رئيس منتدى «دافوس»: متحمسون للاجتماع في الرياض خلال أشهر لبحث فرص المنطقة وتحدياتها

برنده كشف لـ«الشرق الأوسط» سر نجاح المنتدى العالمي في دورته الخمسين

بورغه برنده رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي
بورغه برنده رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي
TT

رئيس منتدى «دافوس»: متحمسون للاجتماع في الرياض خلال أشهر لبحث فرص المنطقة وتحدياتها

بورغه برنده رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي
بورغه برنده رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي

قال رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي، بورغه برنده، إنه «جد متحمس» لعقد المنتدى الخاص بمنطقة الشرق الأوسط في السعودية للمرة الأولى في شهر أبريل (نيسان) المقبل، بهدف بحث فرص وتحديات المنطقة، وسبل تطبيق تقنيات الثورة الصناعية الرابعة لتعزيز اقتصاداتها.
وتحدّث وزير الخارجية النرويجي السابق، في مقابلة خاصة لـ«الشرق الأوسط» على هامش أعمال «دافوس»، عن سرّ نجاح واستمرار المنتدى الاقتصادي العالمي منذ تأسيسه في سبعينات القرن الماضي. وشدد برنده على أهمية «دافوس» في عالم يشهد «الكثير من المواجهات والقليل من الحوار»، لافتاً إلى أن ازدهار السياسات الانكفائية والقومية يضاعف الحاجة إلى المنتدى كمنصة محايدة تجمع اللاعبين الدوليين من قادة حكومات وقطاع الأعمال ومجتمع مدني.
كما رفض برنده اعتبار دافوس «منتدى النخب»، كونه يجمع قادة العالم وممثلي شعوبه، فضلاً عن كبار الشخصيات الاقتصادية ذات التأثير الكبير على صنع القرار، وقيادات مدنية مؤثرة، لبحث التحديات المشتركة. وفيما يلي نص الحوار:

> ينعقد منتدى «دافوس» هذا العام على خلفية سلسلة تحديات عالمية، أبرزها التوتر العسكري في الشرق الأوسط، والكوارث البيئية، وشبح الحروب التجارية. ما رسالة المنتدى هذا العام وسط هذه الأولويات المتسارعة؟
- أعتقد أن العامل المشترك بين كل هذه التحديات هو الحاجة إلى المزيد من التعاون الدولي، وليس تعزيز الاستقطاب الداخلي.
هذه التحديات، سواء كانت بيئية أو جيوسياسية أو متعلقة بالتصعيد في الشرق الأوسط هي تحديات شائعة. لكن التحدي الحقيقي الذي نواجهه اليوم، هو أننا نعالجها بشكل «مجزّأ» للغاية. وفي «دافوس»، نجمع اللاعبين الأساسيين، ليس على المستوى الحكومي فحسب، وإنما من مجتمع الأعمال والمجتمع المدني، وذلك لتشجيعهم على التعاون أكثر. أعتقد أن هناك القليل من الحوار، والكثير من المواجهة في عالمنا اليوم.
> قلتم لدى إطلاق تقرير المنتدى السنوي إن «عقد 2020» هو عقد «مكافحة التغير المناخي»، وعرّفتم المناخ كأحد أبرز التحديات التي تواجهنا اليوم. ما الذي يستطيع «دافوس» تقديمه عملياً لدفع صناع القرار إلى اتخاذ سياسات في هذا الاتجاه؟
- هذا سؤال مهم. وكما قلت في السابق، ينبغي أن يكون هذا العقد «عقد العمل»، ليس فقط لمكافحة التغير المناخي، وإنما لإنقاذ المحيطات كذلك.
إن نظرنا إلى السعودية، التي تترأس هذا العام مجموعة العشرين، نجد أنها اتخذت عدة مبادرات في هذا الاتجاه، مثل مبادرة زراعة تريليون شجرة بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي. إن نجحنا في ذلك، فإن هذه المبادرة ستلعب دوراً فعالاً في تخفيض انبعاثات ثنائي الكربون. عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ، يتعين علينا أن نفصل النمو الاقتصادي عن ارتفاع الانبعاثات الكربونية. ويمكن للتقنيات الجديدة أن تلعب دوراً محورياً في هذا السياق، فإن استطعنا «التقاط» الانبعاثات الكربونية وتخزينها، فإننا سنحرز تقدماً بارزاً. هذه التقنية موجودة اليوم، لكنّها ليست مربحة.
إلى ذلك، أعتقد أنه من الضروري أن نكون واقعيين فيما يتعلق بالتحديات وهي كبيرة، لكن يجب علينا في الوقت نفسه أن نتحلى بالإيجابية وأن ننظر إلى ما يمكن فعله في المستقبل. والثورة الصناعية الرابعة أثبتت أن هناك العديد من التقنيات الممكنة. انظري إلى الطاقة الشمسية على سبيل المثال. اليوم، تكلّف هذه الطاقة عُشر (1/10) ما كانت تكلّفه قبل 10 سنوات. وفي عدّة مناطق بالسعودية مثلاً، نجد أن الطاقة الشمسية مربحة، وأنها تستطيع منافسة مصادر طاقية أخرى.
> تعمّد المنتدى هذا العام دعوة العديد من الشباب والمراهقين، بينهم عدة ناشطين بيئيين. ما الهدف وراء ذلك؟
- في عدة قارات، أكثر من 50% من السكان لا يتجاوزون سن الـ25، لا نستطيع إقصاء 50% من سكان العالم من منتدى «دافوس»، أهم المنتديات العالمية في شهر يناير (كانون الثاني)، في ذكراه الخمسين. إلى ذلك، نحن بحاجة إلى الاستماع إلى أصوات الشباب، خصوصاً أنهم مَن سيرث كوكبنا. علينا أن نعي أنه ليس لدينا كوكب آخر، ونحن لا نتصرّف وفق هذا المنطق في الوقت الحالي.
> في وقت يشهد العالم ازدهار السياسات القومية والانكفائية، ألا تخشون أن يصبح منتدى دافوس مُهمّشاً؟
- أعتقد أن دافوس سيصبح أكثر أهمية مع تراجع الحوار وارتفاع المواجهة، لأن المنتدى سيبقى منصة محايدة حيث يجتمع اللاعبون الدوليون. وحتى إذا اعتمدت الدول سياسات انكفائية وقومية، فإنها ستعتمد في الوقت ذاته على دول أخرى في الصادرات والواردات وغيرها.
هذه الظواهر تتغير وفق دورات، لكن صحيح أن المنظمات الدولية والتعاون متعدد الأطراف يواجه معركة صعبة اليوم، وهو ما يطرح تناقضاً كبيراً. ففي عصر العولمة، مشكلات الغير هي مشكلاتي، كيف يمكننا أن نتجاوز هذه المشكلات دون التعاون. تلوث المحيطات مثال جيد على ذلك، إذ إن البلاستيك الموجود في محيط إحدى الدول، سينتقل إلى الدول المحاذية، ثم إلى المحيط بأكمله... فالتلوث لا يحمل جواز سفر!
> حدّثنا عن منتدى الاقتصادي العالمي لمنطقة الشرق الأوسط، الذي ستستضيفه السعودية للمرة الأولى بعد أشهر. ما أهميته وما أهم محاوره؟
- نحن جد متحمّسين للتوجه إلى الرياض، للمرة الأولى منذ تأسيس المنتدى الاقتصادي العالمي قبل 50 عاماً، لعقد المنتدى الاقتصادي العالمي لمنطقة الشرق الأوسط في شهر أبريل، بالتعاون مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والحكومة السعودية. وسنبحث خلال المنتدى كيفية تطبيق تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في الشرق الأوسط.
أحد أوجه التناقض التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط اليوم، يكمن في وجود واقعين مختلفين: الأول هو واقع حروب ونزاعات، كتلك التي نشهدها في العراق وسوريا واليمن. وواقع آخر غني بروح ريادة الأعمال، والنمو، والإصلاحات. فإن نظرنا إلى واقع النساء السعوديات على سبيل المثال، نجد أنه تغيّر بشكل كبير في سنوات قليلة.
وبالتالي، فإنه ينبغي علينا التعامل مع هذين الواقعين المتوازيين في الشرق الأوسط، وبحث الأبعاد السياسية، فضلاً عن سبل خلق ملايين الوظائف في هذه الدول الشابة. كما يجب أن نقوم بالكثير من العمل في تحسين مهارات اليد العاملة في الشرق الأوسط. أتمنى أن يكون هذا العقد «عقد النساء» في المنطقة. وسنحاول التركيز على الفرص الموجودة في منطقة الشرق الأوسط، وليس فقط على التحديات.
> أطلقت السعودية حزمة إصلاحات طموحة في إطار «رؤية 2030»، كيف يدعم «دافوس» هذه الإصلاحات ويساعد على تعزيزها؟
- أعتقد أن السعودية في الطريق الصحيح فيما يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية، وتوفير فرص للبنات والنساء لم تكن موجودة في الماضي. هذه مرحلة انتقالية تستغرق وقتاً، والسعودية دولة شابة. وما ذكرته في نقاشاتي مع ولي العهد ووزراء سعوديين، هو أننا مستعدون للشراكة مع السعودية التي تشهد تحولات في عدة قطاعات مهمة، وفي مجال التكنولوجيا، فضلاً عن دعم تحسين مهارات مواطنيها الشباب.
> تحول منتدى «دافوس» إلى أحد أهم الاجتماعات الدولية، إلا أن بعض الأصوات تنتقد تحوّله إلى «نادٍ للنخب». كيف تردون على ذلك؟
- لا أتفق مع ذلك. صحيح أننا نستقبل قادة العالم هنا، قادة انتخبتهم شعوبهم أو يمثّلون بلدانهم. إن أخذنا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مثلاً، فهي قائدة منتخبة وتمثّل قيادة بلدها. وبالتالي، فإن الأمر لا يتعلّق بالنخب وإنما بالقادة الذين يتخذون القرارات المهمة. في عالم الأعمال، 18 رئيساً تنفيذياً من أصل 20 رئيس كبرى الشركات في العالم موجودون في «دافوس»، وهم يمثلون ملايين الموظفين، وتأثيراً على صنع القرار. كما يستقبل «دافوس» قيادات منظمات المجتمع المدني وهم أساسيون.
لا أسمّي (كل هؤلاء) النخب، بل أسميهم قيادات قطاع الأعمال والحكومات والمجتمع المدني. وباجتماع كل هؤلاء، أعتقد أنه يمكن أن يكون لنا تأثير كبير.
> حاولت عدة منصات دولية تحقيق نجاح المنتدى الاقتصادي العالمي. في دورة «دافوس» الخمسين، ما سر نجاح مؤسستكم؟
- أعتقد أن السر هو أن المنتدى الاقتصادي العالمي يتجاوز «دافوس». بالطبع، «دافوس» هو اجتماعنا السنوي وهو في غاية الأهمية. لكن لدينا كذلك «دافوس الصيفي» في الصين، واجتماعات إقليمية أخرى مهمة. بالإضافة إلى ذلك، ننتج الكثير من المحتوى، كالتقرير السنوي حول المساواة بين الجنسين، ومؤشر التنافسية العالمي، فضلاً عن تقرير المخاطر السنوي. ولعلّ الأهم من ذلك هو مركز الثورة الصناعية الرابعة في سان فرانسيسكو، والمراكز الإقليمية كالذي ننشئه في الرياض، والذي أنشأناه في دبي. كما أنشأنا مركزاً للأمن السيبراني في جنيف.
وما هو فريد في المنتدى الاقتصادي العالمي هو أنه منظمة غير ربحية، ومنظمة دولية للتعاون بين القطاعين الخاص والعام.
ولتحقيق أهداف التنمية المستدامة (التي عرفتها الأمم المتحدة) بحلول 2030 والقضاء على الفقر المدقع في العالم، نحن بحاجة إلى القطاع الخاص. واللافت في المنتدى الاقتصادي العالمي هو تمسّكه بنهج متعدد الأطراف منذ عام 1972 الذي أسسه مؤسس المنتدى البروفسور كلاوس شواب.


