رئيس أركان الجيش الليبي : مصممون على تطهير البلاد من المتطرفين

اللواء عبد الرزاق الناظوري أكد لـ («الشرق الأوسط») أن مدينة درنة تضم مقاتلين من «داعش» و«بوكو حرام».. وقال إن الجزائري بلمختار وجماعته يتحركون في الوسط

رئيس أركان الجيش الليبي اللواء عبد الرزاق الناظوري (تصوير: «الشرق الأوسط»)
رئيس أركان الجيش الليبي اللواء عبد الرزاق الناظوري (تصوير: «الشرق الأوسط»)
TT

رئيس أركان الجيش الليبي : مصممون على تطهير البلاد من المتطرفين

رئيس أركان الجيش الليبي اللواء عبد الرزاق الناظوري (تصوير: «الشرق الأوسط»)
رئيس أركان الجيش الليبي اللواء عبد الرزاق الناظوري (تصوير: «الشرق الأوسط»)

كشف رئيس أركان الجيش الليبي، اللواء عبد الرزاق الناظوري، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» في قاعدة عسكرية في شرق البلاد، عن أن حلف «الناتو» دمّر خلال أحداث فبراير (شباط) 2011 ضد نظام معمر القذافي، أكثر من 90 في المائة من قدرات الجيش الذي يعمل حاليا على إعادة بناء قدراته لإنقاذ الدولة من الفوضى والاحتراب، وطرد المتطرفين الليبيين والأجانب.
وتحدث اللواء الناظوري عن انخراط نحو 16 ألفا من السجناء السابقين الذين أطلقهم القذافي من السجون أثناء الثورة عليه، في الميليشيات والدروع والكتائب التي يقودها متطرفون بقيادة جماعة الإخوان المسلمين، مشيرا إلى أن الكثير من المحكومين الذين فروا من السجون، أصبحوا متمترسين بالسلاح، ومن بينهم أمراء لكتائب مدعومة من جماعة الإخوان.
وأكد أن الجيش يحاصر درنة من مداخلها الـ3 حاليا، قبل التعامل معها، لكنه أشار إلى صعوبة التعامل مع المتطرفين في العاصمة طرابلس بسبب مساحتها الشاسعة، إلا أنه قال إن الجيش مصمم على حسم الأمور، وإن تحقيق الأمن بشكل كامل في البلاد ربما يستغرق سنة من الآن.
وإلى أهم ما جاء في الحوار..

* البعض يرى أن في ليبيا قوتين ينبغي على المجتمع الدولي التعامل معهما، هما قوة الجيش وقوة الميليشيات.. هل ترى أن هذا التوصيف صحيح؟
- توجد في ليبيا قوة الجيش وقوة أخرى غير شرعية. والبرلمان الليبي أصدر تشريعا انتهى فيه إلى أن ما يسمى بقوات الدروع التي جرى تشكيلها من جماعة الإخوان المسلمين، هي جسم مضاد للجيش الليبي. وفعلا.. هاتان القوتان موجودتان.. وفعلا كانوا (جماعة الإخوان حين كانت في الحكم في ليبيا) يسخرون السنوات الـ3 الماضية (التي هيمنوا خلالها على السلطة) لتعزيز قدرات قوات الدروع، وتهميش الجيش الليبي، وعدم إعطاء أي إمكانات له. انظر الآن.. نحن نقاتل هذه الدروع وهي أكثر عتادا وقوة.. لكن في نهاية المطاف هي مجرد ميليشيات وعناصرها غير مدربين، ونصر الجيش الوطني الليبي عليهم أصبح وشيكا. وبإذن الله سيكون النصر عليهم قريبا.
* بالنسبة لعتاد قوات الدروع والميليشيات.. هل هو عتاد من الداخل أم أن لديكم ما يثبت أنه يأتيها مدد ومساعدات من الخارج؟
- بكل تأكيد نحن لدينا صور لسفن من تركيا تحمل أعلاما مختلفة، وترسو في ميناء مصراتة البحري، وهناك طائرات تهبط في مطار معيتيقة. توجد دولتان (تركيا وقطر) أعتقد أن إحداهما يمكن في الوقت الحالي أن تغير وجهة نظرها، لكن دولة قطر ما زالت تصر على رأيها.
* وهل هناك دلائل على تمويل مالي أيضا؟
- أنت تعرف أن المورد المالي الوحيد لليبيا يأتي من النفط، والدولة لم تكن في الفترة الماضية قادرة على الوقوف على قدميها، بسبب انخفاض الصادرات وبسبب توقف جانب كبير من التصدير. وفي مثل هذه الظروف الاقتصادية نجد أن قوات الدروع والميليشيات تعطي رواتب للمقاتلين الذين معهم تبلغ في المتوسط نحو 500 دينار في اليوم (أثناء عمليات القتال). وهنا لا بد أن نتوقف ونسأل: من أين لك كل هذه الأموال؟ ومن أين تأتي بها؟ إذن يوجد تمويل خارجي لهذه الدروع والميليشيات بالتأكيد.
* لوحظ، خلال الشهور الأخيرة، أنه يوجد ما يشبه النهضة داخل الجيش الوطني الليبي.. فما التطورات الجذرية التي قمتم بها حتى أصبح الجيش يقوم بعمليات لافتة للنظر من أجل بسط الاستقرار في البلاد؟
- تعلم أن بدء عملية الكرامة (وهي العملية التي أعلن عنها اللواء خليفة حفتر ضد المتطرفين مطلع هذا العام) كانت من أجل استنهاض همم أفراد الجيش، وقامت هذه العملية أساسا من أجل الضباط والجنود الذين جرى قطع رؤوسهم والتمثيل بجثثهم من جانب من أسميهم «أشباه الثوار»، وكذلك قيام هؤلاء بمنع الضباط والجنود من دخول معسكراتهم. أنت تعلم أن قوات الدروع هم خليط من مجموعة ليبيين مرتزقة من أجل المال، والبعض الآخر هم من الخارجين عن القانون ممن أطلق القذافي سراحهم من السجون (أثناء أحداث ثورة 17 فبراير (شباط) 2011)، سواء في بنغازي أو طرابلس.. عدد هؤلاء يقارب 16 ألفا. هؤلاء أصبحوا متمترسين خلف السلاح بعد سقوط نظام القذافي.
* هل تقصد أن عدد الـ16 ألفا هم جميع قوات الدروع أم الذين خرجوا من السجون فقط؟
- لا.. أقصد بهذا العدد، فقط المجرمين الذين أطلق معمر سراحهم في السابق، لكن عدد قوات الدروع أكثر من ذلك بكثير، لأن معهم شبانا آخرين صغارا في السن ويطمعون في أموال، وغير ذلك. وقامت الدروع بتجنيدهم ومنحهم أموالا ورواتب تفوق رواتب ضباط جنود الجيش الليبي.. وعلى سبيل المثال يحصل العقيد في الجيش الليبي على راتب قدره 1000 دينار في الشهر، بينما الجندي في قوات الدروع يحصل على 1200 دينار في الشهر (في غير أوقات القتال). هذا الأمر دفع معظم الشبان الليبيين العاطلين عن العمل للجوء للدروع. بالإضافة إلى الـ16 ألفا من المجرمين الذين أشرت إليهم والذين خرجوا من السجون وتحصلوا على الأسلحة وأصبح من بينهم أمراء كتائب.. مجرم قاتل هارب من السجن، وأصبح الآن آمر كتيبة في قوات الدروع.
* وما العدد الإجمالي للعناصر المنخرطة في هذه الكتائب والميليشيات؟
- ليس لدي حاليا الرقم الدقيق لعدد هذه العناصر، ولكنه يتراوح بين ألفين و3 آلاف، بالإضافة إلى الـ16 ألف مجرم، إلى جانب مجموعات من الشبان الذين أشرت إلى أنهم صغار في السن وعاطلون عن العمل. هم مجموعات كبيرة، لكن كمتطرفين في ليبيا ربما لا يزيد العدد على 3 آلاف أو 4 آلاف.
* يبدو أن الجيش سعى لحسم مسألة السيطرة على بنغازي من أيدي المتطرفين سريعا؟
- نعم.. بالأمس (قبل يومين) دخل الجيش الجزء الشرقي من بنغازي. ونحن لدينا أجهزة أمنية تعمل داخل المدينة ونعرف كل مطلوب من المطلوبين أين يسكن وأين يقيم. ونعرف المساجد التي يستغلها هؤلاء المتطرفون سواء لتجمعاتهم أو لتخزين الذخائر بداخلها، ونعرف المزارع التي طرد هؤلاء المتطرفون أصحابها منها وأصبحوا يتمركزون فيها كمعسكرات لهم. كل شيء عنهم معروف لدينا ومدروس.
* تردد أن قائد أنصار الشريعة، محمد الزهاوي، قتل أثناء عمليات الجيش في بنغازي.. هل هذا صحيح؟
- في الحقيقة.. حتى أكون دقيقا معك، لا يوجد تأكيد حتى الآن.. يقال أيضا إنه مصاب، لكن أيضا لا توجد تأكيدات أو معلومات واضحة بشأن مصيره حتى الآن.
* وما تصوركم للتعامل مع المتطرفين الذين يسيطرون على مدينة درنة؟
- درنة منطقة جبلية وصغيرة جدا. وتوجد في هذه المدينة 3 مداخل.. من الشرق ومن الغرب ومن الجنوب. ونحن الآن نسيطر على هذه المداخل، لكننا نتركهم الآن لأن أغلبهم هربوا وقاتلوا في بنغازي وقتلوا فيها. وهناك مجموعة بسيطة جاءت من «داعش»، لكن سيتم القبض عليهم قريبا، وهؤلاء أجانب جاءوا من الخارج ومن بينهم سوريون ومصريون وشيشان وأفغان وموريتانيون ويمنيون، ومن بوكو حرام (من أفريقيا)، كل هؤلاء موجودون الآن في درنة وبنغازي.
* وكم عدد هؤلاء المقاتلين الأجانب تقريبا؟
- العدد كبير.. يقارب الآن نحو 6 آلاف مقاتل في درنة وبنغازي وطرابلس أيضا. كما أن الجزائري مختار بلمختار موجود في منطقة الوسط الليبي بالذات، وهناك آخر يدعى عبد الكريم الجزائري، وهو من «متطرفي» الجزائر أيضا.
* لكن هل ستظل قوات الجيش الليبي تحاصر درنة فقط؟ وإلى أي وقت؟
- طيران الجيش الليبي يقوم في الوقت الحالي بالضرب في معاقل المتطرفين في درنة؛ في معسكراتهم ومواقع تخزين الذخيرة. لدينا الأمن.. ولدينا الاستخبارات تعمل على مدار الساعة بدقة شديدة، ونتركهم حتى يحين الوقت الذي نحدده للتعامل معهم. نحن لدينا خطة عمل استخدمناها من قبل في مدينة بنغازي وفي بنينة (قرب بنغازي ويقع فيها مطار المدينة)، ونستخدم خطة مماثلة الآن في درنة، وهي استنزاف قدرات المتطرفين حتى لا يصبح أمامهم غير الخروج من مواقعهم وأماكنهم، وهذا، في نهاية المطاف، يؤدي إلى القضاء عليهم بالتدريج.. لدينا عمل عسكري ننفذه من أجل بسط الاستقرار والأمن في عموم البلاد.
* وما تصوركم للتعامل مع الوضع في العاصمة طرابلس؟
- العمل في طرابلس، في الحقيقة، صعب قليلا، لأن نصف سكان طرابلس نزحوا، سواء نزحوا داخل ليبيا أو إلى تونس.. كما أن العاصمة مدينة كبيرة ومترامية الأطراف، وجنود الجيش الوطني موجودون الآن في المنطقة الغربية والجبل الغربي. ونراقب الوضع بدقة.. الميليشيات (من قوات فجر ليبيا) بدأت في توزيع عناصرها في مناطق في وسط البلاد وفي الجنوب. وتوجهت منهم مجموعة كبيرة، نحو 200 سيارة، إلى منطقة سبها. وعلى كل حال، ومهما كان الأمر، ومهما كانت العقبات، فإننا نرى أن الأمور ستسير على ما يرام.
* البعض يعتقد أن كل قوات «فجر ليبيا» هي فقط من مدينة مصراتة.. ما حقيقة هذا الزعم؟
- لا.. «فجر ليبيا» تتكون من عدة دروع.. الدرع الغربية والدرع الوسطى والدرع الثانية في الشرق. وهذه الدروع تتشكل، كما سبق وقلت، من الخارجين عن القانون والهاربين من السجون ومن الشباب العاطل عن العمل الذين قامت الدروع بتجنيدهم مقابل مبالغ مالية طائلة.. وهناك من هم من مدن ومناطق مثل طرابلس ومصراتة وتاجوراء والزاوية وجنزور وصبراتة وترهونة وورفلة وغيرها. ويغذي كل هؤلاء ويقودهم جماعة الإخوان المسلمين، لكن هؤلاء الشبان ليس لهم انتماء للتيارات الإسلامية.
* لكن قادة الدروع أصبحوا يسيطرون على موانئ ومطارات مثل مطار معيتيقة ومطار مصراتة!
- صحيح.. لأن ما يسمى أشباه الثوار هؤلاء، الذين هم ثوار «سوق الجمعة» و«تاجوراء» و«مصراتة» الموجودون في طرابلس هم الذين يسيطرون على مطار معيتيقة. أما مصراتة فهي منطقة مغلقة الآن. أغلقت على نفسها منذ التحرير (سقوط نظام القذافي في خريف 2011) وحتى الآن، وليس فيها أي أحد من خارج مصراتة، وهؤلاء مطارهم الجوي يعمل ضد ليبيا، وميناؤهم البحري يعمل ضد ليبيا أيضا.
* قيل إن بعض الطائرات المدنية الليبية اختفت، وقيل أيضا إن بعض الدول أخذت تتحسب لمغبة تعرضها لهجمات انتحارية، من المتطرفين، بتلك الطائرات. هل توجد لديكم معلومات عن طائرات مدنية مختفية؟
- قيل فعلا إن هناك طائرات غير معروف أين ذهبت، لكن في الحقيقة هذا كلام غير دقيق، لأن الطائرات تعرضت للتدمير في مطار طرابلس. أسطول الطيران الليبي كله جرى تدميره في مطار طرابلس، إلا أنه بالأمس (قبل يومين) أقلعت طائرات كان يتدرب عليها طلاب الكلية الجوية في مصراتة، وهي طائرات يوغوسلافية اسمها الـ«جالب».. طاروا بها وحاولوا أن يقصفوا بها منطقة في الزنتان (جنوب غربي طرابلس) لكن لم تحقق الهدف منها، لأنها طائرات تدريب في الأساس، وليست طائرات مجهزة لعمليات قتالية. وربما هناك الآن بعض المروحيات.. هناك سوادنيون يقومون بتدريبهم عليها. بالتحديد هناك ضابطان سودانيان من خريجي كلية مصراتة، يقومون بتدريب مجموعة من مصراتة على الطيران المروحي، لكن لم تقلع أي منها بعد.
* هل هذا يجعل لديكم مخاوف من أن عملية المواجهة في المستقبل يمكن أن تكون معقدة وصعبة؟
- لا.. لأننا نحن الأقوى، ونحن نملك الطيران المقاتل، الأحدث والأفضل. ثم هم ليس لديهم أكثر من تلك الطائرات سواء المروحية أو التدريبية وهي لا تساوي شيئا.
* بالنسبة للوضع في جنوب البلاد.. كانت هناك اشتباكات بين جماعة أخرى تدعى «أنصار الحق»، وقوات موالية للجيش الوطني. كيف تتعاملون مع هذا الملف؟
- بالنسبة لقواتنا التي في الجنوب هي التي تتعامل مع هذه المجموعات (المتطرفة التي تساندها قوات) من فجر ليبيا. وهؤلاء المتطرفون يحاولون تصوير الاقتتال هناك على أنه اقتتال قبلي، بين قبيلتي «الطوارق» و«التبو»، بينما الحقيقة هي أن القتال بين قوات الجيش الوطني الليبي في الجنوب وقوات «فجر ليبيا». وتوجد خطة أمنية لتأمين الجنوب، وجرى تشكيل وحدة جديدة موجودة في الجنوب من الجيش الموجود هناك، والخطة تسير لإتمام تنفيذها إن شاء الله.
