أوروبا تطالب إيران بالامتناع عن العنف واحترام الاتفاق النووي

فرنسا وبريطانيا وألمانيا بصدد اتخاذ قرار بشأن آلية فض المنازعات

أوروبا تطالب إيران بالامتناع عن العنف واحترام الاتفاق النووي
TT

أوروبا تطالب إيران بالامتناع عن العنف واحترام الاتفاق النووي

أوروبا تطالب إيران بالامتناع عن العنف واحترام الاتفاق النووي

باستثناء بعض الأصوات المنددة بالعملية الأميركية التي أفضت إلى مقتل قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني، ونائب قائد قوات «الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، لم تجد إيران عبر العالم من دول أو قادة يقفون إلى جانبها، أو ينتقدون قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيه ضربة قاسية لطهران، باستهداف «مهندس» سياستها الإقليمية.
فمن الاتحاد الأوروبي إلى الحلف الأطلسي، امتداداً إلى روسيا والصين، فضلاً عن الأطراف الإقليمية، تختصر «الرسالة» الموجهة إلى القيادة الإيرانية: الأول دعوتها للامتناع عن أي عمل تصعيدي من شأنه أن يزيد مخاطر اندلاع مواجهة واسعة في الشرق الأوسط ومياه الخليج؛ والثاني حثها على البقاء داخل الاتفاق النووي، والتراجع عن الإجراءات المتلاحقة التي اتخذتها إزاءه، وآخرها ما قررته لـ«المرحلة الخامسة (الأخيرة)» من تخليها عن التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق.
وفي الأيام والساعات الأخيرة، تكاثرت الاتصالات على أعلى المستويات، في محاولة جماعية، إقليمياً وأوروبياً ودولياً، للجم السير المتسارع إلى الهاوية. وباستثناء بعض الأصوات، فإن اللافت أن الأكثرية الساحقة من المداخلات تحاشت التنديد بالعملية الأميركية، بل إنها حملت الجانب الإيراني المسؤولية في التدهور الحاصل.
وجاء أفضل تعبير عن هذا التوجه في البيان الثلاثي الذي صدر عن قادة الدول الأوروبية الثلاث الموقعة على اتفاق عام 2015 (فرنسا وبريطانيا وألمانيا)، ليل الأحد - الإثنين، حيث إن البيان بدأ بـ«التنديد بالهجمات التي استهدفت مواقع التحالف في العراق»، والتعبير عن «القلق الكبير للدور السلبي الذي تلعبه إيران في المنطقة، خصوصاً دور قوة (القدس) التي (كان يقودها) الجنرال سليماني». بعد ذلك، دعا الأوروبيون «الأطراف كافة» إلى «ضبط النفس والتصرف بمسؤولية»، وخصوا بالذكر إيران التي عليها أن «تمتنع عن أي عمل عنفي أو من شأنه (تسهيل انتشار السلاح) النووي».
كذلك دعا القادة الأوروبيون، وهو ما يقومون به منذ أن بدأت طهران بالخروج التدريجي من الاتفاق منذ مايو (أيار) من العام الماضي، إيران «بقوة» إلى «العودة للعمل بالتزاماتها كافة» النووية. ولم يتناسَ الأوروبيون التذكير بأولويتهم، وهي الحرب على «داعش»، والمحافظة على التحالف الدولي الذي يعد «أمراً حاسماً». وأخيراً، أعرب الأوروبيون عن استعدادهم لـ«مواصلة الحوار مع الأطراف كافة للمساهمة في تهدئة التوتر، وإعادة الاستقرار إلى المنطقة». وما جاء به القادة الأوروبيون الثلاثة جاء بمثله الحلف الأطلسي الذي دعي أطرافه إلى اجتماع استثنائي في بروكسل على مستوى السفراء للنظر في التصعيد الحاصل بين واشنطن وطهران.
ولم يتسرب الكثير عما دار في الاجتماع الذي رأسه أمين عام الحلف يانس ستولتنبرغ، إذ اكتفى الأخير بدعوة إيران لـ«تجنب العنف والاستفزازات»، وتجنب «التصعيد»، معتبراً أن «نزاعاً جديداً لن يكون في مصلحة أحد، وبالتالي فإنه يتعين على إيران الامتناع عن التسبب بمزيد من العنف، أو القيام بأعمال استفزازية في سائر منطقة الشرق الأوسط». وأضاف: «نحن نجمع على وجوب عدم امتلاك إيران أبداً سلاحاً نووياً. نتقاسم قلقنا إزاء التجارب الصاروخية الإيرانية، ونحن متحدون في إدانة دعم إيران لمجموعات إرهابية مختلفة».
وطالب وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، أمس، طهران بالعدول عن الرد على مقتل سليماني، وقال في تصريح لمحطة «بي إف إم» التلفزيونية الفرنسية: «من الضروري أن تعدل إيران عن الرد والتصعيد»، مؤكداً أنه «لا تزال هناك مساحة للدبلوماسية».
ونوه لودريان بأنه تبيّن «في كل المحادثات التي أجريتها أن أحداً لا يريد الحرب»، محملاً مسؤولية «التصعيد الخطير» بين طهران وواشنطن إلى «خيارات سيئة من كل الأطراف»، وتابع أن أي ضربات انتقامية ضد الولايات المتحدة ستهدد قدرة التحالف على التصدي لتهديدات تنظيم داعش في العراق وسوريا، مؤكداً أن التصدي للتنظيم يجب أن يبقى الأولوية في المنطقة. وقال لو دريان إن «أحدث القرارات تعني أن الإيرانيين يمكنهم الآن تخصيب اليورانيوم دون أي قيود، وبالكميات التي يريدون، وحيث يرغبون، وبعدد أجهزة الطرد المركزي التي يودون»، مضيفاً: «الانتهاكات المتكررة تتركنا اليوم نتساءل عن صحة هذا الاتفاق (النووي) على الأمد الطويل. نحن ندرس تفعيل آلية فض المنازعات... سنتخذ قراراً في الأيام المقبلة».
وفي لندن، قال دومينيك راب وزير الخارجية البريطاني إنه يحث كل الأطراف المعنية على إيجاد حل دبلوماسي للتوتر الذي تصاعد بعد مقتل قائد عسكري إيراني كبير على يد الولايات المتحدة، وأضاف: «الرسالة الرئيسية التي نريد توصيلها إلى كل شركائنا الأوروبيين والأميركيين... وكذلك إلى الإيرانيين والعراقيين، وكل من تأثر بهذه (الأزمة) في المنطقة، هي ضرورة نزع فتيل التوتر والتهدئة... وأهمية إيجاد سبيل دبلوماسي لذلك».
واستبق وزير الخارجية الأوروبي جوزيف بوريل اجتماعاً لوزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث، أمس، في بروكسل، بالإعراب عن أسفه لقرارات طهران التي أكدت أول من أمس «رفع العوائق كافة التي تعيق العمل بالبرنامج النووي على المستوى العملاني، أكان ذلك لجهة قدراتها التخصيبية لليورانيوم، أو لجهة نسبة التخصيب أو الكميات المخصبة، وأخيراً بالنسبة للبحوث والتطوير». وهذا يعني عملياً أن طهران، رغم تأكيدها أن ما تقوم به سيبقى خاضعاً لعمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأنها ستعمل وفق حاجاتها «التقنية» لليورانيوم المخصب، وأنها قد طوت صفحة الاتفاق دون أن تعلن رسمياً خروجها منه، رغم الإعراب عن الاستعداد للعودة إليه، في حال رفعت العقوبات التي فرضتها واشنطن عليها.
وفي هذا السياق، أعرب بوريل، أمس، عن «أسفه العميق»، معتبراً في هذه الظروف التصعيدية الراهنة أن «الالتزام الكامل ببنود الاتفاق أكثر أهمية من أي وقت مضى». وفي بادرة منه غرضها كسب الوقت، أكد أن الاتحاد الأوروبي، فيما سيقرره، سوف يعتمد على ما تقوله الوكالة الدولية للطاقة التي ستبقى تراقب النشاطات النووية الإيرانية. وبكلام آخر، فإن معنى ما يقوله بوريل هو أن إيران قد لا تعمد إلى تنفيذ تهديداتها، وأخطرها وفق الخبراء النوويين هو الارتقاء بالتخصيب إلى مستويات مرتفعة «20 في المائة وما فوق»، ونشر طاردات مركزية بأعداد كبيرة، ما سيمكن طهران من اختصار الوقت لجمع كميات كافية من الوقود النووي، وبالتالي اختصار المدة الضرورية لها للحصول على أول