القحطاني لـ {الشرق الأوسط}: «الدرفت» وسيلة لممارسة السرعة والتهور في بيئة آمنة

انتقد ضعف التغطية الإعلامية لرياضة تعتبر الأسرع نموا في العالم

عبد الهادي القحطاني يرفع علم بلاده في بطولة بريطانيا المقامة في اسكوتلندا في سبتمبر الماضي..  وفي الاطار أثناء تتويجه بالمركز الأول لبطولة الرياض للدرفت في أبريل الماضي، جانب من مشاركة فريق الجزيرة في بطولة أوروبا للدرفت في أغسطس الماضي بفالنسيا في اسبانيا
عبد الهادي القحطاني يرفع علم بلاده في بطولة بريطانيا المقامة في اسكوتلندا في سبتمبر الماضي.. وفي الاطار أثناء تتويجه بالمركز الأول لبطولة الرياض للدرفت في أبريل الماضي، جانب من مشاركة فريق الجزيرة في بطولة أوروبا للدرفت في أغسطس الماضي بفالنسيا في اسبانيا
TT

القحطاني لـ {الشرق الأوسط}: «الدرفت» وسيلة لممارسة السرعة والتهور في بيئة آمنة

عبد الهادي القحطاني يرفع علم بلاده في بطولة بريطانيا المقامة في اسكوتلندا في سبتمبر الماضي..  وفي الاطار أثناء تتويجه بالمركز الأول لبطولة الرياض للدرفت في أبريل الماضي، جانب من مشاركة فريق الجزيرة في بطولة أوروبا للدرفت في أغسطس الماضي بفالنسيا في اسبانيا
عبد الهادي القحطاني يرفع علم بلاده في بطولة بريطانيا المقامة في اسكوتلندا في سبتمبر الماضي.. وفي الاطار أثناء تتويجه بالمركز الأول لبطولة الرياض للدرفت في أبريل الماضي، جانب من مشاركة فريق الجزيرة في بطولة أوروبا للدرفت في أغسطس الماضي بفالنسيا في اسبانيا

شهد عام 2003 سباقا لهواة رياضة سباق السيارات في شرق المملكة العربية السعودية، كان من السباقات الأولى من نوعها في المنطقة، وقام بتنظيمه آنذاك سائق السيارات السعودي عبد الله باخشب، الذي تفرد بتمثيل بلاده في سباقات عربية ودولية خلال التسعينات وكان الأبرز. السائق الشهير نظم الكثير من السباقات المبسطة في بعض المناطق السعودية، للمساهمة في العثور على سائقين موهوبين، كان السعودي عبد الهادي عبد الله القحطاني أحد هؤلاء الشباب الذي بدأت حياته بالتغيير منذ مشاركته الأولى البسيطة بذاك السباق. يقول السائق القحطاني لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعشق السيارات منذ صغري، لكنني لم أكن أتوقع يوما من الأيام أن أصبح محترفا في هذا المجال، على الإطلاق».

