ماذا تريد تركيا في شرق المتوسط؟

صورة أرشيفية لسفينة «ياووز» التركية في ميناء خارج إسطنبول في 20 يونيو الماضي (أ.ب)
صورة أرشيفية لسفينة «ياووز» التركية في ميناء خارج إسطنبول في 20 يونيو الماضي (أ.ب)
TT

ماذا تريد تركيا في شرق المتوسط؟

صورة أرشيفية لسفينة «ياووز» التركية في ميناء خارج إسطنبول في 20 يونيو الماضي (أ.ب)
صورة أرشيفية لسفينة «ياووز» التركية في ميناء خارج إسطنبول في 20 يونيو الماضي (أ.ب)

مع مطلع مايو (أيار) العام الماضي، أطلقت تركيا خطوات مثيرة للتوتر للتنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل قبرص في منطقة يدور حولها الخلاف، وتتمسك أنقرة بأنها تقع ضمن ما تسميه بـ«جرفها القاري»، بينما أعلنت قبرص أنها تقع ضمن حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة.
تذرعت تركيا، التي أسفرت عمليات للبحث قامت بها في سواحلها الجنوبية في أنطاليا ومرسين عن عدم وجود أي احتياطيات للغاز أو النفط، بأنها وقعت اتفاقية مع حكومة «جمهورية شمال قبرص التركية»، غير المعترف بها دولياً، واستغلتها كغطاء لتحركاتها في شرق المتوسط بدعوى الحفاظ على حقوقها وحقوق القبارصة الأتراك في المنطقة التي تعوم على بحر من الغاز الطبيعي، وتضم ثاني أكبر احتياطي من الغاز على مستوى العالم، يقدر بنحو 300 تريليون قدم مكعب.
وأطلقت تركيا تحركاتها، وأرسلت سفنها للبحث والتنقيب إلى المنطقة وسط اعتراضات أوروبية ودولية وإقليمية، رداً على ما اعتبرته محاولات لعزلها في شرق المتوسط، مع اتفاق مصر وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن وفلسطين وإسرائيل على إنشاء «منتدى شرق المتوسط للغاز»، ومقره القاهرة، للعمل على إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد على الوجه الأمثل، وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية.
وتتبع تركيا سياسة فرض الأمر الواقع من أجل إيجاد مكان لها في المنطقة للاستفادة من الموارد، إذ قامت قطع بحرية تابعة لجيشها بالتحرش بسفن الشركات العالمية التي تتولى عمليات التنقيب في المنطقة، وقامت بمحاولة خلط الأوراق في المنطقة بتوقيع مذكرتي تفاهم لتحديد مناطق السيادة البحرية والتعاون الأمني والعسكري مع حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بعد أن تصدى الاتحاد الأوروبي لتحركاتها في شرق المتوسط بعقوبات رمزية لإنذارها. ولم يكن الهدف فقط هو شرق المتوسط، بل إن تركيا التي تتدخل في ليبيا عبر دعم حكومة السراج وجماعات متشددة في غرب البلاد، تريد أن تنتزع لنفسها مقعداً في كل ما يتعلق بليبيا من مفاوضات أو تفاهمات. لكن هذه التحركات رفعت من حدة التوتر القائمة مع دول شرق المتوسط.
ترى أنقرة في اتفاقاتها مع حكومة السراج الوسيلة لإحباط أي خطط أو مشروعات تتجاوزها في شرق المتوسط، ولهذه الاتفاقات أيضاً وجه آخر يتعلق بالمصالح الاقتصادية لتركيا. وتعد إحدى مذكرتي التفاهم مقايضة من جانب تركيا على الأخرى، فقد ربطت الدعم العسكري للسراج بالحصول على الاتفاق البحري الذي يتيح لها التمدد في شرق المتوسط والمشاركة في عمليات ليبيا للتنقيب عن النفط والغاز، وقبلت حكومة السراج ذلك لسعيها لإيجاد حليف خارجي يساعدها في الخروج من حصارها في طرابلس.
استغلت تركيا الاتفاق البحري مع السراج للرد على منتدى شرق المتوسط الذي استبعدت منه، لأن هذا الاتفاق يعني قطع الصلة والفصل بين مصر وقبرص وإسرائيل وفلسطين في الشرق عن اليونان وإيطاليا في الغرب، ويهدد مشاريع إمداد الطاقة المخطط لتدشينها في المنطقة بما فيها خط «إيست ميد» بين إسرائيل واليونان وقبرص. ولذلك، أعلنت تركيا أنها على استعداد لإبرام اتفاقات مماثلة لما أبرمته مع حكومة السراج مع كل دول المنطقة، باستثناء قبرص، نظرا لأنها تعتبر أن الاتفاق مع حكومة السراج يعطيها الكلمة العليا في المنطقة ويجعلها مثل حارس بوابة المتوسط الذي لا يمكن أن يمر شيء منها إلا بموافقته.
إذن، فتركيا التي لم تعثر على الطاقة في مياهها الإقليمية فتوجهت إلى ساحل قبرص، وجدت في الاتفاق مع السراج ما يمكنها، من وجهة نظرها من ضرب التحالفات الإقليمية والدولية التي تشكلت لتقاسم ثروات شرق المتوسط الهيدروكربونية بعيدا عنها وفرض أمر واقع لإشراكها في هذه التحالفات، سعياً لتحقيق هدفها في أن تصبح ممراً للطاقة من المتوسط إلى أوروبا.
لكن كل ذلك لا يخفي أيضاً أن هناك مشروعاً شخصياً لإردوغان الذي تحركه، بحسب المعارضة التركية، آيديولوجية الإخوان المسلمين التي طبعت نفسها على السياسة الخارجية لتركيا، لتحقيق الهيمنة والسيطرة في البحر المتوسط، ضمن ما يسميه إردوغان وحلفاؤه القوميون في حزب الحركة القومية بـ«الوطن الأزرق».
