تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند

الديمقراطية الشعبية تهدد بالقضاء على تراث التعددية الاستقلالي

تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند
TT

تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند

تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند

أسفرت الاضطرابات المدنية وأعمال العنف التي شهدتها الهند خلال الأسابيع الخمسة الماضية ضد قانون الجنسية الجديد والسجل الوطني للسكان عن انقسام البلاد إلى شطرين: شطر يعارض بشدة ويعتبر القانون والسجل خطوة تستهدف المسلمين بصفة رئيسية والذين يشكلون 14 في المائة من إجمالي سكان الهند، وشطر آخر مؤيد غالبيته من الهندوس وطوائف صغيرة يشكلون معاَ نحو 80 في المائة من السكان. ويمهد قانون المواطنة المعدّل – الذي أثار موجات واسعة من أعمال العنف – الطريق للحصول على الجنسية الهندية للطوائف التي فرت من القمع والاضطهاد في باكستان وبنغلاديش وأفغانستان، وتمكنت من الدخول إلى الهند قبل تاريخ 31 ديسمبر (كانون الأول) 2014. وتحديدا، ينسحب القانون على الأفراد الذين ينتمون إلى طوائف الهندوس والسيخ والبوذيين والجاين والبارسيين والطوائف المسيحية، مقابل استبعاد المسلمين تماماً. ومع أن الحكومة الاتحادية حاولت تصوير القانون الجديد أمام المجتمع الدولي بأنه «وسيلة من وسائل إغاثة طوائف الأقليات الهاربة من القمع والاضطهاد في الدول المسلمة المجاورة»، فإن تحديد الديانة كشرط أساسي مؤهل للحصول على الجنسية الهندية يثير إزعاج معظم مسلمي الهند وسخطهم، وكذلك العديد من الهندوس الليبراليين.

يزعم منتقدو رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن تحديد الديانة كشرط تأهيل الحصول على الجنسية الهندية يجعل من القانون الجديد أكثر إثارة للتوتر والقلق الطائفي في البلاد، إذ يحوّل الهند إلى نسخة من دولة إسرائيل الدينية النزعة والتوجه... ومن ثم لا يمكن أبدا استخلاص فكرة الدولة القومية كفكرة مطلقة في الداخل الهندي.
قبل الانتخابات العامة الهندية الأخيرة، التي أجريت عام 2019. أصدر حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الحاكم بزعامة مودي، رئيس الوزراء، بيانه الانتخابي الذي أكّد فيه على التزام الحزب بسن تشريع جديد «يتيح حصول الأقليات الدينية الهاربة من الاضطهاد والقمع في البلدان المجاورة على الجنسية الهندية».
وخلال بضعة شهور من إعادة انتخاب الحزب، قدّمت الحكومة القومية اليمينية قانون المواطنة المعدل إلى البرلمان الاتحادي. وزعمت الحكومة أن الدساتير المعمول بها في كل من باكستان وبنغلاديش وأفغانستان تنصّ على اعتبار الإسلام ديناً رسمياً لهذه البلدان، وبالتالي، يعاني أفراد الطوائف الدينية فيها من القمع والاضطهاد الديني «ما أدى إلى فرار كثيرين منهم ولجوئهم إلى الهند». ومن ثم، أرادت الحكومة الهندية سنّ القانون الجديد الذي يسمح لهؤلاء المهاجرين من الدول الثلاث - الذين تصفهم بـ«اللاجئين الدينيين» وتقدّر عددهم بنحو 31 ألف نسمة - بالحياة والعمل في الهند.
الجدير بالذكر في هذا الصدد أن فلسفة المهاتما موهانداس غاندي، ثم الحكومات الهندية السابقة تحت رئاسة حزب المؤتمر الهندي (المعارض اليوم)، كانت قد أكدت على أحقية الطوائف الدينية المضطهدة في الدول المجاورة في الحصول على الجنسية الهندية إذا ما رغب أفرادها في ذلك. وحقاً، لدى الهند تاريخ طويل من استضافة ضحايا القمع والاضطهاد من البلدان المجاورة. فقبل قرون، قصد شبه القارة الهندية اليهود والبارسيون المضطهدون، ثم فتحت الهند ذراعيها مرحبة بالبوذيين التبت، وكذلك التاميل ومنحتهم حق الإقامة والجنسية. ومنحت الجنسية الهندية للهندوس المضطهدين الفارين من أوغندا بشرق أفريقيا. وللعلم، حدّدت الحكومة الحالية الجدول الزمني الخاص بممارسات السجل الوطني للسكان لاستكمالها على نحو تام بحلول 30 سبتمبر (أيلول) من عام 2020 الجاري.

