السياسيون مسؤولون عن توغل شركات المراهنات في كرة القدم الإنجليزية

الاتحاد الإنجليزي أخر المباريات دقيقة ضمن حملة الاعتناء بالصحة العقلية والذهنية وتناسى خطورة المراهنات
الاتحاد الإنجليزي أخر المباريات دقيقة ضمن حملة الاعتناء بالصحة العقلية والذهنية وتناسى خطورة المراهنات
TT

السياسيون مسؤولون عن توغل شركات المراهنات في كرة القدم الإنجليزية

الاتحاد الإنجليزي أخر المباريات دقيقة ضمن حملة الاعتناء بالصحة العقلية والذهنية وتناسى خطورة المراهنات
الاتحاد الإنجليزي أخر المباريات دقيقة ضمن حملة الاعتناء بالصحة العقلية والذهنية وتناسى خطورة المراهنات

من المفارقة أن مباريات الجولة الثالثة لكأس إنجلترا، التي استغلّها الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لترويج لحملة «خذ دقيقة» لتشجيع الجماهير على الاعتناء بصحتهم العقلية والذهنية، تُبث معظمها بشكل مباشر وحصري على مواقع شركات المراهنات، بشكل يمثل تهديداً حقيقياً على الصحة المالية والعقلية!
وكانت شركة «آي إم جي» العملاقة للتسويق قد اشترت حقوق البث التلفزيوني لمباريات المنافسة الأقدم والأعرق في إنجلترا من الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، قبل أن تبيعها لشركات المراهنات، بشكل يربط اللعبة نفسها بالمراهنات بشكل قوي.
ووصف تشارلز ريتشي، الذي قتل ابنه جاك نفسه في عام 2017 بعد أن أصبح مدمناً على المراهنات، هذا الترتيب بأنه «مخزٍ»، واستهداف لمشجعي كرة القدم الذين قد يكونون في طريقهم نحو الإدمان والانتحار في نهاية المطاف. وتتمثل الحجة الأساسية لحملة «المراهنة بالحياة» التي أطلقها ريتشي بالتعاون مع عائلات أخرى فقدت أشخاصاً بسبب إدمان المراهنات، في أنه يجب التعامل مع المراهنات على أنها خطر على الصحة العامة.
واصطفّ عدد من الساسة، بما في ذلك وزير الثقافة والإعلام والرياضة الجديد نيكي مورغان، لانتقاد هذه الصفقة، باعتبارها غير أخلاقية وغير مقبولة، وطالبوا الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بإعادة النظر فيها.
ونتيجة ذلك، أثيرت ضجّة كبيرة بشأن حملة «خذ دقيقة» التي أطلقها الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لتشجيع الجمهور على العناية بصحته الذهنية والعقلية، رغم أن نيات الاتحاد في هذا الأمر حسنة، ورغم أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، كان في واقع الأمر أحد هيئات كرة القدم القليلة التي اتخذت مواقف أخلاقية جيدة فيما يتعلق بحقوق الرعاية الخاصة بشركات المراهنات.
وفي حين أن الأندية وقمصانها وملاعبها، ورابطة الدوري الإنجليزي نفسها - التي تخضع جميعها لرعاية شركة «سكاي بيت» للمراهنات - متورطة بشكل كبير في إعلانات شركات المراهنات، فقد أنهى الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم في مايو (أيار) 2017 شراكته مع شركة «لادبروكس» للمراهنات، وقرر عدم إبرام صفقات رعاية مع شركات المراهنات بعد ذلك.
وبحلول ذلك الوقت، كانت الصفقة التي وقعها الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم مع شركة «آي إم جي» بشأن بث مباريات كأس الاتحاد الإنجليزي قد تم التوقيع عليها بالفعل وتمتد لستة مواسم خلال الفترة بين موسمي 2018 و2024. كما باعت شركة «آي إم جي» حقوق البث لسبع شركات مراهنات في المملكة المتحدة والمزيد من الشركات الأخرى حول العالم.
