تبدي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، (يونيسكو)، اهتماما كبيرا بحماية الممتلكات الثقافية في العراق، خصوصا بعد أن أدت الأزمة المتفاقمة في السنوات الماضية إلى تدهور حاد في الأوضاع الإنسانية والأمنية في البلاد، بالإضافة إلى ارتفاع عدد القتلى المدنيين والجرحى وفرار أكثر من 1.2 مليون شخص من منازلهم بسبب القتال. وقد أصبحت مسألة حماية وصون التراث الثقافي في العراق تثير قلقا متزايدا، في ضوء الوضع الأمني المتقلب والمخاطر والتهديدات التي يتعرض لها التراث الثقافي. وفي إطار هذه الجهود تنوي المديرة العامة لـ«يونيسكو»، إيرينا بوكوفا، أن تزور بغداد في أقرب فرصة مناسبة للتباحث مع المسؤولين هناك حول حماية الممتلكات الثقافية المهددة في مناطق النزاع.
وشاركت ممثلية العراق لدى «يونيسكو» في الاجتماعات التي أجراها الخبراء لوضع خطة لصون التراث الثقافي في بلد يعتبر مهداً للحضارة الإنسانية ومن أغنى دول المنطقة بالمواقع التاريخية والأثرية. ومنذ تسلمه موقعه سفيرا للعراق لدى الـ«يونيسكو»، يولي الدكتور محمود الملا خلف عنايته لإجراءات المضي في خطة الـ«يونيسكو» للحفاظ على هذا الإرث التاريخي، لا سيما وأن للعراق 4 مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي، هي: آشور (قلعة شرقاط)، وآثار الحَضَر في نينوى، ومدينة سامراء التاريخية، وقلعة أربيل التي أُدرجت أخيرا. واليوم تقع آشور ومدينة سامراء الأثرية بالإضافة إلى موقع الحضر في مناطق صراعات شديدة، وهناك قلق متزايد حول عمليات السلب والنهب والإتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
تقارير عالمية كانت قد أشارت، أخيرا، إلى نهب واتجار غير مشروع تقوم بهما عصابات «داعش» في الموصل ومحيطها، لتمويل العمليات المسلحة للتنظيم الذي يبسط سيطرته على منطقة غنية بمواقعها الأثرية، عدا عن تخريب أماكن العبادة والشواهد التاريخية التي وقفت صامدة عبر القرون، يحفظها العراقيون مثل إرث عزيز وصلهم من الأجداد. وفيما يخص الـ«يونيسكو» فإن احترام حقوق الإنسان لكل أطياف الشعب العراقي هو من الأولويات التي ينبغي التعامل معها، إلا أنها، وباعتبارها هيئة متخصصة في منظومة الأمم المتحدة، تعمل جنبا إلى جنب مع المؤسسات الشريكة والمعنية بصون التراث الثقافي العراقي، الذي يعتبر ضروريا لصون هوية الشعوب، وموردا هاما للمصالحة وتعزيز التماسك الاجتماعي وبناء السلام بعد انتهاء الصراع. وبناء عليه، أصدرت إيرنا بوكوفا، المديرة العامة لـ«يونيسكو»، بيانا كان بمثابة الصرخة ذات الصدى الواسع، دعت فيه جميع العراقيين إلى الوقوف معا لحماية تراثهم الثقافي، مؤكدة استعداد الـ«يونيسكو» للمساعدة في هذا المسعى.
وتبعا لذلك، عقدت الـ«يونيسكو» اجتماعا طارئا في يونيو (حزيران) الماضي، في مقر المنظمة في باريس، جمع خبراء من العراق والمجتمع الدولي لتقييم الوضع الحالي للتراث الثقافي العراقي وتسليط الضوء على التحديات الرئيسية لضمان صونه، ووضع خطة عمل لمواجهة الطوارئ والتصدي للتحديات والتخفيف من الأثر السلبي للصراع الحالي. وفي المؤتمر الذي استضافته «يونيسكو» حول الموضوع، خاطب ممثل العراق الدكتور محمود الملا خلف الحاضرين من متخصصين ووسائل إعلام قائلاً: «لا يخفى عليكم الثراء الاستثنائي للعراق، وادي الرافدين، الذي عرف أعرق الحضارات التي خدمت الإنسانية في اختراع الكتابة وتشريع القوانين. وكما تعرفون أن عمر هذه الحضارات التي نشأت في بلدنا قد تجاوز الستة آلاف سنة، وما زالت آثارها شاخصة في المواقع التاريخية، وهو إرث حضاري معروف بتنوعه الثقافي واللغوي والاثني والديني، أعطى للعراق خاصية فريدة من نوعها وهي تعايش هذه الأجناس فيما بينها بالمحبة والسلام. ولكن العراق تعرض على مر العصور إلى هجمات كثيرة من قوى مختلفة ومتخلفة تريد تدمير كل ما هو حضاري وفكري. والهجمة التي يتعرض لها العراق اليوم من قبل المجموعات الإرهابية المتطرفة تريد أن تدمر كل ما هو ثقافي وحضاري وعلمي، والخطر الذي تشكله على تراثنا الثقافي والديني من خلال تدمير الأضرحة والكنائس والمساجد وتهريب الآثار، هو خطر يهدد أيضا الإنسانية جمعاء لأن هذا التراث هو ملك للبشرية. إننا ندق ناقوس الخطر وندعو دول العالم أجمع للوقوف مع العراق وحكومته من أجل إنقاذ شعب وادي الرافدين بكافة طوائفه ودياناته وإنقاذ حضارته وميراثه الثقافي، وروحه أيضاً».
في المؤتمر، عرضت الخطة التي توصل إليها الخبراء والتي سعت، أولاً، لتعزيز الاتصال ورفع مستوى الوعي بأهمية حماية التراث من أي عبث. وثانياً التأكد من إشراك الجهات الدولية المعنية في عملية التقييم وإعداد التقارير عن حالة صون التراث الثقافي وفي زيادة الوعي حول أهمية هذا الموضوع. كما ركزت الخطة، في بندها الثالث، على ضمان التنسيق واتخاذ الإجراءات اللازمة في الوقت والمكان المناسبين لرصد حالة التراث الثقافي وحمايته وتنفيذ تدابير تخفيف المخاطر. أما البند الرابع فأكد على تقديم المساعدة الفنية والتدريب في إنشاء آليات التنسيق الضرورية لصون التراث الثقافي، عند الضرورة. وأخيراً تعزيز المعرفة والمعلومات والتدريب حول حالة المواقع ووضع تقييم للأضرار التي لحقت بالتراث الثقافي والتخطيط للحفاظ عليه على المدى الطويل. وتمت ترجمة هذه البنود إلى حملة تتضمن سلسلة من الإجراءات العملية التي اقترحها الخبراء المشاركون في الاجتماع، على أمل تنفيذها على مراحل.
تستهدف هذه الحملة الرأي العام، وعلى وجه الخصوص جميع الأطراف المشاركة في النزاع، في محاولة لمنع الأضرار الممكنة ومنع التدمير والنهب والإتجار غير المشروع بقطع الآثار وإعادة الممتلكات الثقافية المسروقة والمصدرة بطريقة غير مشروعة. ويتطلب وقف النهب والمتاجرة تحديث التشريعات الوطنية ذات الصلة، وتفعيل «القائمة الحمراء للتراث الثقافي العراقي» التي كانت قد أصدرت في عام 2003، والحث على تطبيق توصية الـ«يونيسكو» بفرض الحظر على بيع أو نقل الممتلكات الثقافية العراقية ذات القيمة التاريخية والأثرية، بناء على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 لعام 2003. وبناء عليه، يتم تنبيه الأطراف المعنية والمجتمع الدولي، مثل الجمارك والشرطة على المعابر الحدودية، و«الإنتربول»، ومنظمة الجمارك العالمية، وبيوت المزادات، وإبلاغها عن احتمال تداول قطع مسروقة واتخاذ تدابير وقائية وملموسة.
تشمل الخطة تعزيز المراقبة على المواقع والمتاحف المهمة والتأهب لأي هجمات محتملة لها. وتتكفل الجهات الدولية، بتنسيق مع الـ«يونيسكو»، بتقديم المساعدة الفنية وتدريب المؤسسات العراقية للتعامل مع الأزمة الحالية، عند الضرورة. وكذلك جمع المعلومات عن الأضرار والتدمير والنهب الذي تعرض له التراث المادي، بما في ذلك المواقع والمعالم والمباني التاريخية والمناطق الحضرية والمتاحف والمخطوطات والمكتبات، وأيضا تقييم الأضرار المتعلقة بالتراث غير المادي. من يتحمل تكاليف كل هذا العمل. إن التكلفة التقديرية لتنفيذ خطة عمل الاستجابة لحالة الطوارئ هو بحدود 600 ألف دولار أميركي. وقد تدارست «يونيسكو» إمكانيات الجهات الداعمة ووضعت قائمة بها والحصة المفترضة لكل منها. ومن المنتظر أن تشارك في تنفيذ الخطة، بالدرجة الأولى، الوزارات العراقية المعنية كالثقافة والسياحة والآثار والداخلية، و«الإنتربول»، والهلال الأحمر، والصليب الأحمر، ووسائل الإعلام، ومنظمة الجمارك العالمية، والمجلس الدولي للمتاحف، ودور المزادات في العواصم الكبرى، والمركز الإقليمي العربي للتراث العالمي، والمجلس الدولي للآثار، والبلدان المجاورة، بالإضافة إلى بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (اليونامي) وأعضاء فريق الأمم المتحدة القطري ومنظمة «يونيسكو»، راعية الخطة.
تفاصيل خطة الـ«يونيسكو» لصون التراث الثقافي في العراق
مديرتها العامة تنوي زيارة بغداد للتنسيق ضد تدمير الآثار أو المتاجرة بها
كنوز أثرية وجداريات من زمن الحضارات الأولى
تفاصيل خطة الـ«يونيسكو» لصون التراث الثقافي في العراق
كنوز أثرية وجداريات من زمن الحضارات الأولى
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