قنبلة نووية. وبحسب هؤلاء، فإن طهران بحاجة إلى نحو العام، وفق الوتيرة الراهنة. أما إذا نفذت تهديداتها، فإن المهلة الزمنية سوف تتقلص. وأمس، انضمت موسكو مجدداً إلى دعوة طهران للتصرف بعقلانية. ويعول الأوروبيون على روسيا، وتحديداً على الرئيس بوتين المنتقد للعملية العسكرية الأميركية، لدفع السلطات الإيرانية للابتعاد عما من شأنه زيادة التوتر في المنطقة، بالرد على قتل سليماني، وتنفيذ التهديدات التي أطلقها القادة الإيرانيون. وقال وزير الخارجية سيرغي لافروف، أمس، إنه يتعين على الدول التي ما زالت ملتزمة بالاتفاق النووي أن تجعل «أولويتها» المحافظة عليه، داعياً الأوروبيين بالدرجة الأولى إلى تنفيذ وعودهم لطهران لمساعدتها في التعويض على ما تسببه العقوبات الأميركية. وأضاف لافروف أن «المحافظة على الاتفاقات والتأكد من تنفيذها يجب أن تبقى إحدى المهام الأساسية للشركاء كافة» الموقعين على الاتفاق.
وحقيقة الأمر أن العملية العسكرية الأميركية، والقرارات الإيرانية التي لحقتها، إن فيما خص الملف النووي أو تهديداتها بالرد، أوقعت مجموعة من الضحايا: أولها الاتفاق نفسه، وثانيها الوساطة الأوروبية والجهود التي كانت تبذلها الدول المعنية من بينها للمحافظة على الاتفاق.
وتقول مصادر دبلوماسية أوروبية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إن أوروبا «لم تستطع التأثير على إيران، وحملها على التراجع عن انتهاكاتها للاتفاق في الزمن (العادي)، فكيف ستكون اليوم قادرة على ذلك في ظل أجواء حربية بينها وبين الولايات المتحدة؟». وتضيف هذه المصادر أن باريس ولندن وبرلين عاجزة من جهة عن التأثير على واشنطن التي لم تستشر الأوروبيين قبل عمليتها، ومن جهة ثانية فإنها عاجزة إزاء إيران التي «تدعوها للعودة عن إجراءاتها، إلا أنها لا تمتلك ما تقدمه لها لإقناعها بالاستجابة لدعوتها».
وفي أي حال، تخلص هذه المصادر إلى القول إن «فصلاً جديداً فتح مع استهداف سليماني وأبو مهدي المهندس، والتداعيات التي يتسبب بها تعني أن مفردات قراءة الأزمة الأميركية - الإيرانية قد تغيرت، وكذلك المقاربات والقراءات والحجج السابقة». ورغم ذلك، فإنها تعتبر أن الأوروبيين «محقون في السعي والمحاولات، كونهم معنيين بالأزمة الحادة» التي سيتسبب بها من غير شك التصعيد، إن لم يكن ثمة ما يلجمه.
ويبقى أن في أيدي الأوروبيين غير الراغبين أساساً في أن يكونوا طرفاً في نزاع مسلح مفتوح محتمل بين واشنطن وطهران ورقة ربما لجأوا إلى استخدامها، وقد لوحوا بها في السابق. وحتى اليوم، كانت دعوتهم إيران للبقاء في الاتفاق بمثابة «مناشدات» تتكئ جزئياً على الإعراب عن الاستعداد لمساعدة طهران على الالتفاف على العقوبات الأميركية من خلال «آلية إنستكس» المالية التي لم تقلع. ولكن إلى جانبها ثمة ورقة قد تكون «رادعة»، وهي اللجوء إلى آلية فض النزاعات المنصوص عليها في الاتفاق. وسبق لوزراء الخارجية الثلاثة أن لوحوا بها، لكن الإقدام عليها سيعني، بحسب طهران، نهاية الدور الأوروبي. والمعروف أن هذه الآلية يمكن أن تفضي إلى إعادة فرض عقوبات دولية في مجلس الأمن على طهران. واليوم، مع اقتراب المقاربة الأوروبية من المواقف الأميركية (تصريحات ماكرون وجونسون وغيرهما)، قد يجد الأوروبيون أن «حياديتهم» لم تعد تنفع، وأن الالتصاق بواشنطن سيكون من الآن فصاعداً الورقة الرابحة، في حال عجزوا عن التأثير على مجريات الوضع السائر على ما يبدو إلى مزيد من التصعيد.



التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
TT

التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

بعدما أطاح القصف الأميركي - الإسرائيلي بالمرشد الإيراني علي خامنئي ومعظم قادة الصف الأول، لم تنهَر قيادة الجمهورية الإسلامية، لكن المفاوضات المطروحة لإنهاء الحرب تفتح اختباراً جديداً أمام تماسكها وقدرتها على إدارة المرحلة التالية.

على مدى عقود، نجح المرشد في إدارة عدة فصائل قوية، حيث أخضع من تحدوا سلطته، بينما استمع في الوقت نفسه إلى آراء متنافسة. ولم يعد واضحاً الآن من يمارس هذا النوع من السلطة على مجموعة من الشخصيات المدنية والجنرالات البارزين في «الحرس الثوري» الذين يبدو أنهم يديرون المشهد.

وقد توصلت هذه الأطراف إلى قدر من التماسك، في الوقت الراهن، عبر تبنّي موقف متشدد وفقاً لتحليل نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، لكن الخلافات بشأن حجم التنازلات الممكنة في المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تكشف عن خطوط تصدع، في وقت يكافح الوسطاء الباكستانيون لاستضافة جولة جديدة من المحادثات.

من يدير المشهد؟

كان المرشد علي خامنئي قادراً على فرض إرادته على مراكز القوة المتباينة داخل الجمهورية الإسلامية. وبعد مقتله في الضربات الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، خلفه نجله مجتبى خامنئي.

لكن الشكوك لا تزال تحيط بدور خامنئي الابن بعد تقارير عن إصابته في الغارات. ولا يزال متوارياً عن الأنظار، ولم يظهر علناً منذ توليه المنصب، كما أن طريقة إصداره التعليمات إلى كبار القادة لا تزال غير واضحة.

ويقع مركز السلطة الآن في يد هيئة شبيهة بالمكتب السياسي تُعرف باسم «المجلس الأعلى للأمن القومي»، وتضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين. وقد برز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، باعتباره واجهة لهذا المجلس وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة.

إيرانيون يتابعون عبر شاشة تلفاز جانباً من المناظرة بين الرئيس مسعود بزشكيان والمتشدد سعيد جليلي يوليو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

وكان المرشد السابق قد بدأ بمنح المجلس صلاحيات أوسع قبل وفاته، لكن الحرب عززت نفوذ المجلس بشكل أكبر.

ويضم المجلس طيفاً من التوجهات السياسية، وغالباً ما يشهد منافسات حادة. ويمثل سعيد جليلي، المنافس السياسي لقاليباف والمعارض المتشدد للولايات المتحدة، المرشد داخل المجلس، فيما يتولى الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان رئاسته الاسمية.

ومن بين الأعضاء المتشددين القائد الجديد لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي، والأمين العام الجديد للمجلس محمد باقر ذو القدر، وهو أيضاً من قادة «الحرس».

لكن استراتيجية إسرائيل القائمة على تصفية القيادات العليا تشير إلى سوء تقدير لطبيعة عمل النظام الإيراني، بحسب تقديرات خبراء.

ومنذ اندلاع الحرب، أدى النفوذ المتزايد لـ«الحرس الثوري» داخل المجلس إلى تغذية تكهنات بشأن احتمال حدوث تحول جوهري في بنية السلطة.

اختبار تفاوضي حاسم

تواجه القيادة الآن اختباراً صعباً في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع بروز أسئلة قد تكون مثيرة للانقسام حول مدى الاستعداد لتقديم تنازلات. وتطالب واشنطن إيران بتقديم تنازلات كبيرة لضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد طهران أن برنامجها سلمي وتصر على حقها في تخصيب اليورانيوم.

وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، الأحد، قال قاليباف إن إيران تسعى إلى اتفاق شامل يحقق «سلاماً دائماً» يمنع تكرار الهجمات الأميركية.

وأضاف: «يجب قطع هذه الحلقة الخطيرة»؛ في إشارة إلى الضربات الأميركية التي استهدفت إيران خلال فترات التفاوض، مرة خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران)، ومرة أخرى خلال النزاع الحالي.

وأعرب أعضاء المجلس عن ثقتهم بأن إيران تمسك بزمام المبادرة حالياً، خصوصاً في ظل سيطرتها على مضيق هرمز، ما يمنحها القدرة على التأثير في أسعار الطاقة وفرض ضغوط سياسية.

وأكد مسؤولون أنهم قادرون على الصمود للحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات جديدة، حتى مع خطر استئناف الحرب، معتبرين أن إيران قادرة على تحمّل الضغوط لفترة أطول من الولايات المتحدة وحلفائها.

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لكن في نهاية المطاف، تبقى أولوية القيادة هي البقاء. فالحرب والحصار الأميركي، الذي يهدد تجارة النفط الإيرانية، يضغطان على اقتصاد البلاد المتدهور.

وقد أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة في اندلاع موجات من الاحتجاجات خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك احتجاجات دعت إلى إسقاط النظام. وقد يساعد التوصل إلى اتفاق مع الغرب ورفع العقوبات في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

مؤشرات على الخلاف

وأشارت تطورات عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز إلى وجود خلافات بشأن حجم التنازلات في المفاوضات. فقد ظل الانخراط مع واشنطن محل انقسام داخل النخبة الإيرانية، رغم انعدام الثقة العميق تجاه الولايات المتحدة.

وفي يوم الجمعة، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران ستفتح المضيق أمام الملاحة التجارية في إطار وقف إطلاق النار. وبعد ساعات، أكد ترمب أن الولايات المتحدة ستواصل الحصار للضغط على طهران.

وفي صباح السبت، أعلن الجيش الإيراني إعادة إغلاق المضيق رداً على الحصار.

وانتقدت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات عراقجي، معتبرة أنها أعطت انطباعاً بالضعف، وكشفت عن تباين المواقف داخل النظام. وذكر تقرير لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن الموقف بشأن المضيق كان ينبغي أن يصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورد مكتب عراقجي بأن وزارة الخارجية «لا تتخذ أي إجراء دون التنسيق مع الجهات العليا». في مقابلة لاحقة، شدد قاليباف على أن جميع مكونات القيادة متفقة على استراتيجية التفاوض مع الولايات المتحدة.

وسيط محتمل

ويُنظر إلى قاليباف على أنه يمتلك موقعاً يسمح له بجسر الفجوات بين الأجنحة المختلفة داخل النظام. فهو جنرال سابق في «الحرس الثوري» وقائد سابق للشرطة، وحافظ على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية طوال مسيرته السياسية.

وخلال توليه رئاسة بلدية طهران بين 2005 و2017، اكتسب سمعة كونه مسؤولاً عملياً قادراً على تنفيذ المشاريع، رغم اتهامات بالفساد وانتهاكات حقوقية.

وكتب علي ربيعي، وهو إصلاحي بارز ومساعد للرئيس، في مقال صحافي أن قاليباف يمثل «الدولة والنظام».

وفي الوقت نفسه، يتمتع قاليباف بعلاقات وثيقة مع عائلة خامنئي، إذ يتحدر الطرفان من مدينة مشهد. وقال محسن سازغارا، أحد مؤسسي «الحرس الثوري» سابقاً والمعارض الحالي، إن مجتبى خامنئي دعم محاولات قاليباف المتكررة غير الناجحة للوصول إلى الرئاسة خلال فترة حكم والده.

كما يحتفظ قاليباف بعلاقات قوية مع القيادات الجديدة في «الحرس الثوري» التي خلفت القادة الذين قُتلوا، والتي يُنظر إليها على أنها تمسك بمفاتيح أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة. وقد يتيح له هذا الدعم العابر للتيارات ضمان تأييد داخلي لأي اتفاق، في مواجهة معارضة محتملة من المتشددين الرافضين لتقديم تنازلات.


إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)

في الوقت الذي أعلن فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، أن الحرب على إيران جاءت لمنعها من تنفيذ مخططها لإبادة إسرائيل، قال كبير مستشاريه السابق، مئير بن شبات، إن «استئناف القتال، أو تفجر المحادثات، أفضل من أي اتفاق».

وعمل بن شبات مستشاراً للأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية، وكان يوصف بـ«رجل المهام الخاصة» عند نتنياهو، كما تولى دور مبعوثه إلى الدول العربية والغربية.

وجاءت تصريحات بن شبات، التي نقلتها صحيفة «هآرتس»، في ظل انطباع يسود لدى مراقبين بأن الحكومة الإسرائيلية لا ترى أن إيران جادة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وأنها تبذل ما في وسعها لكسب الوقت والتوصل إلى اتفاق سيئ، ولذا؛ فإنه «من الأفضل استئناف الحرب».

كيف سينتهي الصراع؟

وقال بن شبات، الذي ما زال يحافظ على علاقات وثيقة بنتنياهو، إنه «من الصعب تخمين كيف ستنتهي هذه المرحلة من الصراع، وقبل نهاية الهدنة. لكن ثمة احتمالات متباينة: الوصول إلى اتفاق، أو تمديد وقف النار، أو استئناف القتال».

وأشار بن شبات إلى أن «تصعيد الخطاب، وتعزيز القوات العسكرية، وحتى خطوات استخدام القوة في مضيق هرمز، لا تؤشر بالضرورة إلى الاتجاه المتوقع؛ لأن الرغبة الأساسية لدى الطرفين هي تسوية تنهي الحرب، وهذه الخطوات يمكنها أن تكون جزءاً من الضغوط للتأثير على شكل النهاية وسرديتها».

لكن بن شبات حث إسرائيل على الاستعداد لإمكانية استئناف القتال، خصوصاً بعد التصريحات الإيرانية بشأن «قدرات إطلاق الصواريخ التي تبقت لدى النظام». وأضاف أنه «إذا ما نفذ الرئيس (الأميركي) دونالد ترمب تهديداته، فإن الهجوم على إيران لن يكون بهدف توسيع بنك الأهداف، بل لتغيير غاية الحرب، بالانتقال من ضرب القدرات العسكرية والأهداف السلطوية إلى ضرب قدرة أداء الدولة وظائفها».

وبهذا يشير بن شبات إلى «ضرب شبكة الكهرباء، والبنى التحتية للطاقة، والجسور المركزية ومحاور حركة السير الحرجة؛ مما سيؤدي إلى شلل إيران بوصفها منظومة دولة؛ لفترة ما على الأقل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الغضب الداخلي

وبشأن الوضع الداخلي الذي سينشأ في إيران، افترض بن شبات أنه في المدى الفوري ستؤدي مثل هذه الخطوة أيضاً إلى آثار سلبية، «مثل توجيه غضب جزء من المواطنين الإيرانيين إلى الولايات المتحدة. لكن في الميزان العام وفي الأيام التالية بعد ذلك ستشهد إيران تراجعاً عميقاً في الشرعية الداخلية للنظام، وتصدعات في وحدتها، ومصاعب في أدائها. كل هذا سيعطي معارضيه الضوء الأخضر للخروج إلى الشوارع».

مع ذلك، ثمة «سيناريوهات أخرى سيئة»، من بينها، وفق بن شبات، أن «تمديد وقف النار سيخدم إيران التي تدرك جيداً حساسية إدارة ترمب تجاه عامل الزمن، وترى في ذلك رافعة ضغط لتحسين الإنجازات في المفاوضات».

