الفنانون الراحلون {يعودون} في صور طيفية مجسمة

الفنانون الراحلون {يعودون} في صور طيفية مجسمة

{الهولوغرام} يمكن أن يعني أيضاً تدفق الأرباح الجديدة لصناعة الموسيقى التي تتسم بالتغيير المستمر
الخميس - 13 جمادى الأولى 1441 هـ - 09 يناير 2020 مـ رقم العدد [ 15017]
نيويورك: مارك بينيللي

تخطط الشركات لتنظيم جولات موسيقية لمجموعة كبيرة من أساطين الفن الراحلين، في محاولة لإعادة إحياء صناعة الموسيقى الحية التي قد يرحل أبطالها عن عالمنا قريباً.

استعداداً لأول جولة غنائية أميركية منذ عشر سنوات تقريباً، قضى المطرب الأميركي «روني جيمس ديو» شهوراً منعزلاً وقابعاً في مكتبه المتواضع في مارينا ديل راي بمدينة لوس أنجليس. كان المكتب يحتل الطابق الثاني من إحدى مراكز التسوق في المدينة، أعلى متجر لمبيعات منتجات التبغ وأحد النوادي الصحية الصغيرة. قمت بزيارته في مكتبه في نهاية مايو (أيار) الماضي، قبل يومين من ميعاد افتتاح الجولة الغنائية، وكانت هناك حالة من الترقب والانتظار شائعة بين أعضاء فريق روني ديو. لم يكن اسم روني ديو مألوفاً لدى الجميع على الإطلاق، غير أنه يعد واحداً من أكبر مطربي «الهيفي ميتالز» في كل الأوقات، ينافسه في ذلك المطرب «أوزي أوزبورن» (الذي حل محله في فرقة «بلاك ساباث» الموسيقية) ومطربي الروك القريبين من موسيقى الميتالز أمثال «أكسل روز» و«روبرت بلانت». واعتباراً من عقد السبعينات، لعب روني ديو دوراً كبيراً في توثيق عدد من أكثر حفلاته غرابة على الإطلاق.

وكانت الآراء منقسمة تماماً بين جمهور مشجعي ومحبي المطرب روني ديو بشأن جولته الموسيقية الجديدة التي تحمل اسم «عودة ديو»، ويرجع ذلك إلى سبب كبير ومعتبر ألا وهو أن «روني جيمس ديو» قد فارق الحياة فعلياً منذ ما يقرب من عشر سنوات. وكان مكتبه في مارينا ديل راي عبارة عن مقر لشركة المؤثرات البصرية التي تقوم بإعادة إنتاج الصور الطيفية المجسمة لشخصية روني ديو باستخدام تقنية «هولوغرام». ومن شأن تنظيم جولة الهولوغرام الموسيقية أن يتضمن وجود مجموعة من زملاء فرقة روني ديو الموسيقية السابقة ممن هم على قيد الحياة.

فإن فاتك حضور الجولة الموسيقية الجديدة، ربما يمكنك التوقف عن القراءة هنا ومشاهدة أحد مقاطع الفيديو التي نشرها المعجبين على موقع يوتيوب تحت عنوان «رينبو إن ذا دارك»، وهي من أغاني روني ديو التي أداها على مسرح سنتر ستيج في مدينة أتلانتا الأميركية بتاريخ 3 يونيو (حزيران) عام 1983. وفي ذلك المقطع يظهر تصوير طيفي ثلاثي الأبعاد للمطرب روني ديو في وسط المسرح وهو يتمايل، وينسجم، ويلعب بسلك الميكروفون بين يديه ملوحاً بعلامته الثنائية التي اشتهر بها في حفلاته الغنائية السابقة.