خلال مرحلة الثانوية الدراسية وعند حصول القحطاني على رخصة القيادة الرسمية، رفض مزاولة «الدرفت» بشكل غير نظامي، ولم تكن الفكرة في الحسبان، لاعتقاده أن مزاولتها خارج إطارها النظامي سيعرضه للخطر من قبل الجهات الرسمية، لذلك فضل الانتظار حتى يتم الاعتراف بالرياضة وتخصيص حلبات آمنة لها، وهو ما تحقق لاحقا. يصف عبد الهادي رياضته المفضلة بقوله: «أعتقد أنها وسيلة لممارسة شغف السرعة والتهور في مكان آمن وبيئة سليمة».
حلبة البحرين الدولية في عام 2005 شهدت أول سباق لـ«الدرفت» في منطقة الخليج، كان السباق الرسمي الأول للقحطاني سباقا فتح آفاقا جديدة، استمرت بالتطور خلال الأعوام الـ9 الماضية، حتى أصبح عبد الهادي القحطاني يشارك في كبرى البطولات العالمية المقامة في القارة الأوروبية، كما أصبحت هذه الرياضة حياة القحطاني وشغله الشاغل.
زاول عبد الهادي القحطاني رياضته المفضلة للمرة الأولى في سباق أقيم قبل 11 عاما في مدينة الخبر، وتحديدا عام 2003 عندما أقيم سباق لكسر حواجز زمنية معينة (Auto Cross) باهتمام من السائق السعودي المعروف عبد الله باخشب. تقدم القحطاني للمشاركة في السباق بسيارته الخاصة «كامري»، وكانت المرة الأولى التي اكتشف من خلالها شغفه وحبه الجديد، الذي تحول إلى قصة من قصص النجاح فيما بعد، يقول عبد الهادي: «كنت أعشق السيارات منذ صغري، لكنني لم أكن أتوقع يوما من الأيام أن أصبح محترفا في هذا المجال». وعلق القحطاني على تلك البطولة الصغرى بقوله: «عبد الله باخشب هو عراب رياضة السيارات في السعودية، وله الفضل بعد الله في بزوغ بعض الأسماء التي أثبتت نفسها خلال المنافسات في البلاد».
تخصص القحطاني في البداية في سباق الـ«Auto Cross»، ولم تكن سباقات الـ«Drift» معروفة في العالم آنذاك، لكنها برزت في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ، كان يتابع أخبارها ونتائجها عبر الإنترنت، الوسيلة الوحيدة لمتابعة هذه الرياضة، حيث قال: «لم يكن هناك أي مكان مخصص لممارسة الرياضة في السعودية، حتى شهد عام 2005 أول تجمع رسمي على حلبة البحرين الدولية، كان السباق الأول من نوعه في الشرق الأوسط، وكان بمثابة التجربة الأولى لنا»، مضيفا: «مشكلة رياضة الدرفت تحديدا أنها لا تتبع منظمة دولية تحفظ حقوقها وتؤمن وسائل السلامة فيها، مع أنها تعتبر الرياضة الأكثر نموا في العالم بحسب تقارير كثيرة».
بعد تخرجه عام 2008 من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، التحق القحطاني بإحدى وكالات السيارات في البلاد، وأسس فريقا للوكالة من أجل المشاركة في سباقات أوتو كروس وراليات من ضمنها رالي حائل في ذلك العام، لتتحول الهواية فعليا إلى وظيفة، ثم إلى فكرة مشروع تجاري بعدها بعامين. يقول عبد الهادي: «قمت بتنظيم رالي الشرقية بالتعاون مع الإمارة هناك في عام 2010 وشارك في ذلك التجمع سائقون من الخليج والشرق الأوسط والقارة الأوروبية». بعدها اتجه القحطاني إلى التنظيم على مستوى السعودية، وشهدت تلك الفترة السماح بالدرفت (Drift) وهي إحدى الرياضات الخطيرة على مستوى المعمورة، وكانت البطولة الأولى على مستوى المملكة في كل من العاصمة وجدة والدمام، حيث تأهل الفائزون إلى نهائي الشرق الأوسط، وتأهل عبد الهادي في 3 سنوات على التوالي في بيروت وعمان الأردنية.
في عام 2011 اقتحم القحطاني عالم الاحتراف، حيث تعاقد مع توكيلات الجزيرة للسيارات، بوصفه شريكا استراتيجيا بخطة تمتد لـ5 أعوام، والمشاركة في سباقات محلية وإقليمية ودولية. كما تجهز فريق عبد الهادي بسيارة خاصة من بطل العالم للفورمولا D. أبرز إنجازات السائق السعودي كانت وصافة بطولة الإمارات للدرفت 2012 وحصوله على المركز الأول من البطولة نفسها في العام الذي يليه، وبطولة الرياض للدرفت برعاية أمير الرياض تركي بن عبد الله، بالإضافة إلى الجولات التأهيلية، ولقب بطولة ريدبول (Car Park) في السعودية.
دور القحطاني التنظيمي برز لاحقا، عندما ساهم بتنظيم سباقات للدرفت في السعودية، التي لم تكن ممولة بالشكل المطلوب في بداية مراحلها. حتى أتى عام 2013 الذي نظم فيه القحطاني بطولة «جيميكانا» السعودية، وهي بطولة استقطبت 120 سائقا هاويا ضمن 3 جولات، وقد شهدت كل جولة حضور ما يقارب 5 آلاف مهتم بالرياضة، وكانت البطولة للدرفت والأوتو كروس في وقت واحد، كما حملت البطولة معها جائزة «فورد موستانج» لصاحب المركز الأول، في بادرة هي الأولى في المنطقة. وقد بزغ نجم القحطاني خلال الأعوام الـ3 الماضية بعد مشاركته في 13 سباقا في القارة الأوروبية. ويعتبر حصول القحطاني على المركز الثامن في بطولة «Power slide» التي أقيمت بالنرويج، أفضل إنجاز للسائق السعودي خلال مسيرته حتى الآن.
قرار مجلس الوزراء السعودي منع إعلانات مشروبات الطاقة ساهم بشكل سلبي في تأخر نمو الرياضة، حيث تم إلغاء 9 فعاليات منذ صدور القرار حتى الآن، يقول القحطاني: «عدنا إلى بداياتنا بعد قرار منع إعلانات مشروبات الطاقة، لأنها كانت من أبرز الممولين للتجمعات الرياضية الشبابية وسباقات السيارات بشكل خاص، ونستطيع القول إن المنظومة بشكل عام تأثرت، كعقود الرعاية للسائقين، وانخفاض مداخيل الفرق». كما أضاف: «أمانة الرياض أنشأت بطولات مختلفة وحاولت سد الفراغ الذي تركه غياب المعلنين، ونأمل من إمارتي الشرقية ومكة المكرمة القيام بالخطوة نفسها».
معضلة أخرى تواجه هؤلاء الرياضيين، وتتلخص في عدم وجود أي تسهيلات أو اعتراف بسيارات السباق الخاصة، التي تمنع قيادتها في الشوارع العامة، حيث إن الفرق تتعرض للإيقاف بشكل مستمر، وذلك لضعف النظام الواضح لدى الكثير من الجهات الحكومية بهذه السيارات عند نقلها داخل الحدود وخارجها. يشرح السائق السعودي: «نقوم بإرسال السيارات إلى المنافذ الحدودية قبل اليوم المحدد بـ3 أيام، لأن السيارات تمكث يومين حتى تنتهي جميع إجراءات دخولها أو خروجها، ونأمل أن نتفادى كل هذه المعوقات في المستقبل».
الاتحاد السعودي للسيارات يقوم بدوره بكل ما يستطيع، وذلك مع قلة الإمكانات، يقول عبد الهادي: «نشكر اتحاد السيارات على ما يقوم به، فهو اتحاد مجتهد، ونأمل من الرئاسة العامة لرعاية الشباب بذل المزيد لهذه الرياضة الأسرع نموا بالعالم». وتعتبر رياضة السيارات بشكل عام رياضة مكلفة وباهظة التكاليف، بالمقارنة مع غيرها من الرياضات المنتشرة في منطقة الخليج.
يتحفظ القحطاني على دور الإعلام خلال مسيرته وللرياضة بشكل عام، حيث يقول: «مشكلتنا الرئيسة في إعلامنا العربي أن وسائل الإعلام تعتبر أخبارنا تجارية وليست رياضية، وما نتعرض له من تهميش بسبب الرعاة غير منطقي، فجميعنا يشاهد شعارات الشركات الراعية لفرق كرة القدم وظهورها في مختلف وسائل الإعلام، على قمصان اللاعبين أو جنبات الملاعب». ويأمل عبد الهادي أن تتبدل طريقة تعامل الإعلام مع رياضة السيارات في المنطقة، كي تتطور وتستقطب الرياضة محبيها ومتابعيها بكل سهولة ويسر، ويضيف القحطاني: «كانت وسائل الإعلام تلاحقنا في جميع مشاركاتنا الأوروبية، ولكن مع الأسف الإعلام في منطقتنا لديه أولويات».
في الختام يقوم القحطاني حاليا بإنشاء أكاديمية لتعليم سباقات السيارات، يقوم من خلالها بتحفيز الشباب لممارسة هذه الرياضة الخطيرة بشكل آمن ونظامي، ويتوقع أن ترى الأكاديمية النور في شهر فبراير (شباط) المقبل بالعاصمة الرياض، كما أنها ستمتاز بأسعار رمزية محفزة، مع توفير السيارات وجميع ما يلزمها.



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.