وكشف إردوغان ذاته عن أحلامه في الهيمنة والسيطرة في المنطقة عندما طالب جنوده الذين سيذهبون إلى ليبيا بموجب الاتفاق مع السراج بأن يكتبوا ملامح كالتي سطرها «أمير البحار» خير الدين بربروس في زمن الدولة العثمانية. وحتى تكتمل الصورة فإن أسماء السفن التي أرسلتها تركيا إلى شرق المتوسط تمثل المشروع العثماني الجديد لإردوغان، وهي «الفاتح» نسبة إلى السلطان العثماني محمد الفاتح، وبربروس نسبة إلى الجنرال العثماني خير الدين بربروس باشا، و«ياووز» أو «الحازم» نسبة إلى السلطان سليم الأول المعروف باسم «ياووز سليم».
يؤكد خبراء القانون الدولي مخالفة الخطوات التصعيدية لتركيا في شرق المتوسط للقانون، فتركيا لم توقع، حتى الآن، على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1994، والتي تنص على أن المياه الإقليمية لأي بلد تمتد 12 ميلاً في البحر، وأن المنطقة الاقتصادية الخالصة يمكن أن تمتد 200 ميل، حيث باستطاعته المطالبة بحقوق الصيد والتنقيب والحفر، وعندما تكون المسافة البحرية بين بلدين أقل من 424 ميلاً، عليهما تحديد خط فاصل متفق عليه بين منطقتيهما البحريتين. وتحفظ الاتفاقية حقوق الجزر البحرية، كما هو حال الجزيرة القبرصية.
ويرى الخبراء في ذلك تفسيرا لعدم توقيع تركيا الاتفاقية، والمطالبة بدلاً عن ذلك بحقوق استناداً إلى جرفها القاري، مع توقيع اتفاقية للجرف القاري مع «جمهورية شمال قبرص» التي لا يعترف بها إلا تركيا التي أعلنتها تركيا جمهورية مستقلة عقب غزوها للشطر الشمالي للجزيرة القبرصية عام 1974 بحجة حماية الأقلية التركية هناك، ويتناقض هذا مع حقوق جمهورية قبرص العضو في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني قانونياً الاعتراف بسيادتها على جميع أراضيها. وهذا الاعتراف الدولي يسقط الذرائع التي تعتبرها تركيا قانونية وتتحصن بها في معركة التنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط.
ويوضح التقييم القانوني للتحركات التركية في البحر المتوسط، عبر محاولة اصطناع وضع قانوني، سواء عبر الاتفاق مع شمال قبرص الخاضعة لوصايتها أو حكومة السراج في ليبيا، أنها ليست إلا بدايات للصدام مع العالم وليس فقط مع دول المنطقة.
يؤكد ذلك تبلور تحالفات إقليمية ودولية وتحركات في مواجهة التصعيد التركي، من أهمها إلى جانب إعلان قيام منتدى شرق المتوسط للغاز، إعلان شركة «إكسون موبيل» الأميركية في فبراير (شباط) الماضي الدخول على خط التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وهو ما جعل من الولايات المتحدة لاعباً أساسياً في هذه المعركة، وإطلاق الجهود للتوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وتوقيع سلسلة اتفاقيات بين مصر وقبرص واليونان على شكل تحالف إقليمي في مجال الطاقة بالمتوسط، وصولاً إلى اتفاق «ايست ميد» لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر قبرص واليونان، مع تحرك الاتحاد الأوروبي لدعم عضويه (قبرص واليونان) في مواجهة تركيا.
ومن أبرز التطورات في هذا الشأن أيضاً موافقة مجلس الشيوخ الأميركي مؤخرا على قانون أمن الطاقة في المتوسط، وإقرار رفع الحظر عن بيع السلاح لقبرص، وإنشاء مركز أميركي دائم للطاقة في المتوسط، وهو ما يعد ضربة قوية لتركيا التي اعترضت على القانون.
وبالنظر إلى روسيا، التي تعتبرها تركيا معادلاً قوياً للضغوط الأميركية والأوروبية عليها، يبدو تحقق المساعي التركية في شرق المتوسط شبه مستحيل، حيث تجد تركيا نفسها في مواجهة تكتل إقليمي دولي ضخم، بينما تعمل روسيا على الاستفادة من هذه الضغوط التي تتعرض لها أنقرة للإبقاء على احتياج تركيا إليها في سد غالبية احتياجاتها من الغاز الطبيعي. فضلا عن أن الصمت الروسي حتى الآن تجاه التحركات التركية في ليبيا يرسخ النهج الروسي في الاستمرار في توسيع الشرخ بين تركيا وحلفائها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الذي بدأ مع إصرار أنقرة على إتمام صفقة صواريخ «إس 400 الروسية»، ومع كل ذلك لا يبدو أن تركيا، التي تعاني قصوراً واضحاً في قدراتها العسكرية البحرية والجوية، على استعداد للتراجع بعد أن أقامت قاعدة عسكرية بحرية دائمة وأخرى للطائرات المسيرة في شمال قبرص، لتصبح في مواجهة مباشرة مع عدد من دول المنطقة، من خلال تصرفاتها في البحر المتوسط، واندفاعها إلى الانخراط بشكل أكبر في الصراع الليبي.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended