تزايد ظاهرة خدمة توصيل الوجبات الخاصة إلى المنازل

أحدث صرعة غذائية في احتفالات نهاية العام

تزايد ظاهرة خدمة توصيل الوجبات الخاصة إلى المنازل
TT

تزايد ظاهرة خدمة توصيل الوجبات الخاصة إلى المنازل

تزايد ظاهرة خدمة توصيل الوجبات الخاصة إلى المنازل

يبدو أن التوجه العام لتناول وجبات نهاية العام الاحتفالية هو طلب توصيلها للمنازل. فالعديد من المحتفلين بموسم عطلة نهاية العام يفضلون هذا العام طلب الوجبات في المنازل بدلاً من تناولها في المطاعم. وتدخل بعض شركات الأطعمة الفاخرة هذا المجال للمرة الأولى وتعلن عن أصناف تناسب العديد من الزبائن من الديك الرومي التقليدي إلى الوجبات النباتية والوجبات الخالية من الغلوتين.
وتصل الوجبات إلى المنازل في صناديق محكمة الإغلاق وبها كافة لوازم الوجبة المخصصة لعدة أفراد، حسب الطلب.
ويتعين طلب هذه الوجبات قبل موعد تسليمها بعدة أيام حتى يتم إعدادها. ومثلما هو الحال مع تصنيف المطاعم من روادها يوفر زبائن هذه الوجبات توصيات لغيرهم على الإنترنت حول نوعية الخدمة وجودة الطعام الذي يتم توصيله إلى المنازل.
هذا التغير الملحوظ في عادات تناول أطعمة مناسبات نهاية العام ظهر لعدة أسباب منها ازدحام المطاعم في هذا الوقت من العام والأسعار الباهظة التي تفرضها لقاء تناول وجبات فيها، خصوصاً أنها تدفع أجوراً مضاعفة للعمال من أجل الخدمة خلال فترة الاعياد التقليدية. أيضاً الطقس شديد البرودة وصعوبة صف السيارات في المدن المزدحمة.
من ناحية أخرى، يوفر طلب الوجبات الفاخرة فرصة لتجمع الأسر في مناخ عائلي مرح حيث المدفأة التقليدية مع الاسترخاء أمام التلفزيون وتبادل أطراف الحديث في خصوصية بعيداً عن الازدحام، مع الاستمتاع أيضاً بوجبه فاخرة أعدها طهاة متخصصون، أو طهيها في المنزل.
وتقليدياً كانت النساء يقمن بمهمة التسوق وتحضير الطعام للأسرة في المناسبات، وهي مهمة شاقة تستغرق الكثير من الوقت والجهد وتحرم الأسر من التجمع سوياً، حيث كان البعض منشغل بشراء الطعام والبعض الآخر في الانتظار. خدمة طلب الطعام الجديدة تتيح لجميع أفراد الأسرة اختيار ما يروق لهم من الوجبات وتوفير وقت الانتظار.
وتزيل هذه الخدمات من هموم تحضير طعام مناسبات نهاية العام من على كاهل النساء أو هؤلاء الذين يتولون هذه المسؤولية. وهناك العديد من المخاطر منها اختيار غير المناسب لبعض الأفراد أو أخطاء إعداد الأطعمة سواء بطهي الأطعمة أقل من الدرجة المطلوبة أو بحرقها في الفرن. ويعني هذا مشكلة كبيرة للأسرة حيث لا تتاح حتى فرصة شراء أطعمة بديلة في موسم أعياد تكون فيه معظم منافذ البيع مغلقة.
وتوصيل الوجبات الجاهزة إلى المنازل يلغي كل هذه المشاكل ويتيح لأفراد الأسرة التمتع بالحديث وقضاء الوقت سوياً. كما أنه يريح الاعصاب ويخفف من تعب وجهد تحضير الوجبات.
الجهات التي توفر توصيل الوجبات الفاخرة لا تقتصر على المطاعم المشهورة وإنما تمتد أيضاً إلى المزارع الريفية التي تجذب الزبائن بتقديم وجبات عضوية من المزرعة إلى المنزل مباشرة. وهي توفر أيضاً الوجبات النباتية والخالية من الغلوتين كما أن أسعارها أرخص من المطاعم.
ويتم تسويق طعام المزارع في المناطق المحيطة على أساس أنه طعام طازج. ويتم طلب الطعام الذي يختاره زبائن المزرعة وتسليمه في اليوم نفسه خلال ثلاث ساعات من طلبه أو ساعة واحدة وفق طلب الزبون لقاء رسوم رمزية أو حتى مجاناً إذا تخطى الطلب ما يعادل 100 دولار في القيمة. ويقوم عامل التوصيل بفتح صناديق المأكولات والتخلص من الأغطية البلاستيكية والورقية وفق رغبة الزبائن.
هذه المزارع كانت في الماضي تبيع منتجاتها إلى شركات السوبر ماركت التي كانت تبيعها بعد ذلك بثلاثة أضعاف القيمة إلى المستهلك. ولكن وجود الإنترنت والاتصالات السريعة مهدت الطريق لهذه المزارع أن تلغي الوسيط وأن تبيع إلى المستهلك مباشرة سواء في مجال الأطعمة الطازجة أو المحاصيل أو توصيل الوجبات الفاخرة بعد إعدادها.
وبالإضافة إلى وجود منفذ بيع في المزارع يمكن أيضاً طلب الأطعمة المختلفة من مواقعها الإلكترونية فيما يشبه السوبر ماركت على الإنترنت.
من وسائل الجذب للمستهلك من هذه المزارع أنها تعمل وفق أصول أخلاقية في مجالات معاملة الحيوانات. فكل المنتجات الحيوانية تأتي من مصادر عضوية حيث تتاح للحيوانات والطيور فرصة الحياة الطبيعية في الحقول وليس في عنابر مغلقة عديمة الضوء والمساحات الخضراء.
وتعمل المزارع على أسس الزراعة المستدامة والمحافظة على البيئة مع منع الاستعانة بالكيماويات في المحاصيل. وتدفع المزارع أجوراً عادلة للعاملين فيها.
وأخيراً، تهتم المزارع بزبائنها من خلال الأسعار العادلة لقاء الحصول على أطعمة ووجبات طازجة ذات قيمة غذائية أفضل. وفي معظم الأحوال تتعادل هذه الأسعار أو تقل عن أسعار السوبر ماركت.
