تكليف دياب تشكيل الحكومة اللبنانية يفاقم الاستياء السنّي

الحريري مقابل باسيل معادلة مرفوضة... ومسار «الإحباط» بدأ في 2008

تكليف دياب تشكيل الحكومة اللبنانية يفاقم الاستياء السنّي
TT

تكليف دياب تشكيل الحكومة اللبنانية يفاقم الاستياء السنّي

تكليف دياب تشكيل الحكومة اللبنانية يفاقم الاستياء السنّي

يشعر المسلمون السنة في لبنان منذ عام 2008 - وهو العام الذي استخدم فيه حزب الله سلاحه في الداخل - أن تأثيرهم يتضاءل على حساب الشيعة والمسيحيين. وبعدما اعتقدوا أن التسوية السياسية التي قرّر رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري السير بها في عام 2016، والتي أسست لشراكة مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون و«التيار الوطني الحر»، الواسع التمثيل لدى المسيحيين، من شأنها أن تعزز موقعهم في الحياة السياسية، اضطر الحريري للاستقالة. والأسوأ أن استقالته جاءت على خلفية اندلاع الانتفاضة الشعبية المستمرة منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتلاها تكليف وزير التربية الأسبق حسان دياب - المقرّب من الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) وعون - لتشكيل الحكومة الجديدة بـ6 أصوات نيابية سنّية فقط. وهو ما فاقم من الاستياء السنّي الذي بات يظهر بوضوح من خلال عمليات الاعتراض المتواصلة في المناطق ذات الغالبية السنّية.

يعدّ القسم الأكبر من المسلمين السنة في لبنان اليوم، أن المطالب التي رفعتها الانتفاضة والتي نادت بإسقاط كل زعماء الطوائف دون استثناء، أتت على حسابهم وحدهم، وذلك لأن سعد الحريري، الزعيم السني الأول في البلاد، هو وحده بين الرؤساء الثلاثة الذي استقال، بينما ظل رئيس الجمهورية الماروني ورئيس مجلس النواب الشيعي في منصبيهما.
ثم إن تكليف حسان دياب تشكيل الحكومة الجديدة، بعد امتناع رئيس الجمهورية عن الدعوة لاستشارات مُلزمة فور استقالة الحريري، أثار الاستياء السنّي لسببين؛ الأول: بدء رئيس الجمهورية وحلفائه إجراء مشاورات التشكيل قبل التكليف. والثاني: لأن قسماً كبيراً من السنة يعتبر أن تكليف دياب تولاه «الثنائي الشيعي» والوزير جبران باسيل، رئيس تيار رئيس الجمهورية، وهو ما يعني برأيهم فرض إرادة طوائف أخرى على الطائفة السنّية. والسبب الثاني عبّر عنه بوضوح رئيس الحكومة السابق تمام سلام الذي اعتبر أن «الإتيان برئيس الحكومة المكلف حسان دياب لتشكيل الحكومة وملابسات تسميته يقابَل بما هو أكثر من اعتراضٍ سنّي، فهناك غضب عند السنة بفعل ما تم اعتماده من تكليفٍ مُعَلَّبٍ لدياب وبالرغم عنهم».
