تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند

الديمقراطية الشعبية تهدد بالقضاء على تراث التعددية الاستقلالي

تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند
TT

تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند

تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند

أسفرت الاضطرابات المدنية وأعمال العنف التي شهدتها الهند خلال الأسابيع الخمسة الماضية ضد قانون الجنسية الجديد والسجل الوطني للسكان عن انقسام البلاد إلى شطرين: شطر يعارض بشدة ويعتبر القانون والسجل خطوة تستهدف المسلمين بصفة رئيسية والذين يشكلون 14 في المائة من إجمالي سكان الهند، وشطر آخر مؤيد غالبيته من الهندوس وطوائف صغيرة يشكلون معاَ نحو 80 في المائة من السكان. ويمهد قانون المواطنة المعدّل – الذي أثار موجات واسعة من أعمال العنف – الطريق للحصول على الجنسية الهندية للطوائف التي فرت من القمع والاضطهاد في باكستان وبنغلاديش وأفغانستان، وتمكنت من الدخول إلى الهند قبل تاريخ 31 ديسمبر (كانون الأول) 2014. وتحديدا، ينسحب القانون على الأفراد الذين ينتمون إلى طوائف الهندوس والسيخ والبوذيين والجاين والبارسيين والطوائف المسيحية، مقابل استبعاد المسلمين تماماً. ومع أن الحكومة الاتحادية حاولت تصوير القانون الجديد أمام المجتمع الدولي بأنه «وسيلة من وسائل إغاثة طوائف الأقليات الهاربة من القمع والاضطهاد في الدول المسلمة المجاورة»، فإن تحديد الديانة كشرط أساسي مؤهل للحصول على الجنسية الهندية يثير إزعاج معظم مسلمي الهند وسخطهم، وكذلك العديد من الهندوس الليبراليين.

يزعم منتقدو رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن تحديد الديانة كشرط تأهيل الحصول على الجنسية الهندية يجعل من القانون الجديد أكثر إثارة للتوتر والقلق الطائفي في البلاد، إذ يحوّل الهند إلى نسخة من دولة إسرائيل الدينية النزعة والتوجه... ومن ثم لا يمكن أبدا استخلاص فكرة الدولة القومية كفكرة مطلقة في الداخل الهندي.
قبل الانتخابات العامة الهندية الأخيرة، التي أجريت عام 2019. أصدر حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الحاكم بزعامة مودي، رئيس الوزراء، بيانه الانتخابي الذي أكّد فيه على التزام الحزب بسن تشريع جديد «يتيح حصول الأقليات الدينية الهاربة من الاضطهاد والقمع في البلدان المجاورة على الجنسية الهندية».
وخلال بضعة شهور من إعادة انتخاب الحزب، قدّمت الحكومة القومية اليمينية قانون المواطنة المعدل إلى البرلمان الاتحادي. وزعمت الحكومة أن الدساتير المعمول بها في كل من باكستان وبنغلاديش وأفغانستان تنصّ على اعتبار الإسلام ديناً رسمياً لهذه البلدان، وبالتالي، يعاني أفراد الطوائف الدينية فيها من القمع والاضطهاد الديني «ما أدى إلى فرار كثيرين منهم ولجوئهم إلى الهند». ومن ثم، أرادت الحكومة الهندية سنّ القانون الجديد الذي يسمح لهؤلاء المهاجرين من الدول الثلاث - الذين تصفهم بـ«اللاجئين الدينيين» وتقدّر عددهم بنحو 31 ألف نسمة - بالحياة والعمل في الهند.
الجدير بالذكر في هذا الصدد أن فلسفة المهاتما موهانداس غاندي، ثم الحكومات الهندية السابقة تحت رئاسة حزب المؤتمر الهندي (المعارض اليوم)، كانت قد أكدت على أحقية الطوائف الدينية المضطهدة في الدول المجاورة في الحصول على الجنسية الهندية إذا ما رغب أفرادها في ذلك. وحقاً، لدى الهند تاريخ طويل من استضافة ضحايا القمع والاضطهاد من البلدان المجاورة. فقبل قرون، قصد شبه القارة الهندية اليهود والبارسيون المضطهدون، ثم فتحت الهند ذراعيها مرحبة بالبوذيين التبت، وكذلك التاميل ومنحتهم حق الإقامة والجنسية. ومنحت الجنسية الهندية للهندوس المضطهدين الفارين من أوغندا بشرق أفريقيا. وللعلم، حدّدت الحكومة الحالية الجدول الزمني الخاص بممارسات السجل الوطني للسكان لاستكمالها على نحو تام بحلول 30 سبتمبر (أيلول) من عام 2020 الجاري.

- الدين والهوية
في مفارقات واضحة، تشهد الهند راهناً تباينات مختلفة للغاية – فنجد المسلمين يهتفون «الله أكبر» و«لا إله إلا الله» في مظاهرات الاحتجاج العارمة ضد قانون الجنسية الهندي الجديد، مقابل الهندوس الذين يرفعون الشعارات الدينية في مسيرات التأييد الحاشدة له. وهذا، في الهند، التي تمثل عالمياً أحد أبرز وأنجح الأمثلة القائمة في تاريخ إدارة تحديات الوحدة الوطنية من خلال صيغ دينامية وحيوية لتقاسم السلطة وبث التوافق الوطني على كل المستويات.
ويكمن هذا النجاح في ثلاث سمات أساسية تميز الهيكل الدستوري للهند، وهي: الديمقراطية، والفيدرالية، والعلمانية. وفي البلاد التي يمثل الهندوس نسبة 80 في المائة من سكانها، كان الرئيس الأسبق عبد الكلام مسلماً، ورئيس وزرائه مانموهان سينغ من طائفة السيخ، وكانت القوة الحقيقية وراء إدارة البلاد سونيا غاندي المهاجرة المسيحية الكاثوليكية ذات الأصول الإيطالية. ومع هذا، فإن التأكيد على الهوية الإسلامية من جانب المحتجين والمتظاهرين لم تسر على ما يرام لدى العديد من المسلمين والهندوس في البلاد. وفي معرض الانتقاد كتبت الصحافية المسلمة الهندية حياة فاطمة تقول: «عندما نرفع في المظاهرات شهادة لا إله إلا الله، وهي العمود الفقري للعقيدة الإسلامية، فإننا ندفع في آلية تلقائية بإقصاء كل الذين لا يؤمنون بهذه العقيدة. ومع أن هذه الشهادة لا تشكل في ذاتها تهديداً للتعددية والتنوع الطائفي في الهند، فإنها تستبعد الطوائف الهندية الأخرى الذين يصطفون مع المسلمين في معارضتهم للحكومة الهندية الحالية. صارت الاحتجاجات التي نظمها مسلمون وهيمنت على الجامعات ذات الغالبية المسلمة في البلاد أشبه ما تكون بالحركة الوطنية. وهي بلا شك حركة جبهوية مسلمة، لكن لا يجوز أبدا أن تتحول إلى حركة إسلاموية كاملة». وتتابع «يستهدف قانون المواطنة المعدل الجديد المسلمين الهنود، ولكي يحافظ المواطن الهندي المسلم على هويته الهندية عليه وصم القانون الجديد بمخالفة الدستور، وهكذا يحوّل المسألة برمّتها إلى أزمة على الصعيد الوطني بأسره، لأن الدستور الهندي يحمي حقوق مواطني البلاد كافة. ومن ثم، لا يصح قصر حركة الاعتراض والاحتجاج الراهنة على المسلمين الهنود وحدهم. سنتمكن من استعادة التعددية الهندية الحقيقية عندما تتحد أصوات المسلمين والسيخ والمسيحيين الهنود في معارضة هذا القانون الجديد الجائر».

