لم تكن ليلة عادية هي تلك التي وقعت صيف سنة 1992 في مدينة روستوك الألمانية: عدد كبير من الشبان حالقي الرؤوس المنتمين إلى جماعات «النازية الجديدة» قررت مهاجمة مبنى يضم مهاجرين من طالبي اللجوء السياسي وإحراقه. وقع الهجوم المباغت في 29 أغسطس (آب) من ذلك العام.
سمّيت الليلة «ليلة النار» وأعادها الباحثون الألمان إلى شعور الإحباط الكبير الذي صدم أبناء تلك المدينة وإلى الفراغ السياسي بعد 3 سنوات من انهيار الجدار الذي كان فاصلا بين مدينتي برلين، الشرقية والغربية.
هذا الحدث لا يزال ماثلا لدى المخرج برهان قرباني، وهو أفغاني المولد وألماني الجنسية قرر في مطلع هذا العام تأليف دراما من ذلك الحدث وأنجز الفيلم ليعرضه عرضا عالميا أول في مهرجان روما السينمائي الذي انتهى قبل أسابيع قليلة.
سبق لقرباني أن شارك بفيلم «شهادة» في دورة عام 2010 لمهرجان برلين السينمائي. ذلك الفيلم لم يبتعد عن خط البحث في العلاقة بين الألمان والمهاجرين أو أبنائهم الذين وُلدوا في ألمانيا. كان حول شخصيات مسلمة تعيش واقعا جديدا عليها.
هناك مريم (مريم زاري) الفتاة المتحررة التي تقوم بإجهاض نفسها عندما تدرك أنها حامل حديثا. الشاب الذي حملت منه يحاول استكمال العلاقة بينهما، لكن محاولته تلك تأتي بعد أن أدّت الحادثة إلى مراجعتها لنفسها وللعلاقة لتجد أن ما مرّت به من نزيف هدّد حياتها بعد ذلك، هو عقاب إلهي على خطيئتها. والدها إمام جامع من المعتدلين في فهمه للإسلام وفي أحكامه وقبس من نور يغزو روحها عندما تدرك حجم الخطأ الذي ارتكبته.
حكايتها ليست سوى واحدة من حكايات أخرى متشابكة، فهناك أيضا قصة سامي، وهو شاب أفريقي مسلم يعيش مع والدته في منزلهما الصغير ويعمل في مصنع، وأحد رفاق العمل ألماني لواطي. الأفريقي يجد نفسه مشدودا إلى ذلك الألماني الذي لا يتوانى عن إظهار اهتمامه بالإسلام والذهاب لسماع الإمام (والد البنت) في أحاديثه. لكن الاحتكاك الجنسي يقع والشاب الأفريقي يعاني منه كفعل خطيئة ويجهد في سبيل عدم الانجراف فيه وينجح في ذلك بعد مغريات ناتجة عن إلحاح الألماني وما يحدثه فعل كهذا من اضطراب في الذات الداخلية ولهفة للعودة إليه٠
القصة الثالثة تتمحور حول الشرطي التركي إسماعيل الذي كان قبل سنوات أطلق النار على ابنة امرأة بوسنية اسمها ليلى بالخطأ فقتلها. إنه متزوّج من ألمانية ولديه ولد، لكن حين يلتقي بالألم، ليلى، وذلك أثناء مداهمة لذات المصنع الذي يعمل فيه سامي، تزوره الأفكار ومشاعر تأنيب الضمير وينحو لعلاقة عاطفية يدخل منها باحثا عن غفران ليلى له وهي تفعل ذلك ويعود بعد ذلك إلى زوجته التي لا تزال تنتظر ذلك منه.
دخول وخروج الحكايات (مشهد من كل حكاية لبضع دقائق ثم مشهد من حكاية أخرى وهكذا) سلس ولا مشاكل مهمة فيه. لكن المخرج قسم فيلمه إلى فصول لا داعي لها. الفصول يمكن أن تساعد لو اختار المخرج تناول كل حكاية على حدة، لكن اختياره الصائب في تداولها على النحو الذي قام به يلغي الحاجة لمنهج الفصول المتوالية.