* وهل للقائدين الجهاديين الجزائريين، بلمختار وعبد الكريم، ومن معهما، نشاط ملحوظ لكم في الجنوب؟
- بالطبع.. هم يتحركون بين مدن ومناطق بنغازي وطرابلس والجفرة، لكن لا يدخلون إلى مدينة سبها (عاصمة الجنوب). وجرى رصدهم أكثر من مرة، ومعهم جزائريون وتونسيون. والذي فجّر نفسه أمس (قبل يومين) في بنغازي تونسي الجنسية، ومن نفذ عملية تفجير سيارة في مدينة البيضاء هما اثنان من المصريين، وجرى القبض عليهما.
* على ذكر المصريين، السلطات المصرية دائما ما تشكو من أن عبء تأمين حدودها مع ليبيا أصبح يقع عليها وحدها منذ سقوط نظام القذافي حتى الآن. فهل هناك خطوات من جانب الجيش الليبي لتولي مسؤولياته بشأن العودة للإسهام في تأمين الحدود؟
- في الوقت الحالي لدينا رئاسة أركان حرس الحدود وبها نحو 3 كتائب في منطقة طبرق، وتقوم بتسيير دوريات على الحدود، ولكن أنت تعرف أن الحدود وعرة وصحراوية وطويلة، وبالتالي متوقع أن تكون هناك اختراقات.. ويوميا يجري القبض على 50 أو 60، وحتى مائة شخص، من المتسللين عبر الحدود مع مصر، ويتم إعادتهم للجانب المصري.
* لكن ألا تخشون من انتقال جهاديين من ليبيا إلى مصر عبر الحدود؟
- في الوقت الحالي، لا.. المنطقة، رغم كل شيء، مؤمنة فيما يتعلق بهذا الجانب. من هم في درنة محاصرون في درنة.. كما أنه في بعض الأحيان نحن الذين يأتي إلينا الجهاديون عبر الحدود، لأن ليبيا في الوقت الحالي ليست مكانا للعمل وكسب الرزق ولكنها منطقة حرب. والشباب الذين هم من الـ18 سنة حتى 25 سنة، ويأتون بحثا عن العمل في ليبيا، أين سيعملون في الوقت الراهن؟ ومعلوم أنه، بداية من درنة حتى طرابلس، منطقة غير آمنة. يمكن طبرق فقط هي الآمنة. إذن كيف تأتي بحثا عن العمل في ليبيا. وكل من يأتون متسللين إلى ليبيا عبر الحدود مع مصر هم محصورون في هذه السن الصغيرة؛ ما بين الـ18 حتى الـ26 أو 27 سنة، وربما هؤلاء من التكفيريين أو من الإخوان المسلمين.
* كانت رئاسة أركان الجيش في عهد المؤتمر الوطني (البرلمان السابق) تنفق على الميليشيات والدروع وتمنحها رواتب. فما الموقف الآن؟
- تم إيقاف المرتبات عنهم بقرار من مجلس النواب (البرلمان الجديد) باعتبار أن الدروع ميليشيات، وطالب المجلس بحلها، وعليه نفذنا قرار البرلمان في اليوم التالي مباشرة. وبالتالي لا تصرف رواتب ولا مهمات إلا لمن له رقم عسكري ويتبع رئاسة الأركان العامة. الدروع وكل الميليشيات أوقفنا عنها كل شيء من إمداد وتموين ومرتبات، وهم يقومون بتمويل أنفسهم من خلال شخصيات محسوبة على جماعة الإخوان، وبعض الدول التي تمدهم بالأموال. وسنقوم بتجفيف منابع تمويلهم بإذن الله.