وأوضح الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم أن الأمر سيكون أكثر تعقيداً، وقد يتطلب تكلفة باهظة لحل هذه المشكلة، ولن تكون التبعات بسيطة مثل تلك التي نتجت عن التراجع عن صفقة واحدة بشكل مباشر مع شركة «لادبروكس». لكن تصريح الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بأنه «سيراجع» الجزء الخاص بالمراهنات في الصفقات عندما يتم تجديدها في موسم 2024 - 2025 يعني أن هذه الصفقة سوف تستمر حتى نهايتها في موسم 2024.
لذلك، تعرض الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم إلى عاصفة من الانتقادات، على الرغم من أن رئيسه، جريج كلارك، كان معارضاً بقوة للمد الساحق لشركات المراهنات، منذ أن ألغت حكومة حزب العمال القيود المفروضة على شركات المراهنات في عام 2005.
والآن، أصبح جمهور كرة القدم، بما في ذلك الشباب الذين يكبرون وهم يعشقون كرة القدم وتاريخها، يرون هذا التشابك الهائل بين كرة القدم والمراهنات.
إن القيود الشديدة التي كانت سائدة في الماضي، وتجميد محلات بيع شركات المراهنات، استجابة لمخاطر المراهنات التي بات يدركها الجميع بوضوح، قد تم التخلص منها تماماً لثقافة أصبحت فيها المراهنات في المقدمة، سواء عبر الإنترنت أو أمام المشجع بشكل مباشر.
وتوضح رابطة الدوري الإنجليزي أن صفقات الرعاية الخاصة بها تنبع من المنفعة المتبادلة، لكن لا يزال من الممكن أن تشعر بالصدمة عندما تعرف أن اسم شركة «سكاي بيت» للمراهنات يأتي ضمن الأسماء الفعلية، التي ترعى أقدم مسابقة لكرة القدم في إنجلترا. ويحق لشركة «سكاي بيت» بث 16 مباراة من مباريات دوري الدرجة الأولى في الموسم عبر موقعها على شبكة الإنترنت، كما تبث مواقع المراهنات الدولية مباريات المسابقة، لكن رابطة الدوري الإنجليزي أوضحت أن هذا ليس حصرياً، إذ إنه يتم بث جميع هذه المباريات على شاشات التلفزيون، أو يتم بثها من قبل الأندية.
ولا يوجد ترتيب من هذا القبيل في الدوري الإنجليزي الممتاز كجزء من صفقة حقوق البث، التي تصل قيمتها إلى مليارات الجنيهات، لكن قامت كثير من أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، وعلى مدار سنوات طويلة بوضع شعارات شركات المراهنات على قمصانها ولوحاتها الإعلانية في الملعب، وحصلت على أموال من «شركاء» رسميين يعلمون في مجال المراهنات.
وفي بعض الأحيان، وفي ظل ظهور إعلانات شركات المراهنات بشكل مكثف خلال المباريات، وفي ظل حقيقة أن شركات المراهنات كانت هي الراعية لتغطية القنوات التلفزيونية، فإن كرة القدم الإنجليزية باتت تبدو وكأنها منصة لتشجيع وتسهيل المراهنات، سواء داخل إنجلترا أو في جميع أنحاء العالم.
ربما يكون من الممكن أن نغفر للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم شعوره بالاستياء من السياسيين الذين انتهزوا هذه القضية، واستغلوا بث مباريات كأس الاتحاد الإنجليزي التي لم يتم اختيارها من قبل قنوات البث التلفزيوني على موقع «بيت 363» للمراهنات، من أجل تحقيق مكاسب خاصة. وفي الحقيقة، فإن الحكومات هي المسؤولة عن هذا المشهد المتغير بشكل مذهل، بعد أن ألغت القيود المنظمة لعمل شركات المراهنات. وقد استقالت تريسي كراوتش بشرف من منصبها وزيرة للرياضة عندما كانت الحكومة تنحرف عن التوصيات الخاصة بتقييد احتمالات الرهانات الثابتة إلى اثنين من الجنيهات الإسترلينية، لكن العمل على معالجة مشكلات المراهنات في بريطانيا يسير بوتيرة بطيئة بشكل مثير للقلق. ومن الواضح أن السياسيين، بما في ذلك الوزير الجديد مورجان، يشعرون بالقلق بسبب وجود عوائق داخل اتحاد كرة القدم، لكن القدرة على إحداث فروق حقيقية تكمن في أيدي هؤلاء السياسيين، وليس في يد أحد غيرهم.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.