برامج «المجتمع العلاجي للمدمنين»

التجربة السعودية مشجعة وواعدة ونتائجها مبهرة

برامج «المجتمع العلاجي للمدمنين»
TT

برامج «المجتمع العلاجي للمدمنين»

برامج «المجتمع العلاجي للمدمنين»

إعادة تأهيل مدمن المخدرات مرحلة لا تقل أهمية عن المرحلة الرئيسية في العلاج من الإدمان، وإنما تعدّ مكملة لها، فلا تُساوي مرحلة العلاج من إدمان المخدرات شيئاً في حال أُصيب المدمن بانتكاسة تجعله يرتد مرة أخرى لطريق الإدمان، وهو ما يتكرر عادة مع أغلب المدمنين الذين لم يحالفهم الحظ للحصول على برنامج إعادة تأهيل صحيح ينقذهم من هذا المصير.
- برامج علاجية
يعدّ برنامج «جسور أميركا Bridges of America (BOA)» أحد البرامج القوية داخل سجون فلوريدا بأميركا، إن لم يكن أكبرها وأقواها، وقد ابتدأ عام 1980 لتوفير استمرارية الرعاية وإعادة التأهيل في برامج علاج سوء استخدام المواد المخدرة، ويفتخر بنجاحه في خفض نسبة عودة المدمنين للسجن في غضون أول سنتين إلى 20 في المائة فقط بين المستفيدين من برنامج «جسور أميركا» بعد أن كانت مرتفعة (85 في المائة).
كما يعدّ «برنامج الحرية» في جمهورية مصر العربية أقدم برنامج «مجتمع علاجي» في العالم العربي؛ ويعود إلى عام 1991، حيث بدأ في شقة صغيرة على سطح بناية في حي المنيل بالقاهرة في مصر، وتطور منها إلى 34 مركزاً موزعة على طول البلاد وعرضها، ويضم 1055 سريراً يستفيد منها كل عام ما يزيد على 4 آلاف مدمن.
وفي السعودية، يعدّ «قويم» تجربة سعودية متفوقة في مجال «المجتمع العلاجي للمدمنين» من ناحية جودة وفاعلية البرنامج فوق مثيلاتها في العالم. ويعود ذلك إلى عامي 2012 و2014، حين انضمت مجموعة رائدة من المملكة للدورات التدريبية التي يقدمها «برنامج الحرية» في مصر، وبعد عودتهم أنشأوا شركة أطلقوا عليها اسم «قويم» وطبقوا فيها مفاهيم «برنامج الحرية» داخل سجون الرياض وجدة. وأضحت نسبة انتكاسة العلاج (وفقاً لتصريح اللواء ماجد الدويش مدير سجون منطقة مكة المكرمة) صفراً في المائة بين المستفيدين من المجتمع العلاجي في سجن بريمان بجدة بالمملكة بفضل تطبيق تجربة إعادة تأهيل المدمنين في سجن بريمان من خلال ما يسمى «المجتمع العلاجي (therapeutic community)» وتطبيق أحدث برامج العلاج في قسم «إشراقة» وقسم «الثقة» بداخل السجن العتيد في جدة، والذي يضاهي؛ بل ربما يفوق، ما يحدث في البلاد الصناعية الكبرى.
فما المجتمع العلاجي للإدمان؟ ومتى وأين كانت بداياته؟ وما معاييره؟ وما مبادئه؟
- المجتمع العلاجي
استضافت «صحتك» مدير ومؤسس «برنامج الحرية من الإدمان» بجمهورية مصر العربية الدكتور إيهاب الخراط استشاري الطب النفسي، والحاصل على الدكتوراه في طب نفس الإدمان من جامعة كِنت بإنجلترا، عضو مجلس إدارة الاتحاد العالمي للمجتمعات العلاجية في نيويورك، والتجمع العالمي للتعامل مع التعاطي والإدمان في ريدنغ بإنجلترا، فأوضح في البداية أن «المجتمع العلاجي»، كما عرفه الدكتور جورج دي ليون (George De Leon) أبرز الباحثين المعاصرين في هذا المجال ومدير «مركز أبحاث المجتمع العلاجي» بجامعة نيويورك، هو مدخل لتغيير حياة من يعانون من اضطرابات سلوكية من خلال استخدام مجتمع صغير من البشر بوصفه «أداة التغيير الأساسية»؛ أي إن «الطبيب ليس له الدور الأساسي، ولا المعالج النفسي، ولا حتى المريض الفرد نفسه، بل المجتمع الصغير الذي يحيا معه هو أداة التغيير الأساسية. المجتمع الصغير الذي يقيم فيه الفرد هو (المعالج). والمثال الرئيسي للمجتمع العلاجي اليوم هو مراكز تأهيل المدمنين، لكن تطبيقاته أيضاً تشمل المجتمعات العلاجية للأحداث الجانحين أو الناجين من الصدمات أو المتعافين من أمراض نفسية مختلفة أو حتى من أمراض بدنية».
ويضيف الدكتور الخراط أن «معايير المجتمع العلاجي، كما يصفها الاتحاد العالمي للمجتمعات العلاجية، تتضمن: الإقامة بمدة محددة، ومراحل لها أهداف محددة ومكتوبة، وجدول يومي وجدول أسبوعي ثابت ومعروف ويلتزم به الجميع. على أن تكون للمجموعات دور أساسي لا يمكن الاستغناء عنه (أنشطة مجموعاتية لا تقل عن 6 ساعات يومياً وأحياناً من 8 إلى 10 ساعات يومياً).