دياب، الأستاذ الجامعي في هندسة الاتصالات والكومبيوتر ونائب رئيس الجامعة الأميركية في بيروت، حصل على 69 صوتاً لتشكيل الحكومة الجديدة، بينهم فقط 6 أصوات سنّية؛ وهي أصوات نواب «اللقاء التشاوري» الذي يضم النواب السنة المتحالفين مع حزب الله: عدنان طرابلسي، وعبد الرحيم مراد، والوليد سكّرية، وجهاد الصمد وفيصل كرامي، إضافة إلى النائب قاسم هاشم عضو كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها رئيس المجلس النيابي نبيه برّي. وفي المقابل، أحجم 21 نائباً سنّياً من أصل 27 عن تسميته من ضمنهم كتلتا «المستقبل» و«الوسط المستقل» التي يرأسها رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي.
النائب في تيار المستقبل عاصم عراجي قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه إن «الشارع السنّي يعيش نوعاً من الإحباط نتيجة تكليف دياب، وهذا ليس خافياً على أحد. أضف أن طريقة التشكيل الحاصلة وتوزيع الحصص يفاقمان هذا الإحباط». ولفت إلى أن «الاعتراض السنّي الأساسي هو كيف أن ما أعطي لحسان دياب لم يُعطَ لسعد الحريري، ما يظهر وجود نية واضحة لإقصاء الزعامات السنية». وأضاف عراجي: «لا يقتصر الإحباط السني الحالي على تكليف دياب، بل سبقه الاستياء من محاولة جبران باسيل فرض نفسه بإطار معادلة (سعد مقابل جبران)، وهي معادلة مرفوضة تماماً، باعتبار أن باسيل رئيس تيار، أما الحريري فرئيس حكومة. وبالتالي، لا يصح وضع الحريري إلا في معادلة مع عون وبرّي، وليس ربط ترؤسه الحكومة بوجود باسيل فيها». ثم تساءل: «أليس جبران باسيل نفسه مَن سبق أن تحدث عن وجوب أن يكون رئيس الجمهورية الأقوى في طائفته؟ فلماذا ما يصحّ في رئاسة الجمهورية لا يصح في رئاسة الحكومة؟».
إلا أن الجو الذي ينقله عراجي عن الشارع السني، لا يوافق عليه تماماً النائب السني في كتلة برّي، قاسم هاشم (وهو عضو في حزب البعث - جناح سوريا -) الذي يستبعد أن يكون الإحباط تسلل إلى سنة لبنان على خلفية تكليف دياب، ويقول: «ذلك لم يحصل إلا بعد اعتذار صاحب أكبر كتلة ممثلة للسنة، ألا وهو الرئيس الحريري، علماً بأن القاصي والداني يعلم بأن (الثنائي الشيعي) أصرّ حتى ربع الساعة الأخيرة على أن يتولى رئيس (المستقبل) رئاسة الحكومة». وتابع قاسم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» كلامه: «قرار الحريري الاعتذار عن التشكيل استدعى التعاطي وفق الأصول الدستورية التي أدت لتكليف الدكتور دياب». ومن ثم شدّد على أن «الإشكالية الأساسية تتخطى الخلاف الحالي - وتكمن في الروحية الطائفية والمذهبية المتحكمة بالبلد من خلال هذا النظام الطائفي البغيض الذي نعتبر أنه آن أوان التخلص منه».

