القصائد الطوال في الزمن السريع

في غياب الظاهرة وانقراضها

نزار قباني  - محمد مهدي الجواهري - حسب الشيخ جعفر - يوسف الصايغ
نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - حسب الشيخ جعفر - يوسف الصايغ
TT

القصائد الطوال في الزمن السريع

نزار قباني  - محمد مهدي الجواهري - حسب الشيخ جعفر - يوسف الصايغ
نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - حسب الشيخ جعفر - يوسف الصايغ

تذكرتُ وأنا أقرأ قصائد عددٍ من الشعراء، سواءٌ من على صفحاتهم الشخصية في «فيسبوك» أو «تويتر» أو «إنستغرام» أو في مجاميعهم المطبوعة حديثاً، القصائد الطوال التي كنا نقرأها للشعراء الكبار، عراقيين وعرباً. ذلك أنَّ قصر معظم تلك النصوص هو السمة الغالبة على معظم نتاج هذه الأجيال، علماً بأنَّ «فيسبوك» مثلاً لا يشترط عدداً محدداً من الحروف، بخلاف «تويتر» الذي يحدد صاحبه بعددٍ محددٍ من الكلمات والحروف، وهي طريقة للتكثيف والاختزال بعيداً عن الثرثرة، وبأقل عددٍ من الكلمات، لهذا أرى أنَّ عدداً لا يُستهان به من الشعراء بدأوا يميلون إلى عددٍ محدودٍ من الأبيات الشعرية، أو مقاطع محددة، لا تتجاوز الأسطر الخمسة أو العشرة.
ومن خلال هذا الكشف البسيط لتجوالنا في حدائق الشعراء، عراقيين وعرباً، نستطيع أنْ نقرأ الواقع السريع الذي يلفُّ المجتمعات، ذلك أنَّ القصائد الطوال إحدى أهم سمات الشاعر «الفحل» في زمن من الأزمان. فقد كان لا يُعتدُّ بالشاعر حتى نهاية السبعينات -كما أظن- إلا إذا كان له نَفَسٌ طويلٌ في كتابة القصائد، بحيث تتجاوز تلك القصائد المائة بيتٍ، كما كان يكتب الجواهري، ومحمد صالح بحر العلوم، وعمر أبو ريشة، وبدوي الجبل، وعرار. فمثلاً، قصيدة «المقصورة» للجواهري ما ضاع منها أكثر مما ثبت في الديوان.
وحين نصل إلى تجربة الحداثة، نجد أنها لم تنج من هذه الظاهرة، فقد رفد السيَّاب الديوان العربي الحديث بمجموعة من القصائد الطوال، مثل «المومس العمياء» و«الأسلحة والأطفال» و«حفار القبور»، وقصائد أخرى هي أقرب إلى مجموعة كاملة. وهذا ما حدث مع البياتي أيضاً، حيث كتب مجموعة من القصائد الطوال، مثل «قمر شيراز» و«بستان عائشة». وكذلك الحال في «حارس الفنار» و«أعماق المدينة» لمحمود البريكان، و«الأخضر بن يوسف» لسعدي يوسف، و«المعلم» ليوسف الصائغ.
وتكاد تكون هذه التجربة ملتصقة بتجربة جيل الريادة أكثر من غيرهم، وقد لخَّصها الشاعر سامي مهدي، بل استغرق في ذكر أسماء شعراء غير معروفين الآن مع قصائدهم الطوال، في مقالة مطولة حول القصائد الطوال وجيل الريادة بكتابه «ذاكرة الشعر». فمعظم ذلك الجيل اتسم بكتابة القصائد الطوال، بل البعض من الشعراء كتب قصيدة واحدة، وطبعها في كتاب بوصفها ديواناً واحداً. وربما كان جبران خليل جبران قد سبق الجميع في قصيدته الطويلة «المواكب» التي خرجت بوصفها ديواناً مستقلاً، كما سبق أنْ قام الجواهري بطباعة ديوان هو عبارة عن قصيدة واحدة، كما في ديوانه «يا نديمي» وديوان «مرحباً أيها الأرق»، وكذلك مجموعة «الصوت» لعبد الرزاق عبد الواحد، وهي عبارة عن قصيدة واحدة، ولكنها طويلة امتدت على صفحات مجموعة كاملة. وهذا ما حصل مع نزار قبَّاني في ديوانه الذي كتبه لزوجته بلقيس بعد مقتلها «قصيدة بلقيس» التي جاء فيها: (بلقيس كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل| بلقيس كانت أطول النخلات في أرض العراق| كانت إذا تمشي| ترافقها طواويس| وتتبعها أيائل...)، وهي قصيدة رثائية يختلط فيها وصفه لبلقيس وجمالها بهجائه للزمن العربي الذي كانوا فيه.