- الانقسام الهندوسي - الإسلامي
يرجع الانقسام على أساس ديني في الهند إلى أيام التقسيم العنيف في نهاية حقبة الحكم البريطاني لشبه القارة الهندية. ففي عام 1947، وهو تاريخ إعلان الاستقلال، قسمت شبه القارة الهندية على أساس ديني، ونشأت باكستان كدولة إسلامية بينما قاومت الهند فكرة التقسيم. وجرى تشريد وقتل الملايين من المواطنين في عدد لا يحصى من أعمال العنف الطائفية التي شاعت في ربوع البلاد خلال فترة التقسيم. ولكن ظل العديد من المسلمين داخل الهند، ولم يتمكن الملايين من الهندوس الفقراء في مناطق السند وبلوشستان الباكستانية من العبور إلى الجانب الهندي من الحدود فظلوا حيث هم.
وعام 1950، وقعت كل من الهند وباكستان على ميثاق نهرو - لياقات، الساعي إلى ضمان حقوق الأقليات الدينية في البلدين، الأمر الذي أسفر عن وقف تحوّل السكان من باكستان إلى الهند. وزُعم حينذاك أنه بينما حافظت الهند على مبادئها العلمانية والتزامها المستمر بحماية الأقليات، قصّرت باكستان في المحافظة على الاتفاق المذكور.
وعام 1971، اندلع الصراع بين قسمي باكستان الشرقي والغربي، وانتهى بقيام دولة بنغلاديش في القسم الشرقي، وواصل كثيرون من الهندوس البنغاليون العيش في الدولة الجديدة.
وعلى نحو مماثل، وخلال حكم حركة طالبان في أفغانستان – بين 1996 و2001 – جرى إقصاء واستبعاد وتهميش الطوائف الدينية المخالفة لعقيدة طالبان، مثل الهندوس والسيخ وغيرهم من الأقليات الدينية الأخرى إثر تعرضهم لعمليات قمع عنيف.
في ضوء هذا الواقع، اضطرت بعض الأقليات إلى الهجرة صوب الهند بين الحين والآخر بحثاً عن وطن جديد وآمن. وثم الكثير من السجلات والوثائق التي تثبت هذه الحقيقة. ويتذرّع مشروع «قانون المواطنة المعدّل» أنه يقر تدابير إنسانية تهدف إلى معالجة مخاوف ومخاطر هذه الأقليات المضطهدة. غير أن مشروع «القانون» هذا عمّق الهوة بين المسلمين والهندوس إذ صوّت 67 في المائة من الهندوس لمصلحته في حين صوّت 71 في المائة من المسلمين ضده.
مع هذا، جاء في استطلاع للرأي أجرته إحدى الصحف الهندية، أن غالبية الناس لا يعتقدون أن مشروع «القانون» موجّه ضد المسلمين. لكن الاستطلاع بيّن أيضاً، أن 63 في المائة من المسلمين يعارضونه، مقابل 35 في المائة منهم يؤيدونه. وفي الجانب الهندوسي، يؤيده 67 في المائة مقابل 32 في المائة يعارضونه تماماً.

- «الرابطة» وغاندي
الصحافي أصغر علي مهندس في صحيفة «المسلمون الهنود» يشرح قائلاً «كان تأسيس رابطة الاتحاد الإسلامي الهندي كحزب سياسي عام 1906 من الخطوات الرئيسية الأولى على مسار الحركة الانفصالية بين المسلمين الهنود. وكانت حركة الخلافة، التي تحولت هي الأخرى إلى حزب سياسي في الهند ضمن الحركة القومية الإسلامية في البلاد، قد تركت انطباعاً راسخاً في الوجدان النفسي للمسلمين الهنود، وألحقت أضرارا لا حصر لها في جهود القادة الكبار أمثال المهاتما غاندي الذين كانوا يناضلون من أجل التوحّد العلماني والديمقراطي للمسلمين ضمن التيار الهندي الوطني الرئيسي في المجتمع بأسره. وشكل هذا الأمر نواة التفكك وانهيار الثقة بين الهندوس والمسلمين في البلاد منذ ذلك الحين».
ويوضح المحلل السياسي هاريش راماسوامي، من جانبه، قائلاً «كان تعريف المهاتما غاندي للأمة الهندية باعتبارها مجتمعاً أخوياً أو كونفدرالية طائفية من مختلف الجاليات تحت مظلة التعدّدية العلمانية الهندية يتعارض بصورة مباشرة مع فكرة إنهاض مجتمع هندوسي يحكم بالغالبية. لكن على المسلمين ومَن يناصرونهم أن يحذروا من التيار الإسلامي غير المتناغم الذي يعتبر لحظات الانقسام الراهنة من الفرص الكبرى السانحة لحشد المؤيدين وتجنيد الكوادر والأتباع. إن بين جموع المعارضين عناصر إسلاموية متطرفة لا تثق في أي نظام علماني ديمقراطي وتصمه بالكفر والزندقة».

- علمانية على المحك
وبالفعل، يرى بعض غلاة القومية الهندية الهندوس أن «العلمانية ليست إلا فكرة احتيالية صاغها أنصار جواهر لال نهرو، أول رئيس لوزراء البلاد، وورثته الذين تعاقبوا على حكم الهند ممن يطلقون عليهم مسمى «الغانديين»، وذلك لاسترضاء الأقليات من المسلمين وتأمين قاعدة التصويت الانتخابية الدائمة لديهم». مقابل هؤلاء يقف أبناء الأقليات وسكان الأقاليم المختلفة، وحفنة من الهندوس العلمانيين ذوي التوجهات اليسارية والليبرالية، الذين يزدرون التعصّب الشوفيني القومي – الديني.
البروفسور خينفراج جانغيد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جيندال الهندية، يرى أن صعود مودي إثر النصر الانتخابي الساحق الذي حققه عام 2014 ثم عام 2019 يعد تتويجا لهذه الرؤية المتعصبة الشوفينية. إذ أسفرت أعمال العنف التي أعقبت المصادقة على «قانون المواطنة المعدّل» في مختلف الجامعات، وتصدّر العديد من الجماعات الإسلامية الاحتجاجات، عن ترسيخ تأييد الغالبية الهندوسية الصامتة لحزب مودي الحاكم. ما كان لأحد توقع كيف ستكون ردود فعل قاعدة الناخبين الهندوسية غير المرئية – بما في ذلك الهندوس المعتدلون السابقون – على أعمال العنف الغاضبة التي شاعت في عموم الهند. ومن شأن المنافسة المحتدمة بين الجانبين أن تقرر وحدها مستقبل السياسات الداخلية الهندية على مدى السنوات العشر المقبلة على أقل تقدير.
وجاء في تقرير إخباري نشره موقع «سكرول»، في هذا السياق، «تعد الاحتجاجات التي تعم البلاد راهنا نضالاً مؤجلاً ضد العملية المستمرة منذ حين لإنشاء الأمة الهندوسية الخالصة. حتى الأمس القريب، بدا الأمر وكأنه مفروغ منه تماماً. أما اليوم، فلسنا متأكدين من شيء البتة. إذ يعتقد الحزب الهندوسي الحاكم وأنصاره أن الاحتجاجات الراهنة لا تملك الزخم الحقيقي الذي تعلن عنه، وأن مسيرة نصف مليون مواطن يومياً ليست إلا نسبة هامشية لا تثير القلق من أصل 1.3 مليار مواطن يشكلون إجمالي تعداد البلاد من الهندوس الموالين لحكومة البلاد. كما يعتقد الحزب الهندوسي الحاكم وأنصاره أنهم يستطيعون تجاهل الإجماع العلماني، وربما الدستور الذي يجمع النسيج الهندي معا، لمواصلة العمل لبناء الدولة الهندوسية الخالصة التي تتشكل بأدوات الخوف والسطوة والقوة».

