سلامة ينتقد اتفاقات السراج ـ إردوغان ويحذّر من «تسريع التدويل»

TT

سلامة ينتقد اتفاقات السراج ـ إردوغان ويحذّر من «تسريع التدويل»

تسارعت، أمس، التحركات والمواقف الدولية مما يحصل في ليبيا، إذ تستعد الجامعة العربية لاجتماع طارئ، فيما أعلن موفد الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة أن الاتفاقين اللذين وقعتهما حكومة «الوفاق» الليبية مع أنقرة أخيراً يشكلان «تصعيداً في النزاع»، ويساهمان في «تسريع تدويله».
ويعقد مجلس الجامعة العربية، اليوم (الثلاثاء)، دورة غير عادية على مستوى المندوبين الدائمين، برئاسة العراق. ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية في مصر عن السفير حسام زكي، الأمين العام المساعد للجامعة، أن مصر طلبت في مذكرة للجامعة «بحث الأوضاع في ليبيا، واحتمالات التصعيد التي تنذر بتهديد استقرار ليبيا واستقرار المنطقة، وسبل تسوية الأزمة على نحو شامل متكامل يتناول جوانبها كافة، ويحافظ على موارد الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية وسيادتها ووحدتها».
وفي الإطار ذاته، قالت القاهرة إن وزير الخارجية المصري سامح شكري، ونظيره الإيطالي لويجي دي مايو، اتفقا في اتصال هاتفي على «رفض التدخلات العسكرية الأجنبية في الساحة الليبية، التي من شأنها عرقلة مسار التوصل لتسوية سياسية شاملة، تتناول معالجة جوانب الأزمة الليبية كافة، وفي إطار مسار برلين السياسي».
وكان لافتاً، أمس، أن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أعرب عن عدم ثقة بلاده بالتزام حلف شمال الأطلسي (الناتو) بأي اتفاق لفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا، مشيراً إلى أن هذه «الفكرة تذكرنا ببدء غزو (الناتو) للبلاد (ليبيا)» عام 2011. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن لافروف قوله، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف في موسكو: «لا نستطيع أن نثق مرة أخرى في التزام الشركاء في (الناتو) باتفاق كهذا. لذلك، يبدو لي أن الأفضل التأكد من تأثير جميع اللاعبين الدوليين، دون استثناء، على الأطراف الليبية في اتجاه واحد، وهو الوقف الفوري للأعمال القتالية، وإعلان وقف إطلاق النار، والاتفاق فيما بينهم».
وفي غضون ذلك، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن موفد الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة انتقاده، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» الفرنسية نشرت الاثنين، الاتفاقات التي وقعتها حكومة فائز السراج مع أنقرة أخيراً.
وقال سلامة إن الاتفاقات «تشكل تصعيداً للنزاع، عبر توسيعه إلى مناطق بعيدة عن ليبيا، لا سيما ما يتعلق بالخلاف بين اليونانيين والأتراك حول ترسيم الحدود البحرية الذي يطرح مشكلات حادة»، وأضاف أن هذا الأمر «ساهم في تسريع تدويل النزاع وتوسعه، لا سيما إلى المجال البحري، وأيضاً في التصعيد العسكري بكل معنى الكلمة».
وتوقف سلامة عند تزايد «التدخل الخارجي» في ليبيا، قائلاً: «لقد خاب أملي، وأنا جد محبط، كون أي قرار لم يصدر عن مجلس الأمن يدعو إلى وقف لإطلاق النار، وذلك بعد 9 أشهر من المعارك في طرابلس». ورأى أن هذا يؤدي إلى «تضاعف التدخلات الخارجية وازديادها خطورة».
وقال سلامة أيضاً: «إننا نرى أيضاً مرتزقة من جنسيات عدة -بينهم روس- يصلون لدعم قوات (المشير خليفة) حفتر في طرابلس. وهناك حديث عن قوات عربية، على الأرجح آتية من سوريا، قد تكون انتشرت في جهة حكومة الوفاق، بالإضافة إلى وصول عدد من الطائرات من سوريا إلى مطار بنغازي». ورداً على سؤال عن عجز مجلس الأمن على فرض قرار حظر السلاح إلى ليبيا، قال سلامة: «ليس اللاعبون الإقليميون فقط هم الذين يخرقون الحظر، بل أعضاء في مجلس الأمن. نحن في مواجهة وضع خطير جداً، حيث مصداقية الأمم المتحدة على المحك».

حكومة إردوغان تطلب تفويضاً من البرلمان لإرسال قوات إلى ليبيا

أنقرة: سعيد عبد الرازق

تقدمت الحكومة التركية، أمس (الاثنين)، بمذكرة إلى البرلمان موقعة من الرئيس رجب طيب إردوغان تطلب فيها منحها تفويضاً لإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا استجابة لطلب رسمي تقدمت به حكومة «الوفاق» بطرابلس برئاسة فائز السراج. لكن المعارضة التركية سارعت إلى إعلان رفضها إرسال جنود إلى ليبيا للقيام بـ«حرب بالوكالة» هناك.
وبالتزامن مع ذلك نقلت وكالة «رويترز» عن أربعة مصادر تركية قولها إن أنقرة تدرس إرسال مقاتلين سوريين متحالفين معها إلى ليبيا في إطار دعمها العسكري المزمع لحكومة طرابلس. وأبلغت المصادر «رويترز» شرطة عدم كشف هويتها أن أنقرة لم ترسل بعد مقاتلين سوريين في إطار النشر المزمع.
وقال مسؤول تركي كبير بحسب ما أوردت «رويترز»: «تركيا لا ترسل حالياً (مقاتلين من المعارضة السورية) إلى ليبيا. لكن يجري حاليا إعداد تقييم، وتنعقد اجتماعات في هذا الصدد، وتوجد رغبة نحو المضي قدماً في هذا الاتجاه». وأضاف المسؤول «لم يتم بعد اتخاذ قرار نهائي بشأن عدد الأفراد الذين سيتم إرسالهم إلى هناك».
وجاءت معلومات «رويترز» في وقت أرسلت الحكومة التركية مذكرة إلى البرلمان تطلب فيها تفويضاً لإرسال قوات إلى ليبيا. وفي هذا الإطار، قام وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بجولة على أحزاب المعارضة شملت حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، وحزب «الجيد»، والتقى رئيسي الحزبين كمال كليتشدار أوغلو وميرال أكشينار لتقديم معلومات حول مذكرة الحكومة وأسباب طلب إرسال قوات إلى ليبيا. وقال جاويش أوغلو، في تصريحات عقب اللقاءين، إنه أطلع رئيسي الحزبين وقياداتهما على حيثيات مذكرة التفويض المرسلة إلى البرلمان وأسباب الحاجة لاستصدارها نظراً إلى المصالح القومية لتركيا وللتصدي لـ«تهديدات» تواجهها البلاد، مضيفاً أن التقدير في النهاية يعود إلى قادة الحزبين فيما يتعلق بالتصويت لصالح المذكرة في البرلمان من عدمه.
وتسعى حكومة إردوغان للإسراع بالحصول على التفويض في جلسة تصويت تعقد بعد غد (الخميس) بعد أن طلب حزب «العدالة والتنمية» الحاكم من البرلمان قطع إجازته التي كانت ستمتد حتى 7 يناير (كانون الثاني) المقبل من أجل العودة للانعقاد وتمرير المذكرة.
ويعوّل الحزب الحاكم على أغلبيته البرلمانية إضافة إلى أصوات حليفه حزب «الحركة القومية» الذي أعلن رئيسه دولت بهشلي أول من أمس أن نواب الحزب (49 نائباً) سيصوتون لصالح المذكرة. لكن، في المقابل، أعلن نائب رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أونال تشيفيك غوز، إنهم ينظرون «سلباً» إلى مذكرة التفويض المطروحة على البرلمان من جانب الحكومة. وأضاف أن حزبه يرى أن إرسال جنود إلى ليبيا من شأنه زيادة حدة التوتر وتوسيع نطاق الصراعات في المنطقة، في الوقت الذي يتعين فيه تسريع «مسار برلين» لإحياء العملية السياسية في ليبيا. وشدد على أنه يتعين على تركيا أن تولي الأهمية للعمل الدبلوماسي بالدرجة الأولى، للحيلولة دون إراقة دماء المسلمين في ليبيا، قائلاً: «لا نقبل إطلاقاً أن تكون تركيا طرفاً في حروب الوكالة بليبيا، وأن تنحاز لأحد الأطراف وتتسبب في سفك دماء المسلمين».
وعقب لقائه مع جاويش أوغلو، قام رئيس حزب «الشعب الجمهوري» كمال كليتشدار أوغلو بتحرك مفاجئ حيث توجه إلى حزب «السعادة» المعارض والتقى رئيسه تمال كارامولا أوغلو لبحث الموقف من مذكرة الحكومة والتطورات في ليبيا وموقف تركيا منها.
ويرفض الحزبان التورط في الصراع الدائر في ليبيا. كما أن حزب «الشعب الجمهوري» متحالف مع حزب «الجيد» (قومي) برئاسة ميرال أكشنار. وينتظر أن يتخذ الحزبان موقفاً موحداً وأن يرفضا مذكرة التفويض إلى جانب حزب «الشعوب الديمقراطي» (مؤيد للأكراد) والذي لم تشمله زيارة جاويش أوغلو. وكان كليتشدار أوغلو أعلن في تصريحات أول من أمس رفض حزبه إرسال قوات إلى ليبيا، وانتقد السياسة الخارجية لتركيا، قائلاً إنها ستجلب للبلاد الضرر وليس النفع.
في السياق ذاته، أكد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن تركيا تواصل تجنيد مقاتلين من جماعات موالية لها في سوريا لإرسالهم للقتال في ليبيا. وقال «المرصد»، أمس، إن ما لا يقل عن 1600 من مقاتلي فصائل «السلطان مراد» و«سليمان شاه» و«فرقة المعتصم» الموالية لتركيا وصلت إلى معسكرات تدريب على أراضيها تمهيداً لإرسالهم إلى ليبيا.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.