مقالات ذات صلة

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد ميناء الجبيل التجاري الواقع شرق السعودية (واس)

السعودية: بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل باستثمارات تتجاوز نصف مليار دولار

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل التجاري، باستثمارات ضخمة تتجاوز قيمتها ملياري ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مستثمران يراقبان تحركات سهم «أرامكو» في السوق السعودية (رويترز)

خاص السوق السعودية تختتم مارس بصعود قوي وسط الصراعات الجيوسياسية

شهد شهر مارس (آذار) أداءً استثنائياً لسوق الأسهم السعودية، حيث واصلت ارتفاعها وسط تراجع معظم بورصات المنطقة، مدفوعاً بقدرة «أرامكو» على استمرار تدفقات النفط.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد سعوديات يمارسن أعمالهن في سوق العمل السعودية (واس)

السعوديات يقدن استقرار البطالة بنهاية 2025

في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تشهدها سوق العمل في المملكة، برزت السعوديات بوصفهن عاملاً رئيساً في استقرار معدلات البطالة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض

صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بالسعودية ينمو 90 % نهاية 2025

نما صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية بنحو 90 في المائة خلال الربع الأخير من 2025، في وقت تمضي فيه المملكة قدماً في تحسين بيئة الاستثمار.

عبير حمدي (الرياض)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.