كانت صورة الهولوغرام نفسها تشع بشحوب غير اعتيادي، مع ظلال أكثر إشراقاً من البشر على المسرح ولكنها غير جوهرية في العرض الموسيقي، وكانت كمثل الشبح الذي يغالب قصارى جهده لكي يعود إلى الحياة. وكان من بين القرارات الحاسمة التي واجهت المصممين هو تحديد السن المناسبة لعرض شخصية المطرب الراحل. وكان من الخيارات المستساغة تصويره طيفياً بنفس المرحلة العمرية التي ظهر بها في حفلاته الغنائية في ثمانينات القرن الماضي. وهنا ثارت مسألة وجيهة: ألن يكون من الغريب أن يشاهد الناس روني ديو الشاب وهو يؤدي عرضاً موسيقياً بجانب أعضاء فرقته الذين أكل الدهر على أجسادهم وشرب منذ وفاته؟ ومرة أخرى، يبلغ عمر روني ديو الفعلي إن عاش حتى عام 2019 هو 77 عاماً، وهو سن غير مناسب على الإطلاق لتأدية حفلة غنائية بموسيقى الهيفي ميتالز، إذ لن يقتنع بها أحد. ومن ثم، استقر فريق المصممين على شخصية روني ديو في منتصف العمر، مع إلباسه سراويله السوداء، وسوار معصمه من الجلد المرصع، والقميص الأبيض طويل الأكمام المنقوش عليه الصليب فضي اللون.

تولت شركة تسمى «آيلوشن» مهمة إنتاج جولة «عودة ديو» الغنائية الجديدة. وهي واحدة من عدة شركات تتطلع إلى تشكيل فئة جديدة وهجينة من وسائل الترفيه الحديثة، جزء منها يعتمد على الموسيقى وجزء على التكنولوجيا الحديثة، والتي تتمحور حتى الآن على إعادة عرض حفلات المطربين الراحلين في جولات موسيقية جديدة. وكانت شركة «آيلوشن» قد نظمت جولة طيفية مجسمة للموسيقار الأميركي الراحل «فرانك زابا» في الربيع الماضي. وبدأت الجولة في أبريل (نيسان) الماضي على مسرح الكابيتول في بورت شيستر بمدينة نيويورك، الذي يبعد نحو ساعة من شمال مانهاتن في مقاطعة ويست شيستر. وقبل ساعات من بدء العرض، كنت قد تحدثت مع منظم الفعالية بأسرها، السيد بيتر شابيرو، البالغ من العمر 47 عاماً. وفي عام 2015، كان السيد شابيرو منتجا لحفلات «فير ذي ويل» إحياء للذكرى الخمسين لفرقة «جريتفول ديد» لموسيقى الروك. وحققت الحفلات الخمس، إيرادات بلغت 50 مليون دولار، وبذلك أصبحت واحدة من أكثر الفعاليات الموسيقية نجاحاً في تاريخ الحفلات الموسيقية الحية. وقال شابيرو، الذي حضر بروفة لحفل «فرانك زابا»: «ما رأيته كان شعوراً أقرب إلى الحقيقة لفرانك زابا واقفا يؤدي أمامنا»، مضيفا أنه بناء على مبيعات تذاكر الحفل فإنه على استعداد لحجز عرض آخر لصور الهولوغرام المجسمة. وكان المسرح الذي يتسع لعدد 1800 متفرج على وشك نفاد تذاكر الحفل قبل يوم الافتتاح.

