بروز أفلام تتحدث عن مهاجرين يبحثون عن عيش أفضل.. لكن النهايات غير مضمونة

في «ليلة النار» المخرج الأفغاني برهان قرباني يتناول أوضاعهم في حريق مدينة الأمانية

مهاجرون متعددون في «الملجأ» (سويسرا)
مهاجرون متعددون في «الملجأ» (سويسرا)
TT

بروز أفلام تتحدث عن مهاجرين يبحثون عن عيش أفضل.. لكن النهايات غير مضمونة

مهاجرون متعددون في «الملجأ» (سويسرا)
مهاجرون متعددون في «الملجأ» (سويسرا)

لم تكن ليلة عادية هي تلك التي وقعت صيف سنة 1992 في مدينة روستوك الألمانية: عدد كبير من الشبان حالقي الرؤوس المنتمين إلى جماعات «النازية الجديدة» قررت مهاجمة مبنى يضم مهاجرين من طالبي اللجوء السياسي وإحراقه. وقع الهجوم المباغت في 29 أغسطس (آب) من ذلك العام.
سمّيت الليلة «ليلة النار» وأعادها الباحثون الألمان إلى شعور الإحباط الكبير الذي صدم أبناء تلك المدينة وإلى الفراغ السياسي بعد 3 سنوات من انهيار الجدار الذي كان فاصلا بين مدينتي برلين، الشرقية والغربية.‬
هذا الحدث لا يزال ماثلا لدى المخرج برهان قرباني، وهو أفغاني المولد وألماني الجنسية قرر في مطلع هذا العام تأليف دراما من ذلك الحدث وأنجز الفيلم ليعرضه عرضا عالميا أول في مهرجان روما السينمائي الذي انتهى قبل أسابيع قليلة.‬
‬سبق لقرباني أن شارك بفيلم «شهادة» في دورة عام 2010 لمهرجان برلين السينمائي. ذلك الفيلم لم يبتعد عن خط البحث في العلاقة بين الألمان والمهاجرين أو أبنائهم الذين وُلدوا في ألمانيا. كان حول شخصيات مسلمة تعيش واقعا جديدا عليها.
هناك مريم (مريم زاري) الفتاة المتحررة التي تقوم بإجهاض نفسها عندما تدرك أنها حامل حديثا. الشاب الذي حملت منه يحاول استكمال العلاقة بينهما، لكن محاولته تلك تأتي بعد أن أدّت الحادثة إلى مراجعتها لنفسها وللعلاقة لتجد أن ما مرّت به من نزيف هدّد حياتها بعد ذلك، هو عقاب إلهي على خطيئتها. والدها إمام جامع من المعتدلين في فهمه للإسلام وفي أحكامه وقبس من نور يغزو روحها عندما تدرك حجم الخطأ الذي ارتكبته.
حكايتها ليست سوى واحدة من حكايات أخرى متشابكة، فهناك أيضا قصة سامي، وهو شاب أفريقي مسلم يعيش مع والدته في منزلهما الصغير ويعمل في مصنع، وأحد رفاق العمل ألماني لواطي. الأفريقي يجد نفسه مشدودا إلى ذلك الألماني الذي لا يتوانى عن إظهار اهتمامه بالإسلام والذهاب لسماع الإمام (والد البنت) في أحاديثه. لكن الاحتكاك الجنسي يقع والشاب الأفريقي يعاني منه كفعل خطيئة ويجهد في سبيل عدم الانجراف فيه وينجح في ذلك بعد مغريات ناتجة عن إلحاح الألماني وما يحدثه فعل كهذا من اضطراب في الذات الداخلية ولهفة للعودة إليه٠‬
القصة الثالثة تتمحور حول الشرطي التركي إسماعيل الذي كان قبل سنوات أطلق النار على ابنة امرأة بوسنية اسمها ليلى بالخطأ فقتلها. إنه متزوّج من ألمانية ولديه ولد، لكن حين يلتقي بالألم، ليلى، وذلك أثناء مداهمة لذات المصنع الذي يعمل فيه سامي، تزوره الأفكار ومشاعر تأنيب الضمير وينحو لعلاقة عاطفية يدخل منها باحثا عن غفران ليلى له وهي تفعل ذلك ويعود بعد ذلك إلى زوجته التي لا تزال تنتظر ذلك منه.
دخول وخروج الحكايات (مشهد من كل حكاية لبضع دقائق ثم مشهد من حكاية أخرى وهكذا) سلس ولا مشاكل مهمة فيه. لكن المخرج قسم فيلمه إلى فصول لا داعي لها. الفصول يمكن أن تساعد لو اختار المخرج تناول كل حكاية على حدة، لكن اختياره الصائب في تداولها على النحو الذي قام به يلغي الحاجة لمنهج الفصول المتوالية.
لكن «نحن شبان.. نحن أقوياء»‬ على الرغم من الخطوط المشتركة في الاهتمام يختلف من حيث إنه يركّـز هنا على الساعات التي سبقت قيام العصبة النازية بالهجوم على ذلك المبنى. ويبحث في 3 شخصيات أساسية: رجل بوليس (ديفيد سترايسوف) لديه مطامع سياسية وابنه المنتمي إلى «النازيين الجدد» (يوناس ناي) وفتاة فيتنامية (ترانج لي هونغ) تعيش وأهلها في واحدة من شقق العمارة التي أضرمت فيها النيران.
في حين أن الأب هرع إلى منزله عندما اندلعت الأحداث إلى بيته لينزوي فيه، وهو أقرب إلى موقف الغالبية التي تعتقد أن مصلحتها هي الامتناع عن اتخاذ رأي بصرف النظر عن جهته. لا هي مع المهاجرين ولا هي مع النازيين بل تنتمي إلى جماعة لننتظر ونرى ما سيحدث تبعا لذلك.
صوّر المخرج قرباني فيلمه بالأبيض والأسود باستثناء الجزء الذي تقع فيه حادثة الحرق ذاتها وذلك بقصد وضع المشاهد في بؤرة الحقيقة بعدما سبق وألف أجواء التوتر التي تسبق الحادثة.
«نحن شبان.. نحن أقوياء» ليس الفيلم الوحيد هذا العام من تلك التي دارت حول موضوع المهاجرين. بل هو في الواقع موضوع متكرر هذه الأيام لكل الأسباب المعروفة: الظروف القاسية التي يمر بها عدد كبير من الدول حول العالم والتي تزيد من فعل الهجرة إلى أوروبا أو سواها، والحروب المستعرة في أكثر من بقعة، ثم فقدان التوازن الاقتصادي بين المجتمعات. هذا الأخير ليس جديدا لكن تأثيراته اليوم أعنف وأقوى مما كانت عليه بالأمس.
مهرجان لوكارنو الذي أقيم في الشهر الثامن من هذا العام عرض عددا من هذه الأفلام، بينها التسجيلي «الملجأ» لفرناند ملغار. رصد مشبع بالجوانب التي لا تتخذ رأيا أو خطابا بحد ذاتها، لكنها تعرض المواقف كما هي.
في «الملجأ» يعرض علينا المخرج حالا ثابتا: في كل ليلة، يتجمع عدد غفير من الناس أمام ملجأ خيري يحاولون الدخول إليه ليناموا ليلتهم فوق أسرّته وليأكلوا مما يوفره من طعام. لا يجمعهم الفقر فقط، بل كونهم مهاجرين من أنحاء مختلفة من العالم القريب. المكان هو مدينة لوزان السويسرية والمشكلة هي أن هذا الكم والهم من المعاناة موجود في بلد يلجأ إليه، عادة، أثرياء من حول العالم، ليواصلوا ممارسة حياة بعيدة عن الأزمات قدر الإمكان. كاميرا المخرج الشاب ملغار لا تكترث لأن تبيع المشاهد مواقف جاهزة، ولا حتى الإعلان عن نفسها أو عن المخرج - المصوّر وراءها. لا محاولات لإعادة رصف الواقع وتسميته تسجيليا، بل مجرد تصويره ونقل أوجهه المختلفة. ينقل معاناة المهاجرين الوافدين من دول أوروبية (إسبانيا، رومانيا إلخ…) وأفريقية (موريتانيا والسنغال من بين أخرى). يلاحق المخرج بعض الشخصيات ويطرح مستقبلها المجهول، لكنه أيضا يدخل الملجأ وينقل صورة عما يقع فيه من أزمات. هناك معاناة على الطرفين، خصوصا وأن المسؤولين في الملجأ يهدفون فعلا للمساعدة، لكن المساحة ضيقة واللاجئون كثيرون. لا يخشى المخرج القبض على روح الأزمة ونقلها صورا تعكس مآسي إنسانية عادة ما تبقى بعيدة أو مموّهة. سرد سلس وتصوير بيئي معاش وتأكيد على أن الحكومات تستطيع حل أزمات شعوبها لو أرادت.. لكنها عادة لا تكترث. مهرجان فينسيا في أعقاب لوكارنو، عرض - فيما عرض - فيلما تسجيليا جيدا وإن لم يكن كاملا هو «أنا مع العروس»: فلسطينيون وسوريون يصلون إلى ميلانو بعد رحلة شاقة لا يتعاطاها الفيلم بالصورة، لكنه يسجل الرحلة المقبلة لهم. فميلانو ليست سوى محطة وصول وانتقال للمجموعة التي تقصد الوصول إلى السويد. لا يريد الفيلم الحديث في السياسة وحسنا ما فعل لأنه بذلك غلّب الموضوع الإنساني وأتاح للناظر استبعاد العوامل الأخرى قدر الإمكان والاهتمام بالحالة الإنسانية بحد ذاتها.
في الوقت ذاته، عرض مهرجان تورونتو «أوديسا عراقية» للمخرج المخضرم سمير (يكتفي باسم واحد). هذا الفيلم هو إنتاج سويسري وألماني مع مساهمة إماراتية يعرض لعائلة هاجرت إلى الغرب قبل نصف قرن ولا تزال تعيش في أحلام متناثرة. إنه فيلم تسجيلي أيضا عن العائلة والأوضاع والهجرة المضطربة والحياة تحت لحاف السياسة في الدول الأم والدول المستضيفة.
في تورونتو أيضا شاهدنا «هايمو»، تشويق اجتماعي - سياسي عرضه بعد ذلك مهرجان سان سابستيان الألماني في مسابقته الرئيسة. ليس عن مهاجرين من الدول العربية، بل يتخصص هذا الفيلم الكوري بحكايات البحر باللاجئين غير الشرعيين القادمين من سواحل قريبة ليشاركوا صيادي السمك المحليين سبل العيش. تراجيديا تقع حين تشرف سفينة تقل هؤلاء على الغرق في بحر من العواصف، ويجد أحد ملاحي المركبة أن عليه إنقاذ فتاة كان وقع في حبها ليس من فعل الطبيعة وحدها بل من شرور الكابتن وأعوانه.
الهجرة بين دول ذات وضع ثقافي أو تاريخي أو جغرافي مشترك لا يقل بؤسا عن تلك التي تتم من دولة لا تشترك في أي من هذه المواصفات مع الدولة التي يتجه صوبها اللاجئ محملا بالرغبات والآمال.
كان هذا حال فيلم بيلي أوغوست سنة 1987 الذي سماه «بيل القاهر» (Pelle the Conquerer) حول مركب من المهاجرين السويديين الذين حطّوا في جزيرة بورنهولم الدنماركية ليكتشف العديد منهم، ومن بينهم بطلا الفيلم لاسي وابنه بيلي، صعوبة الامتزاج على الرغم من قرب الأواصر التاريخية والجغرافية وما بعدهما.
هذا الموضوع هو أيضا لب فيلم سويدي نرويجي جديد عرضه مهرجان زيوريخ مؤخرا من تحقيق روني سانداهال بعنوان «الوضيع» (العنوان السويدي الأصلي هو Underdog) الذي يبحر في محاولة تقديم شخصيات سويدية كانت وصلت إلى النرويج بحثا عن مستقبل لتجد أن ثمن ذلك، اقتصاديا ومعيشيا على الأقل، باهظ جدا، ناهيك عن تشتت أغراض العائلة الواحدة والمفهوم المختلف بين أفرادها لما يجب القيام به.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».