ومن مبادئ المجتمع العلاجي الأساسية مبدأ المساواة لكل «عضو» في المجتمع العلاجي، ابتداء من المدير المطالب ببذل الجهد للنمو والتغيير، وأن يكون قدوة للآخرين. وكل عضو، حتى الجدد، يشارك مشاركة فاعلة وإيجابية في الأنشطة ويكون له دور في عملية تغيير الآخرين، كأن يقدم مساعدة عملية، وترحيباً بالجدد، والإنصات لهم ومساندتهم. وهناك عنصر آخر أساسي؛ هو وجود «فلسفة» يتم تطبيقها في المكان من خلال محاضرات أو دروس، وأيضاً من خلال القدوة. وهناك قواعد ولوائح واضحة ومكتوبة، يتم شرحها والتمسك بها باستمرار وتطبق على الجميع. هذه هي إذن محددات المجتمع العلاجي وخصائصه، ولو غاب واحد من هذه المعايير فلا يكون المكان مجتمعاً علاجياً.
أهمية برامج التأهيل
يقول الدكتور الخراط إن دراسة «البرنامج البحثي لتعاطي المخدرات Drug Abuse Reporting Program (DARP)» في الولايات المتحدة الأميركية – وهي دراسة رائدة استمرت في متابعة 40 ألف متعاطٍ لمدد تصل إلى 12 سنة - «أظهرت أن علاج الأعراض الطبية والنفسية لإدمان المخدرات من دون إعادة تأهيل لا يحقق الامتناع المستقر (أكثر من سنتين من دون تعاطٍ) إلا في اثنين في المائة من الحالات، بينما إعادة التأهيل؛ سواء في صورة إعادة التأهيل الاجتماعي (المجتمعات العلاجية)، أو العيادات الخارجية الخالية من المخدرات (ومن أمثلتها وأكثرها تطوراً البرنامج المعروف باسم «ماتريكس» Matrix Model)، تحقق الامتناع المستقر عن التعاطي بنسب حول 65 في المائة من الحالات في المتابعة حتى 6 سنوات. وتوالت الأبحاث في دراسات تتبعية كبيرة في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا وقليل من الدراسات الكبرى في بلاد أخرى لتظهر النتائج نفسها حتى عام 2015».
- التعامل مع الإدمان
قسّم الدكتور إيهاب الخراط مراحل التعامل مع الإدمان، الذي يستهدف الامتناع عن التعاطي، إلى مرحلتين:
- المرحلة الأولى: علاج أعراض الانسحاب وهي الأعراض الجسدية والنفسية التي يعاني منها المتعاطي فور التوقف عن استعمال المادة المخدرة، وهي تستمر من يومين إلى 5 أيام في حالة الأفيونيات (ومنها الهيروين)، وإلى 10 أيام أو أكثر في حالة عقاقير أخرى (مثل المهدئات). وهذه المرحلة طبية بحتة، وتُستخدم فيها مجموعة من الأدوية لعلاج الآلام والإسهال والأرق والتوتر أو الهياج وتفادي حدوث نوبات صرعية أو علاجها متى حدثت، وربما تخفيض الرغبة الشديدة في التعاطي أثناء هذه الفترة. ومع أن بعض المرضى يمكنهم اجتياز هذه الفترة في المنزل، فإن معظمهم يفضل الدخول إلى مركز لعلاج أعراض الانسحاب (ديتوكس) بإرادتهم أو بناء على النصيحة الطبية.
- المرحلة الثانية: هي إعادة التأهيل، وتتعدد طرق إعادة تأهيل المدمنين (Drug Rehabilitation) بين النموذج الطبي (Inpatient or Medical Model Specialized)، والنموذج الاجتماعي أو التأهيل الاجتماعي (Social Model or Therapeutic Communities or Drug Rehabilitation)، ومداخل أخرى للرعاية اللاحقة. وتُسمى مراكز التأهيل الاجتماعي أيضاً «المراكز المجتمعية (Community Based)»، تمييزاً لها عن المراكز الطبية أو المستشفيات (Hospital Based).
بيوت «منتصف الطريق»
أوضح الدكتور الخراط أن التأهيل الاجتماعي يتضمن، أيضاً، ما تُسمى «بيوت منتصف الطريق»، «وهي أماكن سكن آمن من المخدرات، ولها نظام خاص، يذهب إليها المدمن الذي أتم العلاج الطبي، ويظل فيها قبل أن يعود لمنزله. والتأهيل الاجتماعي هذا يتضمن جدولاً يوميّاً من الأنشطة الاجتماعية والتثقيفية والروحانية، ومنها: مجموعات التأمل، والمشاركة والمساندة الذاتية، ودراسات التعافي، وفترات العمل، والمشاركة في إدارة المكان والنظافة الشخصية، ومجموعات منع الانتكاسة، والرياضة، واستخدام الفن والموسيقى... وغيرها».
يدير التأهيل الاجتماعي عادة مدمنون متعافون توقفوا عن التعاطي مدة طويلة (سنتان أو أكثر في المعتاد)، ويحصلون على تدريب أكاديمي (من 70 إلى 370 ساعة دراسية للمستوى الأول) وتدريب عملي (سنة على الأقل تحت التدريب). ولا تحتاج مراكز التأهيل الاجتماعي إلى إشراف طبي مكثف، وتظهر الدراسات أن نسبة العاملين في هذه المراكز من المدمنين السابقين المدربين يُستحسن أن تتراوح بين 60 و80 في المائة، بينما يحتل المهنيون الآخرون بمن فيهم الأطباء والاختصاصيون الاجتماعيون، وأحياناً القادة الدينيون وحتى المحاسبون والطهاة، ما بين 20 و40 في المائة من طاقم العمل. حيث يُعتَقَد أن العاملين في هذه المراكز يمثلون قدوة وأملاً في التغيير للمدمن الذي يكون في مرحلة صراع داخلي شديدة، كما أن قدرتهم على المواجدة (الإحساس بالمدمن وفهم رؤيته لنفسه وللعالم) تكون أعلى، وقدرتهم على تدريبه على مهارات الحياة أكثر تأثيراً. كما أن وجود نسبة من المهنيين من غير الخلفية الإدمانية يفيد في تحقيق الاستقرار وتجنب بعض الأزمات داخل هذه المراكز.
- التأهيل الاجتماعي
لقد استقر الرأي على أن تعاطي المخدرات والاعتماد عليها (الإدمان) هو مشكلة طبية ونفسية واجتماعية. ويمكن إيجاز التعامل مع تعاطي المخدرات والإدمان، كما سبق، في مرحلتين أساسيتين: مرحلة طبية، ومرحلة تأهيل قد يكون «طبنفسي» وقد يكون تأهيلاً اجتماعياً.
والتأهيل الاجتماعي أكثر شيوعاً، وفي معظم دول العالم يتبع إشرافه أجهزة الخدمات الاجتماعية، حيث توجد خدمات إسكان وفي أحيان أخرى خدمات تدريبية. وأحياناً يتبع هيئات دينية ويتم إدراجها تحت اسم «الخدمات الاجتماعية للهيئات الدينية». وهناك القليل من الدول، مثل سويسرا، تخضع فيها هذه الهيئات لإشراف وزارة الصحة، ليس بوصفها منشآت طبية؛ بل «مراكز تأهيل اجتماعي» يتم مرور تفتيش صحي عليها. وفي بعض الفلسفات العلاجية مثلاً يتم استخدام لفظ «المدمن السابق (ex - addict)» بينما يصر مَن يتبنون برامج الخطوات الاثنتي عشرة على أن التعافي رحلة نمو وتغيير تستغرق العمر كله فيفضلون لفظ «المدمن المتعافي». وهناك أوساط علمية كثيرة تستخدم تعبير «المستخدمين السابقين للمخدرات».
ومن أمثلة المجتمعات العلاجية التقليدية للتعامل مع الإدمان في المملكة المتحدة: «فينكس هاوس (Phoenix House)»، و«ألفا هاوس (Alpha House)»، و«مجتمع لي (Lee Com)»؛ وبعضها موجود في أماكن أخرى من العالم. أما مجتمعات «السامري» و«داي توب»، فهي الأشهر في الولايات المتحدة.
- أهداف رئيسية
ويختتم الدكتور إيهاب الخراط حديثه بأن «جميع البرامج تتفق على أهداف رئيسية هي: الإقلاع التام عن تعاطي المخدرات، والعودة إلى عمل منتج وإلى علاقات طبيعية في محيط العائلة وخارجها، والحد الأدنى من الشعور بالرضا والاستمتاع بالحياة دون تعاطي المخدرات. ومع اشتراكها أيضاً في ضرورة وجود هدف يتجاوز مجرد هذه الأهداف الثلاثة المذكورة، فهناك هدف رابع وهو النمو النفسي أو (الروحي) الشخصي والذي يُعرف بـ(برنامج الـ12 خطوة) وتحكمه برامج متباينة حسب (الفلسفة). ويعدّ النمو الروحي تحسين التواصل الواعي مع الله والدعاء لمعرفة مشيئته تعالى وتنفيذها، بينما تعتمد البرامج الأكثر علمانية أهدافاً متعلقة بخدمة المجتمع والوعي وبالكون والطبيعة وتطبيق المبادئ الإنسانية. تتبنى المجتمعات العلاجية ذات الطبيعة الدينية أهدافاً دينية صريحة متعلقة بالتقوى والحياة الملتزمة بالمبادئ الدينية، وحتى أهدافاً متعلقة بالآخرة. ولعل أهم التباينات تنبع من اختلاف الفلسفة أو المحتوى التعليمي والتثقيفي الذي تقدمه».
تختلف الفلسفات في برامج تأهيل المدمنين، ويعزو بعض العاملين فيها قوة النتائج للفلسفة المتبعة. على أن الدراسات تُظهر أن هناك عناصر أخرى غير «الفلسفة» قد تكون أكثر تأثيراً في النتائج. فعند دراسة 15 برنامجاً لإعادة التأهيل، وُجد أن البرامج التي تحظى بنتائج أفضل من غيرها هي البرامج ذات الهدف الواضح، والتي تنمي المهارات الاجتماعية والوظيفية، والتي تركز على الروحانيات. كما أشارت دراسات أخرى إلى أهمية المتابعة والرعاية اللاحقة بعد ترك مراكز التأهيل.
وهناك، أيضاً، عناصر عدة يجب توافرها في المجتمعات العلاجية لرفع نتائج التعافي، كما جاء في دراسة قام بها العالم الشهير في هذا المجال رودلف مووس (Rudolf Moos) وتتضمن: وضوح البرنامج، وتقديم الدعم والاهتمام، والاندماج (عدم الملل)؛ أي أن يكون البرنامج حيويّاً وجذاباً ومهتما بالمشكلات الشخصية مثل الاهتمامات بالعلاقات، والمشكلات الجنسية، والمشكلات القضائية، والمشكلات العملية، والمساعدة في الالتحاق بعمل أو دراسة... إلخ.
وختاماً؛ يشيد الدكتور الخراط بـ«النتائج المبهرة في سجون السعودية، وهي تعود ليس فقط إلى البيئة المنظمة النظيفة هناك؛ بل إلى توافر العناصر السابق ذكرها. وهذه التجربة، وإن كانت لا تزال في سنواتها الأولى وتستلزم متابعة علمية أكثر دقة، نتائجها الأولية والانطباعات المبدئية عنها مشجعة وواعدة».
- استشاري «طب المجتمع»


