الاقتصاد السعودي يتجاوز اضطرابات الرسوم وينمو 2.7 % في الربع الأول

«هيئة الإحصاء» حسّنت موثوقية البيانات بتنفيذ تحديث شامل للناتج المحلي الإجمالي

العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

الاقتصاد السعودي يتجاوز اضطرابات الرسوم وينمو 2.7 % في الربع الأول

العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

رغم حالة عدم اليقين المرتفعة التي تسببت بها سياسات التعريفات الجمركية الشاملة التي بدأ بفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتباراً من أبريل (نيسان) الماضي، والتي تسببت في إرباك أكبر الاقتصادات العالمية، فإن الاقتصاد السعودي تمكن من تخطي الاضطرابات، محققاً نمواً حقيقياً بواقع 2.7 في المائة في الربع الأول من 2025، على أساس سنوي، معززاً بالأنشطة غير النفطية التي ارتفعت بنسبة 4.2 في المائة.

البيانات التي كشفت عنها الهيئة العامة للإحصاء تقاطعت مع إعلانها تنفيذ تحديث شامل للناتج المحلي الإجمالي، انسجاماً مع توجهات المملكة نحو تعزيز الشفافية الاقتصادية، وتحسين مستوى جودة، وموثوقية البيانات الإحصائية، وقياس المؤشرات الاقتصادية الوطنية التي حددتها المملكة بما يسهم في تحقيق الأهداف التنموية، ويتماشى مع أفضل المعايير الدولية.

وأظهرت نتائج التقديرات السريعة التي قامت بها الهيئة العامة للإحصاء للربع الأول 2025 نمواً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.7 في المائة، وذلك مقابل انكماش بنسبة 0.6 في المائة في الربع نفسه من العام الماضي، ومتراجعاً عن 4.4 في المائة، محققة في الربع الأخير من العام 2024. ويعود النمو المحقق في الربع الأول إلى ارتفاع الأنشطة غير النفطية 4.2 في المائة، كما حققت الأنشطة الحكومية نمواً بنسبة 3.2 في المائة، في حين شهدت الأنشطة النفطية انكماشاً بواقع 1.4 في المائة، على أساس سنوي.

ارتفاع الأنشطة الاقتصادية

هذا، وكشفت نتائج التحديث الذي أجرته الهيئة ارتفاعاً في تقديرات الناتج المحلي الإجمالي لعام 2023 بنسبة بلغت 14.1 في المائة، أي بزيادة تبلغ 566 مليار ريال (150.9 مليار دولار) بالمقارنة مع التقديرات المنشورة سابقاً للعام نفسه، ليبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي بعد التحديث 4.5 تريليون ريال (1.2 مليار دولار).

وأفصحت نتائج التحديث الشامل مساهمة نسبية أعلى للاقتصاد غير النفطي بلغت 53.2 في المائة، أي بزيادة قدرها 5.7 في المائة عن النتائج السابقة، متأثراً بارتفاع حجم الأنشطة الاقتصادية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة مقارنة بالتقديرات السابقة.

وهناك ارتفاع في حجم عدد من الأنشطة الاقتصادية، حيث زادت أنشطة التشييد والبناء بنسبة 61 في المائة، وكذلك أنشطة تجارة الجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق 29.8 في المائة، إضافة إلى أنشطة النقل والتخزين والاتصالات بمقدار 25.6 في المائة، إلى جانب ارتفاع في حجم عدد من الأنشطة الاقتصادية الأخرى.

المقارنة الربعية

من جهة أخرى، حقق الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي المعدل موسمياً نمواً بنسبة 0.9 في المائة خلال الربع الأول، قياساً بالفترة نفسها من العام السابق، وجاء ذلك نتيجة ارتفاع الأنشطة الحكومية 4.9 في المائة، إضافةً إلى نمو الأنشطة غير النفطية بمعدل 1 في المائة، في حين شهدت الأنشطة النفطية تراجعاً بمقدار 1.2 في المائة، على أساس ربعي.

ويرى مختصون أن الاقتصاد السعودي استطاع التكيف مع الاضطرابات الاقتصادية الناتجة عن قرارات الرئيس الأميركي بشأن الرسوم الجمركية، وشهد نمواً خلال الربع الأول من العام الجاري، ما يؤكد قدرته على التكيف مع التحديات العالمية.

الصناعات الوطنية

وأوضح المستشار وأستاذ القانون التجاري الدولي، الدكتور أسامة العبيدي العبيدي لـ«الشرق الأوسط»، أن نمو الأنشطة غير النفطية بالنسبة المذكورة رغم الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب والحرب التجارية بين واشنطن والصين، وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وانخفاض أسعار النفط، يعتبر نجاحاً للسياسة الاقتصادية السعودية في ضوء هذه المتغيرات، شارحاً أن تسجيل الصادرات غير النفطية ارتفاعاً كبيراً للربع الأول من هذا العام يعود بشكل أساسي لزيادة صادرات منتجات الصناعات الكيميائية، وبشكل خاص اللدائن، والمطاط، ومصنوعاتهما، وغيرها. أضاف أن هذا يعود كذلك إلى ارتفاع قيمة السلع المعاد تصديرها، وزيادة تصدير منتجات الصناعات الكيميائية، إلى جانب تراجع نسبة الصادرات النفطية من المجموع الكلي نتيجة لخفض المملكة الطوعي لإنتاجها تنفيذاً لالتزاماتها في اتفاق «أوبك بلس».

