«الانتفاضة اللبنانية»... هل هي الوريثة الشرعية لـ«حركة الوعي»؟

بعد مرور خمسين سنة على ولادتها من رحم «الجامعة اللبنانية»

الانتفاضة اللبنانية
الانتفاضة اللبنانية
TT

«الانتفاضة اللبنانية»... هل هي الوريثة الشرعية لـ«حركة الوعي»؟

الانتفاضة اللبنانية
الانتفاضة اللبنانية

حين كان الأديب الروائي أنطوان الدويهي يضع لمساته الأخيرة على كتابه «حركة الوعي»، الصادر عن «الدار العربية للعلوم» و«دار المراد»، لم تكن الانتفاضة اللبنانية قد انطلقت بعد. وجل ما أراده المؤلف أن يؤرخ لحركة شبابية استقلالية، لا من اليمين ولا من اليسار، تأسست عام 1969 بعد مؤتمر ميفوق، وشكلت حالة فارقة في الحياة السياسية اللبنانية، لكنها سرعان ما حلت نفسها مع بدء الحرب الأهلية عام 1975، رافضة أن تكون جزءاً منها، بعد عمر قصير مكتنز بالتجارب. وشاءت الظروف أن يتزامن صدور الكتاب مع إرهاصات انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) التي تذكر في كثير من ملامحها بـ«حركة الوعي»، إن لجهة روحها الوطنية، أو نزعتها الإنسانية، أو حتى رغبتها في الاستقلال عن الطروحات السائدة، وحلمها في بناء وطن له كيانه الصلب.
وفي الذكرى الخمسين لتأسيس «حركة الوعي»، التي عمرت بعد انطلاقتها ست سنوات فقط، أخرج رئيسها أنطوان الدويهي أرشيفه الصحافي ومسوداته، وعصر ذاكرته، وأقام مراجعاته، وترك العنان للصحافية أورنيلا عنتر لتطرح عليه أسئلتها، مجيباً عن نقاط كثيرة لم تكن معلومة. وضمّن الدويهي كل هذه المواد كتابه الجديد الذي أراد منه أن يحفظ تاريخ هذه الحركة، صوناً لها من غدر النسيان، وسط زحام الأحداث اللبنانية الهائل، خاصة أنها لم يكتب عنها بالقدر الكافي، ولم تعطَ حقها.
وتشكلت «حركة الوعي» بعد ثورات طلابية كثيرة شهدها العالم، لا سيما حركة مايو (أيار) 68 الشهيرة في فرنسا. ففي «كلية التربية»، أو ما كان يحمل اسم «دار المعلمين العليا» قبل ذلك، التي كانت نواة الجامعة اللبنانية الوطنية في بيروت، تلاقى شبان طموحون آتون من مختلف المناطق اللبنانية. هؤلاء في غالبيتهم من أبناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة، عكس الميسورين الذين كانوا يتوجهون إلى الجامعتين الأميركية واليسوعية. كلية التربية كانت نموذجاً للصرح التعليمي الوطني الناجح الجامع، فالدخول إليها يتم بامتحان لاختبار الكفاءة، مما جعل طلابها من المتميزين. هؤلاء كانوا يتقاضون رواتب شهرية حتى نهاية تعليمهم، مما جعلهم مستقلين مادياً. وبعد الدراسة، يصبحون أساتذة ثانويين بامتيازات وظيفية مغرية. وبالنتيجة، بحسب الدويهي، تمتع طلاب كلية التربية باستقلالية عن الزعماء والأحزاب، ولم يكونوا بحاجة لحماية سياسية، مما منحهم فسحة كبيرة من الحرية.
وفي هذه الأجواء التي اجتمع لها المناخ العلمي المواتي والطلاب المجدون، وكان بينهم مثلاً الشاعر بول شاوول والروائي حسن داود، ونخبة من الأساتذة كأدونيس وأنطون غطاس خوري وجبور عبد النور، نما مناخ ثقافي طليعي تمردي، يسعى إلى وطن جديد مختلف عن البنية التقليدية العائلية. حركة اعتبرت التعليم أساساً والثقافة مدماكاً، وجاءت كردة فعل على الليبرالية اليمينية من جهة، والماركسية من جهة أخرى، التي أخذت تنتشر في العالم العربي بعد تراجع فكرة القومية. ولبنان لم يكن محايداً، بل في صلب هذه الصراعات، بينما هو يبلغ أوج فورانه الاقتصادي والثقافي.
ويتحدث الدويهي في كتابه عن وقائع تبين كيف أن أحزاب السلطة بدأت تشعر بخطر «حركة الوعي»، وكيف أن صائب سلام، رئيس الحكومة اللبنانية آنذاك، فوجئ بما يجري، وارتاب من التحركات، خاصة بعد أن تمكنت الحركة من تسيير مظاهرات ضخمة، وعلى مدى زمن طويل عام 1971، نحو ساحة النجمة، واستطاعت تعطيل اجتماعات مجلس النواب، كما وصلت إلى أماكن حساسة، مثل طريق المطار وشارع الحمراء وساحة الشهداء. وبحسب ما يسرده الكتاب، فإن الصلح استعان بقيادات اليمين واليسار التقليديين لمساعدته على إيقاف هذه التحركات والإضرابات، لكنهم لم يتمكنوا من فعل شيء. وحاولت قيادة «حزب الكتائب» تطويق التحرك من داخله، لكن نصيبها كان الفشل. وبحث الصلح عن مفتاح هذه الحركة، ومن يقف وراء تحركاتها، فلم يجد. ومن هنا، كانت تستمد قوتها، وفرادتها أيضاً.
وكان للحركة منطلقات متقدمة في فهم الواقع اللبناني، والوضعين العربي والعالمي. ومنذ المؤتمر التأسيسي في ميفوق، وضع المشاركون «الوثيقة الأساسية» التي يصفها الدويهي بأنها عبارة عن «نص رؤيوي، متمايز بعمق في طروحاته، سابق لعصره بعشرات السنين، أثبتت التحولات التاريخية بمرور الوقت مدى صوابيته. وقد حدد ذلك النص منهج الحركة العام، ومفاهيمها الأساسية حول الوضع اللبناني، والوضعين العربي والعالمي، كما حدد وسائل عملها. وقد استندت حركة الوعي إلى هذا النص، في مجمل مواقفها وممارساتها اللاحقة».
ورفضت الحركة ما اعتبرته ديمقراطية شكلية في لبنان، وسعت إلى علمانية ذات أفق مفتوح، وفكرت بضرورة تنظيم الموارد والتطوير العلمي والتقني، واعتبرت أن أفضل وسائل التغيير هي الضغط الديمقراطي المنظم المتصاعد، وتشكيل كيانات نقابية وسياسية حديثة فعالة لمختلف القطاعات والمهن، بحيث ينتقل الثقل الشعبي من الموقع الإقطاعي والطائفي إلى الجهات النقابية والمهنية.
ويتحسر الدويهي في كتابه على ما آل إليه حال الجامعة اللبنانية راهناً، من تسييس وحسابات لا تمت للروح الأكاديمية بصلة، بينما كانت في نهاية ستينات القرن الماضي هي المختبر الذي خرجت منه هذه الشعلة الطليعية التي شكلت نواة متقدمة بأشواط عن كل محيطها العربي، في طروحاتها السياسية والوطنية. ويعتبر في الوقت نفسه أن الجامعة الوطنية كانت من الأهمية بحيث إنها تفوقت في قدرتها على التأثير، بفضل حركتها الطلابية الرائدة، على كل الجامعات الأخرى، وتميزت عن الجامعات العربية أيضاً.
وركزت الحركة بشكل أساسي على قيمة التعليم ودوره، لا سيما أنها انطلقت من صرح أكاديمي. ويكتب الدويهي معلقاً: «لو أتيح لنا تحقيق رؤيتنا منذ ذلك الحين، لكان هناك اليوم النموذج اللبناني في التقدم، مثلما هناك النموذج الكوري الذي استند هو أيضاً إلى الثورة التعليمية، من دون أن يكون النموذجان بالضرورة متطابقين، إذ للبنان ولكوريا الجنوبية وضعان مختلفان في التاريخ والجغرافيا والدور الثقافي، لكن حرب 1975 التي لم تنته فصولها ومفاعيلها كانت بالمرصاد».
المهم في الكتاب، إضافة إلى إضاءته على حركة طليعية يعتبرها اللبنانيون فارقة في تاريخهم، وأجهضت بسرعة، ولم يكتب عنها إلا شذرات متفرقة، هو صدوره في وقت تندلع فيه انتفاضة تحمل من المطالب والأماني الرؤى نفسها التي كانت قد طرحتها حركة الوعي قبل خمسين عاماً.
ومن الطريف أيضاً أن تقرأ عن مظاهرات الحركة التي سارت إلى الأماكن نفسها التي يتجمع فيها ويسير إليها المحتجون اليوم، وكأن لا شيء تغير، والأهم أنك تلمس بالدليل، مع أنطوان الدويهي الذي رأس الحركة بنفسه، أن المطالب ركزت دائماً، منذ الستينات إلى اليوم، على ديمقراطية تنتزع بطرق دستوريه، وعلى توجه إلى التخلص من البنى السياسية التقليدية والحسابات الطائفية، بتشييد دولة مدنية أو علمانية، مع إدراك عميق لأهمية البعد الاجتماعي.
تقرأ الكتاب حتى لتظن أن لا شيء تغير؛ المطالب نفسها، والتطلعات ذاتها، والسلطة المتعنتة عينها، والشباب قبل خمسين سنة بمطالبهم وسعة أفقهم يشبهون الذين يصرخون في الساحات اللبنانية منذ أكثر من ثلاثة أشهر، دون أن يستجاب لهم. انتهت «حركة الوعي» قبل 44 سنة بسبب العنف وجنون الحرب، وتأجل مشروعها ما يقارب نصف قرن، والسؤال هو: هل باتت الظروف جاهزة لتحقيق الحلم المنشود؟ وهل بمقدور الأبناء إنجاز ما عجز عنه الآباء وبقي حسرة في القلب؟



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».