لكن «نحن شبان.. نحن أقوياء» على الرغم من الخطوط المشتركة في الاهتمام يختلف من حيث إنه يركّـز هنا على الساعات التي سبقت قيام العصبة النازية بالهجوم على ذلك المبنى. ويبحث في 3 شخصيات أساسية: رجل بوليس (ديفيد سترايسوف) لديه مطامع سياسية وابنه المنتمي إلى «النازيين الجدد» (يوناس ناي) وفتاة فيتنامية (ترانج لي هونغ) تعيش وأهلها في واحدة من شقق العمارة التي أضرمت فيها النيران.
في حين أن الأب هرع إلى منزله عندما اندلعت الأحداث إلى بيته لينزوي فيه، وهو أقرب إلى موقف الغالبية التي تعتقد أن مصلحتها هي الامتناع عن اتخاذ رأي بصرف النظر عن جهته. لا هي مع المهاجرين ولا هي مع النازيين بل تنتمي إلى جماعة لننتظر ونرى ما سيحدث تبعا لذلك.
صوّر المخرج قرباني فيلمه بالأبيض والأسود باستثناء الجزء الذي تقع فيه حادثة الحرق ذاتها وذلك بقصد وضع المشاهد في بؤرة الحقيقة بعدما سبق وألف أجواء التوتر التي تسبق الحادثة.
«نحن شبان.. نحن أقوياء» ليس الفيلم الوحيد هذا العام من تلك التي دارت حول موضوع المهاجرين. بل هو في الواقع موضوع متكرر هذه الأيام لكل الأسباب المعروفة: الظروف القاسية التي يمر بها عدد كبير من الدول حول العالم والتي تزيد من فعل الهجرة إلى أوروبا أو سواها، والحروب المستعرة في أكثر من بقعة، ثم فقدان التوازن الاقتصادي بين المجتمعات. هذا الأخير ليس جديدا لكن تأثيراته اليوم أعنف وأقوى مما كانت عليه بالأمس.
مهرجان لوكارنو الذي أقيم في الشهر الثامن من هذا العام عرض عددا من هذه الأفلام، بينها التسجيلي «الملجأ» لفرناند ملغار. رصد مشبع بالجوانب التي لا تتخذ رأيا أو خطابا بحد ذاتها، لكنها تعرض المواقف كما هي.
في «الملجأ» يعرض علينا المخرج حالا ثابتا: في كل ليلة، يتجمع عدد غفير من الناس أمام ملجأ خيري يحاولون الدخول إليه ليناموا ليلتهم فوق أسرّته وليأكلوا مما يوفره من طعام. لا يجمعهم الفقر فقط، بل كونهم مهاجرين من أنحاء مختلفة من العالم القريب. المكان هو مدينة لوزان السويسرية والمشكلة هي أن هذا الكم والهم من المعاناة موجود في بلد يلجأ إليه، عادة، أثرياء من حول العالم، ليواصلوا ممارسة حياة بعيدة عن الأزمات قدر الإمكان. كاميرا المخرج الشاب ملغار لا تكترث لأن تبيع المشاهد مواقف جاهزة، ولا حتى الإعلان عن نفسها أو عن المخرج - المصوّر وراءها. لا محاولات لإعادة رصف الواقع وتسميته تسجيليا، بل مجرد تصويره ونقل أوجهه المختلفة. ينقل معاناة المهاجرين الوافدين من دول أوروبية (إسبانيا، رومانيا إلخ…) وأفريقية (موريتانيا والسنغال من بين أخرى). يلاحق المخرج بعض الشخصيات ويطرح مستقبلها المجهول، لكنه أيضا يدخل الملجأ وينقل صورة عما يقع فيه من أزمات. هناك معاناة على الطرفين، خصوصا وأن المسؤولين في الملجأ يهدفون فعلا للمساعدة، لكن المساحة ضيقة واللاجئون كثيرون. لا يخشى المخرج القبض على روح الأزمة ونقلها صورا تعكس مآسي إنسانية عادة ما تبقى بعيدة أو مموّهة. سرد سلس وتصوير بيئي معاش وتأكيد على أن الحكومات تستطيع حل أزمات شعوبها لو أرادت.. لكنها عادة لا تكترث. مهرجان فينسيا في أعقاب لوكارنو، عرض - فيما عرض - فيلما تسجيليا جيدا وإن لم يكن كاملا هو «أنا مع العروس»: فلسطينيون وسوريون يصلون إلى ميلانو بعد رحلة شاقة لا يتعاطاها الفيلم بالصورة، لكنه يسجل الرحلة المقبلة لهم. فميلانو ليست سوى محطة وصول وانتقال للمجموعة التي تقصد الوصول إلى السويد. لا يريد الفيلم الحديث في السياسة وحسنا ما فعل لأنه بذلك غلّب الموضوع الإنساني وأتاح للناظر استبعاد العوامل الأخرى قدر الإمكان والاهتمام بالحالة الإنسانية بحد ذاتها.
في الوقت ذاته، عرض مهرجان تورونتو «أوديسا عراقية» للمخرج المخضرم سمير (يكتفي باسم واحد). هذا الفيلم هو إنتاج سويسري وألماني مع مساهمة إماراتية يعرض لعائلة هاجرت إلى الغرب قبل نصف قرن ولا تزال تعيش في أحلام متناثرة. إنه فيلم تسجيلي أيضا عن العائلة والأوضاع والهجرة المضطربة والحياة تحت لحاف السياسة في الدول الأم والدول المستضيفة.
في تورونتو أيضا شاهدنا «هايمو»، تشويق اجتماعي - سياسي عرضه بعد ذلك مهرجان سان سابستيان الألماني في مسابقته الرئيسة. ليس عن مهاجرين من الدول العربية، بل يتخصص هذا الفيلم الكوري بحكايات البحر باللاجئين غير الشرعيين القادمين من سواحل قريبة ليشاركوا صيادي السمك المحليين سبل العيش. تراجيديا تقع حين تشرف سفينة تقل هؤلاء على الغرق في بحر من العواصف، ويجد أحد ملاحي المركبة أن عليه إنقاذ فتاة كان وقع في حبها ليس من فعل الطبيعة وحدها بل من شرور الكابتن وأعوانه.
الهجرة بين دول ذات وضع ثقافي أو تاريخي أو جغرافي مشترك لا يقل بؤسا عن تلك التي تتم من دولة لا تشترك في أي من هذه المواصفات مع الدولة التي يتجه صوبها اللاجئ محملا بالرغبات والآمال.
كان هذا حال فيلم بيلي أوغوست سنة 1987 الذي سماه «بيل القاهر» (Pelle the Conquerer) حول مركب من المهاجرين السويديين الذين حطّوا في جزيرة بورنهولم الدنماركية ليكتشف العديد منهم، ومن بينهم بطلا الفيلم لاسي وابنه بيلي، صعوبة الامتزاج على الرغم من قرب الأواصر التاريخية والجغرافية وما بعدهما.
هذا الموضوع هو أيضا لب فيلم سويدي نرويجي جديد عرضه مهرجان زيوريخ مؤخرا من تحقيق روني سانداهال بعنوان «الوضيع» (العنوان السويدي الأصلي هو Underdog) الذي يبحر في محاولة تقديم شخصيات سويدية كانت وصلت إلى النرويج بحثا عن مستقبل لتجد أن ثمن ذلك، اقتصاديا ومعيشيا على الأقل، باهظ جدا، ناهيك عن تشتت أغراض العائلة الواحدة والمفهوم المختلف بين أفرادها لما يجب القيام به.
بروز أفلام تتحدث عن مهاجرين يبحثون عن عيش أفضل.. لكن النهايات غير مضمونة
في «ليلة النار» المخرج الأفغاني برهان قرباني يتناول أوضاعهم في حريق مدينة الأمانية
مهاجرون متعددون في «الملجأ» (سويسرا)
بروز أفلام تتحدث عن مهاجرين يبحثون عن عيش أفضل.. لكن النهايات غير مضمونة
مهاجرون متعددون في «الملجأ» (سويسرا)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