وأردف: «هذا الارتفاع في الصادرات غير النفطية يعكس جدوى تنويع الاقتصاد السعودي، وعدم الاعتماد على النفط مصدر دخل وحيداً وفقاً لـ(رؤية 2030)، ونجاح الاستثمارات الضخمة التي تم ضخها من قبل الدولة لتطوير المواني، والخدمات اللوجستية، مثل: ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، وميناء جدة الإسلامي، وكذلك تطوير مطارات المملكة المحلية، والإقليمية، والدولية، وتشجيع الحكومة للصناعة، وبشكل خاص الكيميائيات، والمواد الغذائية، والأدوية، وغيرها من الصناعات الوطنية التي أصبحت لها أسواق خارجية مهمة».

تنويع مصادر الدخل

من جهتها، قالت الباحثة الاقتصادية فدوى البواردي لـ«الشرق الأوسط» إن مؤشرات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمعدل 2.7 في المائة، ومعدله الموسمي البالغ 0.9 في المائة على قدر كبير من الأهمية، لأنها تعكس قدرة الاقتصاد السعودي على التكيف مع التحديات العالمية، خاصة في ظل الاضطرابات الاقتصادية الناتجة عن قرارات ترمب بشأن الرسوم الجمركية.

وتابعت أن المؤشرات تظهر قدرة المملكة على تنويع مصادر دخلها، وتقليل الاعتماد على النفط، مما يعزز من مرونتها الاقتصادية. كما أن النمو الإيجابي يعكس نجاح السياسات التنموية، والإصلاحات الهيكلية التي تنفذها البلاد ضمن «رؤية 2030»، بهدف تعزيز القطاع غير النفطي، وتحقيق استدامة النمو الاقتصادي.

وبحسب البواردي، فإنه رغم التحديات العالمية، تؤكد هذه البيانات قدرة المملكة الحفاظ على نمو اقتصادي مستدام، وتحقيق استقرار داخلي يعزز من مكانتها باعتبار أنها مركز اقتصادي إقليمي، ويؤهلها لمواجهة تقلبات السوق العالمية بشكل أكثر فاعلية.

وتوقعت البواردي أن يشهد الاقتصاد السعودي استمرارية في النمو، مدعوماً بالإصلاحات ضمن «رؤية 2030»، وأن يواصل القطاع غير النفطي دوره المحوري في دعم النمو، خاصة مع تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاستثمارات المحلية، والأجنبية.

ميناء الملك عبد الله (الشرق الأوسط)

بيئة الأعمال

كما أن التحسن في بيئة الأعمال، والمشاريع التنموية الكبرى، وزيادة الإنفاق على البنية التحتية، وتطوير القطاعات الصناعية، والخدمية، كل ذلك سيسهم في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي، وفق البواردي.

وتعتقد أيضاً أن المملكة ستستمر في تحسين مناخ الاستثمار، وزيادة الصادرات غير النفطية، وتحقيق استقرار مالي، مع التركيز على تنويع القاعدة الاقتصادية، وتحقيق التنمية المستدامة. «ومع التزام الحكومة بالإصلاحات، فإن الاقتصاد السعودي مهيأ لمواجهة التحديات العالمية، مع استمرار النمو، وتحقيق أهداف التنمية طويلة الأمد».

وتطرقت الباحثة الاقتصادية إلى أسباب نمو الأنشطة غير النفطية في المملكة، والتي تشمل تنويع الاقتصاد ضمن رؤية 2030، وتحفيز القطاع الخاص، وتطوير البنية التحتية، وتسهيل بيئة الأعمال، وكذلك الإصلاحات التشريعية، وتيسير إجراءات الاستثمارات، وزيادتها في القطاعات الصناعية، والخدمية، والتكنولوجية.

وأضافت أن البلاد تتجه إلى تعزيز السياحة، والتطوير العقاري، والخدمات المالية، والتكنولوجيا الرقمية، ما أسهم أيضاً في تنويع مصادر الدخل، وأن الدعم الحكومي المستمر، من خلال الحوافز والمبادرات، ساعد على جذب المستثمرين المحليين والأجانب، وعلى تحفيز ريادة الأعمال.

وأوضحت أن ارتفاع الطلب المحلي، وتوسع السوق يعززان من نمو الأنشطة غير النفطية، مما يرسخ مكانة المملكة، وجعلها مركزاً اقتصادياً متنوعاً، ومستداماً، ويزيد من قدرتها على مواجهة التحديات العالمية، وتقليل الاعتماد على النفط بأنه مصدر رئيس للدخل.

الحسابات القومية

إلى ذلك، يأتي التحديث الشامل للناتج المحلي الإجمالي للسعودية ضمن جهود الهيئة المستمرة في توفير بيانات إحصائية أكثر شمولاً، وحداثة، وذات دقة وجودة عالية تخدم صناع القرار، وراسمي السياسات، والمستثمرين، والباحثين، والمهتمين على المستوى المحلي، والإقليمي، والدولي.

وقد أجرت الهيئة خلال الفترة الماضية عدداً من التحسينات على إحصاءات الحسابات القومية، من أبرزها تطبيق منهجية السلاسل المتحركة التي تُستخدم عالمياً لتقدير معدلات النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي بناءً على أوزان وأسعار السنة السابقة لسنة القياس، بما يتوافق مع توصيات دليل نظام الحسابات القومية.

وبدأت الهيئة مطلع عام 2024 بتنفيذ مشروع التحديث الشامل للناتج المحلي الإجمالي، من خلال سلسلة من المسوح الإحصائية التي استهدفت جمع بيانات شاملة وتفصيلية لعام 2023، أبرزها: المسح الاقتصادي الشامل، ومسح دخل وإنفاق الأسرة، والمسح الزراعي الشامل، بالإضافة إلى التوسع في استخدام البيانات الإدارية.

وقد اعتمدت الهيئة على هذه المدخلات في إعداد جداول العرض والاستخدام بشكل أكثر تفصيلاً، وتوفير تقديرات دقيقة للناتج المحلي الإجمالي بمناهج الإنتاج، والدخل، والإنفاق، إلى جانب تقديم بيانات تفصيلية تغطي 134 نشاطاً اقتصادياً، بدلاً من 85 نشاطاً سابقاً.


مقالات ذات صلة

البنك الدولي: الحرب تقلّص نمو المنطقة إلى النصف... والسعودية تمتص الصدمة

الاقتصاد سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

البنك الدولي: الحرب تقلّص نمو المنطقة إلى النصف... والسعودية تمتص الصدمة

قلّص البنك الدولي توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2026 بمقدار النصف إلى 1.8 في المائة فقط.

هلا صغبيني (الرياض)
الاقتصاد شقق سكنية تابعة للشركة الوطنية للإسكان (الشركة الوطنية للإسكان)

السعودية... تنظيم لرسوم العقارات الشاغرة يحقق التوازن العقاري وزيادة المعروض

كشفت وزارة البلديات والإسكان عن مشروع اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة، متضمنا إطاراً تنظيمياً يحدد آليات فرض الرسوم ومعايير تطبيقها.

بندر مسلم (الرياض)
خاص إحدى سفن الحاويات في موانئ السعودية (واس)

خاص خريطة الإمداد العالمية تُعاد صياغتها... والبوصلة تتجه نحو السعودية

في ظل أزمة مضيق هرمز، برزت السعودية بصفتها أحد أبرز اللاعبين في إعادة تموضع التدفقات التجارية، مستندةً إلى موقع جغرافي فريد يربط بين الشرق والغرب.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد أحد منتجعات مشروع البحر الأحمر في السعودية (الشرق الأوسط)

رغم التوترات الإقليمية... السياحة السعودية تسجل قفزة بـ28.9 مليون زائر

تواصل السعودية ترسيخ موقعها كوجهة سياحية صاعدة، محققةً أداءً لافتاً خلال الربع الأول من عام 2026؛ حيث استقبلت نحو 28.9 مليون سائح.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمران يراقبان شاشة التداول في السوق المالية السعودية بالعاصمة الرياض (أ.ف.ب)

مؤشر «تاسي» السعودي يستهل تداولاته باللون الأخضر بعد إعلان الهدنة

سجل مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي) ارتفاعاً بنسبة 1.9 في المائة في بداية تعاملات يوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«صندوق النقد الدولي»: الحروب تُكبّد الدول خسائر اقتصادية فادحة ومستمرة

الأحرف المختصرة لـ«صندوق النقد الدولي» خلال اجتماعات الربيع السابقة (د.ب.أ)
الأحرف المختصرة لـ«صندوق النقد الدولي» خلال اجتماعات الربيع السابقة (د.ب.أ)
TT

«صندوق النقد الدولي»: الحروب تُكبّد الدول خسائر اقتصادية فادحة ومستمرة

الأحرف المختصرة لـ«صندوق النقد الدولي» خلال اجتماعات الربيع السابقة (د.ب.أ)
الأحرف المختصرة لـ«صندوق النقد الدولي» خلال اجتماعات الربيع السابقة (د.ب.أ)

قال «صندوق النقد الدولي»، في دراسة نُشرت الأربعاء، إن الحروب تُسبب خسائر اقتصادية كبيرة ومستمرة في الدول التي تشهد قتالاً، حيث ينخفض ​​الناتج بنحو 7 في المائة بالمتوسط ​​على مدى 5 سنوات، وتستمر الآثار الاقتصادية أكثر من عقد.

وقد درس «الصندوق» تكلفة النزاعات المسلحة - التي بلغت الآن أعلى مستوياتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية - والآثار الاقتصادية الكلية للزيادات الحادة في الإنفاق العسكري، وذلك في فصلين من تقريره المرتقب «آفاق الاقتصاد العالمي» الذي سيصدر كاملاً يوم الثلاثاء المقبل.

لا تتناول الفصول حرب الشرق الأوسط أو وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين الذي أعلنه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، مساء الثلاثاء، لكنها تقدم نظرة شاملة على اقتصادات زمن الحرب منذ عام 1946، وبيانات الإنفاق على الأسلحة من 164 دولة.