كما أن الوصول إلى اتفاق «يحمل في طياته أخطاراً؛ بسبب الملف النووي ونظام الصواريخ والرقابة عليهما، وأكثر من ذلك؛ تحريرَ الأموال الإيرانية التي جمدتها العقوبات».

وتكشف تقارير صحافية عن أن الولايات المتحدة عرضت في إطار المفاوضات إقامة صندوق مساعدة لإيران بمبلغ 250 مليار دولار، لكن التقدير الإسرائيلي يشير إلى أن «هذه الطريقة لن تغير طموحات النظام، بل فقط تعزز لديه فهم أنه ملزم بالحصول على سلاح نووي كي يضمن وجوده».

صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان

أدوار مجتبى خامنئي

يختتم بن شبات قائلاً: «من زاوية نظر إسرائيل - إذا ما سارت الأمور بهذا الاتجاه - فمن الأفضل أن ينتهي الفصل الحالي (دون اتفاق ودون حرب)». لكن المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، يرى أن «نتنياهو يتنبأ بأن المحادثات الأميركية - الإيرانية ستفشل، وأن الطرفين سيعودان إلى الحرب. وهذا ما يعدّه النتيجة المفضلة».

ولمح هرئيل إلى أن نتنياهو يستند في موقفه إلى الارتباك داخل القيادة الإيرانية، مع ظهور علامات على نزاعات متصاعدة بين مختلف المعسكرات في القيادة الإيرانية.

ويبدو أن المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، ما زال يمارس بعض مهامه بعد إصابته خلال العملية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل والده علي خامنئي في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو اليوم الذي بدأت فيه الحرب، فيما ترجح تقارير صحافية أن علاقاته بأعضاء القيادة الآخرين ضعيفة؛ ربما بسبب اختفائه، وهذا يؤثر على عملية اتخاذ القرارات.

ويميل مراقبون إلى الاعتقاد أن قيادة «الحرس الثوري» مترددة في استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، «في حين يرغب السياسيون المدنيون في إيران استمرارَها؛ ولو من أجل تأجيل هجوم أميركي - إسرائيلي جديد».


تركيا: الانتخابات المبكرة تشعل التوتر وسط شد وجذب بين الحكومة والمعارضة

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» يواصل الضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة (حساب الحزب في إكس)
زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» يواصل الضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة (حساب الحزب في إكس)
TT

تركيا: الانتخابات المبكرة تشعل التوتر وسط شد وجذب بين الحكومة والمعارضة

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» يواصل الضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة (حساب الحزب في إكس)
زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» يواصل الضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة (حساب الحزب في إكس)

أشعلت مطالبات المعارضة التركية بالتوجه إلى انتخابات برلمانية ورئاسية، عبر انتخابات فرعية بالبرلمان، الأجندة السياسية للبلاد في ظل النفي المستمر من «تحالف الشعب» المؤلف من حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم و«الحركة القومية» لإجراء الانتخابات قبل موعدها المقرر في 2028.

وعلى الرغم من ذلك، يتردد في أروقة «العدالة والتنمية» أن الرئيس رجب طيب إردوغان يتجه إلى حملة تغييرات واسعة في قيادات أفرع الحزب استعداداً لانتخابات مبكرة قد تجرى في خريف عام 2027.

أوزيل يتحدى إردوغان

وجدد زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، مطالبته بإجراء انتخابات مبكرة، مطالباً الرئيس إردوغان وحزبه بوضع الصناديق أمام الناخبين إذا كانوا لا يخشون شيئاً.

أوزيل متحدثاً خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب «الشعب الجمهوري» الثلاثاء (حساب الحزب في إكس)

وقال أوزيل، في كلمة خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه، الثلاثاء، إن الحكومة تخشى سيادة القانون التي ستنشأ بعد الانتخابات، مضيفاً: «إن لم تكونوا خائفين، فضعوا صناديق الاقتراع أمام الشعب ودعوه يقرر هل نحن لصوص أم أنكم تفترون علينا».

