روبرت ردفورد لـ «الشرق الأوسط» : لم تكن هوليوود المكان الساحر بالنسبة لي

الشهرة واتت الممثل الأميركي فجأة ولم يكن مستعدا لها

روبرت ردفورد
روبرت ردفورد
TT

روبرت ردفورد لـ «الشرق الأوسط» : لم تكن هوليوود المكان الساحر بالنسبة لي

روبرت ردفورد
روبرت ردفورد

إذن لم يجرِ ترشيح روبرت ردفورد لـ«الأوسكار».. فيا لها من خسارة ليس لروبرت ردفورد، بل لـ«الأوسكار». الممثل لا يبدو عليه أنه يعبأ بذلك رغم أن دوره في فيلم «كل شيء ضاع» هو من تلك التي لا يمكن تجاهل قيمتها. وردفورد ابن السادسة والسبعين حاليا، الذي نال «أوسكار أفضل مخرج» عن أول أفلامه وراء الكاميرا «أناس عاديون» سنة 1981، ونال أوسكار شرفيا في عام 2002، يعرف، ربما أكثر من سواه، كيف يحتل قلب الفيلم وجوهره ويرفع من سقف التوقعات في عمل يدور كله في البحر ومعه هو فقط.
وراء ردفورد أكثر من 50 فيلما تؤكد تفوقه.. هو دائما كان مثيرا للاهتمام.. الممثل الذي ترصده عيون المشاهدين حتى حين يكون واحدا من عدة ممثلين. إذا ما شاهدت «المطاردة» (1966) مرة وتريد مشاهدته مرة أخرى، فستجد نفسك تنتظر تلك المشاهد القليلة التي يظهر فيها على الشاشة. في العام ذاته تحول إلى ممثل أول أمام نتالي وود في «هذه الملكية مدانة» وكان هذا أول فيلم له مع المخرج (الراحل أيضا) سيدني بولاك. لاحقا ظهر في أكثر من فيلم والخط الجامع كان دوما سياسيا سواء أكان الفيلم وسترن (مثل «جيرميا جونسون»، 1972) أو دراما اجتماعية («كيف كنا»، 1973) أو تشويقيا («ثلاثة أيام من الكوندور»، 1975). لكن ردفورد لعب أفلاما أخرى ذات خطوط سياسية (وليبرالية الهوى). شوهد في تلك الفترة في «بوتش كاسيدي وصندانس كِد» (1969) و«المرشح» (1972) و«كل رجال الرئيس» (1976) والعديد سواها.
الأكثر من ذلك أن جديته، وهو الممثل الجذاب ذو الشعر الأشقر والعينين الجميلتين، لم تمنعه من النجاح.. تلك الخلطة بين الجاذبية الشكلية والعقلية الجادة واكبت مرحلة نجاح هوليوود في توريد الناحيتين معا وشاركه فيها وورن بايتي و- إلى حد ملحوظ - جاك نيكولسون. كلينت إيستوود كان ذا جاذبية وعقل سياسي، لكنه انتمى إلى الصف اليميني، ولو أنه لا يسارية هذا أو يمينية ذاك منعته من التبلور ممثلا ناجحا وجيدا.
في حديثه، يتناول روبرت ردفورد أسرارا من تصوير فيلمه الجديد «كل شيء ضاع» ويطرح بعض مواقف حياته وآرائه في هوليوود الأمس واليوم. لكنه يكشف عن أنه لم يكن مطلقا ذلك الممثل الذي حلم بهوليوود.. بالنسبة له، كانت صلة نجاح ومكان عمل، لكن حبه كان السفر والعيش خارج المدينة.. يعمل بنظام المؤسسات، لكنه ينفصل عنها. لا عجب إذن أنه أوجد مهرجانا يفتح المجال لكل من يريد السير في الخطى ذاتها.‪ ‬
* مهرجان «صندانس» في مناسبته الثلاثين.. كيف تشعر حيال ذلك؟
- أنا فخور به بالطبع.. إنه إنجاز مهم ليس فقط على صعيد شخصي - وأنا لم أحقق هذا بمفردي بل بمساعدة كثيرين من حولي - بل على صعيد السينما ككل. لقد بدأنا مشروعا صغيرا كان يمكن له أن يتوقف في أي لحظة إذا ما فشل، لكننا كنا مدركين أنه سينجح. كما قلت في المؤتمر الصحافي قبل أيام، كل ما كان المخرجون المستقلون بحاجة إليه هو شاشة لعرض أعمالهم، و«صندانس» أوجد هذه الشاشة.. أصبح هذه الشاشة بالفعل. نحن لا نقول إننا لا نكترث لهوليوود، كما قرأت أكثر من مرة، على العكس. نفهم «بزنس» هوليوود، وكل ما نريده هو أن تجد هوليوود فيما يحققه المخرجون الجدد ما يعجبها فتقوم بتوزيعه، وهذا مربح ماديا وفكريا لكل الأطراف.. وهذا ما حدث بالفعل.