في عام 2024، وهو أحدث عام تتوفر عنه البيانات، شهد أكثر من 35 دولة نزاعات على أراضيها، وعاش نحو 45 في المائة من سكان العالم في دول متأثرة بالنزاعات.

وقال «صندوق النقد الدولي»، في مدونة نُشرت في الوقت نفسه: «إلى جانب الخسائر البشرية الفادحة، تُكبّد الحروب تكاليف اقتصادية باهظة ومستدامة، وتفرض مفاضلات اقتصادية كلية صعبة، لا سيما بالنسبة إلى الدول التي تدور فيها المعارك».

وأضاف «صندوق النقد الدولي» أن الدول المنخرطة في نزاعات خارجية قد تتجنب الدمار المادي على أراضيها، وتتفادي خسائر اقتصادية فادحة، لكن الدول المجاورة أو الشركاء التجاريين الرئيسيين سيشعرون بالصدمة.

وأفاد فرع لـ«صندوق النقد الدولي» بأن «خسائر الإنتاج الناجمة عن النزاعات تستمر حتى بعد عقد من الزمن، وعادةً ما تتجاوز تلك المرتبطة بالأزمات المالية أو الكوارث الطبيعية الشديدة».

وصرحت المديرة العامة لـ«الصندوق»، كريستالينا غورغييفا، لوكالة «رويترز»، يوم الاثنين، بأن «الصندوق» يستعد لخفض توقعاته للنمو العالمي ورفع توقعاته للتضخم نتيجة الحرب الإيرانية.

وفي يوم الثلاثاء، قال رئيس «البنك الدولي»، أجاي بانغا، إن الحرب ستؤدي إلى تباطؤ النمو وارتفاع التضخم بدرجة ما، بغض النظر عن سرعة انتهائها.

وأوضح «صندوق النقد الدولي» أن النزاعات أسهمت في استمرار انخفاض قيمة العملة، وخسائر الاحتياطات، وارتفاع التضخم، حيث أدى اتساع الاختلالات الخارجية إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية الكلية.

ارتفاع الإنفاق العسكري عالمياً

أدت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وازدياد وتيرة النزاعات، إلى قفزات كبيرة في الإنفاق العسكري، حيث زاد نحوُ نصف دول العالم الميزانيات العسكرية خلال السنوات الـ5 الماضية، ويُتوقع مزيد من الزيادات مع رفع دول «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» إنفاقها على الأسلحة إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. ووجد «صندوق النقد الدولي» أن مبيعات الأسلحة من قبل أكبر مصنّعي الأسلحة في العالم - الذين تقع مقار كثير منهم في الولايات المتحدة - قد تضاعفت بالقيمة الحقيقية على مدى عقدين.

وخلص معدّو التقرير إلى أن طفرات الإنفاق الدفاعي الكبيرة أصبحت أعلى توتراً، لا سيما في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، حيث تستمر الطفرات عادةً لمدة عامين ونصف العام، ويرتفع الإنفاق العسكري بنحو 2.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وأشار «صندوق النقد الدولي» إلى أن نحو ثلثي هذه الزيادات العسكرية مُوّلت من خلال زيادة العجز، الأمر الذي قد يعزز النشاط الاقتصادي على المدى المتوسط، ولكنه قد يؤدي أيضاً إلى زيادة التضخم وخلق تحديات على المدى المتوسط. وأوضح «صندوق النقد الدولي» أن هذا يعني ضرورة التنسيق الوثيق بين عمليات التسلح والسياسة النقدية.

التسلح يُرهق الميزانيات

في المتوسط، تفاقم العجز المالي بنحو 2.6 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع الدين العام بنحو 7 نقاط مئوية خلال 3 سنوات من بدء التسلح.

وقالت الخبيرة الاقتصادية في «صندوق النقد الدولي»، آندريسا لاغربورغ، في نقاش مسجل بشأن هذا الفصل، إن نحو ربع عمليات التسلح هذه مُوِّلَ عبر إعادة ترتيب أولويات الإنفاق؛ مما أدى في كثير من الأحيان إلى انخفاض حاد في الإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية.

وأضاف «صندوق النقد الدولي» أن مكاسب الإنتاج كانت أقل عند شراء الأسلحة من موردين أجانب. وأشار إلى أن التركيز على الاستثمار العام في المعدات والبنية التحتية من شأنه أن يُوسِّع حجم السوق، ويدعم وُفورات الحجم، ويُعزِّز القدرة الصناعية، مع الحد من خسارة الطلبات لمصلحة الموردين الأجانب.

وقال هيبوليت باليما، الخبير الاقتصادي في «صندوق النقد الدولي» وأحد المؤلفين الرئيسيين للفصول، إن البيانات أظهرت أيضاً هشاشة السلام، حيث انزلق نحو 40 في المائة من الدول إلى الصراع في غضون 5 سنوات. وأكد باليما أن الخطوات المبكرة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وإعادة هيكلة الديون، وتأمين الدعم الدولي، وتنفيذ الإصلاحات المحلية، كانت حاسمة لوضع الأسس اللازمة لتحقيق انتعاش اقتصادي قوي.


«رسوم العبور» في «هرمز»... إيران تريد تشريع الجباية وعُمان تتمسك بقانون البحار

قارب قبالة سواحل محافظة مسندم في سلطنة عمان يطل على مضيق هرمز (رويترز)
قارب قبالة سواحل محافظة مسندم في سلطنة عمان يطل على مضيق هرمز (رويترز)
TT

«رسوم العبور» في «هرمز»... إيران تريد تشريع الجباية وعُمان تتمسك بقانون البحار

قارب قبالة سواحل محافظة مسندم في سلطنة عمان يطل على مضيق هرمز (رويترز)
قارب قبالة سواحل محافظة مسندم في سلطنة عمان يطل على مضيق هرمز (رويترز)

بينما دخلت الهدنة بين واشنطن وطهران حيز التنفيذ لمدة أسبوعين، بدأ فصل جديد من فصول الصراع يَلوح في الأفق، ليس عبر الصواريخ هذه المرة، بل عبر «قوانين البحار». ففي سابقة قد تقلب موازين التجارة العالمية، تسعى طهران لفرض نظام «رسوم مرور» على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو ما يعده الخبراء الدوليون خرقاً جسيماً للأعراف الملاحية، فيما برز موقف عماني ضامن لحرية الملاحة دون قيود مالية.

ماذا تقترح إيران؟

تسعى إيران الآن إلى إضفاء الطابع الرسمي على سيطرتها على المضيق بوصف ذلك جزءاً من استراتيجية جيوسياسية أوسع نطاقاً بعد أسابيع من الصراع. وكجزء من مقترحاتها المرتبطة باتفاق سلام طويل الأمد محتمل، تريد الحصول على سلطة فرض رسوم عبور على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز.

حسب مسؤولين، لن تكون هذه الرسوم ثابتة، بل قد تختلف تبعاً لنوع السفينة وطبيعة حمولتها والظروف السائدة. كما تعمل إيران على وضع إطار عمل قد يُلزم السفن بالحصول على تصاريح أو تراخيص قبل السماح لها بالمرور، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز».

في هذا السياق، كشف المتحدث باسم اتحاد مصدري النفط والغاز والبتروكيميائيات الإيراني، حميد حسيني، عن توجه طهران لفرض رسوم عبور على ناقلات النفط المحملة التي تمر عبر مضيق هرمز. وأوضح في تصريحات لصحيفة «فاينانشال تايمز» أن إيران تسعى لتحصيل هذه الرسوم بالعملات المشفرة. وأكد أن الهدف من هذه الإجراءات هو مراقبة حركة الدخول والخروج عبر المضيق لضمان عدم استغلال هدنة الأسبوعين في نقل الأسلحة. وبينما أشار إلى أن «كل شيء يمكنه المرور»، إلا أنه شدد على أن إجراءات التقييم ستستغرق وقتاً لكل سفينة، مؤكداً أن الجانب الإيراني «ليس في عجلة من أمره»، مما قد ينعكس على انسيابية الحركة الملاحية.

وعن الآلية التنفيذية، أوضح حسيني أن على كل ناقلة إرسال تفاصيل شحنتها عبر البريد الإلكتروني للسلطات المختصة، التي ستقوم بدورها بتحديد قيمة الرسم المطلوب بالعملات الرقمية.

وحددت إيران تعريفة تبلغ دولاراً واحداً لكل برميل نفط، مع إعفاء الناقلات الفارغة من الرسوم. وبرر حسيني اشتراط الدفع بـ«البتكوين» بأنه إجراء لضمان سرية المعاملات وتفادي المصادرة أو التتبع الناتج عن العقوبات الدولية.

كان نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، قد صرّح الأسبوع الماضي، بأن البرلمان الإيراني يُعدّ بالفعل مشروع قانون يُضفي سنداً قانونياً على هذا النظام. ويشير هذا إلى أن هذه الخطوة ليست مجرد كلام، بل جزء من خطة مُحكمة لتنظيم حركة الملاحة عبر المضيق وفرض رسوم عليها.

خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

عُمان و«القانون الدولي»

في المقابل، أعلن وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات العماني، المهندس سعيد بن حمود المعولي، أن سلطنة عمان وقَّعت على اتفاقيات دولية «تضمن عدم فرض أي رسوم» على السفن التي تعبر مضيق هرمز، في إطار بلورة موقف السلطنة مما يثار بشأن فرض «رسوم عبور» على مرور الشاحنات في مضيق هرمز.

وأوضح في تصريحات رسمية أمام مجلس الشورى، جاءت وسط مناقشات إقليمية بشأن رسوم الشحن البحري، أن السلطنة وقَّعت على جميع الاتفاقيات الدولية الخاصة بالنقل البحري، مشدداً على أن هذه الاتفاقيات «تقضي بعدم فرض رسوم على المرور بمضيق هرمز»؛ لأنه مضيق دولي عام.

وأكد أن موقف السلطنة ثابت في دعم «الملاحة الحرة والآمنة» عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي، مشدداً على أن المعاهدات الموقَّعة تمنع فرض أعباء مالية من طرف واحد على حركة التجارة العالمية.

ما الذي حدث حتى الآن؟

منذ بدء النزاع، شددت إيران قبضتها على مضيق هرمز بشكل ملحوظ. وفرض «الحرس الثوري» الإيراني قيوداً على حركة الملاحة البحرية، سامحاً لعدد محدود فقط من السفن بالمرور. وقد سُجلت حالات إطلاق نار على سفن أو توجيه إنذارات لها، مما أدى إلى انخفاض حاد في حركة الملاحة. ولا تزال حركة الشحن مقيَّدة بشدة، حيث لا يتجاوز السفن التي تعبر المضيق بنجاح عدداً قليلاً، وغالباً ما تكون مرتبطة بإيران أو حلفائها.

أداة تأثير جيوسياسي

ويرى الخبير اللوجيستي حسن آل هليل، أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري حيوي، بل تحوّل إلى أداة تأثير جيوسياسي تُختبر عندها فاعلية قواعد القانون الدولي. ويشير إلى أن الإطار القانوني، وعلى رأسه اتفاقية قانون البحار، يضع حدوداً واضحة تمنع فرض رسوم على السفن مقابل العبور، باستثناء الخدمات الفعلية الاختيارية، إلا أن الإشكالية لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في آليات التطبيق.

ويوضح لــ«الشرق الأوسط» أن أي قيود لا تُفرض بالضرورة بشكل مباشر أو معلن، بل قد تظهر عبر إجراءات تشغيلية معقدة أو تأخيرات غير رسمية، وهو ما يخلق أثراً اقتصادياً مماثلاً للرسوم، من حيث رفع تكاليف الشحن والتأمين.

ويضيف أن حساسية المضيق، بوصفه شرياناً رئيسياً لتدفقات الطاقة العالمية، تجعل من أي تصعيد، لو كان محدوداً، عاملاً مؤثراً في استقرار الأسواق وسلاسل الإمداد.

وحسب آل هليل، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في غياب القواعد، بل في قدرة النظام الدولي على فرضها في بيئة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية، مما يجعل من المضيق ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل موازين النفوذ أكثر من كونه مجرد ممر تجاري.

ماذا يقول القانون الدولي؟

تعدّ مشروعية المقترح الإيراني محل جدل كبير بموجب القانون البحري الدول. إذ تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، التي تُنظّم قواعد المحيطات العالمية، بوضوح على أن المضايق المستخدمة للملاحة الدولية يجب أن تسمح بمرور السفن بحرية ودون انقطاع.

وبموجب هذا الإطار، لا يجوز للدول المطلة على هذه المضايق فرض رسوم لمجرد السماح للسفن بالمرور. يُسمح لها بفرض رسوم فقط على خدمات محددة، مثل الإرشاد أو مساعدة القاطرات، وحتى هذه الرسوم يجب أن تُطبق بشكل موحد دون تمييز. وبالتالي، فإن فرض رسوم عبور عامة، كما تقترحه إيران، يتعارض مع المعايير الدولية المقبولة على نطاق واسع.

ومع ذلك، يبقى إنفاذ هذه القوانين معقداً، لا سيما أن إيران والولايات المتحدة لم تُصدّقا رسمياً على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، على الرغم من التزامهما التاريخي بمبادئها.

ويُحذر مراقبون من أن الخطوة الإيرانية قد تشرعن «تفتيت» النظام البحري العالمي؛ فإذا تحول «هرمز» إلى سابقة للجباية، فقد تندفع دول أخرى تسيطر على ممرات حيوية لفرض واقع مشابه.

وما يزيد المشهد تعقيداً هو استبعاد الخيار العسكري كحل لفرض حرية الملاحة؛ إذ تمنح الجغرافيا المعقدة للمضيق وساحل إيران الجبلي ميزة استراتيجية لطهران، تمكّنها من شل الحركة من مواقع داخلية حصينة، مما يجعل «التفاوض» هو الخيار الوحيد.

سفينة حاويات تابعة لشركة «إم إس سي» تدخل قناة بنما (أ.ف.ب)

«هرمز» ليس «سويس» أو «بنما»

في العرف الملاحي، ثمة خط فاصل بين الممرات التي شقها الإنسان وتلك التي أوجدتها الطبيعة. تفرض قنوات مثل «السويس» و«بنما» رسوماً بوصفها مشاريع هندسية تتطلب صيانة وتشغيلاً مستمراً، بينما تُعامل المضايق الطبيعية كـ«منفعة عامة» للمجتمع الدولي.

وحتى في حالات خاصة كالمضايق التركية، تقتصر الرسوم على خدمات تقنية محددة (كالإرشاد) ولا ترقى لكونها «ضريبة مرور». لذا، يُصنف المقترح الإيراني في هرمز على أنه إجراء «غير مسبوق» يهدف إلى تغيير هوية الممرات المائية الطبيعية وتحويلها إلى أصول استثمارية سيادية.

الجغرافيا بوصفها سلاح «عقوبات مضادة»

تتجاوز دوافع طهران الرغبة في تحصيل الإيرادات إلى السعي لامتلاك «نفوذ جيوسياسي» خانق. فمن خلال نظام «الرسوم المتغيرة»، تهدف إيران لتحويل المضيق إلى أداة التفاف على العقوبات الغربية. وجاءت تصريحات محمد مخبر، مستشار المرشد الأعلى، لتقطع الشك باليقين؛ حيث رأى أن «النظام الجديد» للمضيق سيعطي طهران الحق في معاقبة الغرب بمنع سفنه من المرور أو فرض قيود عليه، مما يحوّل هرمز من ممر تجاري إلى «منصة عقوبات بحرية» مضادة.

ولا يتوقف أثر هذه التهديدات عند حدود الممر المائي، بل يمتد ليهدد استقرار سلاسل التوريد العالمية. ويرى محللون أن مجرد طرح فكرة الرسوم يرفع تكاليف التأمين البحري بشكل مستدام. هذا الضغط المالي سيُترجم لاحقاً إلى ارتفاع في تكلفة الطاقة والسلع الأساسية عالمياً، مما يضع الاقتصاد العالمي تحت رحمة «الجبايات السياسية» الجديدة.


البنك الدولي: الحرب تقلّص نمو المنطقة إلى النصف... والسعودية تمتص الصدمة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

البنك الدولي: الحرب تقلّص نمو المنطقة إلى النصف... والسعودية تمتص الصدمة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

في مراجعة حادة تعكس قتامة المشهد الجيوسياسي، قلّص البنك الدولي توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2026 بمقدار النصف إلى 1.8 في المائة فقط، نزولاً من تقديرات سابقة بلغت 3.6 في المائة خلال يناير (كانون الثاني) الماضي.

وجاء هذا التخفيض الدراماتيكي ليشمل جميع دول المنطقة، تحت وطأة إغلاق مضيق هرمز واستهداف البنية التحتية للطاقة، في وقت تباين فيه أداء القوى الاقتصادية الكبرى في الخليج؛ لتظل السعودية الاقتصاد الأفضل أداءً إقليمياً، رغم تقليص توقعات نموها إلى 3.1 في المائة (نزولاً من 4.3 في المائة)، في حين خيّمت ظلال الانكماش الملحوظ على الاقتصادَيْن القطري والكويتي جرّاء الشلل الذي أصاب إمدادات الغاز المسال وعطّل صادرات النفط الخام من موانئ شمال الخليج.

خريطة توضح مضيق هرمز وبراميل نفط مطبوعة بالتقنية ثلاثية الأبعاد (رويترز)

يرى البنك الدوليأن الصراع الأخير في الشرق الأوسط أحدث أضراراً اقتصادية جسيمة وفورية بدول المنطقة؛ فقد أدى إغلاق مضيق هرمز وتدمير البنية التحتية للطاقة والبنية التحتية العامة إلى اضطراب الأسواق، وزيادة التقلبات المالية، وإضعاف توقعات النمو لعام 2026، وفقاً لأحدث تقرير اقتصادي خاص بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، والصادر قبل انطلاق اجتماعات الربيع في واشنطن الأسبوع المقبل،

وتزامن إصدار التقرير مع موافقة الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعَين قبل ساعة واحدة فقط من انتهاء المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لبلوغ اتفاق تحت طائلة شن ضربات واسعة قال إنها ستقضي على «حضارة بأكملها».

ويعدّ البنك الدولي هذا الصراع بمثابة صدمة إضافية لمنطقة تُعاني أصلاً من انخفاض نمو الإنتاجية، ومحدودية ديناميكية القطاع الخاص، وتحديات مستمرة في سوق العمل، مما يُؤكد الحاجة المُلحّة إلى تعزيز الحوكمة والأسس الاقتصادية الكلية، واتخاذ إجراءات لخلق فرص العمل على المدى الطويل، والقدرة على الصمود.

آثار حريق نجم عن هجوم بطائرة مسيّرة على مبنى تابع لمؤسسة البترول الكويتية (أ.ف.ب)

وباستثناء إيران، من المتوقع أن يتباطأ النمو الإجمالي في المنطقة من 4.0 في المائة خلال عام 2025 إلى 1.8 في المائة خلال عام 2026. ويقل هذا التوقع بمقدار 2.4 نقطة مئوية عن توقعات البنك الدولي الصادرة في يناير. ويتركز هذا التراجع في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي والعراق التي تأثرت جميعها بشدة بالصراع. وقد تراجع معدل النمو في دول مجلس التعاون الخليجي بمقدار 3.1 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 4.4 في المائة خلال عام 2025 إلى 1.3 في المائة خلال عام 2026.

