«تغييب الرواية هو الهدف»... سياسات إسرائيل تجاه الإعلام الفلسطيني

الاحتلال يعتقل الصحافيين ويقاضيهم في محاكم عسكرية بمنظومة قوانين عنصرية

صحافي فلسطيني يهرب من القنابل الغازية في الميدان
صحافي فلسطيني يهرب من القنابل الغازية في الميدان
TT

«تغييب الرواية هو الهدف»... سياسات إسرائيل تجاه الإعلام الفلسطيني

صحافي فلسطيني يهرب من القنابل الغازية في الميدان
صحافي فلسطيني يهرب من القنابل الغازية في الميدان

بصورة دورية تُقدم إسرائيل على ممارسة الانتهاكات بحق وسائل الإعلام الفلسطينية، من خلال سلسة إجراءاتٍ تتخذها بحق المؤسسات العاملة أحياناً، وفي أخرى بحق الصحافيين كأفراد، وتتنوع تلك الانتهاكات بين مختلف الأدوات الإقصائية التي تشمل: الإغلاق، والتدمير، والاعتقال، والمنع من السفر، والقتل، والإصابات المباشرة، ومحاربة المحتوى، وغيرها من التي يسردها هذا التقرير.
- القتل والإصابة
على مدار السنوات الطويلة الماضية، تعمدت إسرائيل قتل الصحافيين الفلسطينيين، وإصابتهم بشكلٍ مباشر، ولعل آخر الأحداث التي دللت على ذلك كان خلال عام 2018 الذي قتل فيه الجيش الإسرائيلي الصحافيين ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين، خلال عملهما في التغطية الصحافية. وينبّه نائب نقيب الصحافيين الفلسطينيين تحسين الأسطل، «الشرق الأوسط»، إلى أنّ اعتداءات الاحتلال مستمرة، وتزداد بصورة خطيرة، كما أنّها تنبئ بالنية الإسرائيلية المبيتة تجاه الحالة الصحافية الوطنية.
وأوردت التقارير الأخيرة الصادرة عن مركز «مدى للحريات»، أنّ عدد الصحافيين الذين قتلهم إسرائيل خلال ممارسة عملهم بلغ منذ عام 2000، وحتّى الآن، 43 صحافياً، ولم تسجل خلال الفترة الماضية أي حالة تم فيها تقديم مرتكبي حالات القتل تلك للمحاكمة، سواء كان محلياً أو دولياً، وبيّنت تقارير أخرى أنّ نقابة الصحافيين الفلسطينيين وثقت خلال عام 2019 أكثر من 650 اعتداءً، في الضفة الغربية وغزة، ضد الصحافيين، منها 150 إصابة بالرصاص الحيّ.
المصور الصحافي عطية درويش، أصيب بطلقة مطاطية مباشرة في عينه خلال تغطيته الصحافية الحدودية، وفقد 80 في المائة من بصره، يذكر، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أنّه غطى خلال السنوات الماضية معظم الاعتداءات الإسرائيلية، وتعرض لأخطارٍ كثيرة، لكنّه لم يكن يعلم أنّ الأيام تخبئ له ذكرى يفقد فيها جزءاً من النظر بعينيه، مشيراً إلى أنّ العين هي السلاح الأول للمصور ومصدر تركيزه، وحياته المهنية اختلفت كثيراً بعد إصابته تلك.
- محاربة المحتوى الإعلامي
لا تقتصر أوجه التضييق الإسرائيلية على الحالة الإعلامية الفلسطينية، على الجانب الميداني فقط، فكثير من التقارير أشارت إلى أنّ الأولى تمارس بشكلٍ أو بآخر هجمات ضد الوجود الفلسطيني على منصات التواصل الاجتماعي، يلفت الصحافي حسن أصليح، الذي تعرض حسابه على «فيسبوك» للحذف، بعد أن كان قد وصل عدد متابعيه لـ80 ألف شخص، إلا أنّه صدم قبل عدّة أشهر من تلك الخطوة التي جاءت من دون أي إنذار أو تنبيه.
من جهته، يؤكّد المختص في الإعلام الاجتماعي سائد حسونة، لـ«الشرق الأوسط»، أنّ العام الحالي شهد محاربة خطيرة للمحتوى الفلسطيني، عبر عدد من الأدوات؛ أهمها، تفعيل القانون الإسرائيلي الذي صادق عليه الكنيست، وينص على ملاحقة النشطاء والصحافيين على خلفية عملهم، وكذلك من خلال الاتفاق بين شركة «فيسبوك» وحكومة الاحتلال الذي أثمر عن إقامة مقر للشركة داخل مدينة تل أبيب.
الجدير ذكره، أنّ مؤسسة «إمباكت» الدولية لسياسات حقوق الإنسان، كانت قد اتهمت إسرائيل بأنّها تستغل علاقاتها مع شركة «فيسبوك»، لأجل محاربة المحتوى الفلسطيني، ووجه مركز «صدى سوشيال» المحلي، في حينٍ سابق، رسالة شديدة اللهجة لشركة «فيسبوك»، بعد أن أقدمت على إدخال عدد من الكلمات ذات العلاقة بالشأن الإسرائيلي ضمن المصطلحات المحظور تداولها، الأمر الذي أدى لإغلاق العشرات من الحسابات والصفحات التي يزيد عمر إنشائها عن 10 سنوات.
- الإغلاق والتدمير
ومن أشكال الانتهاك الممارس بحق المؤسسات الفلسطينية، الإغلاق والتدمير الذي طال أكثر من مؤسسة، أبرزها كانت قناة «الأقصى» الفضائية، التي تمّ تدمير مقرها الرئيسي، بشكلٍ كامل، في نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 2018. ويذكر وسام عفيفة المدير العام للشبكة التي تتبع لها الفضائية، لـ«الشرق الأوسط»، أنّ الاستهداف الإسرائيلي لهم ولرسالتهم الإعلامية ليس الأول الذي يواجهونه، ويهدف لطمس الرواية الفلسطينية «التي تحمل نبض الشارع وهموم المواطن الناتجة عن الاعتداءات الإسرائيلية».
واعتدت القوات الإسرائيلية، نهاية العام الماضي، على موظفي تلفزيون «فلسطين»، خلال تغطيتهم لأحداثٍ بمدينة القدس، وأغلقت مكتبهم ومنعتهم من العمل لمدة 6 أشهر، كما أنّها داهمت خلال أواخر عام 2018 مقر وكالة الأنباء الرسمية «وفا»، وسحبت تسجيلات كاميراتها لاستعمالها لأغراضٍ عسكرية، وقبلها بسنة تقريباً قام الجيش الإسرائيلي بعمليات مداهمة لمكاتب مؤسسات إعلامية فلسطينية في عدد من مدن الضفة الغربية المحتلة، وأغلق اثنين منها، ويوضح نائب نقيب الصحافيين، ضمن حديثه، أنّ سياسة الاحتلال تجاه المؤسسات الإعلامية الوطنية تقوم فكرة الإقصاء وإبعاد الرواية الفلسطينية عن المشهد العالمي.
- غياب معدات السلامة
لمعدات السلامة المهنية والسترات الواقية مع الصحافيين الفلسطينيين، خصوصاً الغزيين منهم، قصّة أخرى، فمعظمهم يعملون وسط ظروف ميدانية خطرة جداً، دون توفر الحد الأدنى من مستلزمات السلامة، يقول الصحافي رامي الشرافي، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، «منذ الحصار الإسرائيلي الذي فُرض على قطاع غزة في عام 2006، لم يدخل سوى عدد قليل جداً من الدروع والأدوات الأخرى اللازمة للصحافيين».
ويوضح، وهو عضو أمانة لنقابة الصحافيين الفلسطينيين، أنّ ما دخل هو في الغالب خاص بالوكالات الدولية، التي تتمكن من تمريره عبر مراسليها المبتعثين من الخارج، حيث يعبرون الحدود بالدرع ويتركونه لزملائهم في مكتب غزة حين المغادرة، لافتاً إلى أنّ الكثير من الصحافيين داخل القطاع لجأوا، مؤخراً، لا سيما في وقت مسيرات «العودة الكبرى» و«كسر الحصار»، التي اندلعت في الثلاثين من مارس (آذار) لعام 2018، لخياطة دروع «إسفنجية وقماشية» تدلل على طبيعة عملهم فقط، وتفرّق بينهم وبين المواطنين.
وللدروع بشكلٍ خاص مدّة صلاحية، تبلغ في معظم الأحوال 6 سنوات، وفقاً لما ورد في المواصفات الصادرة عن الشركات المصنعة، وهذا يعني أنّ غالب الدروع في القطاع، هي ذات فعالية ضعيفة بسبب انتهاء فترة استعمالها المحددة، وينوه الشرافي إلى أنّهم كأسرة صحافية فلسطينية يعلمون مسبقاً أن معدات السلامة لا تحمي من الاعتداءات الإسرائيلية، وأكبر دليل على ذلك هو الاستهداف المباشر للصحافيين العاملين في المؤسسات المحلية والدولية، وهم على رأس عملهم ويرتدون الشارات المميزة لطبيعة شغلهم.
- الاعتقال والتنكيل
في مطلع أغسطس (آب) الماضي، كان الصحافي محمد العتيق الذي يسكن مدينة جنين شمال الضفة، على موعدٍ مع تجربة الاعتقال في سجون الاحتلال على خلفية عمله المهني الذي كان يغطي من خلاله أحداث الاعتداءات على المواطنين والعنف الموجه ضدهم، وروى والده أن قوة إسرائيلية اقتحمت المنزل ليلاً واقتادت محمد إلى المعتقل، واستمر محتجزاً هناك لعدّة أيام في ظروفٍ صعبة، وقبل عام واحد فقط من اعتقال العتيق واجه أربعة صحافيون كانوا يعملون لصالح قناة «القدس» الاعتقال من داخل منازلهم في مدن الضفة الغربية، وفقاً لتقارير حقوقية.
من جانبه، ترى الصحافية والباحثة شيرين خليفة، في مداخلة لـ«الشرق الأوسط»، أنّ «الاحتلال يعتقل الصحافيين على خلفية حرية الرأي، ويقوم بمحاكمتهم في محاكم عسكرية، ومن خلال منظومة قوانين عنصرية، في مخالفة للمواثيق الدولية التي تكفل حرية العمل الصحافي»، مبيّنة أنّ إسرائيل تستخدم ضد الصحافيين المعتقلين أساليب تعذيب متعددة، منها التنكيل النفسي والإهمال الطبي وغيرها، وذلك حسب وجهة نظره بحاجة لتدخل دولي عاجل يضمن حرية العمل الصحافي ويحمي ممارسيه.
يشار إلى أنّ «لجنة دعم الصحافيين»، كانت قد قالت إن إسرائيل تعتقل في سجونها زهاء 25 صحافياً، منهم 7 يقضون أحكاماً عليا فعلية، و4 معتقلون بصورة إدارية «دون محاكمة»، موضحة أنّ الاحتلال ماضٍ في استهدافه للحريات الإعلامية من خلال تكثيف حملات الاعتقالات بحق الصحافيين الفلسطينيين، ومنعهم من التغطية وممارسة عملهم، وتجديد اعتقالهم دون تهم تذكر، بهدف طمس معالم جرائمه التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني، وفي مراتٍ سابقة ساند الاتحاد الدولي للصحافيين، الفعاليات الفلسطينية المطالبة بالإفراج عن أبناء المهنة من السجون الإسرائيلية.
- تقييد الحركة
حصلت الصحافية آلاء أبو عيشة على «جائزة الصحافة العربية للشباب» عام 2017، وفي الوقت ذلك، عملت بشكلٍ جاهد على مغادرة قطاع غزة؛ لأجل حضور الحفل والتكريم، لكنّها اصطدمت بجدار القيود الذي وضعه أمامها الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي عقد الأمر كثيراً، ومرّ الحفل دون أن تتمكن من الوصول له، تتكلم لمراسل «الشرق الأوسط»، أنّ تلك الفرص هي الأهم بالنسبة للصحافيين حول العالم، وحضورها يشكّل فارقاً في حياتهم، لكنّي حرمت من ذلك بسبب إسرائيل وإجراءاتها بحق الصحافة الفلسطينية.
قصّة أبو عيشة ليست وحدها، ففي كلّ عام يعاني الصحافيون الفلسطينيون، خصّوصاً الذين يحصلون على فرص عمل بالخارج وزمالات مهنية وتكريمات وجوائز، من قيود الحركة التي تفرضها عليهم إسرائيل، ومن أولئك أيضاً، كان ممثل نقابة الصحافيين عمر نزال، الذي منعته إسرائيل خلال العام المنصرم من مغادرة الضفة الغربية لأجل حضور فعاليات «الكونغرس الدولي للصحافيين»، وفي وقتها استنكرت النقابة ذلك.


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».