً ومشرفاً، حمل هموم المسرح ومعاناة المسرحيين على ظهره، وقدم أعمالاً مهمة كمسرحية «تراجيع» ومسرحية «الملقن»، حتى مسرحيته الشهيرة «موت المغني فرج باللغة».
وفي الحوار التالي مع «الشرق الأوسط» يتحدث السماعيل، عن مبادرة «المسرح الوطني» وسبل تفعيلها وعلاقتها بالفرق المسرحية، ودور المسرح حاضناً للإبداع الفني:> هل يمكنك أن تحدثنا عن مبادرة المسرح الوطني... ماذا تمثل؟ ما مكوناتها؟
- مبادرة المسرح الوطني إحدى المبادرات التي أطلقتها وزارة الثقافة بعد إعلان استراتيجيتها في 27 مارس (آذار) 2019، حيث تم بعد ذلك صدور قرار الأمير بدر وزير الثقافة بتعييني رئيساً للمبادرة، إلى جانب مبادرة الفرقة الوطنية للموسيقى بتاريخ 2 أبريل (نيسان) 2019، ومنذ ذلك التاريخ بدأنا في التخطيط والدراسة، ومن ضمن ذلك البحث عن تجارب العمل وأساليب الإنتاج في أهم المسارح الوطنية في العالم، حتى توصلنا إلى دراية شاملة بأهم تلك التجارب وكيفية الاستفادة منها...
> كيف تتلخص رؤيتكم للمسرح... كمؤسسة وليس كمسرحيين؟
- إنه استثمار بعيد المدى، المسرح فنّ بحجم الحياة تماماً، لا أقل ولا أكثر، وما تراه على الخشبة دائماً هو القائم الآن وهنا في هذا الوقت، هذا هو سر المسرح...
وبناء عليه تمت صياغة المسودة الأولى لخطة المسرح الوطني ورؤيته لتنسجم مع رؤية المملكة 2030 كمشروع ثقافي يشمل التدريب والتطوير والعمل الثقافي للمسرح وفنون الأداء، وليس الإنتاج المسرحي فقط...
> هل لهذا السبب تم تغيير الاسم؟
- نعم، تمّ تغيير الاسم من «مبادرة الفرقة الوطنية للمسرح» إلى «المسرح الوطني» ليكون منسجماً مع هذا الهدف...
> كيف يمكن أن تحتوي المبادرة أشكال العمل المسرحي؟
- لأن المسرح وفنون الأداء أشكال وصيغ فنية وثقافية متنوعة، ولها نفس الأهمية والترابط مع بعضها، تم تقسيم العمل عليها إلى عدة مسارات متوازية لتحقيق شمولية في دعم وتطوير المسرح الوطني السعودي ليكون بالفعل منصة للإبداع المسرحي وفنون الأداء؛ منها الإنتاج المسرحي (ويشمل كل أنواع فنون المسرح)، والإنتاج المسرحي بالتعاون مع الفرق المحلية، والتدريب والتطوير، وتنظيم المهرجانات، ومسرح الطفل، والدراما في التعليم، والمسار الثقافي...
وكل واحد من هذه المسارات تتفرع منه خطط وبرامج متنوعة تصب في النهاية في مفهوم المسار نفسه...
> دعنا نتحدث عن «الإنتاج» مثلاً، أو «المهرجانات»...
- الإنتاج سيكون بالتعاون مع الفرق المحلية، وسوف يتم سنوياً إنتاج عدد من العروض المسرحية تزيد سنوياً من خلال الفرق المحلية بتوفير الدعم المادي اللازم لها ومساندتها في تطوير تجاربها في أكثر من مدينة ومحافظة داخل المملكة، بينما تنظيم المهرجانات يشمل المهرجانات المحلية والدولية بأنواعها، ومسار الإنتاج يشمل المسرح للكبار والأطفال والمسرح الغنائي والأوبرا والمونودراما ودراما التعليم، والمسار الثقافي سوف يشمل التأليف والترجمة وطباعة النصوص... إلخ.

مهرجان ومسابقة 2020
> هل سيقوم المسرح الوطني بتنظيم مهرجانات وإطلاق جوائز مسرحية؟ في هذه الحالة؛ هل سيكون بديلاً عن المؤسسات التي تنظم المهرجانات المسرحية؟
- لا توجد الآن مؤسسات تنظم مهرجانات باستثناء عدد محدود جداً في بعض فروع الجمعية، إضافة إلى قلة الدعم والمساندة المالية لها، لذلك سوف يقوم المسرح الوطني بدوره في تنظيم مهرجانات محلية ودولية تليق باسم المملكة وبالمسرح السعودي من ناحية الإعداد والتنظيم، وسوف نبدأ هذا العام بتنظيم مهرجان وطني للعروض المسرحية وفنون الأداء في مدينة الرياض ليستمر متجولاً بعد ذلك على أهم المدن في المملكة كل عام. وسوف نعلن أيضاً في 2020 عن أولى مسابقات المسرح الوطني لتأليف النصوص المسرحية للكبار والأطفال، ولها جوائز قيمة لتكون قاعدة بيانات مهمة للكتاب السعوديين وتأسيس مكتبة مسرحية سعودية.
> ماذا تضيف هذه المبادرة للمسرح السعودي؟ أنت تعلم أن المسرح المحلي يعاني من إهمال من المؤسسات، حتى إنه لا يملك مسرحاً...
- سوف يضيف المسرح الوطني الكثير للمسرح السعودي، خصوصاً أن تجربة المسرح السعودي قبل ذلك - رغم أهميتها والجهود العظيمة التي بذلت فيها من المسرحيين السعوديين - كانت معتمدة في الغالب على الجهود الفردية وشبه الفردية ولم تتوفر لها البنية التحتية اللازمة ولا الدعم المالي الكافي، إضافة إلى ندرة الكوادر المتخصصة في دراسة المسرح.
> ما علاقة هذه المبادرة بالفرق المسرحية الناشطة؟
- يمكن أن أقول بوضوح إن المسرح الوطني سوف يعتمد على الفرق المحلية في الإنتاج كعنصر أساسي في أكثر من مسار بما في ذلك الدراما في التعليم، ليس بهدف توفير عدد من العروض ذات جودة عالية فقط في مختلف مناطق المملكة، بل للمساهمة في تطوير تلك الفرق جنباً إلى جنب مع تطور المسرح الوطني، والاستفادة من الخبرات المتميزة لدى البعض منها في مجال التمثيل والإخراج والتأليف وحتى التدريب والتطوير.
>... وكيف ستتعامل المبادرة مع جمعية المسرحيين وجمعيات الثقافة والفنون؟
- جمعية المسرحيين وجمعية الثقافة والفنون وكل المؤسسات الثقافية القائمة حالياً أصبحت من مسؤولية وزارة الثقافة، وهي تعمل الآن على تحقيق دراسة شاملة لمستقبل كل الجمعيات والمؤسسات الأهلية المعنية بالثقافة.
> تقولون إن المبادرة ستمثل حجر الأساس لتوفير منصة للإبداع المسرحي وفنون الأداء... هل لديكم تصور لكيفية احتضان هذه الفنون وتقديمها؟
- تصورنا لتحقيق تلك الأهداف سوف ينمو تدريجياً ويتطور في كل عام مستعينين بالكادر السعودي المتوفر وبعض الخبرات اللازمة من الدول العربية والأجنبية حتى تكتمل سعودة قطاع المسرح والإنتاج بالكامل. وكما قلت عمل المسرح الوطني سوف يوزع على مسارات متوازية في كل أشكال المسرح وفنون الأداء، بحيث نضمن جودة الإعداد وتصميم خطط العمل لكل مسار وتفرعاته على حدة قبل التنفيذ، بهدف الحصول على مخرجات ناجحة، وتقييم واضح للأداء في كل عناصر العمل منذ البداية وحتى النهاية.
> وكيف ستكون علاقة المسرح الوطني بالجمهور السعودي؟
- نحن نؤمن بأن المسرح فن وظاهرة اجتماعية بالدرجة الأولى؛ وقد وضعت أساس رؤية المسرح الوطني على اعتبار أن الجمهور المحلي هو الهدف الأول وحتى العاشر، وسوف نستهدف الجمهور المحلي بتقديم أعمال راقية جاذبة له وممتعة ومفيدة، ومن أجل ذلك سوف نستلهم من عمق تراثنا وتقاليدنا وثقافتنا الأصيلة قضايانا الملحة في النص وعروضنا المسرحية لنعزز معاً نحن والجمهور الهوية الخاصة للمسرح السعودي دائماً، ومن دون أن نغفل أهمية الاستفادة والتفاعل مع أهم التجارب العالمية الحديثة.
> هناك ما يسمى الاستثمار في الثقافة... ماذا تقول عن ذلك؟
- نحن أيضاً سوف نستثمر في الثقافة المسرحية، وفي الإنتاج وتقديم العروض، هذا مهم ليس فقط من أجل استدامة عطاء المسرح وتطويره، بل من أجل بناء علاقة تبادلية محفزة بين المسرح والجمهور أيضاً، وتوفير دخل ذاتي مهم للمسرح والعاملين فيه، بحيث يقل تدريجياً الاعتماد الكلي على دعم الدولة الكامل للمسرح، وذلك أحد أهم أهداف رؤية المملكة 2030 لمشروع الثقافة المستدامة.
> قلت إن المبادرة تتجه لتنشيط التدريب والتطوير في مجال المسرح، هل هناك أكاديمية للفنون المسرحية؟
- يعدّ مسار التدريب والتطوير من أهم المسارات التي سيعمل عليها المسرح الوطني لأنه يحقق الفائدة ويخدم كل المسارات ومن ضمنه تصميم وتنفيذ برامج طموحة لاكتشاف المواهب المسرحية السعودية قيد الدراسة حالياً، تمهيداً لإطلاقه في عام 2021 بإذن الله، أما الدراسات المتخصصة في مختلف علوم المسرح ومنها البرامج متوسطة وبعيدة المدى فسوف تكون من مسؤولية برنامج الابتعاث الذي أطلقته الوزارة مؤخراً، إضافة إلى الأكاديميات الفنية التي تضمنتها استراتيجية وزارة الثقافة.
> ماذا بشأن مشاركة المرأة في الأداء المسرحي؟
- بلا شك سوف يضفي حضور المرأة على خشبة المسرح بهجة وقوة على العروض المسرحية، فهي المكمل والعنصر الناقص دائماً في مسرحنا سابقاً، ولكن حضورها سيكون حضوراً جاداً وراقياً منسجماً مع عاداتنا وتقاليدنا، لتكون شريكاً بالكامل في المنعطف الذي سوف يسلكه مسار المسرح الوطني.

المسرح السعودي... بداية متأخرة ومسيرة متعثرة... ومستقبل واعد
> تاريخياً، بدأ المسرح السعودي متأخراً عن أمثاله في العالم العربي، وحتى في بعض دول الخليج، ورغم الحراك الثقافي السعودي، ظلّ المسرح متعثراً وبطيء النمو، ومتأخراً في النشأة والتأسيس، بسبب الموقف العام من الفنون الأدائية والبصرية، شأنه شأن السينما، فقد تأسس المسرح العربي قبل نحو 160 عاماً على يد مارون النقاش (1817 - 1855) الذي قدم أول مسرحية عربية عام 1847 في بيروت حملت اسم «البخيل»، لكن هذا الفن احتاج لأكثر من قرن ليتبرعم وينمو ببطء في السعودية، وقد أدى التواصل مع الحواضر الثقافية العربية خصوصاً في مصر لبروز تجارب مسرحية خاصة في الحجاز، وكان أول نص مسرحي ألفه الشاعر حسين عبد الله سراج عام 1932، وهو العام الذي أعلن فيه توحيد السعودية. كان الشاعر حسين سراج أول من كتب المسرحية الشعرية، بفعل تأثره بالتجربة المصرية، وقد كتب المسرحية الشعرية «الظالم نفسه» عام 1932 ومسرحية «جميل بثينة» عام 1943 ومسرحية «غرام ولادة» عام 1952، كما كتب مسرحية «الشوق إليك» عام 1974.
وكتب الدكتور عصام خوقير المسرحية النثرية «الدوامة» عام 1959، ومسرحية «السعد وعد»، كما كتب عبد الله عبد الجبار مسرحية «العم سحنون» و«الشيطان الأخرس» عام 1945. وكتب أحمد عبد الغفور عطار مسرحيتي «الهجرة» و«الملحمة» 1946. وألف محمد مليباري نصَي «مسيلمة الكذاب» و«فتح مكة» 1960. وعاد عصام خوقير بنص «الليل لما خلى»، وكتب إبراهيم حمدان نص مسرحية نسائية بعنوان «مونوكليا».
وقد شهدت نهاية الخمسينات أولى بوادر التجربة المسرحية السعودية، حين أسس أحمد السباعي مسرح قريش في مكة المكرمة، وقام بتأسيس فرقة مسرحية في مكة، ومدرسة للتمثيل، أطلق عليها اسم «دار قريش للتمثيل الإسلامي»، واختار مسرحية «صقر قريش» لتعرض في ليلة الافتتاح (1960)، لكنّ هذه التجربة تعرضت للإجهاض قبل أن ترى النور.
ومع تأسيس جمعية الفنون الشعبية عام 1970، تلاه إنشاء قسم الفنون المسرحية بالرئاسة العامة لرعاية الشباب عام 1974، وتأسيس الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، أخذ الاهتمام بالمسرح يتصاعد، وبرز دور جمعية الثقافة والفنون راعياً للتجارب المسرحية، التي اتخذت صبغة اجتماعية في عروضها ومواضيعها.
وقد أرست «رؤية السعودية 2030» انطلاقة جديدة للثقافة السعودية باعتبارها من أهم محركات التحول الوطني نحو التنمية البشرية. وأطلقت وزارة الثقافة حزمة مبادرات تتضمن 27 مبادرة (تنتمي إلى 16 قطاعاً ثقافياً) لتكريس الثقافة نمط حياة في المجتمع، والثقافة من أجل النمو الاقتصادي، والثقافة من أجل تعزيز مكانة المملكة الدولية... ونصّت المبادرة السادسة على تأسيس «الفرقة الوطنية للمسرح».



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.