دول مجلس التعاون الخليجي

وتراجعت توقعات النمو في دول مجلس التعاون الخليجي بمقدار 3.1 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 4.4 في المائة خلال عام 2025 إلى 1.3 في المائة خلال عام 2026. وسجلت دول مجلس التعاون الخليجي التوقعات الآتية:

  • السعودية: تراجعت توقعات النمو لاقتصاد المملكة بمقدار 1.2 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 4.3 في المائة خلال عام 2025 إلى 3.1 في المائة خلال عام 2026. مع العلم أن توقعات المملكة هي الأفضل بين دول اقتصادات الخليج.
  • الإمارات: تراجعت توقعات النمو للإمارات بمقدار 2.7 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 5 في المائة خلال عام 2025 إلى 2.4 في المائة خلال عام 2026.
  • قطر: كان لافتاً أن توقعات النمو للاقتصاد القطري شهدت انخفاضاً كبيراً بمقدار 11.0 نقطة مئوية منذ يناير؛ إذ إنه يُتوقع أن يسجل انكماشاً بنسبة 5.7 في المائة من نمو إيجابي مقدّر بـ5.3 في المائة، بسبب الأضرار الجسيمة التي تعرّضت لها إمدادات الغاز السائل. وتُعدّ قطر لاعباً محورياً في سوق الطاقة العالمية، وتتراوح حصتها السوقية من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً ما بين 20 في المائة و21 في المائة.
  • الكويت: كذلك يُتوقع أن يسجل اقتصاد الكويت انكماشاً كبيراً بواقع 6.4 في المائة من نمو متوقع بـ2.6 في المائة خلال يناير. وتعتمد الكويت بنسبة 100 في المائة على مضيق هرمز لتصدير نفطها الخام ومشتقاته. وبالتالي، يعني إغلاق المضيق توقف شريان الحياة المالي للدولة بشكل كامل، مما يؤدي فوراً إلى توقف التدفقات النقدية الداخلة للموازنة.
  • البحرين: تراجعت توقعات النمو لاقتصاد البحرين بمقدار 1.8 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 3.1 في المائة خلال عام 2025 إلى 1.3 في المائة خلال عام 2026.
  • سلطنة عُمان: تراجعت توقعات النمو لاقتصاد عُمان بمقدار 1.2 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 3.6 في المائة خلال عام 2025 إلى 2.4 في المائة خلال عام 2026.

أضرار ناجمة عن تحطم طائرة مسيّرة على منزل في قرية زرغزاوي شمال أربيل في إقليم كردستان العراق (أ.ف.ب)

العراق أكبر المتضررين

ولعلّ الصدمة الأكبر التي فجّرها تقرير البنك الدولي تكمن في الانهيار الحر للاقتصاد العراقي؛ إذ هوت توقعات نموه من 6.5 في المائة إلى انكماش مرعب قدره 8.6 في المائة.

ويعكس هذا الرقم المخيف حالة الاختناق الشامل التي واجهتها بغداد مع إغلاق منفذها الوحيد في البصرة، مما حوّل ثروتها النفطية إلى أصول محاصرة خلف مضيق هرمز، ووضع الموازنة العامة أمام عجز تاريخي يهدد أسس الاستقرار الاجتماعي والمالي للبلاد. علماً بأن العراق -وهو ثاني أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)- شهد التراجع الأكبر في إنتاجه بنسبة تصل إلى نحو 70 في المائة، ليصل إلى 800 ألف برميل يومياً من 4.3 مليون قبل أزمة مضيق هرمز.

مصر والضغوط المتزايدة

تختلف حالة مصر في تقرير البنك الدولي عن بعض دول المنطقة التي شهدت مراجعات حادة؛ إذ حافظ البنك على توقعاته لنمو الاقتصاد المصري عند 4.3 في المائة. ورغم استقرار هذه الأرقام، إلا أن التقرير يضعها في سياق حذر، مشيراً إلى أن المخاطر الإقليمية لا تزال تميل نحو «الجانب السلبي».

يقول البنك الدولي إن المخاطر تميل نحو الجانب السلبي، وإنه في حال استمرار النزاع لفترة طويلة، ستتفاقم الآثار الحالية على المنطقة، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع التجارة والسياحة والتحويلات المالية، وزيادة الضغوط المالية، والنزوح.

قارب صيد يبحر في مياه الخليج العربي بمدينة الكويت (أ.ف.ب)

السلام «شرط» لإعادة بناء اقتصاد مرن

وفي تشخيصه للمشهد، عدّ نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، عثمان ديون، الأزمة الراهنة تمثّل «تذكيراً صارخاً» بحجم العمل المطلوب إنجازه، مشدداً على أن الهدف يجب ألا يقتصر على مجرد «تجاوز الصدمات»، بل في استثمار الأزمة لإعادة بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على الصمود عبر تعزيز الأسس الاقتصادية الكلية.

ويرى ديون أن روشتة التعافي تتطلّب مسارات متوازية تبدأ بالابتكار وتحسين معايير الحوكمة، ولا تنتهي عند الاستثمار في البنية التحتية وتعزيز القطاعات المولدة للوظائف. وأكد المسؤول الدولي أن «السلام والاستقرار هما شرطان أساسيان لتحقيق التنمية المستدامة»، لافتاً إلى أنه مع توفر السلام واتخاذ الإجراءات الصحيحة ستتمكن دول المنطقة من بناء المؤسسات والقطاعات التنافسية الكفيلة بخلق فرص حقيقية لشعوبها.

بينما قالت كبيرة الاقتصاديين في مجموعة البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، روبرتا غاتي: «بينما تواجه الدول الخسائر الفادحة للصراع الحالي، من المهم أيضاً ألا نغفل عن العمل اللازم لتحقيق سلام وازدهار دائمين».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended