حدائق الاحتجاج الخلفية: آلاف العراقيين يكتبون تاريخهم الرقمي

المحتجون العراقيون يوثقون حراكهم باستخدام كاميرات هواتفهم الجوالة (أ.ف.ب)
المحتجون العراقيون يوثقون حراكهم باستخدام كاميرات هواتفهم الجوالة (أ.ف.ب)
TT

حدائق الاحتجاج الخلفية: آلاف العراقيين يكتبون تاريخهم الرقمي

المحتجون العراقيون يوثقون حراكهم باستخدام كاميرات هواتفهم الجوالة (أ.ف.ب)
المحتجون العراقيون يوثقون حراكهم باستخدام كاميرات هواتفهم الجوالة (أ.ف.ب)

بعد يومين من استقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، كان العشرات من أفراد خيمة احتجاجٍ في ساحة التحرير، وسط بغداد، يحتفلون بنبأ الإفراج عن أحد نشطاء الاحتجاج، وهو مدون شهير في موقع «يوتيوب»، لعب دوراً في توثيق الحياة اليومية للمتظاهرين.
وكان المدون قد اختطِف من زقاق قريب من ساحة التحرير ثم اقتيد إلى مكان مجهول، كعادة غالبية حوادث الاختطاف أو الاعتقال، قبل أن يُفرج عنه بعد نحو سبعة أيام، في 28 من نوفمبر (تشرين الثاني). ولا يزال الناشطون في الاحتجاج يتداولون مقاطع الفيديو التي صورها منذ اندلاع الاحتجاج مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وكان الجمهور يتفاعل معها، بطريقة مركبة، لكنها ساعدت مستخدمين آخرين على كسر حاجز الخوف، على الأقل في التعبير عن آرائهم عبر الشبكة الضوئية.
تلك المشاهد، التي حظيت بنقرات تجاوزت مئات الآلاف على مدار أسابيع، شكلت أيضاً شهادات دامغة على استخدام القوات الأمنية العنف المفرط على نحو متواتر ومتعدد، كقنابل الغاز والرصاص الحي.
المدون المفرج عنه كان واحداً من مئات الشبان الذين لم يتمكنوا من التعبير عن أنفسهم وحسب، بل ولعبوا دوراً أساسياً في التداول الحر للمعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدا هذا منذ اندلاع الاحتجاج كرة نار تنتشر في منصات التواصل الاجتماعي. والحال، أن عدد العراقيين الذين يستخدمون موقع «فيسبوك»، حتى شهر يناير (كانون الثاني) الحالي، بلغ نحو 20 مليون مستخدم، ربع هذا العدد من النساء، ونحو ثلثه مستخدمون من سكان العاصمة بغداد. والعدد الإجمالي أكثر بنحو 4 ملايين؛ مما كان عليه مطلع العام الماضي، بحسب خوارزميات إحصائية يوفرها «فيسبوك».
نصف هذا العدد، تقريباً، من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 25 و34 عاماً، ومنذ بدء الاحتجاجات انخرط غالبيتهم في نقاشات مستدامة بشأن معايير أساسية لمطالبهم من النظام السياسي، بل وحث الناس على الخروج إلى ساحات التظاهر.
امتازت الحركة الاحتجاجية في عموم محافظات الوسط والجنوب، من بغداد حتى البصرة، بأنها نشاط اجتماعي يستهدف «الإطاحة بالفاسدين وإجراء تعديلات جوهرية على النظام الانتخابي»، دون أن يعني هذا أن تلك الأنشطة متصلة على الأرض عبر قيادة واحدة، درجة أن لكل مدينة احتجاجها وأسلوبها في الحراك، لكن آلاف المستخدمين الفاعلين في الشبكة الضوئية أوصلوا ما لم يكن ليتصل، وبدت المظاهرات حركة شعبية موحدة رغم تنوعها.

- الضحايا يكسبون المعارك
في 30 نوفمبر، كان المتظاهرون في غالبية الساحات يوقدون الشموع، ليلاً، لضحايا مدينة الناصرية. قبل يومين كانت قوات الشرطة قد قتلت وأصابت عشرات المتظاهرين قبل أن يقرر قائد الشرطة حينها وقف إطلاق النار وسحب عناصره بعد اتفاق مع شيوخ العشائر هناك، حينها كان رئيس الوزراء عبد المهدي يصوغ رسالة استقالته ويذيعها في الليلة ذاتها.
من بين الضحايا، كان المتظاهر عمر سعدون (21 سنة) أحد ضحايا الناصرية تلك الليلة. تلقف المدونون صورته وراحوا يراجعون حسابه الشخصي في «فيسبوك»، أعادوا نشر صوره القديمة وسحبوا حالاته أيام الدراسة إلى الضوء في الشبكة. اكتشفوا أنه يتيم الأب، فازداد التفاعل عليه في نصوص ورسوم «غرافيتي» تدين السلطة، وتحاول استخدام ما تيسر من «التواصل الاجتماعي» لكسب معركة إعلامية مع الحكومة: الكلمات والصور تُشكل «صورة المجرم».
تقول إحصاءات جمعها الكاتب من موقع «فيسبوك»، إن الذين امتلكوا القدرة على الوصول إلى «شريط التغذية الإخباري» بلغ عددهم نحو 18 مليون عراقي، وخلال فترة الاحتجاج وجدوا أنفسهم أمام نحو آلاف المحتويات والأخبار، تفاعلوا مع نحو 3 آلاف نص وصورة ومقطع فيديو، يومياً. وارتباطاً بالحراك الاحتجاجي في البلاد، فإن هذا العدد امتلك القدرة على تداول الأفكار وترويج مشاعر الآلاف بشأن القضايا السياسية، حتى مع استقطابها، بينما لم تتمكن المؤسسات الإعلامية الحكومية والحزبية من مجاراته.

- كراهية مدفوعة الثمن
في 12 من نوفمبر الماضي، وصل مهندسون وحرفيون أرسلتهم نقابة العمال، ساحة التحرير محملين بمعدات وأسلاك كهربائية. دخلوا بناية المطعم التركي، المعروف باسم «جبل أحد»، وخلال ساعات أكملوا تجهيزه بالطاقة الكهربائية مع منظومة إنارة لجميع طوابقه.
مئات الصور التقطت للبناية، قطعة من ضوء في ظلام الساحة. شاركها مستخدمو «فيسبوك» كأنهم يحتفلون بـ«قلعة» الاحتجاج، بل وبقدرتهم على التماسك والبقاء. في المقابل، كانت الماكينة الإعلامية للأحزاب السياسية تنتج قصصاً في المنصة ذاتها عن «مؤامرات» تحاك في البناية، وإنها تضم «قطّاع طرق ومجرمين».
ومع حرية تداول هذه القصص في الشبكة الضوئية، فإن الأخبار التي تبثها المنظومة السياسية كانت على الدوام تدور في مساحات محدودة داخل فضاء المستخدمين العراقيين.
وخلال الأشهر الماضية ظهرت قصتان على الأقل لكل مستخدم بشأن المظاهرات مدفوعة الثمن، لكنها في الغالب لا تقدم المعلومات وتستخدم عوضاً عن ذلك صياغات عن «المؤامرة» تنطوي على قدر كبير من التحريض، بينما يحصل «المحتوى الأصلي»، الذي قد يصنعه متظاهر عادي على تفاعل الجمهور وثقته.

- الحديقة الخلفية للاحتجاج
تحول أحد طوابق المطعم التركي إلى مجموعة رقمية على «فيسبوك»، وظهرت صفحات تحمل عناوين مختلفة مشتقة من «الثورة» تضم آلاف المتظاهرين، ومتعاطفين معهم. يتبادلون كل يوم قصص الاحتجاج وصوره، يربطون المجاميع ببعضها، ويطلقون حملات لإسعاف الجرحى أو لجمع التبرعات، وأحياناً لتوثيق حالات القتل وإحصائهم كل يوم.
أفراد من هؤلاء صاروا يعرفون الطريق إلى وسائل الإعلام، التي بدورها تثق بهم، بوصفهم مصادر «أكثر دقة». ووصل الأمر إلى أن تعتمد منظمات دولية مقاطع مرئية نشرها هؤلاء، كان منها بيان لمنظمة العفو الدولية مطلع نوفمبر الماضي، أعلنت فيه أن «قنابل الغاز المسيل للدموع تخترق الجماجم»، في وقت كانت تصر وسائل الإعلام الحزبية على نفي ذلك. غير ذلك، كان المتظاهرون في منصات التواصل الاجتماعي يطرحون أفكاراً متعددة بشأن مستقبل البلاد، ورغم أنها لم تصل درجة الوضوح أو الإجماع، لكنها تدور في بيئة خلافية صحية، وهي تحاكي ما يدور من نقاشات حية بين خيم المعتصمين وفي ساحاتهم. بمعنى آخر، فإن المساحة بين الواقع الميداني وبين ذلك الافتراضي على الشبكة تقلصت إلى أدنى مستوياتها.

- الاحتجاج DNA
لم تُحدث استقالة عادل عبد المهدي، بعد نحو شهرين من إعلانها، فارقاً في سياق الاحتجاج؛ إذ حافظ المحتجون على ذروة حراكهم، وتحولت التفاصيل اليومية إلى محركات لشحن الشباب، بل وكسب تأييد أكبر من المجتمع، فبينما فشلت تلك الاستقالة في إخماد الحراك، تتمكن صورة قتيل من إشعاله مجدداً. وتظهر طريقة استجابة المتظاهرين للأحداث طرازاً فريداً في التكيف والمرونة بتحويل القمع إلى محركات جديدة للمواصلة، رغم سكون حراكهم في فترات متقطعة. ففي العاشر من يناير الحالي، تعرض مراسل تلفزيوني مع مصوره إلى إطلاقات نارية من أسلحة مجهولين في مدينة البصرة.
وقتل الصحافي أحمد عبد الصمد مع مصوره صفاء غالي داخل سيارتهما بعد دقائق من مغادرتهما ساحة الاحتجاج حيث كانا يغطيان الأحداث فيها. في وقت متأخر من الليل حمل المتظاهرون جثمان عبد الصمد إلى منزل عائلته وهناك هتفوا لوالدته ما يشبه «العهد باستمرار الاحتجاج». وبالتزامن، أعاد ناشطون نشر مقاطع فيديو لعبد الصمد تعود إلى سنوات قليلة ماضية يتحدث فيها عن الفساد المستشري في المحافظة، وعن نقص الخدمات الحاد فيها، في حين أضيفت صورته إلى الأيقونات التي يستخدمها المتظاهرون في الشوارع والساحات.
تحولت هذه الصور إلى مغذٍ يتجدد باستمرار ويمنح الاحتجاج زخماً تفشى من البصرة إلى بغداد. وبدت مثل هذه القصص تتضخم ذهاباً وإياباً في دوائر التواصل العراقية، وتحصل في كل محطة منها على تفاعل حي من الشبكة إلى الواقع في الميادين. وأعادت مئات المدونات الحياة إلى مطالبات بمحاكمة المسؤولين عن مقتل مئات المتظاهرين، رغم أن عبد المهدي نفسه، الذي تجاوزت الأحداث استقالته، كان قد حقق فيها بطريقة لم تحظ بثقة الجمهور ولا المنظمات الدولية العاملة.



ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.