روسيا تكسر «الأحادية القطبية» في العالم... وتوسع المواجهة مع الغرب

عززت مواقعها إقليمياً ودولياً في 2019... وسوريا «بوابة العبور» إلى الشرق الأوسط

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء لقائه مع نظيره الأميركي دونالد ترمب في العاصمة الفنلندية هلسنكي في يوليو الماضي (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء لقائه مع نظيره الأميركي دونالد ترمب في العاصمة الفنلندية هلسنكي في يوليو الماضي (رويترز)
TT

روسيا تكسر «الأحادية القطبية» في العالم... وتوسع المواجهة مع الغرب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء لقائه مع نظيره الأميركي دونالد ترمب في العاصمة الفنلندية هلسنكي في يوليو الماضي (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء لقائه مع نظيره الأميركي دونالد ترمب في العاصمة الفنلندية هلسنكي في يوليو الماضي (رويترز)

قبل أيام من حلول نهاية عام 2019، واجه الرئيس فلاديمير بوتين سؤالاً حول العلاقات الدولية لبلاده، ورد بثقة أن بلاده نجحت في «كسر الأحادية القطبية، وإطلاق عملية بلورة ملامح نظام دولي جديد متعدد الأقطاب».
تلك العبارة كررتها روسيا كثيراً في السنوات الماضية، لكن الجديد فيها أن سيد الكرملين أعقب جملته بتأكيد أن «العالم متعدد الأقطاب غدا واقعاً لا يمكن إنكاره»، رغم محاولة بعض القوى إظهار هيمنتها على السياسة العالمية.
تنطلق روسيا وهي تودع عاماً ثقيلاً معقداً، على صعيد سياساتها الداخلية والخارجية، من قناعة بأنها نجحت خلال 2019 في استكمال عملية تطويق محاولات تهميش دورها، وعزلها سياسياً واقتصادياً، وبأن حضورها على المشهد الدولي بات راسخاً، و«لا يمكن التعامل مع أي ملف إقليمي أو عالمي من دون أخذ وجهة نظر موسكو بعين الاعتبار».
ومع أن التعقيدات التي تواجه الكرملين داخلياً زادت خلال هذا العام، فإنه حتى خصومه يقرون بأنه نجح على الصعيد الخارجي في تكريس الواقع الجديد.
وعلى الصعيد الإقليمي في الفضاء السوفياتي السابق، لم تقتصر نجاحات الكرملين على تهميش أدوار القوى التي كانت تشكل رأس الحربة لمواجهة تطلعات روسيا في محيطها، إذ تمكن من تفتيت محاولات إقامة جبهة تضم أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا، وهي البلدان التي تطلعت بشكل أو بآخر للتخلص من الهيمنة الروسية، وإقامة علاقات بديلة مع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
وفي أوكرانيا، أسفرت خسارة الخصم اللدود للرئيس فلاديمير بوتين مقعد الرئاسة، في انتخابات وصفت بأنها كانت «انتقامية» من طبقة الأوليغارشية الحاكمة في البلاد، عن سعي كييف في ظل السلطة الجديدة لإعادة ترتيب أولوياتها لمواجهة الأزمات المستعصية. وفور تسلم الرئيس فلاديمير زيلينسكي الذي يفتقر إلى الخبرة السياسية مقاليد السلطة، وجد نفسه أمام استحقاقات مواجهة الوضع الاقتصادي المتفاقم، والفوضى الإدارية والفساد، فضلاً عن مشكلة الأقاليم الانفصالية في شرق وجنوب البلاد. ورغم أنه حصل على وعود كثيرة من جانب الغرب لتعزيز موقفه في مواجهة سياسات الكرملين، فإن هذه الوعود ظلت شفهية، فيما تحتاج أوكرانيا لنحو 20 مليار دولار بشكل عاجل لمعالجة مشكلاتها. على هذه الخلفية، لم يعد الحديث عن القرم «المحتل» من جانب روسيا إلا جزءاً من أدبيات النخبة السياسية الأوكرانية، بينما اضطرت كييف للقيام بخطوات لتأكيد التزامها باتفاقات مينسك للتهدئة، مما جعلها تواجه خطر انفجار ثورة جديدة في الشارع، بعدما اتهمت بأنها «تحاول الاستسلام أمام بوتين».