* تشكو من أن المجتمع الدولي لا يقدم المساعدات المتوقعة للجيش الليبي الذي يسعى لبسط الاستقرار والأمن في عموم الدولة. ما نوع المساعدات التي تأملون الحصول عليها؟
- جرى تدمير الجيش الليبي في أحداث 17 فبراير من جانب حلف «الناتو»، وجرى تدمير البنية الأساسية للجيش وكل الأسلحة جرى تدميرها.. من دبابات ومدفعية وطائرات.. والطائرات «الحربية» التي نطير ونعمل بها الآن لا يزيد عددها على طائرتين أو 3. وهذه الطائرات جرى ترميمها أخيرا، بعد أن كانت خارج الخدمة منذ عام 2011.. الجنود تعرضوا للمضايقات من جانب أشباه الثوار ويطلقون عليهم لقب «أزلام القذافي»، ويقولون لهم لم يعد لكم مجال في العمل.. أعني أن الجيش منذ 2011 كان متهالكا إلى حد لا يصدق، وعليه بدأنا في تجميعه من جديد، منذ بدء معركة الكرامة حتى الآن، والحمد لله أصبح لدينا كيان موجود ويعمل. لكننا كنا نأمل من العالم، وبدلا من أن يحشد 50 دولة على حرب «داعش» في سوريا والعراق، كان ينبغي عليه أن يضع «داعش» الموجود في ليبيا في الاعتبار، خاصة بعد أن أعلنت المجموعات المتطرفة في درنة مبايعتها لأبو بكر البغدادي (الذي نصبه داعش العراق والشام خليفة للمسلمين).. وتوجد في درنة مجموعات من بوكو حرام، وقدمنا الأدلة على هذا.. أضف إلى ذلك أن مخابرات الدول الغربية لديها علم بكل هذه المجموعات المتطرفة والتكفيرية في ليبيا. لكن يبدو أن الغرب لا يريد أن يتعامل بجدية مع الأمر في ليبيا. لقد اعترف الغرب بأنه تأخر في التصدي لتنظيم داعش في العراق والشام حتى استفحل وتضخم.. وبدلا من أن يحاربوا معنا هنا في ليبيا، أصبحنا نحن نقاتل بأنفسنا، وسنقضي على هذا التنظيم الذي يهدد الدولة الليبية، واقتربنا من القضاء عليه بأيدينا، وهذا في رأيي أفضل.. الأفضل أن نقوم نحن بجيشنا وشعبنا بهذه المهمة أفضل من أن ننتظر مساعدة الخارج لنا.
* وإلى أي حد تؤثر قرارات حظر بيع السلاح لليبيا التي أصدرها مجلس الأمن أثناء أحداث فبراير 2011 على الجيش الوطني الليبي حاليا؟
- ما زالت هذه القرارات سارية. نحن كنا نطمح إلى عقد صفقات لتطوير جيشنا بعد تدميره على يد حلف الناتو في ذلك الوقت.. جرى تدميره من حيث البنية التحتية والمعنويات. نحن نطمح إلى تدريب جيشنا في أميركا أو في بريطانيا أو في روسيا، أو غيرها من بلدان العالم، لإمدادنا بالطائرات والدبابات الحديثة، وعقد صفقات في وضح النهار، ولكن هم الآن (قرارات الأمم المتحدة) يجبروننا على أن نقوم بتسليح جيشنا حتى لو كان من عرض البحر (أي بطريق غير رسمي).
* وكم عدد قوات الجيش الليبي الآن؟
- العدد الآن بين 130 ألفا و140 ألفا.
* لكن هناك شكوى تقول إن عدد القيادات (الرتب العسكرية) كبير بشكل لا يتناسب مع عدد الجنود؟
- هذا صحيح.. لأن معمر القذافي كان يحمل رتبة عقيد، وبالتالي جعل رتب الجيش الليبي لا تزيد على درجة عقيد. والآن الرتب محصورة من رتبة مقدم إلى عقيد. ومن النادر أن تجد من يحملون رتب العمداء، وفي السنوات الـ5 الأخيرة، أي الدُفاعات الـ5 الأخير، كانت كلها قذاذفة (أي من قبيلة القذافي) فقط، وقُتل أغلبهم معه في الحرب، ولذلك من النادر أن تجد في معسكراتنا رتبا صغيرة.
