الموبايل... أطروحة ثقافية

الهوس الجمعي به سيستمر كما يبدو وتتعاظم أشكاله في السنوات المقبلة

الموبايل... أطروحة ثقافية
TT

الموبايل... أطروحة ثقافية

الموبايل... أطروحة ثقافية

يعرف دارسو تاريخ العلوم أن سنة 1905 كانت سنة عجائبية Annus Mirabilis بحق عندما أنجز فيها (أينشتاين) أربع دراسات كان من شأنها إحداث ثورة حقيقية في الفيزياء المعاصرة؛ غير أنّ الحقيقة تخبرُنا أنّ سنة 1948 كانت أكثر عجائبية من عام 1905. وبخاصة بعد أن نشر فيها البروفسور (نوربرت فينر)، أستاذ الرياضيات في معهد ماساتشوستس للتقنية MIT، كتاباً بعنوان (السيبرنيتيكا: السيطرة والاتصال في الحيوان والآلة) - ذلك الكتاب الذي جاء انعطافة ثورية في حقل المعلومات والاتصالات على مستوى المكوّنات المادية صعوداً حتى أكثر النظم البيولوجية تعقيداً (الجهاز العصبي البشري على سبيل المثال).
وتمثل وسائل الاتصال واحدة من أهمّ المجالات التي شهدت انقلاباً ثورياً في كلّ الثورات الصناعية: في الثورة الصناعية الأولى شهدنا جهاز «مورس» للتراسل البرقي، وفي الثانية حلّ الهاتف؛ أما في الثالثة فكان «الموبايل» هو الأعجوبة السحرية للعصر الرقمي والممثل المعترف به للثورة الصناعية الثالثة (تسمّى الثورة المعلوماتية أيضاً)، ولنا أن نتساءل عن أسباب ذلك ودلالاته من الوجهتين التقنية والآيديولوجية.
جرت العادة على اختزال القدرة الثورية لكلّ عصر صناعي في كينونة مادية محدّدة لها القدرة على الإيفاء بمتطلبات التمثل الرمزي لطاقة ذلك العصر وقدرته التأثيرية الفائقة في إحداث انعطافة محسوسة في حياة أعظم عدد ممكن من البشر؛ فكان من الطبيعي أن يكون القطار (والماكينة البخارية بعامة) الممثل الرمزي للثورة الصناعية الأولى، وأن تكون السيارة (ومحرك الاحتراق الداخلي بعامة) الممثل الرمزي للثورة الصناعية الثانية؛ أما الثورة الصناعية الثالثة (الثورة المعلوماتية) فكان الموبايل رمزها وعنوان سحرها الرقمي.
لكن من أين تنبع هذه الرمزية التقنية للموبايل في عصر نعرف كم تعني فيه الحاسبات بكلّ أنواعها (بحثية عملاقة ومكتبية وشخصية) ؟ يكمن الجواب في أمرين اثنين: الأول هو شيوع نطاقات الاستخدام وجماهيريته الكاسحة، والثاني هو الدلالة الفكرية اللصيقة بالدلالة الآيديولوجية.
قد يبدو الحاسوب أكثر الكينونات المادية المصنّعة شيوعاً في عالمنا؛ لكنّ أعداد الحواسيب مهما تعاظمت لن تكون سوى نسبة مئوية بسيطة من أعداد الموبايلات المنتشرة على كوكب الأرض، ولا ينبغي أن ننسى وجود موبايلات رخيصة الثمن وبتصاميم مختلفة توفّر للمستخدم ما يحقق رغباته التواصلية أو الفكرية بثمن في الاستطاعة تحمّل عبء تكلفته؛ في حين لا يبدو هذا (الاسترخاء) الشخصي مُتاحاً عند شراء حاسوب، ومن جانب آخر يستلزم تشغيل الموبايل والتعامل الكفؤ معه معرفة تقنية أقلّ بكثير بالخوارزميات الرقمية عند المقارنة مع الحاسوب - وهو الأمر الذي ساهم في شيوع استخدام الموبايل وجعله رمزاً للحداثة الرقمية في عصر الثورة المعلوماتية.
أما على الصعيد الفكري - الفلسفي - الآيديولوجي فيمثل الموبايل كسراً لصلادة الزمان والمكان وتمكيناً للفرد من تمثّل عصر الحداثة السائلة (التعبير الذي استخدمه السوسيولوجي الراحل زيغمونت باومان لوصف عصر ما بعد الحداثة الذي ترافق مع عصر الثورة المعلوماتية). إنّ التواصل اللحظي الذي يتيحه الموبايل مع أي شخص على الأرض كفيل بكسر عزلة الإنسان واختراق حلقات ضعفه الناجمة عن تصورّه بانعدام القدرة على التواصل مع سواه من البشر وعدم مشاركتهم له في دراما وجوده الإنساني التي تحفل بالكثير من اللحظات المحزنة العسيرة، ويفسّر هذا الأمر رغبة الحكومات الشمولية في فرض نوع من التعتيم التواصلي على المرء لتكريس حالة الضعف البشري لديه وتوهين إرادته المضادة وتقوية فكرة أنّ الآخرين لا شأن لهم به.

- المنتج الأكثر حداثة
تنقاد الصناعة الرقمية بكاملها لقانون غريب من نوعه يدعى (قانون مور)، ويرى واضع هذا القانون (وقد وضعه في ستينيات القرن الماضي) أنّ قدرة المعالجة الاحتسابية للمكوّنات الرقمية المادية تتضاعف كلّ 18 شهراً - أو سنتين أحياناً - لأسباب تختصّ بالقدرة المتعاظمة على تصغير المكونات المادية التي تُصنّع منها الرقاقات الإلكترونية Microchips، وقد أثبتت التطورات التقنية المتتالية صحة هذا القانون حتى أوقات قريبة.
إنّ قانون مور هذا الذي ربما لم يسمع به الكثيرون ولا يهتمون به كثيراً هو ما يفسّر تعدّد موديلات الموبايلات وتحديثها كلّ سنة بحيث صار من التقاليد المعروفة ترقّبُ طرح تصميم جديد من أجهزة الموبايلات المعروفة في وقت محدّد من كلّ سنة، وهو أمر لم نشهده من قبلُ مع السيارات أو القاطرات أو الطائرات أو أي منتج من منتجات الثورات الصناعية المتتالية. إنّ اختزال الوقت الواقع بين فترة البحث والتصميم من جهة والتطوير المادي الذي ينتهي بدورة إنتاج تجارية واسعة النطاق هي إحدى معالم الصناعة الرقمية هائلة الاستثمارات في الصناعة المعلوماتية التي يمثل الموبايل رمزها التقني الرائد في عالم اليوم.

- مُفارقة الأمية الرقمية الخوارزمية
يمثل الموبايل كينونة مادية مكتنفة بأعلى أشكال المفارقة بين المعرفة الرقمية من جهة والاستخدام الرقمي اليومي من جهة أخرى، ويبدو واضحاً أنّ هذه المفارقة ستتعاظم في عصر سيادة تطبيقات الذكاء الصناعي. إنّ منشأ هذه المفارقة يكمن في أنّ النظم الرقمية تعمل وفقاً لخوارزميات محدّدة تحكم عمل المنظومة بأكملها، وقلّما تُتاحُ معرفة هذه الخوارزميات إلا لمن يمتلك الخبرة على التعامل مع الخوارزميات، ولا تنفكّ شركات التطوير الرقمي تطوّر هذه المنظومات في شتى التطبيقات والمجالات حتى باتت النظم الرقمية أقرب إلى (ملغّزات لاهوتية) سرية معقدة ليس بمستطاع الأفراد سوى شراء منتجاتها واستخدامها من غير معرفة مسبقة لازمة أو ضرورية بها، وهنا أصبحنا نشهد نوعاً من الأمية الرقمية الخوارزمية التي لا تشكّل عائقاً أمام التطوّر الفكري للأشخاص طالما هم يعرفون كيفية استخدامها فحسب وعلى العكس من الأمية الأبجدية التي تمثل كابحاً خطيراً في مسيرة الارتقاء الفكري للأفراد.

- تسليع لفضاء التواصل
لم يعُد غريباً رؤية مشهد الطوابير المؤلفة من الناس وهم يقفون أفواجاً منذ الليل على أبواب المتاجر التي تعلن بيع النسخ الأولى من إصدار جديد لجهاز موبايل - ذلك المشهد الذي لم نألفه مع أي منتج مادي من منتجات الثورة المعلوماتية. إنّ كل واحد من هؤلاء الواقفين في الطابور يمتلك بالتأكيد جهاز موبايل وإلا ما كان ليتزاحم من أجل الحصول على نسخة جديدة؛ لكنه الهوس الجمعي الذي يشيع ضرورة الحصول على أسبقية في الوصول إلى آخر مبتكرات الحداثة «الموبايلية» رغم أنّ تلك المبتكرات قد تكون طفيفة (مثل شيء من التحسين على الكاميرا أو تطبيقات جديدة... إلخ) ولا تسوّغ المبالغ الهائلة المدفوعة لقاءها، ويبدو أنّ هذا الهوس الجمعي سيستمرّ وتتعاظم أشكاله في السنوات المقبلة.

- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية مقيمة في الأردن


مقالات ذات صلة

انقطاع الإنترنت في إيران يدخل يومه الـ30 ويعزل ملايين المواطنين

شؤون إقليمية إيرانيات يجلسن داخل مقهى في طهران (أ.ف.ب)

انقطاع الإنترنت في إيران يدخل يومه الـ30 ويعزل ملايين المواطنين

دخل انقطاع الإنترنت في إيران الأحد يومه الثلاثين على التوالي مع استمرار عزل ملايين الأشخاص عن المعلومات والاتصالات منذ اندلاع الحرب مع أميركا وإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ إيرانيات يمشين في حديقة بارديسان في طهران أمس (رويترز) p-circle

ناشطون أميركيون يكثفون جهودهم لإبقاء الإيرانيين متصلين بالإنترنت عبر «ستارلينك»

يكثِّف ناشطون من كل أنحاء العالم، خصوصاً الولايات المتحدة، جهودهم لمساعدة الإيرانيين على البقاء على اتصال عبر خدمة «ستارلينك» للإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية أدخنة تصعد في السماء خلف عدد من المواطنين في يوم القدس في طهران أمس (أ.ب) p-circle

5 بدائل يلجأ لها الإيرانيون لتجاوز حجب الإنترنت

كيف يواجه الإيرانيون حجباً واسعاً للإنترنت تفرضه السلطات منذ أكثر من 14 يوماً؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

نجاح تجربة أول اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت، يمهِّد لتطوير شبكات اتصالات فضائية أسرع.

نسيم رمضان (لندن)
العالم رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب) p-circle

«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، اجتاحت الفضاء الرقمي موجة واسعة من المواد المضللة، تراوحت بين صور أُعيد تدويرها، ومقاطع من ألعاب فيديو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
TT

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت «وكالة الفضاء السعودية» إطلاق قمرها الاصطناعي الجديد «شمس» والتواصل معه بنجاح، ضمن مهمة «آرتيمس2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح فقط، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية مختصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي. وسيتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الإشعاعي، وسيسهم في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.


مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».