ومع الإقبال على هذه الخدمة الجديدة، دخلت شركات التوصيل السريع إلى المجال ووعدت بالتوصيل في مواعيد محددة لا تتعدى ساعة أو ساعتين، حتى لا يضيع وقت الزبائن في الانتظار. وتمتد ساعات التوصيل من الصباح الباكر وحتى المساء طوال سبعة أيام أسبوعياً. وعند وصول قيمة الطلبات إلى حد سعري معين، يكون التوصيل مجاناً.
- تجارب عملية
قامت إحدى الشركات في بريطانيا بقياس مدى رضا الزبائن عن هذه الخدمات المتاحة في الأسواق قبيل موسم الأعياد وكانت النتائج متفاوتة. ولم تكن النتائج جيدة في كل الأحوال، ولذلك يتعين الاختيار الجيد عند تجربة طلب الوجبات الفاخرة إلى المنازل. الاختبار الأول كان لشركة «ماركس أند سبنسر» الشهيرة التي أرسلت وجبة لستة أفراد بثمن مائة جنيه إسترليني (130 دولاراً). وتضع الشركة حداً زمنياً أقصى لطلب وجبات الكريسماس هو منتصف شهر ديسمبر (كانون الأول). من جهة التوصيل تم تسليم الوجبة متأخرة يوماً كاملاً في انتظار وصول الخضراوات، ولكنها وصلت طازجة وفي حالة جيدة. وجاءت الوجبة بشرح مفصل حول طرق الحفظ وشملت أنواعاً متعددة مثل الديك الرومي والسجق والبطاطس والخضراوات والصلصات والجبن والخبز والشوكولاته والكعك. وكان إعداد الوجبة سهلاً سواء في الفرن أو المايكرويف كما كان الطعم جيداً لكل المكونات.
الصلصات كانت دون المستوى ولم تكن بالكثافة المطلوبة كما كان السكر الزائد في الحلويات من السلبيات التي لم تعجب الأسرة. الجبن أيضاً لم يكن بالتنوع المطلوب وكان كله من النوع الصلب مثل الشيدر مع عدم وجود أنوع لينة. ومنحت الأسرة هذه الوجبة 3.5 درجة من خمس درجات وأثنت على كمية الطعام وقيمته مقابل المبلغ المدفوع.
شركة أخرى اسمها «ميلروز أند مورغان» أرسلت صندوقها المعد للأعياد بمبلغ 100 جنيه إسترليني أيضاً ووصل في الموعد المتفق عليه مع ابتسامة وتحية من المرأة التي سلمت الصندوق. وكان تقديم الطعام جيداً مع بطاقات صغيرة لطرق الإعداد. وكان يتعين طهي كل الأطعمة. واجتمعت آراء الأسرة التي جربت هذه الوجبة أنها من أفضل الوجبات التي يمكن اختيارها خلال موسم الأعياد. وهي وجبة مثالية لمن ليس لديه الوقت لكي يتسوق من مواقع مختلفة لوازم وجبة الأعياد. وكانت الملاحظة الوحيدة على الوجبة أنها غالية الثمن بعض الشيء. ومنحت الأسرة خمس درجات من خمس لهذه الوجبة.
الوجبة التالية كانت من محلات ميسون في مقاطعة كنت وحصلت على أربع درجات من خمس، وهي وجبة يتم تسليمها مجمدة للطهي في المنزل. وبمتابعة الإرشادات المكتوبة يتم طهي المحتويات بالتوالي في الفرن. ولم يعجب الأسرة طعم البطاطس ولكن اللحوم كانت جيدة وكذلك الحلويات. وكان الانطباع العام جيداً.
تجربة أخرى كانت من تقديم مزرعة عضوية حصلت على تقدير أربع درجات من خمس لأنها لم تضع في صندوق الأغذية أي حلوى. ولكن السعر كان منخفضاً عن العروض الأخرى بنسبة 20 في المائة.
الملاحظة الأولية أن كل الأطعمة كانت طازجة ومن إنتاج المزرعة. حتى الديك الرومي كان من إنتاج المزرعة. وكان بين محتوى الوجبات طرق التحضير والطهي. الكميات كانت تكفي لثمانية أشخاص. ونالت الوجبة إعجاب الجميع من الجدة التي يبلغ عمرها 75 عاماً إلى طفل عمره أربع سنوات. العديد من المحال والمزارع الأخرى توفر الأغذية النباتية التي تستغنى تماماً عن اللحوم وتشمل أنواعاً من الخضراوات والبقول والمكسرات، بالإضافة إلى الحلويات التقليدية. وهي في الغالب من أرخص الوجبات التي يمكن شراؤها في موسم الأعياد.
- طعام النخبة من «فورتنوم أند ميسون»: التوصيل لمنازل لندن منذ عام 1707
> من ضمن أشهى المأكولات تلك التي تباع في محلات «فورتنوم أند ميسون» القريبة من ميدان بيكاديللي في لندن وتأتي في صندوق خشبي مخصص للرحلات أو للمنازل يبيعه بمبلغ 125 جنيهاً (نحو 160 دولاراً) ويخصص ليوم 26 ديسمبر (كانون الأول) والذي يسمى في بريطانيا «بوكسينغ داي». وهي صناديق تحتوي على وجبات بها كل ما يشتهى من المذاق الإنجليزي. وتقليدياً كان الإنجليز يشترون هذه الصناديق التي تسمى «هامبرز» لتناولها في الحدائق والرحلات النهرية. ويمكن للشركة أن توصل الوجبات إلى المنازل في المناسبات ولكنها تقتصر على لندن والمناطق المحيطة حتى يصل الطعام في حالة جيدة. ويحتفظ المشترون بصناديق «فورتنوم أند ميسون» المطبوع عليها حرفي «إف وإم» للاستخدام في أغراض أخرى بعد تناول ما في داخلها. وتحتوي منازل الأرستقراطيين البريطانيين نماذج لهذه الصناديق منذ أجيال سابقة حيث يشتهر محل «فورتنوم أند ميسون» في لندن منذ عام 1707. وهو من المحلات التاريخية التي تتمتع بصك الجودة الملكي حيث تعتبر العائلة المالكة من ضمن الزبائن. ويشتهر بأجود أنواع الأطعمة المحفوظة ويبيع أفضل أنواع المربى في بريطانيا. ويشتهر «فورتنوم أند ميسون» بين السياح الذين يشترون أطعمة محفوظة لتناولها في بلدانهم الأصلية.


مقالات ذات صلة

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

صحتك المعكرونة طبق مشبع... ما يعني أنها قد تساعد على كبح الشهية لفترة أطول (بيكسلز)

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

لطالما ارتبطت المعكرونة في أذهان كثيرين بالأطعمة الغنية بالكربوهيدرات التي يُنصح بتقليلها، خصوصاً عند محاولة إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق أطعمة بسيطة توقظ الحنين وتمنح شعوراً بالأمان (بكسلز)

طعام المواساة و«الطبطبة»... مأكولات تمنح الراحة للنفس والجسد

قد يكون ببساطةِ طبق من المعكرونة باللبن أو صحنٍ من الحساء أو ساندويتش بطاطا مقلية مع المايونيز والمخلّل، ذاك الطعامُ الذي يمنحُك شعوراً بالطمأنينة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)

الجبن محبوب الجميع... ولكن لماذا يصعب بيعه هذه الأيام؟

الشهر المقبل، يُعرض فيلم وثائقي بعنوان "بيغ تشيز" (نيويورك تايمز)
الشهر المقبل، يُعرض فيلم وثائقي بعنوان "بيغ تشيز" (نيويورك تايمز)
TT

الجبن محبوب الجميع... ولكن لماذا يصعب بيعه هذه الأيام؟

الشهر المقبل، يُعرض فيلم وثائقي بعنوان "بيغ تشيز" (نيويورك تايمز)
الشهر المقبل، يُعرض فيلم وثائقي بعنوان "بيغ تشيز" (نيويورك تايمز)

فيما يتعلق بتجار الجبن في الولايات المتحدة، ينبغي أن تكون هذه الأيام ذهبية واعدة. وفي الشهر المقبل، يُعرض فيلم وثائقي بعنوان «بيغ تشيز» (The Big Cheese) في مركز «إيه إف سي» في مانهاتن، ليُبرز فنون تقطيع الجبن الفاخر، وتغليفه، والتسويق له على الشاشة الكبيرة.

العام الماضي حصد أميركي الميدالية الذهبية في «المهرجان العالمي للجبن» منافسة تقام كل عامين في مدينة تور الفرنسية وذلك للمرة الأولى في تاريخ المسابقة؛ ما جاء بمثابة ذروة مسيرة استمرت عقداً لانتزاع المكانة والتقدير اللذين لطالما هيمن عليهما التجار الأوروبيون. وتتوالى أسباب الاحتفاء حتى على صعيد الصحة العامة؛ إذ يتربع مثلث من الجبن بالقرب من قمة الهرم الغذائي المقلوب الحديث الذي أصدرته الحكومة الفيدرالية عام 2025.

يواجه صناع الاجبان في أميركا تحديا كبيرا حاليا (نيويورك تايمز)

ومع ذلك لا يبدو تجار الجبن، في معظمهم، مبتهجين بالأمر؛ إذ يساورهم قلق بالغ بشأن مستقبل مهنتهم. أما السبب، فإنه يكمن في أن الفوضى العارمة الناجمة عن الرسوم الجمركية والحروب المشتعلة في الشرق الأوسط تسببتا في ارتفاع أسعار الكثير من أنواع الجبن، سواء المستوردة منها، أو المحلية.

كما زاد اعتماد سلاسل المتاجر الكبرى، بشكل متزايد، على توفير قطع الجبن الجاهزة، والمغلفة آلياً، ما أدى إلى إلغاء وظائف التجار، والبيع بأسعار لا تستطيع المنافذ المستقلة مجاراتها. وتواجه المتاجر الأصغر صعوبة في إيجاد شباب شغوفين ومبدعين يرضون بالعمل بحد أدنى من الأجور، أو أعلى منه بقليل، للوقوف طوال اليوم على أقدامهم للاعتناء بقوالب الجبن الضخمة، والموشاة بالعفن الأزرق النفاذ، أو أقراص الجبن ثلاثية القشدة الفاخرة التي تسيل كالعسل.

ورغم افتتاح متاجر جبن جديدة مؤخراً، والتوسع الدؤوب لسلسلة متاجر «كروغر» الذي أتاح منافذ علامة «مورايز» في مئات المواقع، فإن مراكز متخصصة عريقة ومحترمة أغلقت أبوابها في جميع أنحاء البلاد. وشهدت الأعوام القليلة الماضية فقدان أسماء بارزة صاغت معايير الجودة في هذا المجال، مثل «محل جبن بيدفورد» في نيويورك، و«سوبرماركت جبن دي تي ليف إيه» في لوس أنجليس، و«محل جبن سالم» في ماساتشوستس، والذي أرجع السبب إلى «ارتفاع التكاليف، وتضاؤل هامش الربح».

بائعو الأجبان في حالة غير مستقرة حاليا (نيويورك تايمز)

أما بقية التجار الذين طالتهم شرارة هذه الظروف، فلا يسعهم سوى القلق على أعمالهم. وعن ذلك قالت هانا كيني، التي تتولى الإشراف على نحو ستين نوعاً من الجبن من مختلف أنحاء العالم في «سوبرماركت جيبيرد» بحي لا هولا في سان دييغو، إن الزبائن يتوافدون باستمرار منذ افتتحت هي وزوجها المتجر قبل خمسة أشهر. ومع ذلك، فإن خطر الإفلاس لا يغيب عن ذهنها أبداً.

وأضافت كيني: «كنت مرعوبة من ألا ينجح الأمر على الإطلاق، بسبب كل هذه المتاجر التي تغلق أبوابها. إنه لأمر يفطر القلب حقاً أن ترى أشخاصاً كرسوا حياتهم ومسيرتهم المهنية لهذه الصناعة، ويُضطرون لإغلاق متاجرهم».

فيما يتعلق ببائع الجبن، فهو شخص يبيع الجبن، لكن بائعي الجبن البارعين يتجاوز دورهم حدود ذلك، فإنهم في واقع الأمر أقرب إلى كونهم مترجمين، حيث يفهمون رغبات المتسوقين الذين قد لا تتجاوز مفرداتهم مصطلحات مثل طري، صلب، حاد، أزرق. كما يعملون بمثابة متسوقين شخصيين، لأنهم ينقبون بين عشرات الأنواع المعروضة لاختيار النوع الذي يلبي كل ما يحتاجه العميل، بالإضافة إلى ما يرضيه من نكهات قد لا يعرف كيف يطلبها. كما أنهم مثقفون، فهم يشاركون معلومات قيّمة عن الجبن، وسماته، وتاريخه، وكيف تعكس نكهته الفترة التي صُنع فيها، والمراعي التي جرى فيها رعي الحيوانات، بل أحياناً حتى شخصية الراعي، أو راعي البقر، أو راعي الماعز. كما أنهم يدافعون عن صانعي الجبن الذين نادراً ما يخرجون عن الحظائر، ومصانع الألبان، والكهوف التي يعملون فيها، والتي تبعد مئات أو آلاف الأميال.

يواجه صناع الأجبان حاليا تحديا كبيرا بسبب الوضع الاقتصادي والحروب (نيويورك تايمز)

من جهتها، علقت جودي أولسن ريد، التي تحرص على صناعة كل قطعة جبن بنفسها في مزرعة شيبردز واي في مينيسوتا -من حليب الأغنام التي يربيها زوجها- بقولها: «إنه دور بالغ الأهمية. علينا أن نثق في بائعي الجبن، وأنهم يحملون بداخلهم حماساً ووفاءً تجاه الجبن مثلنا. وعندما يكونون كذلك، فهذا أمر رائع».

من ناحية أخرى، ليس كل العمل لفظياً فحسب، فالبائعون يتولون، بشكل روتيني، نقل قطع جبن بارميجيانو ريجيانو التي تزن 90 رطلاً، وشق قطع جبن كومتي بسلك ذي مقبضين، ولف ثم إعادة لف قطع الجبن بغلاف بلاستيكي مشدود، وناعم كالحرير. أما عمل التلميع -الرش، والتمليح، والنقع، والتتبيل، والتنظيف بالفرشاة- فهو أقل إجهاداً من الناحية البدنية، لكنه بالغ الأهمية للوصول بالجبن إلى أفضل حالاته في اليوم الذي يصل فيه إلى سلة الزبون.

وتتجلى الكثير من هذه المهارات في فيلم «بيغ تشيز»، وهو توثيق لفعالية «دعوة بائعي الجبن» لعام 2023، حيث تنافس نحو أربعين بائع جبن في 15 فئة من الخبرة في صناعة الجبن، وتأهل الفائزون إلى «الكأس العالمية للجبن» في ذلك العام.

وسعى آدم جاي موسكوفيتز، منظم الفعالية، والمنتج التنفيذي لفيلم «بيغ تشيز»، بصفته مستورداً وموزعاً للجبن، جاهداً طوال سنوات لإنتاج هذا الفيلم. وقال: «هدفي من هذا الفيلم أن تخرج من السينما، وتفكر في بائع الجبن المحلي لديك، وتشتري الجبن».

قالب من الجبن الأيطالي (نيويورك تايمز)

من جهتها، أخبرت إميليا دالبيرو، الحائزة على الميدالية الذهبية في مسابقة «مونديال دو فروميغ»، العام الماضي، بائعة الجبن التي فازت بالميدالية البرونزية، كورتني جونسون، بأنها تضطر كثيراً لشرح أن بائعي الجبن لا يصنعون الجبن.

وقالت جونسون: «من المؤكد أن معظم الأميركيين لا يزالون لا يعرفون بائع الجبن المحلي لديهم، لأنهم قد لا يملكون واحداً، وقد لا يملكون متجراً متخصصاً في صناعة الجبن. لا يوجد متجر في كل مدينة رئيسة، وبالتأكيد ليس في كل بلدة صغيرة».

من ناحية أخرى، تُشكّل رواتب العاملين في مجال العناية بالأجبان وخدمة الزبائن عبئاً كبيراً على إيرادات متاجر الأجبان. وقال باتريك واتسون، مالك متجر «ستينكي بروكلين» سابقاً في بروكلين، إن العمل كان يتطلب نحو ستة موظفين يومياً. وفي الوقت الذي كان متجره للنبيذ في الشارع نفسه يحتاج إلى ثلاثة موظفين فقط، فإنه كان يحقق ضعف المبيعات، أو ثلاثة أضعافها. وأضاف أن نقص الموظفين كان «السبب العاشر من بين عشرين» الذي دفعه هو وزوجته إلى عدم إعادة فتح «ستينكي» بعد إغلاقه في بداية الجائحة.

وقالت دالبيرو، الحائزة على الميدالية الذهبية، إنه عندما توقف توزيع العينات، لجأ الكثير من بائعي الأجبان إلى صقل مهاراتهم في الوصف الحسي لإتمام عمليات البيع، وهي مهارة تعود بالنفع على الجميع من وجهة نظرها.

إلا أن ما بدأ كإجراء وقائي مؤقت سرعان ما تحوّل إلى تكتيك لخفض التكاليف. وقالت دالبيرو وآخرون إن الكثير من المتاجر ما زالت تعتمد نموذج «الطلب السريع». وفي الوقت نفسه يجمع البعض الآخر بين الطريقتين القديمة والحديثة، مع تقطيعهم الأجبان حسب الطلب، لتوفير كميات أكبر من الأجبان المُعبأة مسبقاً، مقارنةً بما كانوا يوفرونه سابقاً. ويبرز التوجه نحو الشراء السريع بشكل خاص في بعض سلاسل متاجر البقالة، بما في ذلك «هول فودز»، التي اشتهرت قبل عقد أو عقدين من الزمن بوجود بائعين شغوفين، وملمين بالمنتجات خلف العديد من أقسامها.

في مطلع هذا العام أغلق كيث آدامز، صانع الجبن من كاليفورنيا، علامتيه التجاريتين: «أليمار تشيز» و«ويليام كوفيلد تشيزميكرز». وأوضح أن عوامل عديدة دفعته للخروج من هذا المجال، لكن من أبرزها الصعوبة المتزايدة التي واجهها، كمنتج صغير، في إقناع سلاسل متاجر مثل «هول فودز» ببيع منتجاته.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشيف بسّام فتوح لـ«الشرق الأوسط»: الطهي تجربة تحمل ذاكرة وهوية

مائدة غنية بالنكهات (الشرق الأوسط)
مائدة غنية بالنكهات (الشرق الأوسط)
TT

الشيف بسّام فتوح لـ«الشرق الأوسط»: الطهي تجربة تحمل ذاكرة وهوية

مائدة غنية بالنكهات (الشرق الأوسط)
مائدة غنية بالنكهات (الشرق الأوسط)

يؤمن الشيف بسّام فتوح بأن الطهي ليس مجرد إعداد طعام، بل تجربة متكاملة تحمل ذاكرة وثقافة وهوية. فيقول لـ«الشرق الأوسط»: «فلسفتي في العمل تقوم على احترام المطبخ اللبناني الأصيل، مع تقديمه بروح عصرية راقية تناسب ذواقة اليوم، لذلك تجمع أطباقي بين الوصفات التقليدية المعروفة، والنَّفَس الحديث في التقديم والتفاصيل، مع التركيز على جودة المكونات والمذاق المتوازن».بسام فتوح هو الشيف الرئيس في مطعم «فيروز» فيستحضر فيه روح لبنان في قلب القاهرة، فاللوحات الجدارية تروي حياة اللبنانيين القدماء على البحر، من الصيد وتربية الحيوانات، إلى شكل البيوت وألوانها.

وبينما ينساب صوت «فيروز» في خلفية المكان بألحان «نسّم علينا الهوى»، تشعر وأنت تتناول المازة اللبنانية وكأن نسمات من جبال لبنان قد عبرت إليه وسط زحام القاهرة، لتخرج بعدها وأنت تدندن أغنية «بحبك يا لبنان».

أطباق تأخذك في رحلة إلى لبنان (الشرق الأوسط)

يسعى الشيف فتوح بأن يكون هذا المكان أشبه بواحة يشعر فيها الزائر وكأنه دخل كهفاً أو مغارة في جبل لبنان، إذ تقوم فلسفة المكان على تجسيد روح لبنان، أما العمل داخل هذه المغارة فهو أشبه بـ«خلية نحل»، فالشيف، والطهاة المساعدون والنُّدُل هم في رحلة بحث دائمة عن الأفضل، وتحدي الحفاظ على الجودة، حيث يتم إشراك الزبائن في تقييم الأطباق، والاستماع إلى اقتراحاتهم لتطوير التجربة، مع متابعة ما تقدمه المطاعم اللبنانية الأخرى، من أجل مواكبة المنافسة.

ونتيجة هذا العمل الدؤوب، ووجود «فيروز» ضيفاً دائماً على مواقع الترشيحات، وكان آخرها تصنيفه من بين أفضل 10 مطاعم فاخرة في العالم، وفق اختيار المسافرين بموقع TripAdvisor لعام 2025.

يعي فريق العمل أن الحصول على الجائزة ليس مجرد تكريم، بل مسؤولية تستدعي الحفاظ على مستوى التجربة، التي تبدأ بحضور الهوية اللبنانية، مع الحرص على أن تكون المكونات المستخدمة لبنانية أصيلة، بدءاً من المقبلات والتوابل وصولاً إلى الأطباق الرئيسية والحلويات. كما يتم إعداد جميع المخبوزات داخل المطعم لضمان الطابع الأصيل، والتي تُعد داخل فرن خاص، بحيث تستقبل روائحها الزائر مع أول خطواته، مع الحرص على أن تكون المواد الأساسية، مثل الأعشاب والمكونات الرئيسية، ذات مصدر لبناني.

ديكورات بسيطة تذكرك بالمتوسط (الشرق الأوسط)

ومن أسس التجربة أن الشيف فتوح لبناني ويقوم بنفسه بتدريب فريق الطهاة على الوصفات اللبنانية الأصيلة، كما يتذوق الأطباق بنفسه قبل خروجها إلى الزبائن، ويستمع أيضاً إلى تعليقاتهم عليها.

يؤمن الشيف فتوح بأن الطهي ليس مجرد إعداد طعام، بل تجربة متكاملة تحمل ذاكرة وثقافة وهوية. ويضيف : «فلسفتي داخل (فيروز) تقوم على احترام المطبخ اللبناني الأصيل، مع تقديمه بروح عصرية راقية تناسب ضيوف اليوم، لذلك تجمع قائمة المطعم بين الوصفات التقليدية المعروفة، والنَّفَس الحديث في التقديم والتفاصيل، مع التركيز على جودة المكونات والمذاق المتوازن».

ومن بين الأطباق الرئيسية، يرشح الشيف فتوح الشيش طاووق، والريش المشوية، والموزة المحمرة مع الريزوتو اللبناني، لأنها من أكثر الأطباق التي تترك انطباعاً قوياً لدى زواره، والتي يطلبونها خصيصاً، لافتاً إلى أن «طبق الموزة المحمرة أو المشاوي اللبنانية المشكلة يعكس شخصيتي في المطبخ بشكل كبير، لأنهما يجمعان بين الدقة والصبر واحترام النكهة الأصلية، كما أنهما أطباق تحتاج إلى عناية في التتبيل والطهي البطيء لتصل إلى الضيف بطعم غني ومتوازن، وفي الوقت نفسه تحمل لمسة فخامة في التقديم».

نكهات تعتمد على المكون الصحيح (الشرق الأوسط)

أما طبق الريزوتو اللبناني، فهو يجمع بين قوام الأرز الكريمي والتوابل اللبنانية الأصيلة، ليقدم طبقاً يحتفي بالنكهات الجريئة .

بعد مائدة عامرة بأصناف المقبلات والأطباق الرئيسية، يأتي «مسك الختام» بتناول الحلويات اللبنانية، ولا يمكن تجاهل «غزل بيروت»، التي يقدمها المطعم بطريقة إعداد أصيلة وبنكهة عصرية، بالإضافة إلى الكنافة اللبنانية، التي يرشحها الشيف لضيفه الذي يفضل أن ينهي التجربة بطعم دافئ ومميومع تجولنا بين أصناف «فيروز»، لاحظنا أن أطباقه، ولا سيما المقبلات، أشبه بلوحة فنية تجمع ألواناً مختلفة، وهي ملاحظة يؤكدها الشيف فتوح مبتسماً: «هو أمر مقصود، لأن العين تتذوق قبل الفم، وأنا أؤمن أن تقديم الطبق جزء أساسي من التجربة، لذلك نهتم بتناسق الألوان والخامات وطريقة الترتيب داخل الطبق».

ويختتم الشيف مؤكداً أن فوز «فيروز» بجائزة TripAdvisor لعام 2025 مصدر فخر كبير، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية مضاعفة، «فالجائزة تعني أن ضيوفنا يثقون في التجربة التي نقدمها، لذلك يصبح الحفاظ على هذا المستوى، بل وتطويره باستمرار، هو التحدي الحقيقي بالنسبة لنا».

لا تقتصر النكهة اللبنانية داخل «فيروز» على أطباقه، بل تمتد إلى أركانه كافة، عبر استحضار روح لبنان في كل تفاصيل المكان، فاللوحات الجدارية تروي حياة اللبنانيين القدماء على البحر، من الصيد وتربية الحيوانات، إلى شكل البيوت وألوانها ووفقاً لاسمه، يظهر اللون الفيروزي بما يعكس البحر والصفاء والهدوء، ويترجم كذلك في وحدات الإضاءة ليمنح الزائر إحساساً بالراحة، كما يمتد إلى زخارف الأطباق التي تعكس الذوق الشامي، سواء تلك التي تقدم فيها الأطعمة أو المعلقة للزينة في أرجاء المطعم.

وبينما ينساب صوت «فيروز» في خلفية المكان بألحان «نسّم علينا الهوى»، يشعر الزائر وكأن نسمات من جبال لبنان قد عبرت إليه وسط زحام القاهرة، ليخرج من المطعم بعد أن أنهى رحلته مُدندناً: «بحبك يا لبنان».

يمتلك «فيروز» قائمة طعام «دسمة» في جميع أقسامها، يكمن فيها تميز المطعم. تبدأ القائمة مع المقبلات اللبنانية الباردة والساخنة التي تكتسب شهرة كبيرة، ويرشح الشيف بسام من بين أصنافها تذوق الحمص بالأفوكادو، والكبة المقلية، والفتوش، كونها تمثل روح المطبخ اللبناني الحقيقي.

ومن بين الأطباق الرئيسية، يرشح الشيش طاووق، والريش المشوية، والموزة المحمرة مع الريزوتو اللبناني، لأنها من أكثر الأطباق التي تترك انطباعاً قوياً لدى زواره، والتي يطلبونها خصيصاً، لافتاً إلى أن «طبق الموزة المحمرة أو المشاوي اللبنانية المشكلة يعكس شخصيتي في المطبخ بشكل كبير، لأنهما يجمعان بين الدقة والصبر واحترام النكهة الأصلية، كما أنهما أطباق تحتاج إلى عناية في التتبيل والطهي البطيء لتصل إلى الضيف بطعم غني ومتوازن، وفي الوقت نفسه تحمل لمسة فخامة في التقديم».

أما طبق الريزوتو اللبناني، فهو يجمع بين قوام الأرز الكريمي والتوابل اللبنانية الأصيلة، ليقدم طبقاً يحتفي بالنكهات الجريئة والمذاق الراقي.

بعد مائدة عامرة بأصناف المقبلات والأطباق الرئيسية، يأتي «مسك الختام» بتناول الحلويات اللبنانية، ولا يمكن تجاهل «غزل بيروت»، التي يقدمها المطعم بطريقة إعداد أصيلة وبنكهة عصرية، بالإضافة إلى الكنافة اللبنانية، التي يرشحها الشيف لضيفه الذي يفضل أن ينهي التجربة بطعم دافئ ومميز.

ومع تجولنا بين أصناف «فيروز»، لاحظنا أن أطباقه، ولا سيما المقبلات، أشبه بلوحة فنية تجمع ألواناً مختلفة، وهي ملاحظة يؤكدها شيف المطعم مبتسماً: «هو أمر مقصود، لأن العين تتذوق قبل الفم، وأنا أؤمن أن تقديم الطبق جزء أساسي من التجربة، لذلك نهتم بتناسق الألوان والخامات وطريقة الترتيب داخل الطبق».

ويختتم الشيف مؤكداً أن فوز المطعم بجائزة TripAdvisor لعام 2025 مصدر فخر كبير، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية مضاعفة، «فالجائزة تعني أن ضيوفنا يثقون في التجربة التي نقدمها، لذلك يصبح الحفاظ على هذا المستوى، بل وتطويره باستمرار، هو التحدي الحقيقي بالنسبة لنا».

لا تقتصر النكهة اللبنانية داخل «فيروز» على أطباقه، بل تمتد إلى أركانه كافة، عبر استحضار روح لبنان في كل تفاصيل المكان، فاللوحات الجدارية تروي حياة اللبنانيين القدماء على البحر، من الصيد وتربية الحيوانات، إلى شكل البيوت وألوانها.

ووفقاً لاسمه، يظهر اللون الفيروزي بما يعكس البحر والصفاء والهدوء، ويترجم كذلك في وحدات الإضاءة ليمنح الزائر إحساساً بالراحة، كما يمتد إلى زخارف الأطباق التي تعكس الذوق الشامي، سواء تلك التي تقدم فيها الأطعمة أو المعلقة للزينة في أرجاء المطعم.

وبينما ينساب صوت «فيروز» في خلفية المكان بألحان «نسّم علينا الهوى»، يشعر الزائر وكأن نسمات من جبال لبنان قد عبرت إليه وسط زحام القاهرة، ليخرج من المطعم بعد أن أنهى رحلته مُدندناً: «بحبك يا لبنان».كما هو صوتها المغلف بالدفء، يأخذك مطعم «فيروز»، في رحلة دافئة إلى لبنان وروحه، ماراً بين روائح أطعمته الشهيرة، ومتجولاً بين مذاقاته المتنوعة، مقدماً لزبائنه أشهى الأطباق اللبنانية.مع الخطوات الأولى في هذه الواحة يشعر الزائر وكأنه دخل كهفاً أو مغارة في جبل لبنان، إذ تقوم فلسفة المكان على تجسيد روح لبنان، بدءاً من الكرم في كميات الطعام، مروراً بالديكور والألوان والرسومات، وصولاً إلى الموسيقى والرقصات التقليدية مثل الدبكة، بحيث يشعر الزائر منذ لحظة دخوله أنه في قطعة من الجبل اللبناني.

أما العمل داخل هذه المغارة فهو أشبه بـ«خلية نحل»، فشيف المطعم ومديره، والطهاة والنُّدُل، ومن خلفهم فريق التسويق بالفندق، في رحلة بحث دائمة عن الأفضل، وتحدي الحفاظ على الجودة، حيث يتم إشراك الزبائن في تقييم الأطباق، والاستماع إلى اقتراحاتهم لتطوير التجربة، مع متابعة ما تقدمه المطاعم اللبنانية الأخرى، من أجل مواكبة المنافسة والبقاء على مستوى يليق بالهوية اللبنانية المقدمة.

ونتيجة هذا العمل الدؤوب، ووجود «فيروز» ضيفاً دائماً على مواقع الترشيحات، وكان آخرها تصنيفه من بين أفضل 10 مطاعم فاخرة في العالم، وفق اختيار المسافرين بموقع TripAdvisor لعام 2025.

يعي فريق العمل أن الحصول على الجائزة ليس مجرد تكريم، بل مسؤولية تستدعي الحفاظ على مستوى التجربة، التي تبدأ بحضور الهوية اللبنانية، مع الحرص على أن تكون المكونات المستخدمة لبنانية أصيلة، بدءاً من المقبلات والتوابل وصولاً إلى الأطباق الرئيسية والحلويات. كما يتم إعداد جميع المخبوزات داخل المطعم لضمان الطابع الأصيل، والتي تُعد داخل فرن خاص، بحيث تستقبل روائحها الزائر مع أول خطواته، مع الحرص على أن تكون المواد الأساسية، مثل الأعشاب والمكونات الرئيسية، ذات مصدر لبناني.

ومن أسس التجربة أن الشيف الرئيسي للمطعم لبناني، يدرب فريق الطهاة على الوصفات اللبنانية الأصيلة، بما يضمن التزامهم بالمعايير الدقيقة للمطبخ اللبناني، كما يتذوق الأطباق بنفسه قبل خروجها إلى الزبائن، ويستمع أيضاً إلى تعليقاتهم عليها.

يؤمن شيف المطعم بسّام فتوح بأن الطهي ليس مجرد إعداد طعام، بل تجربة متكاملة تحمل ذاكرة وثقافة وهوية. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «فلسفتي داخل (فيروز) تقوم على احترام المطبخ اللبناني الأصيل، مع تقديمه بروح عصرية راقية تناسب ضيوف اليوم، لذلك تجمع قائمة المطعم بين الوصفات التقليدية المعروفة، والنَّفَس الحديث في التقديم والتفاصيل، مع التركيز على جودة المكونات والمذاق المتوازن».

يمتلك «فيروز» قائمة طعام «دسمة» في جميع أقسامها، يكمن فيها تميز المطعم. تبدأ القائمة مع المقبلات اللبنانية الباردة والساخنة التي تكتسب شهرة كبيرة، ويرشح الشيف بسام من بين أصنافها تذوق الحمص بالأفوكادو، والكبة المقلية، والفتوش، كونها تمثل روح المطبخ اللبناني الحقيقي.

ومن بين الأطباق الرئيسية، يرشح الشيش طاووق، والريش المشوية، والموزة المحمرة مع الريزوتو اللبناني، لأنها من أكثر الأطباق التي تترك انطباعاً قوياً لدى زواره، والتي يطلبونها خصيصاً، لافتاً إلى أن «طبق الموزة المحمرة أو المشاوي اللبنانية المشكلة يعكس شخصيتي في المطبخ بشكل كبير، لأنهما يجمعان بين الدقة والصبر واحترام النكهة الأصلية، كما أنهما أطباق تحتاج إلى عناية في التتبيل والطهي البطيء لتصل إلى الضيف بطعم غني ومتوازن، وفي الوقت نفسه تحمل لمسة فخامة في التقديم».

أما طبق الريزوتو اللبناني، فهو يجمع بين قوام الأرز الكريمي والتوابل اللبنانية الأصيلة، ليقدم طبقاً يحتفي بالنكهات الجريئة والمذاق الراقي.

بعد مائدة عامرة بأصناف المقبلات والأطباق الرئيسية، يأتي «مسك الختام» بتناول الحلويات اللبنانية، ولا يمكن تجاهل «غزل بيروت»، التي يقدمها المطعم بطريقة إعداد أصيلة وبنكهة عصرية، بالإضافة إلى الكنافة اللبنانية، التي يرشحها الشيف لضيفه الذي يفضل أن ينهي التجربة بطعم دافئ ومميز.

ومع تجولنا بين أصناف «فيروز»، لاحظنا أن أطباقه، ولا سيما المقبلات، أشبه بلوحة فنية تجمع ألواناً مختلفة، وهي ملاحظة يؤكدها شيف المطعم مبتسماً: «هو أمر مقصود، لأن العين تتذوق قبل الفم، وأنا أؤمن أن تقديم الطبق جزء أساسي من التجربة، لذلك نهتم بتناسق الألوان والخامات وطريقة الترتيب داخل الطبق».

ويختتم الشيف مؤكداً أن فوز المطعم بجائزة TripAdvisor لعام 2025 مصدر فخر كبير، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية مضاعفة، «فالجائزة تعني أن ضيوفنا يثقون في التجربة التي نقدمها، لذلك يصبح الحفاظ على هذا المستوى، بل وتطويره باستمرار، هو التحدي الحقيقي بالنسبة لنا».


عمان تحتفي بمهرجان الزيتون للمرة الخامسة

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
TT

عمان تحتفي بمهرجان الزيتون للمرة الخامسة

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)

تستعد سلطنة عمان لاستقبال النسخة الخامسة من مهرجان حصاد الزيتون، الذي يُقام من 23 إلى 27 سبتمبر (أيلول) احتفاء بأحد أبرز التقاليد الزراعية في عُمان.

ويُقام المهرجان على ارتفاع يزيد على 2.000 متر فوق سطح البحر، ويمتد على مدى خمسة أيام تجمع بين التراث المحلي والتجارب الأصيلة وفنون الطهي المستوحاة من منطقة البحر الأبيض المتوسط، وسط طبيعة الجبل الأخضر الخلابة.

المعروف عن الجبل الأخضر أنه يتميز بمناخ نادر يشبه مناخ منطقة البحر الأبيض المتوسط، ما يجعله أحد الأماكن القليلة في شبه الجزيرة العربية التي تزدهر فيها أشجار الزيتون. وأصبح موسم الحصاد السنوي رمزاً للإرث الزراعي الغني للمنطقة، حيث ينتج المزارعون المحليون زيوت زيتون استثنائية تعكس الخصائص الفريدة للبيئة الجبلية.

عمان تستقبل مهرجان الزيتون بنسخته الخامسة (الشرق الأوسط)

وينظم منتجع أنانتارا الجبل الأخضر بمناسبة الاحتفال بالمهرجان جولات منظمة لعيش تفاصيل وتقاليد موسم الحصاد من خلال رحلات مخصصة لقطف الزيتون برفقة مرشدين، وتجربة الطهي والأنشطة الثقافية. وتنطلق هذه الفعاليات ابتداء من الثالث والعشرين من سبتمبر (أيلول)، ويقوم الشيف مارتين أريستوندو بإعداد أطباق مستوحاة من مطبخ إقليم الباسك في إسبانيا تعتمد على زيت الزيتون.

تقام في الجبل الأخضر بعمان العديد من الفعاليات بمناسبة مهرجان الزيتون (الشرق الأوسط)

تشمل أبرز فعاليات المهرجان مسابقات قطف الزيتون، وسوق الزيتون وزيت الزيتون التي تستعرض المنتجات المحلية والحرفية، بالإضافة إلى حصص لتعلم الطهي الإسباني في «نقطة ديانا» المطلّة على الوادي، بالإضافة إلى جولات برفقة مرشدين في معاصر الزيتون وجلسات تذوّق بإشراف الدكتور علي الفرقاني. وخلال تجربة «حكايات الزيتون على الفطور»، يتم التعرف على القصص والتقاليد والنكهات المرتبطة بموسم الحصاد في الجبل، من خلال زيت الزيتون المنتجة محلياً والمأكولات التقليدية من المنطقة.

وتتواصل تجارب الطهي طوال أيام المهرجان مع أطباق مستوحاة من مطبخ البحر الأبيض المتوسط تحتفي بتنوّع استخدامات الزيتون. ويحتفي مطعم بيلا فيستا الإيطالي بالمهرجان من خلال ابتكار أطباق يستخدم فيها زيت الزيتون والمنتجات الموسمية التي تصنع في الجبل الأخضر.

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)

بدأت زراعة أشجار الزيتون في عُمان خلال تسعينات القرن الماضي، مع إدخال أصناف من مختلف أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط ومناطق أخرى، تأقلمت تدريجياً مع مناخ الجبل الفريد. واليوم، يحتفي مهرجان حصاد الزيتون السنوي بهذه المسيرة الزراعية المميّزة، ويقرّب الضيوف من المزارعين والتقاليد والحرفية التي تقف وراء أحد أهم المواسم الزراعية في عُمان.