لم تقل «انتصارات» بوتين أهمية في جورجيا ومولدافيا، وسط تناحر القوى الداخلية وانشغالها بمشكلاتها. أما على صعيد الجمهوريات السوفياتية السابقة الأخرى، فشكلت عنصر قوة بيد الكرملين، من خلال إعلان تأييدها الكامل لسياسات موسكو الخارجية، وتضامنها الكلي في ملف العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.
وحملت سياسة روسيا الأوروبية ملامح مماثلة أثارت ارتياحاً أوسع لدى الكرملين الذي كان (ولا يزال) متهماً في سنوات سابقة بأنه يقف وراء تشجيع نزعات الشوفينية والقوى الأكثر تشدداً في أوروبا، وبأنه يعمل على تقسيم القارة الأوروبية، إذ لعبت التطورات الداخلية في أوروبا، لجهة تزايد استياء بلدان أوروبية مثل فرنسا وألمانيا من الضغوط الأميركية المتزايدة على القطاع الاقتصادي وقطاع إمدادات النفط والغاز من روسيا، لصالح الكرملين. بعدما تزايد الشعور الأوروبي بأن خسائر بلدان الاتحاد من التضييقات المتواصلة على موسكو تزداد، وأن أوروبا تدفع عملياً ثمن المواجهة التي تفرضها أطراف في الإدارة الأميركية، وبعض الأطراف الأوروبية التي تحولت إلى «رأس حربة» في تنفيذ السياسات الأميركية ضد روسيا في القارة الأوروبية، مثل بولندا ورومانيا. لذلك قابلت موسكو بارتياح مبادرات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لفتح الحوار مع موسكو، وهو أمر لقي دعماً من جانب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
ولم توفر موسكو أي وسيلة لتعميق الانقسام حول هذا الموضوع في البيت الأوروبي، ووجدت في ملف الأمن الاستراتيجي قوة دفع أساسية في هذا الاتجاه، بالتوازي مع ملف العلاقات الاقتصادية وإمدادات الطاقة، إذ وفر تقويض معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، والتلويح باحتمال عدم تمديد معاهدة «ستارت» لتقليص الأسلحة الاستراتيجية، عنواناً أساسياً للحديث عن أن «المواجهة إذا حصلت، فسوف تكون في المدن الأوروبية». وذهبت أبعد من ذلك، عبر إعلانات وزارة الدفاع المتتالية عن توجيه القوة الصاروخية الضاربة نحو مواقع في مدن في أوروبا قد تنشر فيها واشنطن أسلحة كانت حتى الأمس القريب محظورة بموجب المعاهدة المنتهية.
صحيح أن الكرملين ما زال متهماً في أوروبا، خصوصاً في بريطانيا، بأنه يعمل على إثارة المشكلات الداخلية، والتدخل في الانتخابات، وملاحقة خصومه ومحاولة قتلهم في العواصم الأوروبية، لكن المحصلة التي أسفر عنها عام 2019 أن الدعوات إلى فتح الحوار مع موسكو باتت أكثر قوة ووضوحاً، مقارنة بالسنوات الثلاث الماضية.
ومع حلول نهاية العام، يقوم الرهان في موسكو على أن مساعي «بعض الأطراف الأميركية» لتكريس هاجس «العدو الروسي» لم تعد تجد قبولاً في كثير من البلدان. ومع أن موسكو تشعر بخيبة أمل لأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب فشل في تحقيق الجزء الأكبر من وعوده الانتخابية، بفتح الحوار وتطبيع العلاقات مع موسكو، فإن أوساطاً روسية لا تخفي الثقة بأن ترمب سوف يخرج منتصراً من معركة عزله، وسوف يكون قادراً على تثبيت سياسته تجاه موسكو خلال ولايته الرئاسية الثانية.
ومع هذا التفاؤل بنجاحات الكرملين في كسر العزلة الدولية، والانطلاق نحو تطبيع العلاقات تدريجياً مع أطراف عدة، فإن موسكو تضع بين خياراتها «السيناريو الأسوأ»، المتمثل في نجاح الصقور في الولايات المتحدة وبعض بلدان القارة الأوروبية في تعزيز مسار استكمال تطويق روسيا عسكرياً. ويرى خبراء أن نتائج القمة الأطلسية الأخيرة حملت إشارات سلبية في هذا الاتجاه. لذلك تواصل موسكو التلويح بقدراتها العسكرية في مواجهة الضغوط الخارجية. وجاء الإعلان قبل أسابيع من حلول نهاية العام عن تطوير شبكة رصد وإنذار مبكر سيتم نشرها على طول الحدود الروسية ليشكل عنصر ضغط إضافي يوضح حجم الاستعدادات الروسية لمواجهة التطورات في محيطها.
لكن الوجه الثاني المهم في هذا الإعلان أن موسكو ستعمل لمساعدة الصين على تطوير شبكة مماثلة. ووفقاً للرئيس الروسي، فإن «الصين قادرة لوحدها على إنشاء شبكة رصد شاملة، لكن التعاون الروسي - الصيني هنا يعكس مستوى الحرص لدى البلدين على مواجهة التحديات المشتركة».
والعلاقة مع الصين التي احتلت هذا العام مكان الاتحاد الأوروبي، كشريك تجاري أول لموسكو، بحجم تبادل بلغ 100 مليار دولار، لم تعد منذ وقت طويل تقتصر على العلاقة الاقتصادية والتجارية من وجهة نظر صناع القرار الروس، بل تعدت ذلك إلى شراكة استراتيجية شاملة، تنطلق من تطابق المواقف حيال رسم ملامح النظام الدولي إلى التوافق على آليات التعامل مع المشكلات الإقليمية والدولية المختلفة، وصولاً إلى العنصر المهم الذي وفرته «سياسة العقوبات الأميركية» التي طالت الطرفين، لتؤسس لإطلاق آليات مشتركة لمواجهتها.
ورغم أن موسكو تعلن أنها لا تسعى لتأسيس «تحالف عسكري» مع الصين، فإنها تربط تحركاتها مع بكين بتطور الموقف على الجهة المقابلة، لذلك كان لإعلان بوتين أن بلاده «تراقب بناء تحالف يضم الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية» أهمية خاصة في تأكيد أن موسكو وبكين تنطلقان من مواقف مشتركة لمواجهة التحركات الأميركية في شرق آسيا.

العبور من «البوابة السورية»
واصلت موسكو خلال عام 2019 حصد نتائج تدخلها المباشر في الحرب السورية في نهاية سبتمبر (أيلول) من عام 2015. ومع التأكيد أكثر من مرة على أن العمليات العسكرية الواسعة في سوريا قد انتهت، فإن تعقيدات الملف السوري ما زالت تمثل التحدي الأساسي بالنسبة إلى روسيا، إذ حملت مجريات العام تطورات واسعة ارتبطت بتناقض المواقف الأميركية حول موضوع الانسحاب من سوريا، وصولاً إلى تثبيت واشنطن وجوداً محدداً، لكنه مقلق بالنسبة إلى موسكو، في منطقة شرق الفرات. ووجدت موسكو نفسها أمام استحقاق أنها نجحت في إعادة الجزء الأكبر من الأراضي السورية إلى سيطرة دمشق، لكنها تبدو عاجزة عن التعامل مع مشكلة بقاء الجزء الذي يشتمل على غالبية الثروة السورية تحت السيطرة الأميركية، مما يعني عرقلة كل مشروعات روسيا لدفع ملف إعادة الأعمار، وإعادة اللاجئين، وتكريس المسار السياسي بشكل يوافق هوى الكرملين.
وبالتزامن مع هذه المشكلة، وجدت موسكو نفسها منخرطة في مواجهة طموحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في الشمال السوري. وكان التوصل إلى اتفاق سوتشي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إنجازاً مهماً للكرملين، لأنه ضمن عدم انزلاق الوضع نحو مواجهة شاملة، كما ضمن وقف التوغل التركي في الأراضي السورية، والاكتفاء بقبول سيطرة أنقرة على شريط يمتد من تل أبيض إلى رأس العين، مع تعهد تركي بالانسحاب من هذه المنطقة فور إنجاز التسوية السياسية.
في هذا الاتفاق، برزت الصعوبات الجدية لدى موسكو في التعامل مع ملف إدارة التوازنات بين الأطراف المختلفة، وهو أمر برز أيضاً في التعامل مع الضربات الإسرائيلية المتواصلة على الأرض السورية، ومع ملف الوجود الإيراني في سوريا. ورغم هذه التعقيدات، نشطت موسكو تحركاتها في سوريا خلال عام 2019 على محورين: الأول الحصول على أكبر قدر ممكن من العقود والاتفاقات المجزية للشركات الروسية، وفيه تم توسيع الحضور الروسي تجارياً واقتصادياً إلى مشروعات البنى التحتية والطرق والإنشاءات والصناعات، وصولاً إلى السيطرة على ميناء طرطوس، والبدء بالعمل على توسيعه وتحديثه لخدمة البضائع والتجارة عبر الشركات الروسية. كل هذا جرى على حساب التطلعات الإيرانية لشغل حصة أساسية في هذه المشروعات. العنصر الثاني تمثل في توسيع رقعة الوجود العسكري. ومع الانسحاب الأميركي من مناطق في الشمال، حلت القوات الروسية في عدد من القواعد الجوية المهمة، وبدأت بإجراء إصلاحات وتحديثات فيها توحي بنية موسكو الإقامة فيها طويلاً.
وفي الشق الآخر للوجود الروسي في سوريا، واصلت موسكو حصد النتائج على صعيد تعزيز علاقاتها وحضورها الإقليمي. وخلافاً لتوقعات سابقة بأن وجود موسكو العسكري قد يثير ضدها مشاعر استياء في العواصم العربية، فقد ساهم الوجود العسكري في سوريا بتعزيز مسار الانفتاح الإقليمي على موسكو، من خلال الفهم المتزايد للأطراف العربية المؤثرة بأنه لا بديل عن التفاهم مع موسكو على الترتيبات اللاحقة في سوريا والمنطقة. وكذلك في إطار القناعة بضرورة البحث مع موسكو عن سبل لمواجهة الطموحات الإقليمية الإيرانية.
وفي هذا الإطار، جاءت الزيارات واللقاءات على مستوى القمة التي عقدت خلال عام 2019 بين موسكو وعواصم عربية لتكرس الرؤية بأن الطرفين يعملان على تعزيز التعاون في كل المجالات. وبرز ذلك خلال زيارة الرئيس الروسي إلى كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، كما برز من خلال تنظيم أول قمة روسية أفريقية، شارك فيها تقريباً كل زعماء القارة، وبينهم زعماء البلدان العربية الأفريقية. وشجعت هذه الأجواء موسكو على توسيع حضورها في ملفات مثل الأمن في منطقة الخليج، لذلك طرحت موسكو رؤية بديلة للطرح الأميركي حول آليات ضمان أمن الملاحة، وسبل تعزيز الوضع في المنطقة، عبر إطلاق حوار خليجي - إيراني. ورغم أن المبادرة الروسية لم تجد ارتياحاً واسعاً في المنطقة، لأنها تجاهلت سياسات طهران الإقليمية، والتدخل الإيراني في شؤون بلدان المنطقة، فإن موسكو ما زالت ترى فيها أساساً لإطلاق حوار بين الأطراف في المنطقة.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.