وتكاد تشكل القصائد الطوال التي تحولت إلى مجموعة بكاملها ظاهرة في الشعرية العربية، ذلك أن عدداً كبيراً من شعراء الحداثة، وحتى الكلاسيكيين، لديهم مثل هذا التقليد الشعري، وما «جدارية محمود درويش» إلا جزء من هذه الرؤية للعمل الشعري التي تؤمن بالوحدة العضوية والموضوعية للنص الطويل، منطلقين من فكرة أن الشاعر بإمكانه أنْ يحافظ على خيوطه متماسكة مهما امتدت به الصفحات (هذا هو اسمك| قالت امرأة وغابت في الممر اللولبي...).
وقد امتدت مثل هذه التجارب حتى للأجيال القريبة منا، كالجيل الثمانيني. فمثلاً، أصدر عدنان الصائغ مجموعة «نشيد أوروك»، وهي عبارة عن قصيدة واحدة طويلة جداً، وكذلك أصدر عبد الرزاق الربيعي مجموعة أهداها لزوجته الراحلة، وهي قصيدة طويلة أيضاً اسمها «ليل الأرمل»، فيما أصدر الشاعر حسب الشيخ جعفر مجموعة في 2010، هي عبارة عن قصيدة واحدة اسمها «رباعيات العزلة الطيبة»، وكذلك فعل الشاعر ياسين طه حافظ في مجموعته «مخاطبات الدرويش البغدادي» (2014)، وهي تجربة صوفية حاول أن يجمعها في قصيدة واحدة، ولكنها طالت حتى أصبحت مجموعة كاملة.
وربما نجد في تراثنا العربي القديم أوجهاً كثيرة مشابهة لهذا النمط من الكتابة. فقد ظهرت معلقات بمئات الأبيات، وما قصيدة الشنفرى الطويلة «لامية العرب» إلا وجه من هذه الوجوه. ولدينا نماذج كثيرة في تراثنا العربي بهذا النمط، مثل معلقة عمرو بن كلثوم، وامرئ القيس، وقصائد الفرزدق، وآخرين. ولكن حين نصل إلى العصر العباسي، تبدأ هذه الظاهرة بالانحسار لتعدد مناحي الحياة، وتعقد شبكة العلاقات التي تحولت من البداوة إلى المدنية التي لا تحتمل كثيراً من الكلام والثرثرة الفائضة. وبمرور سريع على أهم شعراء العصر العباسي، سوف نجد معظم قصائدهم تتراوح بين العشرين والثلاثين بيتاً، وهي في العموم نسبة متزنة من حيث الكم، وهذا موجود لدى أبي نواس، ومسلم بن الوليد، وأبي تمام، والبحتري، والمتنبي، والمعري، والشريف الرضي، ومهيار الديلمي، وآخرين يمثلون الشعرية العربية في ذلك الوقت.
وحين نحاول أنْ نقارب النص بالحياة التي يعيشها، فأظن أنَّ الزمن يمثل عنصراً مهماً في توجيه الشعراء، وفرض نمط الكتابة على الكتَّاب. فقديماً، تشكل الحياة البدوية بكل تفاصيلها البطيئة، من الرحلة والديار المهجورة وتعب الرحلة حتى يصل إلى الممدوح، مساحة كبيرة تفرض على الشاعر أن يتجول ببطءٍ في قصيدته، كتجواله فوق الرمال والفيافي. وحين نصل للعصر الحديث، سنكون إزاء أزمان مختلفة أيضاً، فيها كثير من الإيقاع البطيء، رغم تحول الحياة من البادية إلى الحاضرة، إلا أن الحياة بقيت في المدينة تسيل بطيئة مملة. وحتى إلى زمنٍ قريبٍ منا، كان الزمن راكداً لا يتحرك، والوقت يمرُّ بطيئاً في النهار وفي الليل، ومنابع المتع قليلة جداً، حيث لم ينشغل العقل كثيراً بالتقنيات الحديثة وتفاصيلها، ذلك أنَّ مرحلة ما قبل «السوشيال ميديا» كانت تسمح للشعراء بأنْ يتحدثوا كثيراً، ويُسمح لهم في بعض المرَّات بأنْ يصلوا إلى مرحلة الهذيان، إذ لا منافس مهم للشعراء في تلك الأيام، أيام الخمسينات، وحتى ما قبل الألفين بقليل، فهم النجوم، أو ما يُسمَّون الآن «بلوكرات».
فقد كان لهؤلاء الشعراء جمهورهم الذي لا يشغله شيءٌ عن نجمه الشاعر، فيتابعه ويقرأ له، ويبقى يستمتع بنصه الطويل، وذلك للوقت الطويل الذي يتمتع به القارئ والكاتب معاً، وبهذا فقد كان الشعراء جزءاً أساسياً من تمثيل عصرهم البطيء، وهذا ليس حكماً قدر ما هو توصيف للأجيال التي مرَّت علينا. أما هذه الأيام، فنادراً ما نحظى بنصٍ طويلٍ لأحدٍ من الشعراء، بل حتى الشعراء الذين كان لهم نمط معين من الكتابة، استطاعت مواقع التواصل الاجتماعي أنْ تسحبهم إلى منطقتها، وتفرض عليهم شروط الكتابة، دون أنْ تصرح بذلك. وبهذا، فإن نمط الكتابة خاضع لنمط الحياة التي نعيشها، وإنَّ الزمن هو الذي يفرض شروطه الإبداعية على الشاعر، وعلى شكل كتابته ومزاجها ومناخها. وكما لكل طريقة محاسنُها ومساوئها، فإنَّ هذه الطريقة في الكتابة لها أيضاً ما لها، وعليها ما عليها، فالتكثيف والإيجاز من خصائص البلاغة، وبالمران الدائم على كتابة عددٍ محددٍ من الأبيات سيتعود المزاج الشعري على تأهيل العقل الشعري على كتابة معينة، بأبياتٍ أو مقاطع محددة فقط، دون أنْ تسمح له بالاستطرادات، أو الحشو اللغوي الزائد (وهذا لا يعني أنَّ النصوص الطويلة عبارة عن هذيانات، بل إنَّها تمثل تجربة معينة من تجارب مبدعينا في طريقها إلى الانقراض)، فضلاً عن أن المقاطع الصغيرة سهلة الحفظ والتداول، وهي تُشبه إلى حد ما في تراثنا الرباعيات، أو الشوارد، أو اليتيم (البيت الذي يُقال ولم يثنِ عليه أحد، فيسير في الركبان بيتٌ واحد ٌ أو بيتان).
أما الملاحظات التي يمكن أنْ تُسجَّل على هذا النمط من الكتابة، فهي غياب المهارة الشعرية التي تتجلَّى في القصيدة عادة، وليس في المقطع الشعري، ذلك أنَّ المقطع الشعري يمثل استجابة سريعة لحادثة ما، أما القصائد فإنَّها تمثل وجهة نظر الشاعر إزاء الحياة والكون والدين بشكل عام. وبهذا، فإنَّ التعود على الكتابة بهذه الطريقة سيحرمنا من الاطلاع على وجهات نظر الشعراء التي لا تمثلُّها المقاطع السريعة التي فرضتها مواقع التواصل الاجتماعي على مزاج الكتابة ونمطها، كما أن أحد العيوب أيضاً يتمثل في أنَّ الكتابة تروُّضها مواقع الإنترنت، وهي تُشبه الرقيب سابقاً، ذلك أنَّ كثيراً من الشعراء كان يصرَّح بأنَّه يكتب قصيدته وبين حروفه وجه الرقيب متسللاً، حاذفاً أو مضيفاً، نظراً للظروف السياسية أو لسياسة الصحيفة أو المجلة، أو الدولة بشكل عام. وبهذا، يتحوَّل «الأنترنت» الذي فتح أبواب الحرية سريعاً للجميع إلى جهة ضاغطة على الكاتب في أنْ يُلقي حمولته بأخف ما يستطيع، وما «تويتر» إلا نموذج هائل لهذا النمط من الكتابة. وهنا، تذكرتُ ما قاله لي أحد الأصدقاء ينصحني بألا أنشر قصائدي الطويلة -نسبياً- على «فيسبوك»، مقترحاً أن أقطع جسد القصيدة إلى مقاطع صغيرة لكي تُقرأ ولا يهرب منها القارئ.



مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
TT

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكُتّاب والقُرَّاء، الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة، التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً في صناعة الأدب والثقافة.

وأقيم المهرجان خلال الفترة من 9 إلى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي، وفيه قدمت الهيئة للزائر مشهداً ثقافياً متحركاً في الهواء الطلق ما بين الأدب، والفن والمورث، بالإضافة إلى الحكايات والقصص التي شارك فيها الزوار، واحتضن متنزه «الردف» 270 فعالية المهرجان، بحضور نخبة من رواد الأدب في العالم العربي.

الفنون الشعبية التي تشتهر بها مدينة الطائف وعموم منطقة مكة كانت حاضرة بقوة (الشرق الأوسط)

سيرة مدينة وذاكرة المرأة

في أحد ممرات المهرجان جلست سيدات الطائف إلى جوار عملهن من المشغولات اليدوية والملابس التقليدية التي تبرز تنوع ثقافة اللبس لدى المرأة في الطائف واختلافه من موقع إلى آخر، حيث عرضن منتجاتهن التي تحكي سيرة مدينة وذاكرة المرأة، من خلال 20 منصة أعادت الاعتبار للحرفة بوصفها ثقافة ملموسة، لا تقل أثراً عن النص المكتوب.

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

الكتب المعلقة

بينما يرسل ممر «الكتب المعلقة» رسائل تؤكد على أن القراءة والكتاب ينطلقان في فضاء مفتوح دون قيد أو شرط عبر مجسمات تُرى من بعيد، لكنها تُقرأ من الداخل، فتذكّر الزائر بلغة شاعرية أن المعرفة ليست رفوفاً مغلقة، بل حضور يومي في المكان العام.

ومن خلال الجداريات نقرأ جانباً من سيرة الطائف الأولى، تستعرض من خلالها المدينة الجبلية أجمل مصائفها؛ جبل الهدا، وبساتين الورد، وسوق عكاظ، لا بوصفها معالم جامدة، بل مشاهد حية يشارك الزائر في تشكيلها، في تجربة تمحو المسافة بين الفن والمتلقي، وتمنح المدينة فرصة في أن تُروى بأيدي أهلها.

الفن والموسيقى

من مزايا مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف التنوع في مسارات الأدب والفنون؛ إذ أقيمت كثير من الحفلات الغنائية على المسرح الرئيسي، ومنها حفل فرقة «هارموني عربي» المصرية التي قدمت أمسية غنائية استقطبت جمهوراً واسعاً، وقدمت خلالها مزيجاً متناغماً من الألحان العربية بصيغة معاصرة، عززت حضور الموسيقى بوصفها لغة مشتركة، ومكوناً أصيلاً في الفعل الثقافي الذي يقدّمه المهرجان.

كما شكلت تفعيلة «منصة الفن» في منطقة «الدرب» مساحة لالتقاء الأدب بالموسيقى، عبر 3 منصات قدمت عروضاً غنائية لفنانين سعوديين صاعدين، في تجربة تفاعلية تعكس تنوع المواهب، وتفتح المجال أمام الأصوات المحلية للظهور ضمن مشهد ثقافي جامع.

الشعر والمحاورة

وفي خطوة فريدة لم يأتِ الشعر على هيئة منصة تقليدية، بل تسلل «بين الطرق»، حيث استمع الزائر لصوت موسيقي، ونصٍ يُقرأ، وشاهد ذاكرة تُحفظ قصائد فصيحة ونبطية، لأسماء معروفة، قُدّمت في أداء حي، مدعومة بالتقنية، لتستعيد القصيدة مكانها الطبيعي بين الناس بشكل جميل يلفت الزائر ويدفعه للإنصات.