مقالات ذات صلة

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

صحتك فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
TT

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب. ولذا تُعدّ هذه العناصر في دمك بمثابة مؤشر على صحة قلبك.

نهج استباقي

ويُعتبر إجراء فحوصات الدم لفهم خطر إصابتك بمرض الشريان التاجي نهجاً استباقياً للحفاظ على صحة قلبك. ولذا من المفيد جداً التعاون مع طبيبك لفهم نتائجك وتحديد الخطوات التالية الأنسب.

ونقدم إليك هنا مزيداً من التوضيحات حول تلك الفحوصات القلبية التي يتم التعرُّف عليها من خلال تحاليل الدم:

1. التروبونين: وهو الاختبار الأكثر شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة الجلطة القلبية. التروبونين Troponin مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف، وهو ما يحدث في أثناء النوبة القلبية وحالات أخرى تتعرض فيها أنسجة عضلة القلب للتلف بفعل الالتهابات العضلية. والتروبونين مركب بروتيني موجود في عضلة القلب والعضلات الهيكلية، وهو يُنظم انقباضها.

وعند تلف عضلة القلب، تُفرز أنواع محددة من التروبونين القلبي في مجرى الدم، ما يجعل فحص الدم أداة تشخيصية أساسية للنوبات القلبية والإصابات والإجهاد. وترتفع مستويات التروبونين عادة خلال 3-4 ساعات من الإصابة، تبلغ ذروتها خلال 12- 48 ساعة، وقد تبقى مرتفعة لمدة أسبوع إلى أسبوعين. ولذا فإن الغرض من إجراء تحليل التروبونين هو قياس مدى حصول تلف في أنسجة عضلة القلب، وخصوصاً في قسم الطوارئ لتشخيص سبب الشكوى من ألم الصدر، الذي من أسبابه القلبية كل من: احتشاء عضلة القلب (نوبة الجلطة القلبية Myocardial Infarction)، والذبحة الصدرية غير المستقرة Unstable Angina، والتهاب عضلة القلب Myocarditis.

ولذا، فإن الأعراض التي تستدعي إجراء الفحص تشمل ألماً في الصدر، وضيقاً في التنفس، ودواراً، وغثياناً، وألماً ينتشر إلى الذراعين أو الظهر أو الرقبة. ويقوم الطبيب بتفسير النتيجة وفق حالة المريض. وفي حين أن المستويات المرتفعة جداً غالباً ما تشير إلى نوبة قلبية، فإن الارتفاعات المتوسطة قد تنتج عن انسداد الجلطة في الشرايين الرئوية Pulmonary Embolism، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم بالالتهابات الميكروبية (الإنتان)، أو إنها نتيجة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. ولذا يتطلب ارتفاع التروبونين إجراء مزيد من التقييم لشرايين القلب، لتحديد ما إذا كان الضرر ناتجاً عن متلازمة الشريان التاجي الحادة Acute Coronary Syndrome أو عوامل أخرى.

2. تحليل الدم دي-دايمر D-DIMAR: ودي-دايمر هي بالأساس بروتينات معينة في الدم يتم فحص مستواها لاستبعاد حصول بعض اضطرابات التخثر الدموي، أي استبعاد وجود جلطة دموية خطيرة. وهي بالأساس شظايا من المركَّبات الكيميائية التي ترتفع نسبتها في الدم عند تحلل خثرة الجلطة الدموية. ولذا قد ترتفع مستويات دي-دايمر في الدم إذا كنت تعاني من جلطة كبيرة داخل أحد الأوعية الدموية الكبيرة في «داخل» الجسم، مثل تخثر جلطة الأوردة العميقة، وهي جلطة في الأوردة العميقة التي في الساقين أو الفخذين، ويمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الرئة إذا انتقلت مع الدم إلى الأوعية الدموية في الرئة (جلطة الانسداد الرئوي).