- مسار طويل من الإحباط
في هذه الأثناء، يرى وزير ونائب سابق من تيار «المستقبل» - فضل إغفال الإشارة إلى هويته - أن تكليف دياب «ليس إلا نتيجة طبيعية للمسار الذي تسلكه الأمور منذ عام 2008 عندما أخذ السنة في لبنان يشعرون من وقتها حينها بالإحباط لوجود انطباع سائد بسيطرة حزب الله على كل شيء وضمناً مقدرات الطائفة». وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه بعد اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في عام 2005، كان هناك نوع من استنهاض سنّي ما لبث أن تلاشى بعد 3 سنوات. وأردف المسؤول «المستقبلي» السابق: «توالت الانتكاسات سواءً في عام 2011 بعد إقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة وفرض نجيب ميقاتي رئيساً جديداً ووصولاً إلى إقرار قانون انتخاب في عام 2017 جاء على حساب تيار المستقبل». وعدّ النائب السابق أن «أزمة السنة ليست محصورة في لبنان، إنما تمتد إلى سنة سوريا والعراق الذين حُمّلوا مسؤوليات كبيرة بموضوع الإرهاب وسواه من المواضيع... أضف إلى أن الهجمة الإيرانية على منطقتنا لعبت دوراً كبيراً في الإحباط السنّي، من دون أن ننكر أن الطائفة لم تتمكن، وبالتحديد في لبنان، من أن تفرز قيادات تكون على مستوى الأحداث أو أنه لم يُسمح لها بذلك».
«مركز كارنيغي للشرق الأوسط» يعتبر من جهته أن رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري - وهو أحد الزعماء السنة ذوي الشعبية - كان في النتيجة ركناً أساسياً في إعادة بناء وتعزيز المؤسّسات التي دمرتها الحرب الأهلية في البلاد بين عامي 1975 و1990. غير أن اغتياله في عام 2005 غيّر هذه المعادلة بصورة كبيرة. ويشير المركز في دراسة سابقة له إلى أنه مع اغتيال الحريري، ظلّ السنة من دون زعيم «كاريزمي» ذي نفوذ في هرم الدولة.
عودة إلى النائب عراجي، الذي يتحدث عن «تحوّل» في طريقة تعاطي السنة في لبنان مع المسار العام للأمور، «فهم لم يفكروا يوماً خلال الحرب الأهلية بتشكيل ميليشيات على غرار باقي الطوائف، فكان الفلسطينيون هم من يقودون الجبهة». ويضيف: «هم لطالما شعروا أنهم طائفة كبيرة على مستوى العالم العربي، وبالتالي لا مكان للوهن والضعف في نفوسهم، بل على العكس كانوا يعتبرون أنهم من المفترض أن يحتضنوا كل الطوائف. غير أن ما حصل في سوريا، بشكل أساسي، كما الدور الإيراني المتعاظم في المنطقة، كانا من العوامل التي زرعت القلق في نفوسهم وجعلت الإحباط يتسلل إليها».
وفي هذا السياق، كتبت الدكتورة منى فياض، الأستاذة في الجامعة اللبنانية ببيروت، في أحد مقالاتها أنه «من الظلم حصر مظلومية الطائفة السنيّة، التي حوصرت بتهم (التكفير) و(التخوين) و(الدعشنة)، حتى طرابلس - عروس الثورة - وُسمت بأنها (قندهار لبنان)، بكيفية تعيين الرئيس المكلف». وأشارت إلى أن «الإحباطات تتراكم منذ اغتيل رفيق الحريري عام 2005 مروراً بغزوة 7 مايو (أيار) التي تسببت في مقتل أكثر من 100 ضحية. وتوالت المحطات المشابهة، فوصل الأمر إبّان حصار السراي الحكومية إلى الاعتداء على رجال دين سنة من صبية حي اللجاه والخندق الغميق نفسه فحلقوا ذقونهم. ناهيك بشيطنة (الرئيس فؤاد) السنيورة الذي أصبح الممثل الحصري للفساد الذي يغرقون به جميعهم». وأضافت: «وليس إسقاط الحريري، في سابقة لا مثيل لها، من الرابية في لحظة دخوله البيت الأبيض هو الذي سيرفع معنويات السنة، كما اللبنانيين، ولا وضع البلد في الثلاجة لعامين ونصف العام من أجل الإتيان بالرئيس الذي فرضته الثنائية الشيعية».
ورأت الدكتورة فياض (وهي شيعية) أنه «تم إضعاف الطائفة السنّيّة عندما وافق الحريري على التسوية التي جعلته الغطاء (الميثاقي) لفرض قانون انتخاب (أرثوذكسي) على الطريقة الفرزلية (اقترحه نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي، حليف الرئيس عون) سمح لحزب الله بالحفاظ على دولته وسلاحه وعلى احتكاره للتمثيل الشيعي، بصورة دستورية هذه المرة». ثم لفتت إلى أن «الحريري وحلفاءه برّروا التسوية - الصفقة تحت شعار تجنب الفراغ؛ فوقعنا في الهاوية». وأيضاً، رأت فياض أنه «من الطبيعي أن يورث تراكم هذه الجروح الشارع السني، المرارة والإحباط الشديدين حتى الغليان. ليس لأنه يريد استعادة الحريري (سوى بجزء ضئيل منه)، بل لأن الثورة لم تعنِ إسقاطه وحده لتعويم أركان السلطة الباقين».

- اختلال ميزان القوى
في أي حال، تتعرض القوى والأحزاب السنّية للانتقاد بسبب تقصيرها الكبير تجاه المجتمع السنّي، ما يجعل المناطق ذات الغالبية السنية، خصوصاً في عكار وطرابلس بشمال لبنان، ومناطق في البقاع بشرق لبنان، ترزح تحت فقر مدقع كان وراء دفع عدد كبير من أبنائها للانضواء في صفوف «الانتفاضة الشعبية» أخيراً.
ووفق مركز «كارنيغي»، فإن «عدداً متزايداً من السنة يشعرون بخيبة أمل بسبب ما يعدّه البعض تخلّي تيار (المستقبل) عن نضاله ضد النفوذ السوري والإيراني في لبنان، الذي يشكّل أحد البرامج التي قام على أساسها». إلا أن الوزير والنائب «المستقبلي» السابق يردّ السبب الرئيسي لتراجع دور السنة في لبنان وتيار «المستقبل» إلى «كون البلد من دون سيادة، ولتحكم لعبة توازن القوى به واختلال الميزان بميله بوضوح لمصلحة حزب الله، بدل أن نكون في كنف قوة التوازن». ويصف الإحباط السنّي بـ«المخيف» مشدداً على أنه لا يمكن تبيان إلى أين يمكن أن يؤدي، ومضيفاً: «هناك عنصر أساسي لا يجري كثيراً التوقف عنده، وهو يشكل تحولاً جذرياً بالطائفة السنّية في لبنان التي لطالما كانت (مدينية)، أي تتمركز في مدن بيروت وطرابلس وصيدا، فإذا بها اليوم وبنسبة تفوق 50 في المائة تتحول ريفية... بحيث بات سنة لبنان يتمركزون بشكل لافت في مناطق عكار والبقاع الغربي والبقاع الشمالي وزحلة وشبعا وغيرها من المناطق الريفية، ما يعني نظرة مختلفة للأمور ولكيفية مقاربتها».
على صعيد متصل، لاحظت دراسة لـ«معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» أن الطائفة السنّية اللبنانية، والتي تشهر صفات الانفتاح والعصرية، قد تمكنت بالفعل من مقاومة الضغوط المتعددة باتجاه التطرف والتشدد، وذلك نتيجة بناها الذاتية الداخلية وتواصلاتها الاجتماعية الاقتصادية مع الطوائف الأخرى. إلا أنها ترى أن الزعامات السنّية، التي تعرضّت لقدر جديد من التشظّي بعد اغتيال رفيق الحريري، لم تواكب الجهد الأهلي في مقاومة هذه الضغوط. وترد الدراسة السبب لكون هؤلاء الزعماء يواجهون صعوبات مشهودة وتحديات متواصلة لمواقعهم، وتعتبر أن «التعويل على الدفاعات الداخلية للطائفة السنّية لن يكون كافياً لمواجهة السعي القائم من جانب محور المقاومة (أي حزب الله وخلفه نظام إيران) لوسم الطائفة بالتطرف ولدفعها إليه».

- الصراع السني ـ الماروني على الصلاحيات
لا يرتبط «الإحباط السنّي» المستجد حصراً بتكليف حسان دياب تشكيل الحكومة، إذ لطالما شهدنا في الآونة الأخيرة صراعاً بين القوى السنّية في لبنان من جهة ورئيس الجمهورية ميشال عون وصهره الوزير جبران باسيل من جهة ثانية. وهذان الأخيران تتهمهما القوى السنّية بمحاولة استعادة صلاحيات أخذها «اتفاق الطائف» من موقع رئيس الجمهورية وأعطاها لمجلس الوزراء مجتمعاً.
ويركز رؤساء الحكومات السابقون في الفترة الأخيرة على ما يرون أنها «خروقات متكررة للطائف»، كان آخرها برأيهم تأخير إتمام الاستشارات النيابية. وفي بيان أصدره أخيراً رؤساء الحكومات السابقون نجيب ميقاتي وتمام سلام وفؤاد السنيورة، تحدثوا عن «اعتداء سافر على صلاحيات النواب بتسمية الرئيس المكلف من خلال الاستشارات النيابية المُلزمة لرئيس الجمهورية بإجرائها وبنتائجها، ومن ثم الاعتداء على صلاحيات رئيس الحكومة عندما يتمّ تكليفه تشكيل الحكومة بعد إجراء الاستشارات اللازمة، وذلك من خلال استباق هذه الاستشارات وابتداع ما يسمى رئيساً محتملاً للحكومة، وهو ما قام به فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل كما أعلنه الوزير باسيل بذاته». وذهبوا إلى حد اعتبار «الاعتداء غير المسبوق، لا قبل الطائف ولا بعده، على موقع رئاسة الحكومة، جريمة خطيرة بحق وحدة الشعب اللبناني وبحق أحكام الدستور».
وكانت رئاسة الجمهورية ردت على رؤساء الحكومات السابقين، معتبرة أنهم «لو أدركوا ما كان سيترتّب على الإسراع في إجراء الاستشارات النيابية المُلزمة من انعكاسات سلبية على الوضع العام في البلاد وعلى الوحدة الوطنية والشرعية الميثاقية، لما أصدروا هذا البيان وما تضمنه من مغالطات ولكانوا أدركوا صوابية القرار الذي اتخذه رئيس الجمهورية».
لكن خلدون الشريف، المستشار السياسي للرئيس نجيب ميقاتي قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانطباع العام السائد هو أن الموقع السنّي الأول في البلد، أي رئاسة الحكومة، لم يعد يوازن المواقع المارونية والشيعية. إذ لدينا رئيس جمهورية سُمّي (القوي) ورئيس مجلس نواب هناك توافق عام على اعتباره أعتى الأقوياء. وفي المقابل، هناك رئيس حكومة مكلف، صحيح أنه أتى بغطاء دستوري، لكنه يفتقد للتمثيل الشعبي، كما السياسي، اللذين يحظى بهما عون وبرّي. وهذا ما أدى لشعور الطائفة السنّية أنها همّشت من المعادلة السياسية في لبنان». ويضيف الشريف: «لكن الطائفة السنّية تبقى في نهاية المطاف طائفة مؤسسة للوطن ولا يمكن لأي كان تجاوزها، وإن كانت تمرّ كما كل الطوائف في مرحلة من المراحل بظروف صعبة... وهي اليوم في أضعف أحوالها».
ويصوّب الشريف باتجاه المشكلة التي يعدّها أساسية ألا وهي «الإحجام عن تطبيق اتفاق الطائف». ويشدد على أن أي حل ينطلق من العودة إلى بنود هذا الاتفاق الذي أمكن التوصل إليه بعد حرب طويلة، قائلاً: «أين ما اتفق عليه بوقتها لجهة انتخاب النواب خارج القيد الطائفي وإنشاء مجلس شيوخ وهيئة عليا لإلغاء الطائفية السياسية بالإضافة للامركزية الإدارية؟».
ولا يخفي الشريف وجود انطباع عام بأن عون وباسيل يتعمدان مصادرة صلاحيات رئيس الحكومة، وآخر هذه المحاولات حصلت في الاستشارات النيابية الملزمة حين روّجت مصادرهما بأن «الاستشارات مُلزمة لكن نتائجها غير مُلزمة. وهذا أمر لا يستدعي حتى التفكير به باعتباره من خارج كل ما تم الاتفاق عليه بالطائف، الذي يجعل من رئيس الجمهورية صندوق بريد تقتصر مهمته على عد الأصوات، أما الترويج لما هو خلاف ذلك، فيندرج في إطار المحاولات المتواصلة لاستعادة الوضع الذي كان قائماً قبل الطائف».
بالمقابل، تنفي مصادر «الوطني الحر» (تيار عون) تهمة محاولة للانقضاض على صلاحيات رئاسة الحكومة، وتقول: «على أن ما يحصل هو ممارسة رئيس الجمهورية دوره وصلاحياته المنصوص عليها في الدستور»، مضيفة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «إذا كانوا لم يعتادوا ذلك في العهود السابقة، فهذا لا يعني خرق الدستور والطائف بل تطبيقهما فعلياً. فليعودوا إلى النصوص ويدققوا بها وبعدها فليتهمونا بتجاوزها، في حال صح ذلك».


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.