- أصوات قلقة
تتردد أصوات مماثلة مشوبة بالقلق والتوتر عبر مناطق وأحياء المسلمين في الهند منذ شروع حكومة مودي في تمرير «قانون المواطنة المعدّل» في البرلمان. وقال أحد المواطنين المسلمين، في إشارة إلى حكومة مودي الحالية «إنهم يرغبون في رحيلنا عن ديارنا، لكننا لن نغادر أبداً»، وقال آخر «هذا وطننا. لقد ولدنا هنا، ولسوف نعيش ونموت هنا». لكن عالم الإنسانيات طلال أسعد يناقش قائلاً «تقوم الدولة بوظيفة تحديد الوجه العام المقبول من الدين في البلاد. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالهوية الدينية للمسلمين، يتوجب على المسلمين إما استيعاب القيم الليبرالية – والليبراليون أنفسهم يعتبرون ذلك انتهاكا مباشرا لقيم الإسلام بطبيعتها – أو الإقصاء الكامل عن التصوّر السياسي للدولة القومية».
في هذه الأثناء، يدّعي وزير الداخلية الهندي آميت شاه، أن حكومته «لا تسلب أي مواطن حقوقه الأصيلة، وإنما تمنح حقوقاً أخرى لأناس معوزين. وعليه لا يوجد ما يستوجب الاعتراض بشأن القانون الجديد». ويوضح الوزير أن حكومته تسعى إلى «حماية الأقليات الهاربة من البلدان الأخرى بطريقة تتشابه مع جهودها لحماية ودعم الأقليات الموجودة داخل الهند نفسها. إلا أن الكاتبة الصحافية آبارنا بريادارشاني، ترى أنه «مع صعود سياسات «هندوتفا» (أي الكيانية القومية الهندوسية) فإن العلمانية التي يحميها الدستور الهندي تتعرض لتهديد كبير وواضح من قبل الجماعات القومية الهندوسية التي غالبا ما تصف المهاجرين المسلمين بأنهم متسللون أو مخترقون يهددون المحافظة على أمن وسلامة الأمة الهندوسية...».
كذلك يقول الناشط الاجتماعي الهندي يوغندرا ياداف، الذي يؤيد بقوة المسلمين المعارضين للقانون الجديد: «قانون المواطنة المعدل الجديد عبارة عن أداة للتمييز تماماً كمثل المواطنة في دولة إسرائيل القائمة على الهوية الدينية في المقام الأول. وبدلا من بث روح المواطنة المتساوية في البلاد، فإننا صرنا نتحرك على مسار تصنيف المواطنين تحت فئات مختلفة، الأمر الذي ينتهك وبكل وضوح مبادئ النضال الهندية الأصيلة من أجل الحرية».
في المقابل يقول فيجاي روباني، الوزير الأول في ولاية غُجارات (المعقل السياسي لمودي): «في حين أنه يمكن للمسلمين الهنود الاختيار من بين أكثر من 150 دولة إسلامية للعيش والإقامة فيها، فإن الهند هي الدولة الوحيدة حول العالم بالنسبة للهندوس... كان هناك 22 في المائة من الهندوس في باكستان إبان التقسيم عام 1947. والآن، وبسبب أعمال القمع والعنف والاضطهاد والتعذيب، انخفضت النسبة إلى 3 في المائة فقط من تعداد السكان هناك. ولهذا السبب يرغب الهندوس في باكستان بالعودة إلى الهند. ونحن نقوم بما كان ينبغي على حزب المؤتمر الوطني القيام به في مساعدة هؤلاء الهندوس المعذبين». وتابع الزعيم القومي الهندوسي كلامه «من بين 200 ألف هندوسي وسيخي كانوا يقيمون بأفغانستان منذ بضعة عقود ماضية، لم يتبق منهم سوى 500 مواطن فقط اليوم. يمكن للمسلمين الانطلاق والإقامة في أي دولة إسلامية من 150 دولة حول العالم، ولكن ليست هناك إلا دولة واحدة فقط في العالم للهندوس، وهي الهند. فما هي المشكلة التي تتعلق برغبة هؤلاء الهندوس في العودة إلى وطنهم؟».

- عبر السنوات... القوميات واللغات ترسم حدود الولايات وهوياتها
يُعد الحنين إلى فرعيات القومية اللغوية والثقافية والاجتماعية في الهند من ظواهر ما بعد الاستقلال. وفي معظم الأحيان، كانت القومية اللغوية الفرعية تقوم مقام ورقة التوت الساترة لدعوات الانفصال، إذ أنشئت الولايات الهندية الـ28 والمقاطعات الاتحادية الـ9 على أسس اللغة والثقافة الإثنية.
عام 1953 أسست ولاية أندرا براديش لتكون أول ولاية تنشأ على أساس لغوي للناطقين بلغة التيلوغو بجنوب الهند. وأجبرت الحكومة على فصل المناطق الناطقة بلغة التيلوغو عن ولاية مدراس (تاميل نادو حالياً) في مواجهة حالات التحريض المستمرة. وبعد ذلك توالت مطالب مماثلة لإنشاء المزيد من المناطق والولايات حتى اليوم. وهكذا، عام 1960، قسّمت ولاية بومباي لتنشأ من تقسيمها ولايتا غُجارات وماهاراشترا. وعام 1963 أنشئت ولاية ناغالاند لتغدو وطن شعب الناغا الهندية ليرتفع العدد الإجمالي للولايات الهندية إلى 16 ولاية.
بعدها، عام 1966. مرّر «قانون إعادة تنظيم البنجاب» في البرلمان.
وفي أعقاب ذلك ضمت المناطق الناطقة باللغة البنجابية إلى ولاية هاريانا في حين ألحقت المناطق الجبلية إلى إقليم اتحاد هيماتشال براديش. وتمثل مدينة شانديغار، التي انضمت لإقليم الاتحاد المذكور، العاصمة المشتركة لولايتي البنجاب وهاريانا. وعلى نحو متزامن، جرى تشكيل الولايات الهندية الأخرى على نفس المنوال.


مقالات ذات صلة

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

حصاد الأسبوع Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع دمار غزة (آ ب)

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش

«الشرق الأوسط» (القدس)
حصاد الأسبوع الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي.

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».