وحينما يستقبل الطبيب حالة تتضمن تورماً وألماً واحمراراً في إحدى الساقين أو الفخذين (يشتبه بجلطة أوردة عميقة)، أو حالة من الشكوى من صعوبة في التنفس مع سرعة نبضات القلب وألم في الصدر وسعال وانخفاض في نسبة الأكسجين في الدم (يشتبه بجلطة الانسداد الرئوي)، فإن الطبيب ضمن الفحوصات التي يطلبها آنذاك، قد يطلب تحليل الدم لمعرفة مستوى دي-دايمر. وإذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن دمك يحتوي على مستويات منخفضة من بروتين دي-دايمر. ولذا فمن «غير المُرجح» أن تكون مصاباً باضطراب تخثر في مكان ما من جسمك. وإذا كانت النتيجة مرتفعة أو إيجابية، فهذا يعني وجود مستويات عالية من بروتين دي-دايمر في دمك. وسيحتاج الطبيب حينئذ إلى إجراء مزيد من الفحوصات والتصوير لمعرفة ما إذا كانت ثمة جلطة دموية، ومكانها، وسببها.

ومع ذلك سيُراعي الطبيب احتمالات وجود حالات وعوامل قد تؤثر على نتائج اختبار دي-دايمر؛ حيث من الممكن أن يكون مستوى دي-دايمر مرتفعاً دون وجود جلطة دموية. أو قد تكون النتيجة المرتفعة أيضاً نتيجة التقدم في السن، أو الحمل، أو وجود عدوى ميكروبية في الجسم، أو أمراض مزمنة في الكبد، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول والدهون في الدم، أو تناول أدوية ترفع من نسبته في الدم، مثل الأدوية المضادة للصفيحات مثل الأسبرين، وكلوبيدوغريل (بلافيكس)، وبراسوغريل (إفيينت)، وتيكاجريلور (بريلينتا).

مؤشرات خطر

3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: توصي النصائح الطبية ببدء إجراء تحليل الدم لفحص الكوليسترول بين سن 20 و35 عاماً، وذلك اعتماداً على عوامل الخطر الخاصة بك للإصابة بأمراض القلب. ولذا يجب إجراء اختبار الكوليسترول المتكرر أو إجراء مراقبة إضافية أخرى:

- إجراء الاختبار مرة كل 5 سنوات للرجال الذين لديهم مستويات كوليسترول طبيعية.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا حدثت تغييرات في نمط الحياة (بما في ذلك زيادة الوزن والنظام الغذائي).

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تعاني من مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، أو السكتة الدماغية، أو مشكلات تدفق الدم في الساقين أو القدمين أو بعض الحالات الأخرى.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تتناول أدوية للتحكم في ارتفاع الكوليسترول.

ويقدم تحليل الدم المعتاد للكوليسترول والدهون، نتائج 4 عناصر، هي:

- الكوليسترول الثقيل HDL: وهو الكوليسترول الحميد؛ لأنه كلما ارتفع في الدم انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الكوليسترول الخفيف LDL: وهو الكوليسترول الضار؛ لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الدهون الثلاثية TG: وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكوليسترول الخفيف أو انخفاض الكوليسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكوليسترول والدهون في جدران الشرايين.

- الكوليسترول الكلي TC: وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاثة في نتائج تحليل الكوليسترول.

وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكوليسترول دون الحاجة للصوم Non-Fasting. ولكن في متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (عند وجود 3 من المؤشرات التالية: زيادة محيط البطن- ارتفاع الدهون الثلاثية- انخفاض الكوليسترول الثقيل- ارتفاع ضغط الدم- ارتفاع السكر A=في الدم) أو مرض السكري، أو مرضى اضطرابات الكوليسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 و12 ساعة).

4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم BNP: وهذا نوع من البروتينات التي ينتجها القلب والأوعية الدموية، ويُعرف أيضاً بـ«النوع (بي) من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم». والأساس في عمله أنه يساعد الجسم على التخلص من السوائل المتراكمة فيه، وكذلك على إرخاء الأوعية الدموية، وتسهيل نقل الصوديوم إلى البول (كي يسحب معه مزيداً من الماء الخارج في سائل البول).

وفي حال تضرر القلب -وخصوصاً ضعف قوة القلب- يفرز الجسم نِسَباً عالية من النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في مجرى الدم، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على القلب. ويتمثل أحد أهم استخدامات فحص النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في محاولة تحديد ما إذا كان ضيق النَّفَس ناجماً عن فشل القلب أم لا.

تختلف مستويات النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم حسب السن ونوع الجنس والوزن. وبالنسبة للأشخاص المصابين بفشل القلب، يمكن أن يكون إرساء قيمة قاعدية للنوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم نافعاً جداً. وبالتالي، يمكن للاختبارات المستقبلية أن تساعد على تقدير مدى نجاح العلاج، أو مدى الانتكاس في التحكم في تداعيات حالة ضعف القلب. وأهم تلك التداعيات هو تراكم كثير من السوائل في الجسم، وخصوصاً الرئتين والساقين.

أدوات تشخيصية أساسية للنوبات القلبية أو وجود جلطة دموية خطيرة

رصد الالتهابات

5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية us-CRP: وهو بروتين يفرزه الكبد ضمن استجابة الجسم للإصابة أو العدوى. وتؤدي هذه الاستجابة إلى حدوث تورُّم داخل الجسم يُطلق عليه الالتهاب. ويؤدي الالتهاب دوراً رئيسياً في تراكم اللويحات (المحتوية على الكوليسترول والدهون) في الشرايين القلبية، مسبباً ما يُطلق عليه مرض تصلب الشرايين الذي من مظاهره تضيقات الشرايين القلبية وتداعياتها. ويساعد اختبار تحديد معدل البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية في تحديد مدى خطر الإصابة بأمراض القلب، قبل ظهور الأعراض بشكل واضح لدى المريض.

ويرتبط ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والأمراض القلبية.

ولكن قد تُسبب أشياء عدة (مثل الإصابة بنزلة زكام، أو الركض لمسافة طويلة) ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» لفترة وجيزة. ولذا، ينبغي إجراء الاختبار مرتين، على أن يفصل بينهما أسبوعان. ويُشير ارتفاع مستوى البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية عن 2.0 ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

6. تحاليل أخرى: في حالات معينة، قد يطلب الطبيب إجراء تحليل الدم لوظائف الغدة الدرقية TSH، عند الشكوى من الخفقان أو تراكم السوائل حول القلب.

كما قد يطلب تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c، لمعرفة مدى انضباط مستويات سكر الدم لدى مرضى السكري.

وقد يطلب الطبيب قياس مستويات السيراميد Homocysteine في الدم الذي قد يرتبط ارتفاعه بتصلب الشرايين. وأيضاً يتابع طبيب القلب نتائج تحليل وظائف الكلى؛ خصوصاً عند وصفه للمريض أدوية إدرار البول.

وفي حالات المرضى الذين يتلقون دواء منع تجلط الدم، مثل الوارفارين، يتابع الطبيب نتائج تحليل نسبة التخثر الدولية INR لتحديد الجرعة المناسبة من هذا الدواء.وأيضاً إجراء تحليل الدم CBC لمعرفة نسبة الهيموغلوبين ومدى وجود فقر الدم.

وينظم فيتامين «دي» مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم. ولكن ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين «دي» بمخاطر متنوعة على صحة القلب. كما قد تشير المستويات المنخفضة إلى صعوبة تحمل أدوية الستاتين (أدوية خفض الكوليسترول) وإلى احتمال ارتفاع ضغط الدم.


لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟
TT

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

كشفت دراسة جديدة لباحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في 9 فبراير (شباط) الحالي في مجلة علم الأعصاب «Journal of Neuroscience»، عن احتمالية أن يكون السبب في صعوبة تعلم الرياضيات math راجعاً إلى أسباب عصبية في الأساس تؤدي إلى اختلاف الطريقة التي يعمل بها المخ في كل طفل.

«عُسر الحساب»: مشكلة شائعة

من المعروف أن صعوبة تعلم الرياضيات تُعد من المشكلات الشائعة في التعليم، وعلى وجه التقريب في معظم المجتمعات، تعاني نسبة من السكان تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة من صعوبة تعلم مادة الرياضيات، أو ما يُسمى عسر الحساب dyscalculia، الذي يشمل صعوبات في فهم ومقارنة الكميات، وتعلم العدّ، وفهم رموز الأرقام، وتعلم المهارات الرياضية المختلفة مهما كانت بسيطة.

أوضح الباحثون أن القدرة على حل المسائل الرياضية، والتعامل مع الأرقام يحتاجان إلى مهارات عصبية متعددة، مثل المعالجة البصرية (من خلال إرسال الإشارات إلى المخ لترجمة الأرقام إلى كميات معينة، وأيضاً ترجمة الرموز المختلفة، مثل الجمع، والطرح، والضرب)، والذاكرة قصيرة المدى (للاحتفاظ بتفاصيل المسألة الرياضية أثناء حلها).

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 87 طفلاً من أطفال الصفين الثاني والثالث في المدارس الأميركية يتراوح متوسط أعمارهم بين 7 و9 أعوام. ومنهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات، إذ حصلوا على متوسط درجات أقل من أقرانهم بشكل ملحوظ في اختبار لقياس قدرة الطالب العادي على حل المسائل الرياضية. أما بقية الأطفال الآخرين فقد حصلوا على درجات أعلى، مما يشير إلى قدرة طبيعية على تعلم الرياضيات.

اختار الباحثون مهمة معينة لاختبار القدرة على التعامل مع الأرقام، حيث طُلب من الأطفال إكمال سلسلة من المقارنات البسيطة لحل مسائل حسابية، وفي كل محاولة تتم المقارنة بين كميتين، وكان عليهم تحديد أي الكميتين أكبر، وذلك لتقييم الاختلافات في نشاط المخ أثناء تعاملهم مع الأرقام، وتم عمل أشعة رنين مغناطيسي لكل الأطفال المشاركين، لرصد نشاط المخ أثناء قيام الأطفال بحل المسائل.