* بغض النظر عن نظام القذافي، هل قام الجيش بأي حصر لخسائره جراء قصف طائرات حلف الناتو للمعسكرات طيلة 8 أشهر من عام 2011؟
- نعم.. نعم.. توجد لجنة بهذا الخصوص.. لكنها ما زالت قيد الدراسة لأن هناك (خسائر في) البشر غير معروف عددهم، وربما يزيد عدد من قتلوا من أفراد الجيش فقط على 15 ألفا، لكن خسائر البنية التحتية معروفة. وما جرى تدميره من البنية التحتية للجيش الليبي نسبته بين 90 في المائة و95 في المائة من قدرات الجيش، خاصة في المنطقة الغربية من سرت وحتى أقصى الغرب، أما قدرات الجيش في المنطقة الشرقية فقد كان القذافي قد دمرها من قبل ولم يترك لنا فيها شيئا.
* وما المدة الزمنية التي تتوقع أن تستغرقها عمليات الجيش حتى يتمكن من بسط الاستقرار في عموم ليبيا؟
- أنا أتوقع أنه خلال سنة من الآن سنكون قد تمكنا من بسط الأمن في كل ليبيا وتطهيرها من المتطرفين.
* هناك إصرار لدى البعض على اتهام مصر والإمارات بالمشاركة في عمليات قصف مواقع المتشددين في ليبيا. كيف ترى هذا الأمر؟
- هذا تزييف من جماعة الإخوان المسلمين. كذب وافتراء. لا يوجد أي شيء من هذا القبيل، ومن يقوم بقصف مواقع المتطرفين والإرهابيين هي طائراتنا. والذين يقاتلون هم جنودنا، ولا دخل لا لمصر ولا للإمارات في هذا الموضوع. الآلة الإعلامية الإخوانية هي التي تحاول النيل من صورة الجيش الوطني الليبي، لكن الشعب يعرف الحقيقة.
* وما طبيعة التعاون بين الجيش الليبي والجيش المصري؟
- العلاقة بين الجيش الليبي والمصري علاقة قديمة منذ تأسيس وتدريب الجيش السنوسي، أي جيش التحرير الليبي، في مصر قرب القاهرة عام 1939. وحتى انتقال ذلك الجيش، الذي كان يهدف لتحرير ليبيا من الاستعمار، من مصر إلى طبرق. ونحن الآن، بالفعل، مقبلون على الخطوة نفسها.. سبحان الله. التاريخ يعيد نفسه. نحن ذهبنا إلى الإخوة في مصر وبذلوا كل ما يمكن من إمكانيات للتدريب داخل مصر، على أساس أن نرسل قوات لكي يقوموا بتدريبها لنا، أما القتال أو المشاركة في القتال من جانب المصريين، فهم لم يشاركوا معنا إلى هذه اللحظة. والقائم بيننا هو التدريب فقط.
* أخيرا.. أين موقع اللواء خليفة حفتر في الجيش الوطني الليبي؟
- أريد أن أقول لك إن الذي يقود القوات الأميركية في سوريا والعراق ضد «داعش» هو جنرال أميركي متقاعد. هم يتهموننا بأن خليفة حفتر لواء متقاعد ويقود عمليات في الجيش. بالعكس.. خليفة حفتر هو جنرال ليبي يمتلك خبرة ويمتلك الثقة من الجيش، ويلتف حوله الجيش، وهو في الوقت الحالي يقود معركة الكرامة، وهذا ليس عيبا. كما أن خليفة حفتر أيد البرلمان، وحين جرى ترشيحي لرئاسة الأركان أيد ذلك أيضا بانضوائه تحت رئاسة الأركان، والآن يقود العمليات، وهو قائد ليبي له سمعته العسكرية، وهو أكبر رمز لدينا في القوات الليبية. ولا بأس أن يقاتل مع أهله، وهو من حرك المياه الراكدة في بنغازي.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».