ويضغط أوزيل منذ أسابيع لإجراء انتخابات فرعية بالبرلمان لشغل 8 مقاعد شاغرة، وسط حديث عن خطة لرفع عدد المقاعد الشاغرة إلى 30 مقعداً، عبر استقالة 22 نائباً من حزبه (لتصل المقاعد الشاغرة إلى 5 في المائة من المقاعد البالغ عددها 600 مقعد)، لإجبار البرلمان على إجراء انتخابات فرعية بموجب الدستور، وذلك في إطار خطة لدفع إردوغان لاتخاذ قرار بإجراء انتخابات مبكرة.

رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي يعارض إجراء انتخابات مبكرة (حساب الحزب في إكس)

وانتقد رئيس حزب «الحركة القومية»، دولت بهشلي، مطالبة المعارضة بإجراء انتخابات فرعية، عادّاً الحديث عنها «ليس إلا حيلة من المعارضة قصيرة النظر».

وعدّ بهشلي، في كلمة أمام المجموعة البرلمانية لحزبه بالبرلمان، الثلاثاء، أن النقاشات حول الانتخابات الفرعية والمبكرة تعدّ تلاعباً بمستقبل تركيا.

حملة تغييرات بالحزب الحاكم

في الوقت ذاته، كشفت مصادر حزب «العدالة والتنمية» عن استعدادات داخلية لإعادة هيكلة قيادات فروع وتشكيلات الحزب، في خطوة تشير إلى الاستعداد لإجراء الانتخابات في خريف عام 2027، بحسب ما أكدت قيادات في الحزب، في وقت سابق، بهدف تعويض خسارة الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) 2024 لصالح حزب «الشعب الجمهوري».

إردوغان يخطط لحملة تغييرات في قيادات حزب «العدالة والتنمية» وإجراء انتخابات في خريف 2027 (الرئاسة التركية)

وقالت المصادر لوسائل إعلام قريبة من الحكومة، إن الخطة التي يشرف عليها الرئيس إردوغان تتضمن إجراء مراجعات شاملة وتقييم أداء فروع الحزب في المقاطعات الـ39 لمدينة إسطنبول التي يقطنها 16 مليون نسمة، والتي انتزع حزب «الشعب الجمهوري» الفوز بها مرتين متتاليتين في 2019 و2024، بعدما كانت المعقل الرئيسي للحزب على مدى أكثر من عقدين.

وتربط تقييمات الحزب سلوك الناخبين المؤيدين أو المترددين، سواء بمقاطعة التصويت أو التصويت للمعارضة، بتحقيق تغيير في الملف الاقتصادي ومستوى المعيشة.

وتعد الانتخابات أيضاً اختباراً لشعبية المعارضة، بعد فوز حزب «الشعب الجمهوري» في الانتخابات المحلية عام 2024، واستمرار تصدره استطلاعات الرأي في ظل حملة يتعرض لها، بعد فوزه بالانتخابات، أسفرت عن اعتقال 20 رئيس بلدية كبرى وفرعية بتهم فساد، في مقدمتهم رئيس بلدية إسطنبول مرشح الحزب لانتخابات الرئاسة أكرم إمام أوغلو، الذي يعد أقوى منافسي إردوغان.

على صعيد آخر، اعتقلت قوات الأمن التركية، الثلاثاء، 110 عمال مناجم قطعوا مسافة 180 كيلومتراً سيراً على الأقدام من ولاية إسكي شهير إلى العاصمة أنقرة؛ بغية الوصول إلى مقر وزارة الطاقة والموارد الطبيعية؛ احتجاجاً على قيام شركة «دوروك للتعدين» بفصلهم بعد عدم الحصول على أجورهم وحقوقهم لأشهر، رافضة دفع تعويضات إنهاء خدمتهم.

واعتصم العمال، الذين اعتقلوا بتهمة الإخلال بقانون التجمعات والمظاهرات، عقب وصولهم إلى أنقرة، الاثنين، بعد مسيرة استمرت 9 أيام، بالقرب من مقر الوزارة، حيث تعروا بخلع قمصانهم، وكتب عدد منهم على أجسادهم: «نحن جائعون»، «ساعدونا».