في كل محاولة كانت الكميات تُعرض بشكل مختلف، وعلى سبيل المثال تُعرض على صورة أرقام مكتوبة، وفي أحيان أخرى كانت تُعرض على شكل مجموعات من النقاط، ما يتطلب من الطفل تقدير المجموعة التي تحتوي على عدد أكبر من العناصر بسرعة. وكان هدف العلماء من التبديل بين مجموعة الأرقام ومجموعات النقاط تقييم قدرة الطفل على التعامل مع الحسابات، وتوقع الإجابة بمجرد الرؤية.

قام الباحثون بتصميم المسائل بحيث تتضمن مسائل سهلة (التي يوجد بها فارق كبير بين الأرقام، وبالتالي تكون الإجابة واضحة، مثل 7 مقابل 2)، وأخرى صعبة (التي يوجد بها فارق بسيط يفصل بين الأرقام مثل 6 مقابل 7)، وبالتالي تكون الإجابة أكثر صعوبة.

دراسة أداء الأطفال

بدلاً من التركيز فقط على صحة الإجابات، أو خطئها، ركز الفريق البحثي على معرفة الكيفية التي تغير بها أداء كل طفل، في المحاولات المختلفة، عن طريق مراقبة هل يقوم الطفل بتعديل أسلوبه بعد ارتكاب الأخطاء من عدمه؟ ومدى حرصه على تحديد الرقم الأكبر، سواء في المسائل السهلة، أو الصعبة، ومدى سرعة اكتشافه لأخطائه، وإبطاء وتيرة الحل في المسألة التالية بعد ارتكاب الخطأ، وهي كلها أمور أساسية في تعلم الرياضيات، أو التعامل مع الأرقام بشكل عام.

وفي المسائل المتعلقة بالرموز العددية، كان الأطفال من ذوي القدرات الرياضية الطبيعية أكثر تباطؤاً عند إجراء المقارنات الصعبة بين الأرقام المتقاربة، مقارنة بالمقارنات السهلة. وفي المقابل لم يقم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات بتغيير طريقة تفكيرهم بنفس القدر أثناء حل المسائل، بمعنى أنهم لم يحاولوا التباطؤ، أو تغيير سلوكهم في المسائل الصعبة، وبالتالي ساهم ذلك في ارتكابهم للأخطاء.

أظهرت النتائج نمطاً ثابتاً للمجموعتين، حيث كان الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الرياضيات أقل ميلاً لتغيير طريقة حلهم بعد الخطأ في حل المسألة، حتى عندما ارتكبوا أنواعاً مختلفة من الأخطاء، ولم يقوموا بتغيير طريقة تفكيرهم استجابة لهذه الأخطاء. وكانت هذه الصعوبة في تعديل السلوك بمرور الوقت فرقاً جوهرياً بين الأطفال ذوي القدرات الرياضية الطبيعية، والذين يواجهون صعوبات في تعلم الرياضيات.

وأوضحت فحوصات أشعة الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين واجهوا صعوبة أكبر في تعلم مادة الرياضيات أظهروا نشاطاً أضعف في المناطق المسؤولة عن مراقبة الأداء، وتعديل السلوك في القشرة المخية، وفي الأغلب ترتبط هذه المناطق العصبية بالتحكم المعرفي، ما يعني القدرة على تقييم الأخطاء، وتغيير طرق التفكير، والمساعدة في اتخاذ القرارات، والتحكم في الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

تشير النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا تنبع فقط من مشكلات في مجرد التعامل مع الأرقام، بل قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في مراجعة عمليات تفكيرهم أثناء حلّهم للمسائل، لأن القدرة على إدراك الخطأ وتجربة أسلوب جديد تُعد أمراً أساسياً في حل المسائل الرياضية.

في النهاية، أكد الباحثون على ضرورة الاهتمام بمشكلة صعوبة تعلم الرياضيات على وجه التحديد، وعدم التعامل معها كما لو كانت مجرد تراخٍ، وإهمال دراسي، خاصة في الطفولة المبكرة، لأن مخ الأطفال لا يزال في طور النمو، ما يُتيح لهؤلاء الأطفال اكتساب المهارات، وتطوير القدرات اللازمة للتكيف مع هذه الحالة من خلال برامج تعليمية فردية.

• استشاري طب الأطفال


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته

في عيادة أسنان رقمية حديثة، تظهر صورة أشعة جانبية للأسنان الخلفية على الشاشة. وخلال ثوانٍ، يحدد النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي منطقة مظللة ويعرض تقديراً رقمياً: «احتمال تسوّس 87 في المائة». وفي تلك اللحظة القصيرة، يتحول الرقم من نتيجة تحليل بصري إلى عنصر مؤثر في القرار العلاجي.

لم يعد التشخيص قائماً على قراءة الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل بين الخوارزمية والخبرة السريرية والسياق الصحي للمريض. وهنا لا نتعامل مع أداة تشخيصية إضافية فحسب، بل مع تحول هادئ في بنية اتخاذ القرار داخل العيادة.