* قبل عامين أو ثلاثة عاب البعض أن المهرجان أصبح كله تجارة.. أنه باع نفسه لهوليوود..
- (يضحك).. نعم أتذكر ذلك جيدا، لكن هذا القول يعود إلى ما قبل ثلاث سنوات. منذ مدة وهناك من يردد ذلك، لكن سؤالي وجوابي في الوقت ذاته: هل من الأفضل لو أن هذه الجهود الكبيرة والرائعة للمخرجين الجدد عرضت من دون أن يلتقطها أحد؟ فقط عرضت لمن يهتم وعادت أدراجها ولم يستطع منتجوها أو مخرجوها بيعها لكي تصبح مشاعة بين الجمهور الواسع.. لا أفهم مثل هذا الحكم.
* قلت أيضا في مؤتمرك الصحافي أنك لا تشعر بالضيق لأن فيلمك الأخير «كل شيء ضاع» لم يكن بين الأفلام المرشحة للأوسكار.
- صحيح.. هذا لا يزعجني.. طبعا سيكون من سروري أن يكون هذا الفيلم موجودا في عداد الأفلام المرشحة، لكنني لا أتدخل في هذه الشؤون مطلقا. أنا فخور جدا بهذا الفيلم وفخور بالمخرج ج. س. شاندور وأعتقد أنه من خيرة مخرجينا اليوم.. فخور بعملي فيه.. أعتقد أنه لم يوزع على النحو الصحيح.. لم يتلق دعم الترويج لكي تتاح له فرصة أفضل.
* كيف يرتبط ذلك بقرار أعضاء الأكاديمية.. أليس مفترضا ألا يهتم الأعضاء بالنتائج التجارية لأي فيلم؟
- لا أقول إنهم اهتموا أو اختاروا الأفلام التي نجحت دون غيرها.. هم بالتأكيد لم يفعلوا ذلك، والأفلام المرشحة معظمها ليس تجاريا.. لكني أشير فقط إلى أنني كنت أفضّل لو أن شركة التوزيع سعت لمنح الفيلم حضورا إعلاميا وتوزيعيا أوسع. لا أدري ما الأسباب التي حالت دون ذلك.
استحالة
* إنه واحد من أكثر أفلامك الأخيرة تطلبا للجهد.. كذلك هو فيلمك الوحيد الذي لا يشاركك فيه أحد.. في «جيريميا جونسون» مثلت العديد من المشاهد وحدك خصوصا في نصف الساعة الأولى من الفيلم.. لكن هنا كل الفيلم.. كيف يمكن لممثل التحضير لمثل هذا الفيلم؟
- تجربتي في تمثيل هذا الفيلم استمددتها من معرفتي بالحالة.. لقد عشت في البحر وخبرت المراكب. لست بحارا، لكني أعرف البحر بعض الشيء. (المخرج) ج. سي. بحار محترف وجيد وهو الذي صمم السيناريو بناء على خبرته، لذلك كنت مرتاحا وواثقا مما كان يقوم بتنفيذه. وواحد من الأمور التي كتبها وأعجبتني أنه لم يكتب شخصية قائمة على إنسان خارق.. لم يكتب حكاية «سوبرمانية». كنت أيضا حريصا على ألا أرتاح، لكني أريد أن أتوقف عند ذكرك فيلم «جيريميا جونسون»، وأنت محق في التشبيه الذي عقدته بينهما، لكن هناك نقطة مشتركة أهم: كلاهما يدور حول ذلك الوقت من الحياة عندما تجد أنه من الاستحالة، سواء أكنت على الأرض أو في الماء، أن تستمر، لكن الاستمرار هو الوجهة الوحيدة التي أمامك، ولذلك تجد نفسك تستمر وتحاول أن تستمر طوال الوقت.
* ماذا تقصد؟
- أقصد أنني لم أسع خلال التصوير لكي أرتاح في مكاني.. القارب لم يكن فاخرا وكان صغيرا، وهذا حدَّ من العيش فوقه براحة، لأن الشخصية التي أمثلها لن تشعر بالراحة مطلقا وهي مهددة بالموت في أي وقت.
* عند هذا الجواب يحضرني أن كلا الفيلمين تتطلب جهدا بدنيا كبيرا.. كيف كانت الحال خلال تصوير «كل شيء ضاع»؟
- أصعب ما في هذا الفيلم هو الماء.. لم أشعر بالظمأ مطلقا (يضحك). لا أحد يعلم أن الفيلم كان محدود الميزانية كثيرا.. وحين تكون لديك ميزانية صغيرة، فإن كل شيء مضغوط.. الوقت وكل شيء آخر. لم يكن لدي الوقت لكي أنشف نفسي.. كنت أنتهي من تصوير اللقطة ثم أعود إليها وأنا ما زلت مبللا (يضحك)، وعندما ننتهي من تصوير المشهد الواحد وأقوم بتنشيف نفسي، لا يكون هناك إلا وقت قصير قبل أن أتبلل مرة أخرى. تدرك بعد حين أنك غير مرتاح على الإطلاق. لا تستطيع أن تكون مرتاحا لأن ثيابك تصبح أثقل وحذاؤك يصبح أثقل مما يجعلك تتذمر.. هذه هي صعوبة هذا الدور.
سباح ماهر
* ذكرت أن المخرج لم يكتب شخصية بطل خارق.. أكثر من ذلك كتب شخصية بطل مختلف عما تحققه هوليوود على نحو مضاد..
- ليس لدي مشكلة مع ما تحققه هوليوود من أفلام «سوبر هيرو».. هذه جيدة تجاريا. تساعد هوليوود على العمل والاستمرار، لكن أفلاما من هذا النوع ومن نوع ما نعرضه في «صندانس» هو الموازي الذي يطلبه جمهور آخر لو أتيحت له الفرصة.
* وربما ما يطلبه بعض الممثلين؟
- معك 100 في المائة.
* خلال محنتك تكتشف بعض الإجراءات التي تستخدمها بغية التغلب على وضعك والبقاء على قيد الحياة.. هل كنت تعرف مثل هذه الوسائل؟
- أعتقد أنني كنت أعرف بعضها. أساسا عندما يحصل لك مثل هذا الموقف، أعني أنه إذا وجدت نفسك في عرض البحر في زورق مهدد بالغرق ومن دون جهاز اتصال عامل وبلا طعام كاف، وكل ما يمكن أن يؤدي بك إلى الموت، فستبدأ في البحث عن أسباب النجاة. لكن في الأساس لديك خياران: إما أن تخاف وتصرخ وتفقد رشدك، أو أن تقول لنفسك: علي أن أكون هادئا وأن أبحث عن الخلاص.. هذا هو تقاطع الطريق الوحيد أمامك، والخيار لك.
* هل تجيد السباحة.. هل أنت غريب عن الماء؟
- لا.. حين كنت شابا كنت سباحا ماهرا.. ولدت في سانتا مونيكا (ضاحية هوليوود الغربية) وكنت سباحا منذ صغري، ومارست رياضة السيرف، لذلك فإن الماء وأنا صديقان ومتآلفان معا. تعرضت لمحن في الجبال.. تعرضت ذات مرة لمحنة طيران عندما فقدت الطائرة التي كنت فيها أحدى محركيها فانحدرت 21 ألف قدم في دقائق قليلة. لذلك أعرف قليلا عما يستدعيه الموقف عندما يجد المرء نفسه يجهد في سبيل البقاء حيا.
تبعات الشهرة
* كيف تعاملت مع الشهرة خلال مهنتك الطويلة بصفتك ممثلا ناجحا.. بل ومخرجا ناجحا أيضا؟ وهل هناك ما كنت ستقوم به على نحو مختلف لو أتيحت لك العودة إلى الوراء؟
- ليس هناك أي شيء كنت سأقوم به مختلف عما قمت به فعلا.. لكن هذا هو افتراض من جانبي ردا على سؤال افتراضي. الجانب الأول من سؤالك مختلف.. كيف تعاملت مع الشهرة؟ لم أكن مستعدا لها حين جاءت، لأن الشهرة جاءتني سريعا وبقوة.. لم تقع على مراحل، بل دهمتني.
* كيف كان رد فعلك إذن؟
- قلت لنفسي هذا شيء غريب.. أن يوقفك الناس أينما ذهبت.. بعضهم يشدك من ثيابك والبعض يعبث بشعر رأسك أو يلمس وجهك.. هذا كله غريب. وأعتقد أن هذا الشعور هو الذي جعلني أعي أنني لا أريد أن أكون ضحية ذلك. كانت عندي عائلة ولم أردها أن تكون ضحية لذلك.. لم أرد أن أرضخ لهذا الضغط.. لقد وضعت في بالي أن ما قد يحدث لي إن لم أكن واعيا ومدركا هو أمر من ثلاث مراحل: سأعامل على أني غرض، أو سوف أقبل نفسي على أني غرض، أو سأصبح غرضا.
* أيكون هذا هو السبب الذي جعلك تترك هوليوود إلى يوتا.. عاصمة السينما إلى ضواحيها؟
- إلى حد بعيد هذا صحيح.. كوني ولدت في لوس أنجليس، فإن هوليوود لم تكن بالنسبة لي الهدف ذاته الذي كثيرا ما جال في بال الممثلين المولودين خارجها. كنت أعرف عنها ما أريد، ولم أنظر إليها كما لو كانت تقع عند نهاية قوس قزح. لم تكن هوليوود المكان الساحر بالنسبة لي.. لقد ولدت فيها.. ولدت في طبقة عاملة، لذلك لم أر هوليوود من ذلك المنظور. لم أكن أرغب في هوليوود.. أردت أن أسافر إلى نيويورك، إلى كولورادو، إلى أماكن بعيدة عنها. أردت أن أمثل على المسرح، لذلك رغبت في نيويورك. كنت أمارس الرسم وأردت أن أوسع من تجربتي في هذا الفن. هوليوود هي «غود بزنس»، لكني أفضل أن أكون بعيدا عنها بصفتها حياة.
* في سن الـ18 ذهبت إلى فرنسا لفترة.. ماذا توخيت من الحياة هناك؟
- ذهبت إلى فرنسا لأنني كنت أريد دراسة الفن.. حينها كانت فرنسا مختلفة.. أوروبا كانت مختلفة.. أميركا كانت مختلفة. وها أنا أجد نفسي في فرنسا بمالي القليل أريد أن أعرف كل شيء. لم أكن أفهم لماذا الفرنسيون الشبان ثائرون.. ما الذي يريدونه.. كانت أيام المظاهرات والغضب ومحاولة تغيير الأشياء، ولم أكن أفهم. قالوا لي: أنت جئت من أميركا ولديكم الحرية ولديكم اقتصاد قوي وقوة عسكرية. ولسبب ما شعرت بالخجل من ذلك.. ككثيرين، كنت لا أدرك ما نحن عليه نحن الأميركيين.
* كثير من أفلامك بصفتك ممثلا، خصوصا تلك التي مثلتها تحت إدارة سيدني بولاك، حملت تلك المواقف السياسية التي كانت متداولة في تلك الفترة أو في السبعينات.. هل هذا نتيجة تلك المرحلة الفرنسية؟
- لقد عدت مختلفا وأكثر معرفة، ولا يمكن إلا أن أختار من بين الأفلام ما أشعر أنه يعكس ولو قدرا من تلك المعرفة. نعم، كثير من الأفلام التي مثلتها كانت أفلاما بمواضيع سياسية، ليست فقط مع بولاك، لكن ما آخرين أيضا.
* وعدد من أفلامك مخرجا.. يكفي «الصحبة التي تحتفظ بها» قبل عامين؟ ألم يكن ذلك الفيلم انعكاسا للفترة التي كانت مهدا لمتغيرات سياسية مهمة؟
- نعم، أو بالتحديد لفترة تلك المتغيرات.. الفيلم عن بقايا تلك الفترة وما آلت إليه حال الذين عاشوها أو اشتغلوا فيها.. سياسيا كانوا يحاولون تقديم بديل آخر للنظام أكثر عدلا بصرف النظر عما إذا كان ذلك من المثاليات أم لا.
* لا أحب التطرق إلى عامل السن.. لكن هل هوليوود تعيش تحت ضغط أن على الممثلين أن يكونوا شبانا لينجحوا.. ماذا عنك أنت؟
- ليس الممثلون فقط.. هوليوود للأسف مهووسة بالعمر، وأجد ذلك محزنا. تستطيع أن تنظر حولك وتجد أناسا يشبهون «الروبوت» من كثرة ما قاموا بشد وجوههم.. لذلك أجد ذلك محبطا. بالنسبة لي، أريد أن أبدو تماما مثل عمري. حالما تبدأ القيام بعمل ما تعتقد أنه سيوقف الزمن أو الشيخوخة، تخسر شيئا مما أنت عليه. جين مورو أو سيمون سينيوريه شاختا أمام الكاميرا وواصلتا العمل من دون هاجس العمر.. تبتعد وتعود فتجد أن شفتي هذه الممثلة غدتا أكبر، أو أن وجه هذا الممثل تغير.. هذا مؤسف.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».