- الدين والهوية
في مفارقات واضحة، تشهد الهند راهناً تباينات مختلفة للغاية – فنجد المسلمين يهتفون «الله أكبر» و«لا إله إلا الله» في مظاهرات الاحتجاج العارمة ضد قانون الجنسية الهندي الجديد، مقابل الهندوس الذين يرفعون الشعارات الدينية في مسيرات التأييد الحاشدة له. وهذا، في الهند، التي تمثل عالمياً أحد أبرز وأنجح الأمثلة القائمة في تاريخ إدارة تحديات الوحدة الوطنية من خلال صيغ دينامية وحيوية لتقاسم السلطة وبث التوافق الوطني على كل المستويات.
ويكمن هذا النجاح في ثلاث سمات أساسية تميز الهيكل الدستوري للهند، وهي: الديمقراطية، والفيدرالية، والعلمانية. وفي البلاد التي يمثل الهندوس نسبة 80 في المائة من سكانها، كان الرئيس الأسبق عبد الكلام مسلماً، ورئيس وزرائه مانموهان سينغ من طائفة السيخ، وكانت القوة الحقيقية وراء إدارة البلاد سونيا غاندي المهاجرة المسيحية الكاثوليكية ذات الأصول الإيطالية. ومع هذا، فإن التأكيد على الهوية الإسلامية من جانب المحتجين والمتظاهرين لم تسر على ما يرام لدى العديد من المسلمين والهندوس في البلاد. وفي معرض الانتقاد كتبت الصحافية المسلمة الهندية حياة فاطمة تقول: «عندما نرفع في المظاهرات شهادة لا إله إلا الله، وهي العمود الفقري للعقيدة الإسلامية، فإننا ندفع في آلية تلقائية بإقصاء كل الذين لا يؤمنون بهذه العقيدة. ومع أن هذه الشهادة لا تشكل في ذاتها تهديداً للتعددية والتنوع الطائفي في الهند، فإنها تستبعد الطوائف الهندية الأخرى الذين يصطفون مع المسلمين في معارضتهم للحكومة الهندية الحالية. صارت الاحتجاجات التي نظمها مسلمون وهيمنت على الجامعات ذات الغالبية المسلمة في البلاد أشبه ما تكون بالحركة الوطنية. وهي بلا شك حركة جبهوية مسلمة، لكن لا يجوز أبدا أن تتحول إلى حركة إسلاموية كاملة». وتتابع «يستهدف قانون المواطنة المعدل الجديد المسلمين الهنود، ولكي يحافظ المواطن الهندي المسلم على هويته الهندية عليه وصم القانون الجديد بمخالفة الدستور، وهكذا يحوّل المسألة برمّتها إلى أزمة على الصعيد الوطني بأسره، لأن الدستور الهندي يحمي حقوق مواطني البلاد كافة. ومن ثم، لا يصح قصر حركة الاعتراض والاحتجاج الراهنة على المسلمين الهنود وحدهم. سنتمكن من استعادة التعددية الهندية الحقيقية عندما تتحد أصوات المسلمين والسيخ والمسيحيين الهنود في معارضة هذا القانون الجديد الجائر».

- الانقسام الهندوسي - الإسلامي
يرجع الانقسام على أساس ديني في الهند إلى أيام التقسيم العنيف في نهاية حقبة الحكم البريطاني لشبه القارة الهندية. ففي عام 1947، وهو تاريخ إعلان الاستقلال، قسمت شبه القارة الهندية على أساس ديني، ونشأت باكستان كدولة إسلامية بينما قاومت الهند فكرة التقسيم. وجرى تشريد وقتل الملايين من المواطنين في عدد لا يحصى من أعمال العنف الطائفية التي شاعت في ربوع البلاد خلال فترة التقسيم. ولكن ظل العديد من المسلمين داخل الهند، ولم يتمكن الملايين من الهندوس الفقراء في مناطق السند وبلوشستان الباكستانية من العبور إلى الجانب الهندي من الحدود فظلوا حيث هم.
وعام 1950، وقعت كل من الهند وباكستان على ميثاق نهرو - لياقات، الساعي إلى ضمان حقوق الأقليات الدينية في البلدين، الأمر الذي أسفر عن وقف تحوّل السكان من باكستان إلى الهند. وزُعم حينذاك أنه بينما حافظت الهند على مبادئها العلمانية والتزامها المستمر بحماية الأقليات، قصّرت باكستان في المحافظة على الاتفاق المذكور.
وعام 1971، اندلع الصراع بين قسمي باكستان الشرقي والغربي، وانتهى بقيام دولة بنغلاديش في القسم الشرقي، وواصل كثيرون من الهندوس البنغاليون العيش في الدولة الجديدة.
وعلى نحو مماثل، وخلال حكم حركة طالبان في أفغانستان – بين 1996 و2001 – جرى إقصاء واستبعاد وتهميش الطوائف الدينية المخالفة لعقيدة طالبان، مثل الهندوس والسيخ وغيرهم من الأقليات الدينية الأخرى إثر تعرضهم لعمليات قمع عنيف.
في ضوء هذا الواقع، اضطرت بعض الأقليات إلى الهجرة صوب الهند بين الحين والآخر بحثاً عن وطن جديد وآمن. وثم الكثير من السجلات والوثائق التي تثبت هذه الحقيقة. ويتذرّع مشروع «قانون المواطنة المعدّل» أنه يقر تدابير إنسانية تهدف إلى معالجة مخاوف ومخاطر هذه الأقليات المضطهدة. غير أن مشروع «القانون» هذا عمّق الهوة بين المسلمين والهندوس إذ صوّت 67 في المائة من الهندوس لمصلحته في حين صوّت 71 في المائة من المسلمين ضده.
مع هذا، جاء في استطلاع للرأي أجرته إحدى الصحف الهندية، أن غالبية الناس لا يعتقدون أن مشروع «القانون» موجّه ضد المسلمين. لكن الاستطلاع بيّن أيضاً، أن 63 في المائة من المسلمين يعارضونه، مقابل 35 في المائة منهم يؤيدونه. وفي الجانب الهندوسي، يؤيده 67 في المائة مقابل 32 في المائة يعارضونه تماماً.

- «الرابطة» وغاندي
الصحافي أصغر علي مهندس في صحيفة «المسلمون الهنود» يشرح قائلاً «كان تأسيس رابطة الاتحاد الإسلامي الهندي كحزب سياسي عام 1906 من الخطوات الرئيسية الأولى على مسار الحركة الانفصالية بين المسلمين الهنود. وكانت حركة الخلافة، التي تحولت هي الأخرى إلى حزب سياسي في الهند ضمن الحركة القومية الإسلامية في البلاد، قد تركت انطباعاً راسخاً في الوجدان النفسي للمسلمين الهنود، وألحقت أضرارا لا حصر لها في جهود القادة الكبار أمثال المهاتما غاندي الذين كانوا يناضلون من أجل التوحّد العلماني والديمقراطي للمسلمين ضمن التيار الهندي الوطني الرئيسي في المجتمع بأسره. وشكل هذا الأمر نواة التفكك وانهيار الثقة بين الهندوس والمسلمين في البلاد منذ ذلك الحين».
ويوضح المحلل السياسي هاريش راماسوامي، من جانبه، قائلاً «كان تعريف المهاتما غاندي للأمة الهندية باعتبارها مجتمعاً أخوياً أو كونفدرالية طائفية من مختلف الجاليات تحت مظلة التعدّدية العلمانية الهندية يتعارض بصورة مباشرة مع فكرة إنهاض مجتمع هندوسي يحكم بالغالبية. لكن على المسلمين ومَن يناصرونهم أن يحذروا من التيار الإسلامي غير المتناغم الذي يعتبر لحظات الانقسام الراهنة من الفرص الكبرى السانحة لحشد المؤيدين وتجنيد الكوادر والأتباع. إن بين جموع المعارضين عناصر إسلاموية متطرفة لا تثق في أي نظام علماني ديمقراطي وتصمه بالكفر والزندقة».

- علمانية على المحك
وبالفعل، يرى بعض غلاة القومية الهندية الهندوس أن «العلمانية ليست إلا فكرة احتيالية صاغها أنصار جواهر لال نهرو، أول رئيس لوزراء البلاد، وورثته الذين تعاقبوا على حكم الهند ممن يطلقون عليهم مسمى «الغانديين»، وذلك لاسترضاء الأقليات من المسلمين وتأمين قاعدة التصويت الانتخابية الدائمة لديهم». مقابل هؤلاء يقف أبناء الأقليات وسكان الأقاليم المختلفة، وحفنة من الهندوس العلمانيين ذوي التوجهات اليسارية والليبرالية، الذين يزدرون التعصّب الشوفيني القومي – الديني.
البروفسور خينفراج جانغيد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جيندال الهندية، يرى أن صعود مودي إثر النصر الانتخابي الساحق الذي حققه عام 2014 ثم عام 2019 يعد تتويجا لهذه الرؤية المتعصبة الشوفينية. إذ أسفرت أعمال العنف التي أعقبت المصادقة على «قانون المواطنة المعدّل» في مختلف الجامعات، وتصدّر العديد من الجماعات الإسلامية الاحتجاجات، عن ترسيخ تأييد الغالبية الهندوسية الصامتة لحزب مودي الحاكم. ما كان لأحد توقع كيف ستكون ردود فعل قاعدة الناخبين الهندوسية غير المرئية – بما في ذلك الهندوس المعتدلون السابقون – على أعمال العنف الغاضبة التي شاعت في عموم الهند. ومن شأن المنافسة المحتدمة بين الجانبين أن تقرر وحدها مستقبل السياسات الداخلية الهندية على مدى السنوات العشر المقبلة على أقل تقدير.
وجاء في تقرير إخباري نشره موقع «سكرول»، في هذا السياق، «تعد الاحتجاجات التي تعم البلاد راهنا نضالاً مؤجلاً ضد العملية المستمرة منذ حين لإنشاء الأمة الهندوسية الخالصة. حتى الأمس القريب، بدا الأمر وكأنه مفروغ منه تماماً. أما اليوم، فلسنا متأكدين من شيء البتة. إذ يعتقد الحزب الهندوسي الحاكم وأنصاره أن الاحتجاجات الراهنة لا تملك الزخم الحقيقي الذي تعلن عنه، وأن مسيرة نصف مليون مواطن يومياً ليست إلا نسبة هامشية لا تثير القلق من أصل 1.3 مليار مواطن يشكلون إجمالي تعداد البلاد من الهندوس الموالين لحكومة البلاد. كما يعتقد الحزب الهندوسي الحاكم وأنصاره أنهم يستطيعون تجاهل الإجماع العلماني، وربما الدستور الذي يجمع النسيج الهندي معا، لمواصلة العمل لبناء الدولة الهندوسية الخالصة التي تتشكل بأدوات الخوف والسطوة والقوة».