وحضر شعر المحاورات بقوة؛ إذ شهدت أمسياته تفاعلاً جماهيرياً لافتاً، شارك فيها شعراء سعوديون قدموا نصوصاً ارتجالية تنوعت موضوعاتها بين الاجتماعي والوطني والتراثي، في تجربة أعادت للشعر حضوره الحي بوصفه مساحة للحوار والمنافسة الذهنية، وقربته من المتلقي بعيداً عن الإلقاء التقليدي.

«الحكواتي» فكرة استقطبت الصغار لمعرفة الكثير من الحكايات التاريخية والأدبية (الشرق الأوسط)

المسرح

تنوّعت العروض المسرحية، بين التفاعلي والكوميدي، في حين خُصص للأطفال عالمهم الخاص، عبر مسرح «الحكواتي»، حيث تعلّم الصغار أن القصة ليست سماعاً فقط، بل مشاركة وخيال وبدايات وعي.

وفي المسار المسرحي، قدم المهرجان برنامجاً متنوعاً عبر 5 مسارح، شملت عروضاً تفاعلية وفكرية واجتماعية، من بينها مسرحية «سيف ودلة وطين» التي استحضرت رمزية الأدوات التراثية في تشكيل الهوية الوطنية، كذلك «الكتاب المسروق» التي قدمت رسالة عن قيمة المعرفة وحماية القراءة، إلى جانب أعمال فلسفية وكوميدية لامست تحولات الإنسان والعلاقات عبر الأزمنة، مؤكدة قدرة المسرح على الجمع بين المتعة والتأمل.

تنوع الفعاليات كان أحد العوامل في استقطاب الزوار للمهرجان (الشرق الأوسط)

رموز الأدب

وربطت هيئة الأدب الماضي بالحاضر في مسارات مختلفة، ومنها مسار الذاكرة؛ إذ شكلت فعالية «أدباء عبر التاريخ» في مسارات المتنزه حالة فريدة بوصفها جولة سردية تستحضر رموز الأدب السعودي الذين أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي الوطني، من الشعر والصحافة إلى الفكر والمسرح.

وقدّمت الفعالية سيراً مختصرة لأسماء راسخة، أعادت للزائر صورة جيلٍ مهّد للحركة الأدبية الحديثة، وربط الحاضر بجذوره الثقافية.

ومن الأسماء الأمير الشاعر عبد الله الفيصل، والكاتب عبد الله نور، والأديب محمد حسين زيدان، وأحمد السباعي رائد الصحافة والمسرح الحديث، وحسين سراج أحد روّاد المسرح السعودي، وعصام خوقير الطبيب الأديب، وسعد البواردي صاحب زاوية «استراحة داخل صومعة الفكر»، وإبراهيم خفاجي الشاعر الذي ارتبط اسمه بالنشيد الوطني السعودي، وطاهر زمخشري رائد أدب الطفل، ومحمد حسن عواد أحد روّاد التجديد الأدبي، ومحمد سعيد خوجة الرائد في طباعة كتب التراث.

ومع ختام مهرجان «الكتاب والقراء»، أكدت مدينة الطائف مكانتها الثقافية، حيث تُعدّ أول مدينة سعودية تنال عضوية منظمة «يونيسكو» للمدن الإبداعية في مجال الأدب، فلم يكن المهرجان مجرد «روزنامة» فعاليات تضاف إلى التقويم الثقافي، بل كان امتداداً لصوت قديم ما زال يتردد في فضاء الطائف، منذ كانت الأسواق تُقام للشعر والأدب، وقد أعادت هيئة الأدب والنشر لمتنزه «الردف» بريق الحكايات للتاريخ والمستقبل.

سيدات من الطائف يشاركن من خلال مشغولاتهم اليدوية للتعريف بالكثير من الملبوسات (الشرق الأوسط)


قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
TT

قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)

لا يُعدّ قضم الأظافر، ونتف الجلد مجرد ردود فعل لا إرادية، بل يُنظر إليهما بوصفهما آليتين للبقاء، وذلك وفقاً للتحليل النفسي لعاداتنا اليومية.

ولا يوجد سبب واحد واضح لقضم الأظافر، إلا أن هناك عدة نظريات تفسّر هذه العادة. وتشمل النظريات بدء هذه السلوكيات على أنها وسيلة للتأقلم مع المشاعر الصعبة، أو الشعور بالملل، أو الحاجة إلى إشغال اليدين، فضلاً عن إمكانية وراثة هذه العادة من الوالدين، بحسب ما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وقد تبدو هذه السلوكيات غير منطقية، أو غير صحية، بل، ومؤلمة أحياناً. إلا أن الدكتور تشارلي هيريوت-ميتلاند، اختصاصي علم النفس السريري، يشير إلى أننا طوّرنا ما يصفه بـ«الأضرار البسيطة» بوصفها وسيلة لحماية أنفسنا.

وقال هيريوت-ميتلاند لصحيفة «إندبندنت»: «من خلال إحداث إحساس جسدي بسيط، يستطيع الجسم تحويل تركيزه فوراً إلى الجانب الجسدي، مما يساعد على تخفيف التوتر، واستعادة الشعور بالسيطرة». وأضاف: «وهذا يبقى أفضل من البديل، المتمثل في فقدان السيطرة أمام المشاعر الجارفة».

وينقسم كتابه الجديد: «الانفجارات المُتحكَّم بها في الصحة النفسية»، إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: التخريب الذاتي، والنقد الذاتي، وإيذاء الذات. وقد تشمل هذه السمات سلوكيات يومية، مثل تجاهل صديق جديد، أو السعي إلى الكمال، أو قضم الأظافر.

وأوضح أن نتف الجلد، وقضم الأظافر يُعدّان من الأشكال الأخف لإيذاء النفس، والتي قد يسهل على الناس استيعابها، في حين تُعتبر المشكلات الأكثر خطورة، مثل الجروح، أو اضطرابات الأكل، أشكالاً أشد حدة. وأعرب الدكتور عن أمله في أن تساعد مناقشة عادات شائعة -ومنها قضم الأظافر ونتف الجلد- الناس على فهم أشكال أخرى من إيذاء النفس التي غالباً ما تُوصم بالعار.

وأضاف: «عندما تُسبّب لنفسك ألماً عبر شدّ الشعر، تشعر براحة فورية بعد ذلك، وكأنك تُحفّز إفراز الإندورفين الطبيعي في جسمك».

ومع ذلك، شدد على أنه لا ينبغي اللجوء إلى هذه السلوكيات فقط من أجل الشعور بالراحة السريعة، بل ينبغي فهمها أيضاً بوصفها وسيلة دفاعية لحماية النفس.

وقال: «الدماغ آلة مصممة للبقاء؛ فهو ليس مبرمجاً لتحقيق أقصى درجات السعادة أو الرفاهية، بل للحفاظ على حياتنا»، مضيفاً: «إنه يحتاج إلى العيش في عالم يمكن التنبؤ به، ولا يحب المفاجآت، ولا يرغب في أن نُفاجأ».

وتعمل هذه الآلية الوقائية وفق مبدأ أساسي مفاده بأن الدماغ يُفضّل التعامل مع تهديد معروف، ويمكن السيطرة عليه، بدلاً من مواجهة احتمال تهديد مجهول، وخارج عن السيطرة.

وتستند الأسس العلمية لهذه النظرية إلى طريقة تطور الدماغ البشري، الذي كان يركّز في المقام الأول على البقاء لا على تحقيق السعادة. فالدماغ مُبرمج فطرياً على رصد الخطر في كل مكان، وهو ما ساعد الجنس البشري على الاستمرار. إلا أن ذلك يعني اليوم أننا أصبحنا أكثر حساسية لأي أذى محتمل، سواء كان جسدياً أو نفسياً.

وفي كثير من الحالات، قد يكون الأشخاص الذين يمارسون عادات مثل قضم الأظافر قد بدأوا بها في مرحلة مبكرة نتيجة الشعور بالقلق، قبل أن تتحول مع الوقت إلى سلوك مكتسب ومتكرر، بحسب ما أشار إليه الدكتور هيريوت-ميتلاند.

ورغم توافر نصائح عملية للتقليل من قضم الأظافر، مثل استخدام مستحضرات مخصّصة، أكد هيريوت-ميتلاند أنه لا توجد حلول سريعة، أو فورية.

وبدلاً من ذلك، شدد على ضرورة فهم الوظيفة النفسية لهذه السلوكيات، والمخاوف الكامنة خلفها، عوضاً عن الاكتفاء بمحاولة التخلص منها دون معالجة جذورها.


بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
TT

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة، وترتكز أحياناً على ممثلين غير محترفين، ما أسهم في ترسيخ مفهوم «السينما الواقعية الجديدة» وتأثيرها الاجتماعي.

وقد استقطبت الأفلام الكلاسيكية جمهوراً واسعاً من محبي السينما الإيطالية، ممهورة بأسماء رائدة في عالم الإخراج، مثل فيديريكو فيلّيني، ولوتشينو فيسكونتي، لتغدو مدارس سينمائية قائمة بذاتها تركت بصمتها الواضحة على الشاشة الذهبية.

وتستضيف بيروت للسنة الثانية على التوالي «مهرجان الفيلم الإيطالي»، الذي ينظمه «المركز الثقافي الإيطالي» بالتعاون مع «جمعية متروبوليس للسينما». وينطلق في 21 يناير (كانون الثاني) ويستمر حتى 30 منه، حيث تفتح سينما متروبوليس في منطقة مار مخايل أبوابها مجاناً أمام هواة هذا النوع من الأفلام.

فيلم «بريمافيرا» يفتتح فعاليات المهرجان (متروبوليس)

يُفتتح المهرجان بفيلم «بريمافيرا» للمخرج دميانو ميشيليتو، وهو عمل تاريخي ــ درامي من إنتاج عام 2025، تدور أحداثه في البندقية خلال القرن الـ18 حول عازفة كمان موهوبة في دار أيتام تُدعى سيسيليا، يكتشف موهبتها الموسيقي الشهير أنطونيو فيفالدي ويصبح معلمها. ويستكشف الفيلم موضوعي الموسيقى والحرية، وهو من بطولة تيكلا إنسوليا وميشيل ريوندينو، ومقتبس من رواية «Stabat Mater» لتيزيانو سكاربا.

تشير نسرين وهبة، المشرفة على تنظيم المهرجان في جمعية متروبوليس، إلى أن معظم الأفلام المعروضة هي من الإنتاجات الحديثة التي أُنتجت وعُرضت في إيطاليا خلال العام الماضي، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط» أن المهرجان يضمُّ 10 أفلام مختارة لتلائم أذواق رواد السينما الإيطالية على اختلافها.

وتضيف نسرين وهبة أن الإقبال اللبناني على هذه الأفلام يعود إلى ندرة عرضها في الصالات المحلية، ما يجعل المهرجان فرصة لاكتشاف موجة جديدة من السينما الإيطالية الموقّعة من مخرجين معاصرين.

وعلى مدى 10 أيام، تُعرض أفلام عدة، بينها «أون أنو دي سكولا» (عام دراسي)، و«تيستا أو غروسي» (صورة أم كتابة) للمخرجين لورا سماني وأليكسيو ريغو دي ريغي وماتيو زوبيس، وهي أعمال تُعرض للمرة الأولى في لبنان.

ومن الأفلام المشاركة أيضاً «جيو ميا» (فرحتي) لمارغريتا سباميناتو، الذي يروي قصة نيكو، فتى نشأ في عائلة علمانية في عالم حديث ومتصل بالتكنولوجيا، يُجبر على قضاء الصيف في صقلية مع عمته المتديّنة في قصر قديم معزول عن مظاهر الحداثة، لتنشأ بينهما علاقة متحوّلة تتأرجح بين الماضي والحاضر، والعقل والإيمان. كذلك يُعرض فيلم «لافيتا فا كوزي» (الحياة تمضي على هذا النحو) لريكاردو ميلاني، الذي يتناول صراعاً بين راعي غنم ورجل نافذ يسعى للاستيلاء على أرضه الساحلية.

يُختتم المهرجان مع فيلم «سوتو لو نوفيلي» (متروبوليس)

ويُختتم المهرجان بفيلم «سوتو لو نوفيلي» (تحت الغيوم) للمخرج جيان فرانكو روزي، الذي سبق أن صوّر فيلماً وثائقياً في لبنان. ويتناول العمل معالم أثرية بين مدينتي فيزوف وخليج نابولي، حيث تتقاطع حياة السكان والمصلّين والسياح وعلماء الآثار. ويتابع الفيلم تنقيبات فريق ياباني في فيلا أوغسطيا، إلى جانب مشاهد من أطلال بومبي وكنيسة مادونا ديل أركو، في سرد بصري يستحضر الماضي بوصفه عالماً لا يزال حياً.