تستحضر الدورة الـ11 من مهرجان «الأندلسيات الأطلسية» بعض أعمال الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا (1798 _ 1863)، خصوصا لوحة «اليهود الموسيقيين لموكادور»، وهي «اللوحة الرمزية المعروفة منذ بداية القرن الـ19»، التي يقول عنها المنظمون إنها «بلغت للعالم أجمع تميز بلدنا وغنى تنوعه».
وتهدف استعادة علاقة الرسام الفرنسي الشهير بالمغرب، بشكل عام، والصويرة، بشكل خاص، حسب المنظمين، إلى «إبراز أصالة موسيقى تنبع نغماتها من أعماق ذاكرة المغاربة، وتوثق أواصر علاقات تاريخية متميزة، وتبرز إرثا بغناه الفني وتسامحه الديني، لا تشكل، فقط، لحظة من الأحاسيس المتقاسمة، بل فضاء متميزا وفريدا، تستطيع فيه الموسيقى أن تعبر عن نفسها، بمختلف التعابير والمضامين». ويعتبر دولاكروا أحد رواد المدرسة الرومانسية الفرنسية. ومن أشهر أعماله لوحة «سلطان المغرب» (مولاي عبد الرحمن، سلطان المغرب، يخرج من قصره في مكناس محاطا بحراسه)، التي رسمها عام 1845، إلى جانب أعمال أخرى كثيرة، يبدو فيها تأثره بسفرياته إلى شمال أفريقيا. ويتفق المهتمون بمسار ومسيرة هذا الفنان المتميز على أن «رحلته المغربية، التي بدأت في 24 يناير (كانون الثاني) من عام 1832 لتنتهي في 5 يوليو (تموز) من العام نفسه، تركت لدى الرسام ألف انطباع وألف لون ولون، بل ظلت تؤثر فيه وفي ألوانه ومواضيعه حتى نهاية حياته. لكن، يتساءل منظمو مهرجان الصويرة: «لماذا وضعت نظرة وريشات دولاكروا على موكادور رغم أنه لم يسبق له أن جاء إلى هذه المدينة؟». والجواب، نجده مسجلا في مذكرات سفره، مختزلا في جملة «هذا أفضل ما يوجد بمملكتنا»، كما قال له السلطان مولاي عبد الرحمان (1789 _ 1859)، الذي حين استقباله لوفد فرنسي بقصره الملكي بمكناس كان قد أحضر من الصويرة جوقا يتكون من يهود ومسلمين، وهو جوق كان يعتبره من أحسن ما يوجد بالمغرب. وتؤكد هذه القصة، حسب المنظمين، عمق ونوعية ومشروعية المدرسة الصويرية للطرب الأندلسي، وهي، أيضا، قصة تحكي عن تعايش وانسجام اليهود والمسلمين، وهو الشيء الذي يؤرخ لخصوصية الصويرة.
ويشدد المنظمون على أن هذه القصة لا تكتب في الماضي، فقط، اعتبارا لكون مدينة الرياح (اللقب الذي تعرف به مدينة الصويرة) تهدي للمولعين، منذ عشر سنوات، مهرجانا فريدا، هو الوحيد في العالم الذي يبسط منصته للشعراء والمغنيين والموسيقيين، مسلمين ويهود، حيث يحكون لنا، بأسلوبهم الخاص، عن فن الحياة الجماعية، حيث ميزة التشارك وتقديم الموسيقى والثقافة في أبهى ألوانها المعبرة عن مقاومة الانكماش أو النسيان أو الانكسار. ومن أجل أن يصير العيد مكتملا، فإننا في هذه اللحظة أمام باحثين شباب وموسيقيين صويريين، برئاسة عبد الصمد إعمارة، مدير المعهد الموسيقي بالصويرة، والذين تمكنوا، بعد شهور من الاشتغال، من ترتيب ونقل تقاسيم وكلمات وتلحين المقطوعة الموسيقية المؤداة أمام السلطان مولاي عبد الرحمان، سنة 1842، وذلك بمساهمة الفنان مولاي عبد الغني الكتاني. إن هذه المقطوعة الأسطورية والمعروفة باسم «القدام الجديد الصويري» لم يكن قد وجد لها أثر أو نقل أو أداء منذ أوائل القرن الـ19.
وإلى جانب هذا الربط الفني بين الماضي والحاضر، يتضمن برنامج الدورة، التي تنظم خلال الفترة ما بين 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي و2 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، حفلات، تحتضنها «دار الصويري» والمنصة الكبيرة للمهرجان، حيث سيتم استقبال الجوق التطواني برئاسة محمد أمين الأكرمي، والذي سيشاركه في الأداء حاييم لوك وعبد الرحيم الصويري وبنيامين بوزاكلو. كما يتضمن البرنامج مشاركة كل تلك النساء اللواتي يعملن منذ سنين من أجل الغزو المتجدد لتراث «الشكوري» في كل أنواع الفن اليهودي العربي والملحون والشعبي والأندلسي، بحضور سناء مرحتي ونطع القيام وعبير العابد وزينب أفيلال وفاتن كارتي وجوق النساء الصويريات ومدرسة فلامينكو إشبيلية الإسبانية. ومن الرجال، ستتأكد قدرات مواهب صويريين تميزوا وطنيا بعطاءاتهم الفنية، من أمثال هشام دينار ورشيد أوشاهد، إلى جانب عبد المجيد الصويري، الذاكرة الحية لما أعطته الصويرة موكادور ضمن التراث الوطني للسماع والموسيقى الأندلسية. كما يعرف البرنامج لحظات فنية روحانية مع طوائف مدينة الصويرة، مع زاوية درقاوة وعيساوة واحمادشة والتيجانيين، وكل المجموعات التي تؤسس لروح الاتجاهات والأذواق الموسيقية، بفضل عطاءات وتسيير الحاج مارينة والحاج الهالب وحمزة جورتي وآخرون.
وكما جرت العادة، ستخصص صباحيات المهرجان للنقاش الفكري في إطار منتدى، يشارك فيه مثقفون ورجال فكر، يتناولون بالعرض والنقاش مضمون وتوجه الأفكار التي سعت التظاهرة، منذ انطلاقتها، إلى طرحها والاحتفاء بها.
ويعيد وصول المهرجان إلى محطته الـ11، تركيز الحديث عن قيمة العمل المنجز والأهداف من تنظيم تظاهرة، ببعد ثقافي وفني، تحتفي بالتعدد والتسامح والتعايش بين الديانات والثقافات، سواء عبر مد الجسور بين فضاء جغرافي عريض يضم البحر الأبيض المتوسط، ويمتد حتى الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي، والذي يشكل الإرث الأندلسي الرابط الذي يجمع بين مكوناته، أو التشديد على أهمية الاحتفال بالذاكرة ونقل التراث ضمن ثقافة الاختلاف، والتعبير بصوت واحد عن غنى وعمق المغرب المتعدد، الذي يهتز، في انسجام، على أنغام موحدة لموسيقى بلا حدود.
11:53 دقيقه
مهرجان «الأندلسيات الأطلسية» بالصويرة يواصل الاحتفاء بالتعايش في المغرب
https://aawsat.com/home/article/206791/%D9%85%D9%87%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D9%86-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A9%C2%BB-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%8A%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%B4-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8
مهرجان «الأندلسيات الأطلسية» بالصويرة يواصل الاحتفاء بالتعايش في المغرب
الدورة الـ11 تستحضر السلطان مولاي عبد الرحمان والفنان دولاكروا
لحظات فنية روحانية مع طوائف مدينة الصويرة
- مراكش: عبد الكبير الميناوي
- مراكش: عبد الكبير الميناوي
مهرجان «الأندلسيات الأطلسية» بالصويرة يواصل الاحتفاء بالتعايش في المغرب
لحظات فنية روحانية مع طوائف مدينة الصويرة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