- أصوات قلقة
تتردد أصوات مماثلة مشوبة بالقلق والتوتر عبر مناطق وأحياء المسلمين في الهند منذ شروع حكومة مودي في تمرير «قانون المواطنة المعدّل» في البرلمان. وقال أحد المواطنين المسلمين، في إشارة إلى حكومة مودي الحالية «إنهم يرغبون في رحيلنا عن ديارنا، لكننا لن نغادر أبداً»، وقال آخر «هذا وطننا. لقد ولدنا هنا، ولسوف نعيش ونموت هنا». لكن عالم الإنسانيات طلال أسعد يناقش قائلاً «تقوم الدولة بوظيفة تحديد الوجه العام المقبول من الدين في البلاد. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالهوية الدينية للمسلمين، يتوجب على المسلمين إما استيعاب القيم الليبرالية – والليبراليون أنفسهم يعتبرون ذلك انتهاكا مباشرا لقيم الإسلام بطبيعتها – أو الإقصاء الكامل عن التصوّر السياسي للدولة القومية».
في هذه الأثناء، يدّعي وزير الداخلية الهندي آميت شاه، أن حكومته «لا تسلب أي مواطن حقوقه الأصيلة، وإنما تمنح حقوقاً أخرى لأناس معوزين. وعليه لا يوجد ما يستوجب الاعتراض بشأن القانون الجديد». ويوضح الوزير أن حكومته تسعى إلى «حماية الأقليات الهاربة من البلدان الأخرى بطريقة تتشابه مع جهودها لحماية ودعم الأقليات الموجودة داخل الهند نفسها. إلا أن الكاتبة الصحافية آبارنا بريادارشاني، ترى أنه «مع صعود سياسات «هندوتفا» (أي الكيانية القومية الهندوسية) فإن العلمانية التي يحميها الدستور الهندي تتعرض لتهديد كبير وواضح من قبل الجماعات القومية الهندوسية التي غالبا ما تصف المهاجرين المسلمين بأنهم متسللون أو مخترقون يهددون المحافظة على أمن وسلامة الأمة الهندوسية...».
كذلك يقول الناشط الاجتماعي الهندي يوغندرا ياداف، الذي يؤيد بقوة المسلمين المعارضين للقانون الجديد: «قانون المواطنة المعدل الجديد عبارة عن أداة للتمييز تماماً كمثل المواطنة في دولة إسرائيل القائمة على الهوية الدينية في المقام الأول. وبدلا من بث روح المواطنة المتساوية في البلاد، فإننا صرنا نتحرك على مسار تصنيف المواطنين تحت فئات مختلفة، الأمر الذي ينتهك وبكل وضوح مبادئ النضال الهندية الأصيلة من أجل الحرية».
في المقابل يقول فيجاي روباني، الوزير الأول في ولاية غُجارات (المعقل السياسي لمودي): «في حين أنه يمكن للمسلمين الهنود الاختيار من بين أكثر من 150 دولة إسلامية للعيش والإقامة فيها، فإن الهند هي الدولة الوحيدة حول العالم بالنسبة للهندوس... كان هناك 22 في المائة من الهندوس في باكستان إبان التقسيم عام 1947. والآن، وبسبب أعمال القمع والعنف والاضطهاد والتعذيب، انخفضت النسبة إلى 3 في المائة فقط من تعداد السكان هناك. ولهذا السبب يرغب الهندوس في باكستان بالعودة إلى الهند. ونحن نقوم بما كان ينبغي على حزب المؤتمر الوطني القيام به في مساعدة هؤلاء الهندوس المعذبين». وتابع الزعيم القومي الهندوسي كلامه «من بين 200 ألف هندوسي وسيخي كانوا يقيمون بأفغانستان منذ بضعة عقود ماضية، لم يتبق منهم سوى 500 مواطن فقط اليوم. يمكن للمسلمين الانطلاق والإقامة في أي دولة إسلامية من 150 دولة حول العالم، ولكن ليست هناك إلا دولة واحدة فقط في العالم للهندوس، وهي الهند. فما هي المشكلة التي تتعلق برغبة هؤلاء الهندوس في العودة إلى وطنهم؟».

- عبر السنوات... القوميات واللغات ترسم حدود الولايات وهوياتها
يُعد الحنين إلى فرعيات القومية اللغوية والثقافية والاجتماعية في الهند من ظواهر ما بعد الاستقلال. وفي معظم الأحيان، كانت القومية اللغوية الفرعية تقوم مقام ورقة التوت الساترة لدعوات الانفصال، إذ أنشئت الولايات الهندية الـ28 والمقاطعات الاتحادية الـ9 على أسس اللغة والثقافة الإثنية.
عام 1953 أسست ولاية أندرا براديش لتكون أول ولاية تنشأ على أساس لغوي للناطقين بلغة التيلوغو بجنوب الهند. وأجبرت الحكومة على فصل المناطق الناطقة بلغة التيلوغو عن ولاية مدراس (تاميل نادو حالياً) في مواجهة حالات التحريض المستمرة. وبعد ذلك توالت مطالب مماثلة لإنشاء المزيد من المناطق والولايات حتى اليوم. وهكذا، عام 1960، قسّمت ولاية بومباي لتنشأ من تقسيمها ولايتا غُجارات وماهاراشترا. وعام 1963 أنشئت ولاية ناغالاند لتغدو وطن شعب الناغا الهندية ليرتفع العدد الإجمالي للولايات الهندية إلى 16 ولاية.
بعدها، عام 1966. مرّر «قانون إعادة تنظيم البنجاب» في البرلمان.
وفي أعقاب ذلك ضمت المناطق الناطقة باللغة البنجابية إلى ولاية هاريانا في حين ألحقت المناطق الجبلية إلى إقليم اتحاد هيماتشال براديش. وتمثل مدينة شانديغار، التي انضمت لإقليم الاتحاد المذكور، العاصمة المشتركة لولايتي البنجاب وهاريانا. وعلى نحو متزامن، جرى تشكيل الولايات الهندية الأخرى على نفس المنوال.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.