بماذا تخبرنا أبحاث 2026؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استخدام نماذج التعلم العميق لتحليل الصور الشعاعية للأسنان، ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «المراجعة اليابانية لعلم الأسنان» (Japanese Dental Science Review)، أظهر باحثون أن أنظمة تعتمد على التصوير بالهواتف الذكية المدعوم بالذكاء الاصطناعي استطاعت تحسين معدلات كشف التسوّس، خصوصاً في البيئات محدودة الموارد الصحية.

غير أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الأداء التشخيصي لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، بل يتأثر بجودة الصورة، ومستوى الإضاءة، ونوع الجهاز المستخدم، وخبرة من يلتقط الصورة. وهو ما يؤكد أن الدقة المعلنة ليست قيمة ثابتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التقنية والبيئة السريرية.

وفي دراسة حديثة اخرى نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) الصادرة عن مجموعة «نيتشر»، حذّر باحثون من «يونيفرسيتي كوليدج لندن» من الاعتماد غير المشروط على نماذج تحليل الصور الطبية دون مراقبة مستمرة لأدائها بعد التطبيق السريري، مؤكدين أن فاعلية الأنظمة قد تتغير مع اختلاف السكان وأنماط المرض.

تحوّل التوزيع: التحدي الصامت

يصف علماء الذكاء الاصطناعي هذه الظاهرة بما يُعرف بتحول التوزيع (Distribution Shift)، حيث يتعلم النموذج من بيانات ذات خصائص محددة، ثم يُستخدم لاحقاً في بيئات تختلف من حيث الأجهزة أو خصائص المرضى أو انتشار الأمراض.

قد يُدرَّب النظام على صور عالية الجودة في مركز أكاديمي متقدم، ثم يُستخدم في عيادة مجتمعية بإمكانات تصوير مختلفة. في هذه الحالة، قد تنخفض الدقة تدريجياً دون ظهور إنذار واضح، مما يجعل الخطأ يتسلل بصمت إلى الممارسة اليومية.

الخطر هنا لا يكمن في الخطأ المفاجئ، بل في الثقة المستمرة بنظام تغيّر أدائه دون أن نلاحظ.

حين تحاط الخوارزميات بسياج الأخلاق

انحياز البيانات وعدالة التشخيص

تناولت مراجعات حديثة في «مجلة طب الأسنان البريطانية المفتوحة» (BDJ Open) قضية انحياز البيانات في أنظمة كشف التسوّس. فالخوارزميات تتعلم مما يُقدَّم لها؛ وإذا جاءت بيانات التدريب من مجموعات سكانية محدودة، فقد لا يكون الأداء متكافئاً عند تطبيقها على مجتمعات مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أخلاقي جوهري: هل يحصل جميع المرضى على جودة تشخيص متساوية؟ أم أن الفوارق غير المرئية داخل البيانات قد تعيد إنتاج تفاوتات صحية قائمة؟

الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على توسيع الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يعكس تحيزاتنا البشرية إن لم يُصمم ويُختبر بعناية.

الصندوق الأسود ومسؤولية الطبيب

لا يزال كثير من نماذج التعلم العميق تعمل بوصفها «صناديق سوداء»، تقدم توصيات دون تفسير واضح لمسار القرار. وعندما يشير النظام إلى تسوّس غير موجود أو يفشل في اكتشاف آفة مبكرة، تبقى المسؤولية المهنية والقانونية في نهاية المطاف على عاتق الطبيب.

إن دخول الخوارزمية إلى صلب القرار لا يلغي الحكم السريري، لكنه يعيد توزيع مصادر النفوذ المعرفي داخل العيادة، مما يجعل الحاجة ملحّة لتطوير أنظمة تفسيرية تدعم القرار البشري بدل أن تستبدله.

مَن يتحمل الخطأ عندما تصمت الخوارزمية؟

الخطر ليس في الخطأ... بل في التصميم

الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس منافساً للطبيب، بل أداة قد تعزز دقة التشخيص وتحسن الوصول إلى الرعاية. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُعامل نتائج الدراسات بوصفها ضماناً مطلقاً للأداء في كل سياق سريري.

ما نحتاج إليه ليس خوارزمية معصومة، بل منظومة تجعل الخطأ مرئياً، وحدود الاستخدام واضحة، وآليات المراجعة مستمرة.

إن القرار العلاجي يظل فعلاً إنسانياً يتحمل تبعاته من يتخذه، عندما تصبح التقنية شريكاً وليس بديلاً.

يبقى التسوّس مرضاً بيولوجياً، لكن التعامل معه قرار سريري وأخلاقي في آن واحد. والذكاء الحقيقي لا يتمثل في الثقة العمياء بالخوارزمية، بل في القدرة على استخدامها بوعي نقدي، ومعرفة متى نتفق معها... ومتى نعيد النظر في توصياتها.. في النهاية، قد تقرأ الآلة الصورة بدقة متزايدة، لكن مسؤولية فهم الإنسان الذي خلف الصورة ستبقى مهمة الطبيب.