حدائق الاحتجاج الخلفية: آلاف العراقيين يكتبون تاريخهم الرقمي

المحتجون العراقيون يوثقون حراكهم باستخدام كاميرات هواتفهم الجوالة (أ.ف.ب)
المحتجون العراقيون يوثقون حراكهم باستخدام كاميرات هواتفهم الجوالة (أ.ف.ب)
TT

حدائق الاحتجاج الخلفية: آلاف العراقيين يكتبون تاريخهم الرقمي

المحتجون العراقيون يوثقون حراكهم باستخدام كاميرات هواتفهم الجوالة (أ.ف.ب)
المحتجون العراقيون يوثقون حراكهم باستخدام كاميرات هواتفهم الجوالة (أ.ف.ب)

بعد يومين من استقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، كان العشرات من أفراد خيمة احتجاجٍ في ساحة التحرير، وسط بغداد، يحتفلون بنبأ الإفراج عن أحد نشطاء الاحتجاج، وهو مدون شهير في موقع «يوتيوب»، لعب دوراً في توثيق الحياة اليومية للمتظاهرين.
وكان المدون قد اختطِف من زقاق قريب من ساحة التحرير ثم اقتيد إلى مكان مجهول، كعادة غالبية حوادث الاختطاف أو الاعتقال، قبل أن يُفرج عنه بعد نحو سبعة أيام، في 28 من نوفمبر (تشرين الثاني). ولا يزال الناشطون في الاحتجاج يتداولون مقاطع الفيديو التي صورها منذ اندلاع الاحتجاج مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وكان الجمهور يتفاعل معها، بطريقة مركبة، لكنها ساعدت مستخدمين آخرين على كسر حاجز الخوف، على الأقل في التعبير عن آرائهم عبر الشبكة الضوئية.
تلك المشاهد، التي حظيت بنقرات تجاوزت مئات الآلاف على مدار أسابيع، شكلت أيضاً شهادات دامغة على استخدام القوات الأمنية العنف المفرط على نحو متواتر ومتعدد، كقنابل الغاز والرصاص الحي.
المدون المفرج عنه كان واحداً من مئات الشبان الذين لم يتمكنوا من التعبير عن أنفسهم وحسب، بل ولعبوا دوراً أساسياً في التداول الحر للمعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدا هذا منذ اندلاع الاحتجاج كرة نار تنتشر في منصات التواصل الاجتماعي. والحال، أن عدد العراقيين الذين يستخدمون موقع «فيسبوك»، حتى شهر يناير (كانون الثاني) الحالي، بلغ نحو 20 مليون مستخدم، ربع هذا العدد من النساء، ونحو ثلثه مستخدمون من سكان العاصمة بغداد. والعدد الإجمالي أكثر بنحو 4 ملايين؛ مما كان عليه مطلع العام الماضي، بحسب خوارزميات إحصائية يوفرها «فيسبوك».
نصف هذا العدد، تقريباً، من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 25 و34 عاماً، ومنذ بدء الاحتجاجات انخرط غالبيتهم في نقاشات مستدامة بشأن معايير أساسية لمطالبهم من النظام السياسي، بل وحث الناس على الخروج إلى ساحات التظاهر.
امتازت الحركة الاحتجاجية في عموم محافظات الوسط والجنوب، من بغداد حتى البصرة، بأنها نشاط اجتماعي يستهدف «الإطاحة بالفاسدين وإجراء تعديلات جوهرية على النظام الانتخابي»، دون أن يعني هذا أن تلك الأنشطة متصلة على الأرض عبر قيادة واحدة، درجة أن لكل مدينة احتجاجها وأسلوبها في الحراك، لكن آلاف المستخدمين الفاعلين في الشبكة الضوئية أوصلوا ما لم يكن ليتصل، وبدت المظاهرات حركة شعبية موحدة رغم تنوعها.

- الضحايا يكسبون المعارك
في 30 نوفمبر، كان المتظاهرون في غالبية الساحات يوقدون الشموع، ليلاً، لضحايا مدينة الناصرية. قبل يومين كانت قوات الشرطة قد قتلت وأصابت عشرات المتظاهرين قبل أن يقرر قائد الشرطة حينها وقف إطلاق النار وسحب عناصره بعد اتفاق مع شيوخ العشائر هناك، حينها كان رئيس الوزراء عبد المهدي يصوغ رسالة استقالته ويذيعها في الليلة ذاتها.
من بين الضحايا، كان المتظاهر عمر سعدون (21 سنة) أحد ضحايا الناصرية تلك الليلة. تلقف المدونون صورته وراحوا يراجعون حسابه الشخصي في «فيسبوك»، أعادوا نشر صوره القديمة وسحبوا حالاته أيام الدراسة إلى الضوء في الشبكة. اكتشفوا أنه يتيم الأب، فازداد التفاعل عليه في نصوص ورسوم «غرافيتي» تدين السلطة، وتحاول استخدام ما تيسر من «التواصل الاجتماعي» لكسب معركة إعلامية مع الحكومة: الكلمات والصور تُشكل «صورة المجرم».
تقول إحصاءات جمعها الكاتب من موقع «فيسبوك»، إن الذين امتلكوا القدرة على الوصول إلى «شريط التغذية الإخباري» بلغ عددهم نحو 18 مليون عراقي، وخلال فترة الاحتجاج وجدوا أنفسهم أمام نحو آلاف المحتويات والأخبار، تفاعلوا مع نحو 3 آلاف نص وصورة ومقطع فيديو، يومياً. وارتباطاً بالحراك الاحتجاجي في البلاد، فإن هذا العدد امتلك القدرة على تداول الأفكار وترويج مشاعر الآلاف بشأن القضايا السياسية، حتى مع استقطابها، بينما لم تتمكن المؤسسات الإعلامية الحكومية والحزبية من مجاراته.

- كراهية مدفوعة الثمن
في 12 من نوفمبر الماضي، وصل مهندسون وحرفيون أرسلتهم نقابة العمال، ساحة التحرير محملين بمعدات وأسلاك كهربائية. دخلوا بناية المطعم التركي، المعروف باسم «جبل أحد»، وخلال ساعات أكملوا تجهيزه بالطاقة الكهربائية مع منظومة إنارة لجميع طوابقه.
مئات الصور التقطت للبناية، قطعة من ضوء في ظلام الساحة. شاركها مستخدمو «فيسبوك» كأنهم يحتفلون بـ«قلعة» الاحتجاج، بل وبقدرتهم على التماسك والبقاء. في المقابل، كانت الماكينة الإعلامية للأحزاب السياسية تنتج قصصاً في المنصة ذاتها عن «مؤامرات» تحاك في البناية، وإنها تضم «قطّاع طرق ومجرمين».
ومع حرية تداول هذه القصص في الشبكة الضوئية، فإن الأخبار التي تبثها المنظومة السياسية كانت على الدوام تدور في مساحات محدودة داخل فضاء المستخدمين العراقيين.
وخلال الأشهر الماضية ظهرت قصتان على الأقل لكل مستخدم بشأن المظاهرات مدفوعة الثمن، لكنها في الغالب لا تقدم المعلومات وتستخدم عوضاً عن ذلك صياغات عن «المؤامرة» تنطوي على قدر كبير من التحريض، بينما يحصل «المحتوى الأصلي»، الذي قد يصنعه متظاهر عادي على تفاعل الجمهور وثقته.

- الحديقة الخلفية للاحتجاج
تحول أحد طوابق المطعم التركي إلى مجموعة رقمية على «فيسبوك»، وظهرت صفحات تحمل عناوين مختلفة مشتقة من «الثورة» تضم آلاف المتظاهرين، ومتعاطفين معهم. يتبادلون كل يوم قصص الاحتجاج وصوره، يربطون المجاميع ببعضها، ويطلقون حملات لإسعاف الجرحى أو لجمع التبرعات، وأحياناً لتوثيق حالات القتل وإحصائهم كل يوم.
أفراد من هؤلاء صاروا يعرفون الطريق إلى وسائل الإعلام، التي بدورها تثق بهم، بوصفهم مصادر «أكثر دقة». ووصل الأمر إلى أن تعتمد منظمات دولية مقاطع مرئية نشرها هؤلاء، كان منها بيان لمنظمة العفو الدولية مطلع نوفمبر الماضي، أعلنت فيه أن «قنابل الغاز المسيل للدموع تخترق الجماجم»، في وقت كانت تصر وسائل الإعلام الحزبية على نفي ذلك. غير ذلك، كان المتظاهرون في منصات التواصل الاجتماعي يطرحون أفكاراً متعددة بشأن مستقبل البلاد، ورغم أنها لم تصل درجة الوضوح أو الإجماع، لكنها تدور في بيئة خلافية صحية، وهي تحاكي ما يدور من نقاشات حية بين خيم المعتصمين وفي ساحاتهم. بمعنى آخر، فإن المساحة بين الواقع الميداني وبين ذلك الافتراضي على الشبكة تقلصت إلى أدنى مستوياتها.

- الاحتجاج DNA
لم تُحدث استقالة عادل عبد المهدي، بعد نحو شهرين من إعلانها، فارقاً في سياق الاحتجاج؛ إذ حافظ المحتجون على ذروة حراكهم، وتحولت التفاصيل اليومية إلى محركات لشحن الشباب، بل وكسب تأييد أكبر من المجتمع، فبينما فشلت تلك الاستقالة في إخماد الحراك، تتمكن صورة قتيل من إشعاله مجدداً. وتظهر طريقة استجابة المتظاهرين للأحداث طرازاً فريداً في التكيف والمرونة بتحويل القمع إلى محركات جديدة للمواصلة، رغم سكون حراكهم في فترات متقطعة. ففي العاشر من يناير الحالي، تعرض مراسل تلفزيوني مع مصوره إلى إطلاقات نارية من أسلحة مجهولين في مدينة البصرة.
وقتل الصحافي أحمد عبد الصمد مع مصوره صفاء غالي داخل سيارتهما بعد دقائق من مغادرتهما ساحة الاحتجاج حيث كانا يغطيان الأحداث فيها. في وقت متأخر من الليل حمل المتظاهرون جثمان عبد الصمد إلى منزل عائلته وهناك هتفوا لوالدته ما يشبه «العهد باستمرار الاحتجاج». وبالتزامن، أعاد ناشطون نشر مقاطع فيديو لعبد الصمد تعود إلى سنوات قليلة ماضية يتحدث فيها عن الفساد المستشري في المحافظة، وعن نقص الخدمات الحاد فيها، في حين أضيفت صورته إلى الأيقونات التي يستخدمها المتظاهرون في الشوارع والساحات.
تحولت هذه الصور إلى مغذٍ يتجدد باستمرار ويمنح الاحتجاج زخماً تفشى من البصرة إلى بغداد. وبدت مثل هذه القصص تتضخم ذهاباً وإياباً في دوائر التواصل العراقية، وتحصل في كل محطة منها على تفاعل حي من الشبكة إلى الواقع في الميادين. وأعادت مئات المدونات الحياة إلى مطالبات بمحاكمة المسؤولين عن مقتل مئات المتظاهرين، رغم أن عبد المهدي نفسه، الذي تجاوزت الأحداث استقالته، كان قد حقق فيها بطريقة لم تحظ بثقة الجمهور ولا المنظمات الدولية العاملة.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.