مستقبل الجلود والفرو على المحك

بعد إعلان بيوت أزياء كبيرة استغناءها عنهما واضطرارها للبحث عن مواد بديلة

الفرو بالنسبة لـ«فندي» مضاد للموضة السريعة  -  التحدي كبير للبيوت التي تأسست على الجلود مثل «لويس فويتون»
الفرو بالنسبة لـ«فندي» مضاد للموضة السريعة - التحدي كبير للبيوت التي تأسست على الجلود مثل «لويس فويتون»
TT

مستقبل الجلود والفرو على المحك

الفرو بالنسبة لـ«فندي» مضاد للموضة السريعة  -  التحدي كبير للبيوت التي تأسست على الجلود مثل «لويس فويتون»
الفرو بالنسبة لـ«فندي» مضاد للموضة السريعة - التحدي كبير للبيوت التي تأسست على الجلود مثل «لويس فويتون»

صدق من قال: «كل يغني على ليلاه». ففي أسبوع لم يكن فيه أي حديث للصحافة البريطانية والعالمية سوى أحداث سقوط الطائرة الإيرانية وحريق أستراليا وزعزعة الأمير هاري وزوجته ميغان ماركل للأعراف والتقاليد البريطانية العريقة بإعلانهما قرار الانفصال عن العائلة البريطانية المالكة والاستقلال ماديا، في بادرة غير مسبوقة، أهدت منظمة «بيتا» المناهضة لاستعمال الجلود الطبيعية، دوقة كامبريدج، كايت ميدلتون، حقيبة يد من العلامة الفرنسية: «أشوكا باي». كانت المناسبة عيد ميلادها الـ38 الذي مر هذه السنة مرور الكرام بعد أن خطفت قضية هاري وميغان الاهتمام والأضواء.
كانت الهدية رسالة مباشرة لها بُعد «بيئي» مهم، فـ«أشوكا باي» من العلامات «النباتية»، وسعرها لا يتعدى الـ200 جنيه إسترليني، ما يعادل 240 يورو، وهو سعر معقول مقارنة بما تطرحه باقي بيوت الأزياء الكبيرة. لكن الأهم من كل هذا أن الحقيبة مصنوعة من قشور التفاح.
وهذا ما سلطت عليه الضوء منظمة بيتا في تغريدتها ومدونتها الخاصة بقولها إنها تأمل أن تشجع الهدية الدوقة على «اتخاذ قرارات رحيمة بالحيوانات وبدائل معاصرة فيما يتعلق باختيارها لأزيائها... فهذا سيشجع غيرها على الاقتداء بها».
وكما لم تختر منظمة «بيتا» الحقيبة اعتباطا، فإنها لم تختر دوقة كامبريدج صُدفة. فقد أطلقت هذه الأخيرة وزوجها الأمير ويليام مؤخرا مبادرة مهمة باسم «جائزة إيرثشوت» Earthshot Prize تشجع على إيجاد حلول عاجلة لأزمة البيئة التي نعيشها، بما فيها صناعة الجلود الطبيعية، المتهمة بأنها سبب في هذه الأزمة. وجاء في مدونة «بيتا» أن الحقيبة مصنوعة كاملة من مواد نباتية، وبالتالي لا تضر بالبيئة مثل الجلود التي تتسبب في انبعاثات الكربون الناتجة عن تربية الأبقار والأغنام والحيوانات الأخرى في مزارع خاصة، وفي وجود المدابغ السامة التي تلوث المجاري المائية القريبة وتعرض العمال لكميات زائدة من المواد الكيميائية مثل الزرنيخ.
لكن في خضم كل النقاشات حول الموضة المستدامة وضرورة البحث عن مواد جديدة تُغني عن استعمال جلود الحيوانات، خصوصا المترفة مثل جلود الثعابين والتماسيح، يُلح سؤال مهم عن مدى تأثير هذه الموجة على بيوت أزياء بنت سمعتها وشهرتها على هذه الجلود وكيف ستواجهها؟ «لويس فويتون» و«هيرميس» فقط من هذه البيوت، فضلا عن دار «فندي» التي تعتمد على الفرو إلى حد أن وجودها لصيق به.
ناديج فاني سيولسكي، مصممة «هيرميس» لا تنكر أن الوضع صعب ويحتاج إلى التعامل معه بشفافية.
فالجلد رمز من رموز الدار، وواحد من جيناتها الوراثية التي لا يمكن أن تستغني عنها. ما يشفع لها أن الكل يعرف أنها تتقن صياغته ودباغته وتتفنن فيه بأشكال تجعل المرأة تحلم بقطعة، مهما كانت صغيرة، تحمل توقيعها. وربما هذا هو الحل بالنسبة للدار الفرنسية التي انطلقت بصناعة السروج منذ أكثر من قرن: أن تقدم قطعا فريدة بجودة عالية وتصاميم راقية، تجعلها تبقى معنا للأبد، بل يمكن توريثها لأجيال قادمة، لأنه كلما زاد عمرها زاد جمالها. فالجلود الطبيعية، حسب رأيها، تتنفس وتزيد جمالا مع الوقت، كما أنها على عكس ما يتصور البعض مستدامة من ناحية أنها لا تخضع للموضة السريعة. فقطعة واحدة باهظة الثمن يمكن أن تُغني عن عشر، وهو ما يجنب البيئة الكثير من الأضرار الناجمة عن شراء قطع كثيرة بأسعار زهيدة. في تشكيلتها لربيع وصيف 2020 كانت 70 في المائة من القطع المعروضة من الجلود الطبيعية، الـ30 في المائة الأخرى كانت من صوف الكشمير أو الصوف أو القطن. واللافت أنه كان من الصعب التفريق بينها كون الجلود اكتسبت نعومة تجعلها تبدو من بعيد وكأنها حرير. ورغم أن مصممتها نادجي، تعشق الألوان والتلاعب بها، فإنها كبحت جماح رغبتها، واكتفت بألوان طبيعية مثل الأخضر الكاكي والزيتوني والأحمر الغامق والأسود وما شابه من درجات كلاسيكية تناسب كل مكان وزمان. وخلافا لغيرها من بيوت الأزياء الذين اقتصرت اقتراحاتهم على قطع جلدية محدودة، في الإكسسوارات غالبا، فإن «هيرميس» قدمت طبقا دسما من الجلود من خلال فساتين منسدلة وأخرى قصيرة. هذا عدا عن معاطف بالجُملة وقمصان وبنطلونات. ما ساعد المصممة على طرح هذا الكم من دون أن تفقد التشكيلة مصداقيتها أو تثير حفيظة المناهضين لاستعمال الجلود، أنها لعبت على مفهوم أن قطعة واحدة تكفي وعلى كونها استثمارا طويل المدى.
مثل الجلود الطبيعية، تواجه صناعة الفرو أيضا نفس التحديات، وربما أكثر، لا سيما بعد إعلان الكثير من بيوت الأزياء امتناعها عن استعماله في تشكيلاتها. كل من «شانيل» و«بيربري» و«غوتشي» و«برادا» إضافة إلى «فارفيتش» ومجموعة «يوكس نيت أبورتيه» أعلنت نيتها هذه في عام 2019. لكن صناع الفرو لم يسكتوا أو يقفوا مكتوفي الأيادي. هم أيضا واجهوا التحدي بعدم التنازل عن أسعارهم الباهظة، وبالرفع من مستوى الحرفية اليدوية إلى جانب تطوير أدواتهم وتقنياتهم. تبريرهم أنها كلما كانت بجودة عالية تدوم أطول، وكلما كانت غالية فإن المرأة لن تتخلص منها بسرعة. بالعكس ستقدرها وتحافظ عليها كما لو كانت قطعة مجوهرات. المصممة الدنماركية أستريد أندرسون، التي قدمت تشكيلة رجالية خلال أسبوع لندن الأخير مستعملة الفرو بالتعاون مع شركة «ساغا» قالت إن العقلية الدنماركية كانت دائما تميل إلى الاستدامة «فثقافتنا مبنية على شراء قطع أقل وبجودة عالية. وأنا أؤمن بأن الفرو من أكثر الخامات استدامة. والدتي مثلا لا تزال تستعمل معطفها المصنوع من الفرو الذي اشترته منذ 25 عاما إلى حد الآن. مشكلة الموضة ليست في الفرو بل في الموضة السريعة، من دون أن ننسى تأثيرات صناعة الفرو الاصطناعي على البيئة». وتضيف أندرسون أن الموضوع قد يكون حساسا، لكن تحكمه العاطفة أحيانا، وهذا ما يدفع إلى فتح حوارات صادقة في هذا الشأن. مصممون آخرون يوافقون أندرسون الرأي بأنه لا يجب النظر إلى الأمر من زاوية واحدة. فالفرو، حسبما تؤكد سيلفيا فندي من «أكثر الخامات الطبيعية الموجودة، كما أنه قوي يصمد طويلا من دون أي حاجة حتى لغسله». وتتابع: «عندما ترث أي واحدة منا معطفا من جدتها، فإنها يمكن إعادة تصميمه بسهولة ليناسب مقاسها وأسلوبها». وتُلمح سيلفيا هنا أنه من الصعب على أي واحدة منا التخلص من معطف فرو مهما كان قديما. السبب طبعا خامته هذه.
بدوره أدلى المصمم الأميركي مايكل كورس بدلوه في الموضوع قائلا إن الجهود لا تتوقف على تطوير صناعة الموضة ككل. فصناعة الفرو تقوم منذ فترة على الاستثمار في برامج لزيادة الوعي بتعاملها مع الجلود بطرق رحيمة أكثر مما يتصور البعض. وأوضح: «لقد أصبحت هناك الكثير من التقنيات المدهشة التي تتيح لي كمصمم إبداع أشكال مترفة من دون التنازل عن الجودة أو الأناقة. فزبون اليوم يريد خيارات أكثر ويريد أن يعرف كل شيء عنها من مصادرها إلى مكان إنتاجها».
ورغم أن الكثير من الزبائن ينددون باستعمال الفرو وجلود التماسيح والثعابين ويطالبون بشطبها من قاموس الموضة، فإن نسبة لا يستهان بها لا تزال تؤمن بجمال هذه الخامات، وربما تحلم بها ولا تتأخر على اقتنائها في حال سمحت لها الإمكانيات بذلك.
بيوت الأزياء التي امتنعت عنه تعرف هذا الأمر، لهذا تجتهد في إيجاد بدائل لا تقل جمالا وبهاء، مثل الفرو الصناعي والجلد النباتي. وحسب مؤسسة «يورومونيتور العالمية» فإن إنتاج كل من الفرو الطبيعي والصناعي زادت بنسبة 120 في المائة في عام 2019 لتقدر قيمتها بـ25 مليار دولار. كما بينت دراسة أخرى أن المنتجات النباتية في المخازن الأميركية والبريطانية ارتفعت بنسبة 258 في المائة لا سيما فيما يخص صناعة الأحذية وباقي الإكسسوارات.
بيد أنه لا بد من الإشارة إلى أن الفرو الطبيعي لا يزال يحقق مبيعات تقدر بـ22 مليار يورو، وهو رقم لا يستهان به إذا أخذنا بعين الاعتبار أن صناعة الترف عموما تقدر بـ281 مليار يورو، رغم تراجع مبيعاته في السنوات الأخيرة. فشركة «ساغا» الدنماركية، مثلا تسجل انخفاضا سنويا بنسبة 13 في المائة منذ عام 2018، ولا يعيد صناع الموضة سبب هذا التراجع إلى زيادة الوعي أو إلى مقاطعة الفرو، بل إلى تذبذب السوق وتباطؤ نموها لا سيما في الصين، التي تُعتبر من أهم الأسواق. فهي تستورد نحو 80 في المائة من الفرو الإيطالي.
الحاصل في الوقت الحالي أن الكل متحفز، ما يضع صناع الفرو في حالة استنفار وفي موقف دفاع عن مصائرهم. المصمم إيف سالومون، يقول إن المشكلة التي تعاني منها البيئة اليوم ليست الفرو بل البلاستيك «الذي أعتقد بأنه يجب الحديث عنه أكثر. فالفرو خامة مترفة لكن طبيعية مقارنة بالصناعي وهو ما ينعكس على مظهره». ويضيف سالومون الذي تعاون مع المصمم الأميركي أندريه وولكر على تشكيلة مصنوعة من خامات فائضة لم تستعمل، بأننا «حاربنا من أجل الحصول على حرية القرار والاختيار ولا يمكن أن نتنازل على كل هذا الآن».
في الجهة المقابلة، هناك صناع الفرو الصناعي الذين يحاولون الترويج لمنتجاتهم على أنها «مستدامة» ويمكن أن تُغني عن الفر الطبيعي بخفتها ودفئها وجمال مظهرها، ليبقى القرار في يد المستهلك، الذي لا يزال الكثير منهم يعشقون خامته الطبيعية ويلتمسون لها الأعذار بأنها «مستدامة»، لأنها تبقى إلى الأبد، وتتحول إلى قطع «فينتاج». وهذا ما يوافقهم عليه صناعه بالقول إنه، إلى جانب ذلك، قابل للتحلل ولا تدخل في معالجته مواد كيميائية قاسية، وهو ما يعتبر من أهم ميزات الفرو الطبيعي مقارنة بالفرو الصناعي الذي لا يزال يستعمل غالبا من مواد الاصطناعية مثل البوليستر.
لكن حتى تربية الحيوانات التي يتحدث عنها صناع الجلود، تُثير قضايا بيئية مثل انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن إمدادات الأعلاف والسماد فضلا عن حاجتها إلى إيجاد طريقة لانبعاث كميات أقل من ثاني أكسيد الكربون في الإنتاج وما شابه من أمور تحتاج إلى المزيد من الدراسات والأبحاث. فالحقيبة التي أهدتها «بيتا» إلى دوقة كامبريدج لا تفتقد إلى الأناقة والجمال، لكن قد لا يستسيغ البعض خامتها، لسبب مهم أنه لم يتعود عليها كخامة مترفة.


مقالات ذات صلة

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

المنصات الكبيرة قد توفر دفعة هائلة للمصممين الناشئين وتُلمّعهم، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو علاماتهم.

جميلة حلفيشي (لندن)

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.