ربما تكون حسابات شابيرو معتلة بعض الشيء، ولكنه ليس مخطئاً فيما يقول. ووفقاً إلى نشرة «بولستار» التجارية، أكثر من نصف 20 جولة من الجولات الموسيقية في أميركا الشمالية لعام 2019 كانت لفنانين يبلغون من العمر 60 عاماً أو أكثر الآن، ومن بينهم: شير، وكيس، وفليتوود ماك، وبول مكارتني، وديد أند كومباني، وبيلي جويل، ورولينغ ستونز، وألتون جون، وبوب سيغر. يميل الاستعانة بالتكنولوجيا لإخفاء الخط الفاصل بين ما هو سريع وما هو راحل عن الحياة لأن يكون وصفة من وصفات الخيال العلمي الحالم، ولكن في هذه الحالة، يمكن أن يعني أيضاً تدفق الأرباح الجديدة لصناعة الموسيقى التي تتسم بالتغيير المستمر، وفي الوقت الذي لا يمكن لفناني الترفيه الاعتماد على أرباح الأسطوانات المدمجة أو أرباح التنزيلات الإلكترونية في دعم أحبائهم بعد رحيلهم. وقال لي برايان بوملي، الذي يتولى شؤون الدعاية والإعلان في شركة «آيلوشن»: «إن كنت تمثل إرثاً تاريخياً في عصر البث المباشر واللوغاريتمات الحديثة، فربما تفكر وتتساءل: من أين تنبع كل هذه الإيرادات؟ وبعض هؤلاء الشخصيات سوف يخلصون إلى استنتاج معقول بشأن الفنانين الراحلين الذين يأملون في امتداد إرثهم الفني لما بعد رحيلهم. وعلينا بطريق التقنيات الحديثة أن نعيد قدراً من إرثهم ذلك إلى الحياة».

تحول مطرب الراب الأميركي الأسمر توباك شاكور إلى أحد أولى موضوعات اختبار التكنولوجيا الجديدة بعد مرور 15 عاماً على مقتله، وذلك عندما ظهرت نسخة الهولوغرام الخاصة به للمرة الأولى على نحو مفاجئ في مهرجان كوتشيللا لعام 2012. ولأجل إنتاج صورة طيفية ثلاثية الأبعاد بالحجم الطبيعي للمطرب، فإن ذلك يستلزم وجود أجهزة الليزر القوية للغاية التي ربما تحرق اللحم البشري عند عملها. لكن صورة الهولوغرام المجسمة للمطرب توباك شاكور جرى إنشاؤها باستخدام مزيج من تقنية الصور المتولدة حاسوبياً، مع دوبلير، بالإضافة إلى حيلة مسرحية من القرن التاسع عشر تُعرف باسم «شبح بيبر»، ولقد استخدمت بعض أشكالها في العروض الموسيقية كافة التي عملت بتقنية الصور الطيفية المجسمة خلال السنوات الأخيرة تقريباً.

وكما شرح الساحر ومؤرخ تاريخ السحر جيم شتاينماير في كتابه «إخفاء الفيل»، قام جون هنري بيبر، مدير المعهد الملكي للفنون التطبيقية في لندن، بتعميم هذه التكنولوجيا من خلال عرض مسرحي لمشهد واحد من رواية قصيرة لتشارلز ديكنز بعنوان «الرجل المسكون» عشية عيد الميلاد عام 1862. ولأجل استدعاء الأشباح إلى خشبة المسرح، سلّط بيبر ضوءاً ساطعاً على أحد الممثلين في مساحة فاصلة مختفية أسفل المسرح فيما يشبه مكان الأوركسترا، ملقياً بانعكاس الضوء على لوح من الزجاج. وكان لوح الزجاج مرتكزاً على زاوية قائمة على المسرح لكنه غير مرئي للجمهور. وظهرت الصورة الطيفية تدريجياً من خلف الزجاج، وكانت تتحرك بنفس الوتيرة مع الممثلين والمشهد المسرحي. يقول جيم شتاينماير، إن كانت حركة الممثلين كافة متزامنة تماماً، فسوف يتمكن الشبح من التفاعل مع الشخصيات على خشبة المسرح، ويتجنب دفعات السيف أو المشي على الجدران. ولقد أراد بيبر للعرض الأصلي أن يكون محاضرة علمية، ولكن أرغمته رغبات الجماهير على المسير في طريق السحر والخيال، وسرعان ما بدأ يتجول عارضاً شخصياته الوهمية على مختلف المسارح البريطانية والأميركية في تلك الفترة.
- خدمة «نيويورك تايمز»


أميركا Technology

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة