مصير الوساطة الفرنسية في الملف النووي الإيراني على المحك

مصير الوساطة الفرنسية في الملف النووي الإيراني على المحك
TT

مصير الوساطة الفرنسية في الملف النووي الإيراني على المحك

مصير الوساطة الفرنسية في الملف النووي الإيراني على المحك

ترصد الدول الأوروبية الثلاث المعنية مباشرة بالملف النووي الإيراني (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) ما سيصدر عن طهران في 6 يناير (كانون الثاني) المقبل؛ موعد المحطة الجديدة من خروجها التدريجي من الاتفاق النووي. ووفق مصادر واسعة الاطلاع واكبت الاجتماع الذي عقد في فيينا مؤخراً وضم؛ من جهة، ممثلين عن الدول الأوروبية الثلاث، وروسيا والصين وإيران من جهة ثانية، فقد حثّ المجتمعون طهران على الامتناع عن أي تدبير «استفزازي» من شأنه أن يضع الأوروبيين في موقف بالغ الصعوبة ولا يترك لهم من خيار إلا ما هدد به وزيرا خارجية فرنسا وألمانيا من تفعيل آلية فض النزاعات. وكان الأوروبيون يعنون بـ«التدبير الاستفزازي» أن تقرر طهران مثلاً العودة إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة وهي ما كانت تقوم به قبل إبرام الاتفاق، أو أن تعمد إلى تشغيل أعداد كبيرة من أجهزة الطرد المركزي مما يعني تسريع التخصيب ورفع مستواه ومضاعفة إنتاج كميات اليورانيوم المخصب.
ومن بين الدول التي تشعر بنوع من الخيبة من الأداء الإيراني، تحتل باريس موقعاً استثنائياً بالنظر للجهود الدبلوماسية الضخمة التي بذلها الرئيس إيمانويل ماكرون من أجل خفض التصعيد في الخليج وبين الولايات المتحدة وإيران من خلال الترويج لخطة باتت عناوينها معروفة: رفع جزئي للعقوبات الأميركية عن إيران، وتمكينها من معاودة بيع كميات من نفطها مقابل عودتها إلى الالتزام بالاتفاق النووي، وقبولها الخوض في الملفات الموازية؛ أي الملف الصاروخي، وسياستها الإقليمية. وبحسب المعلومات المؤكدة، فإن ماكرون الذي التقى الرئيسين الأميركي والإيراني مرات عدة، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، في محاولة للجمع بينهما أو على الأقل حدوث اتصال هاتفي، لعب ورقته الأخيرة، بالتوجه إلى مقر إقامة حسن روحاني مع مستشاره الدبلوماسي السفير إيمانويل بون. وكان السيناريو المرسوم يقوم على أن يتصل ترمب بروحاني هاتفياً بحضور ماكرون. ولما جاء الاتصال، رفض روحاني تسلم المخابرة وكانت حجة الوفد الإيراني وقتها أن الضوء الأخضر لم يصل من طهران، إضافة إلى أنها اشترطت «بادرة» أميركية لقبول اللقاء. لكن هذه البادرة لم تأتِ مطلقاً؛ بل على العكس؛ إذ عملت واشنطن على مضاعفة العقوبات الأميركية، واستهدفت مقربين من المرشد علي خامنئي. وكانت قناعة الجانب الإيراني أن ترمب يريد فقط صورة تجمعه مع روحاني وليس إحراز تقدم في الملفات الخلافية. في عددها الصادر أول من أمس، نقلت صحيفة «لوموند» واسعة الانتشار عن مصادر رئاسية أن ماكرون، في محاولة منه لدفع روحاني إلى قبول لقاء ترمب، قال للأول: «يتعين أن يكون هناك شخصان لرقصة التانغو». وكان جواب روحاني أن «رجال الدين لا يرقصون التانغو».
وبحسب مصادر أخرى، فإن قناعة باريس أن «الكوّة» التي فتحت فيما بين الصيف ومنتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي «قد أقفلت في الوقت الراهن»؛ الأمر الذي من شأنه تبرير تهديد وزير الخارجية جان إيف لودريان طهران. يضاف إلى ذلك عاملان آخران؛ هما الانتخابات التشريعية في إيران في شهر فبراير (شباط) المقبل، والانتخابات الرئاسية الأميركية في خريف عام 2020.
ليس سراً أن ماكرون راهن على مهارته الدبلوماسية لتحقيق إنجاز ما في ملف معقد معتمداً على أمرين: الأول؛ اعتقاده أنه نجح في إقناع الرئيس الأميركي في لقاءاتهما المتكررة في «قمة السبع» في بياريتز، نهاية أغسطس (آب) الماضي، بمنحه «فرصة» للوساطة. والثاني؛ العلاقات التي نسجها مع روحاني الذي قبل بإرسال وزير خارجيته إلى بياريتز أثناء انعقاد «قمة السبع». واللافت أن ماكرون اعتقد أن النجاح أصبح مضموناً إلى درجة أنه قال في مؤتمر صحافي نهائي في المنتجع المذكور إن «الشروط توافرت للقاء ترمب - روحاني وللتوصل إلى اتفاق». لكن «حساب الحقل لم يأتِ مطابقا لحساب البيدر» مما يعني بالنسبة للمراقبين أن باريس لم تكن تملك الأوراق الكافية لإنجاح وساطتها؛ فهي، من جهة، تفتقد «رافعة» تمكنها من التأثير على الرئيس الأميركي، ومن جهة ثانية «فشلت»، كما بريطانيا وألمانيا، في إقناع إيران بأنها قادرة على الوقوف في وجه الضغوط الأميركية وتمكينها من تعويض الخسائر التي تلحقها باقتصادها العقوبات الأميركية.
وثمة من يرى أن باريس لم تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات المشهد الإيراني؛ لا بل إن باريس «لم تكن تفاوض الطرف الذي كان يتعين التفاوض معه في طهران»، وأن روحاني كما ظريف «ليسا الشخصين المؤهلين» للبحث في الملف النووي وتعقيداته.
حقيقة الأمر أن باريس كانت تعتقد أنها الطرف القادر على توفير مخرج من الأزمة وتبريد «التصعيد» المتزايد بين واشنطن وطهران. وكانت مصادر فرنسية شرحت سابقاً لـ«الشرق الأوسط» أن منطلق الوساطة الفرنسية يقوم على اعتبار أن الطرفين واقعان في «مأزق»، وأن ما تقترحه فرنسا هو توفير المخرج الذي يحفظ ماء الوجه لهما. فمن جهة؛ تعاني إيران جدياً من العقوبات الأميركية. وفي الجهة المقابلة؛ قالت باريس للجانب الأميركي إنها تتبنى تماماً ما تريده الإدارة الأميركية وإنها قادرة على تحقيقها الأهداف سلمياً ودبلوماسياً بدل التصعيد غير مأمون العواقب في منطقة الخليج والضغوطات القصوى. لكن النتيجة؛ لا بل غيابها بيّن أن المقاربة الفرنسية لم تكن تتمتع بالدينامية الكافية لتحقيق المبتغى رغم مساندتها أوروبياً ودولياً.
وجاء التصعيد الميداني الأخطر؛ وهو استهداف منشآت «أرامكو السعودية» أواسط سبتمبر (أيلول) الماضي والقناعة المتكونة بأن طهران وراءه، ليقطع الطريق على أي وساطة جدية. وبعد التحلل الإيراني المتواصل من بنود الاتفاق، لم يتردد الأوروبيون الثلاثة من التهديد جماعياً، في بيان مشترك، بعزمهم على «النظر في الآليات كافة التي يوفرها الاتفاق؛ ومنها آلية فض النزاعات» في حال استمرت طهران في وأد الاتفاق بالتقسيط.
ووفق القراءة الأوروبية، فإن تمسك باريس ولندن وبرلين بالاتفاق «سيكون بلا معنى» إذا استمرت طهران في السير على الطريق نفسها. كذلك سيكون من الصعب على باريس معاودة جهود الوساطة بين طرفين لا يبدو أنهما مستعدان لها. ثم إن بين باريس وطهران ملفات خلافية ثنائية تعوق بمعنىً ما رغبة فرنسا في الاستمرار.



إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
TT

إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

صعّدت إيران، أمس (الأربعاء)، في مضيق هرمز بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار؛ إذ تعرضت 3 سفن لهجمات متلاحقة، واحتجز «الحرس الثوري» اثنتين.

وجاء التصعيد تزامناً مع الإبقاء على باب التفاوض موارباً وفي ظل انتظار المفاوض الباكستاني تقليص الفجوة بين الجانبين.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيمدد الهدنة بانتظار «مقترح موحد» من طهران، مع إبقاء الجيش على أهبة الاستعداد، ومواصلة الحصار على الموانئ الإيرانية.

كما قال ترمب إن استئناف المحادثات «ممكن» خلال الأيام المقبلة، مشدداً على أن الحصار البحري يظل أداة الضغط الأساسية. وأكّد أن إيران لن تنتزع اتفاقاً من دون تقديم عرض واضح.

في المقابل، قال رئيس البرلمان الإيراني كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن وقف إطلاق النار لا معنى له إذا استمر الحصار البحري.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن ترى «انقساماً حاداً» بين المفاوضين والعسكريين داخل طهران، وأن غياب مركز قرار واضح يعرقل بلورة موقف موحد.

كما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن ترمب سيمنح إيران بضعة أيام لتقديم خطة سلام.

وفي هرمز، أفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بأن سفينة حاويات تعرضت لإطلاق نار من زورق تابع لـ«الحرس الثوري»، ما ألحق أضراراً جسيمة بجسر القيادة، فيما تعرضت سفينة ثانية لإطلاق نار من دون تسجيل أضرار، قبل أن تعلن وسائل إعلام إيرانية استهداف سفينة ثالثة واحتجاز السفينتين «إم إس سي فرانشيسكا» و«إيبامينونداس».


إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
TT

إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

بدأت إيران بتوثيق الهجمات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت مراكزها العلمية، وتعمل على إعداد ملف قانوني لملاحقتهما في المحافل الدولية، وفقاً لما ذكرته وكالة مهر الإيرانية للأنباء.

وفي تصريحات أدلى بها خلال زيارة لجامعة «الشهيد بهشتي» في طهران، قال نائب الرئيس الإيراني لشؤون العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة حسين أفشين إن هذا الجهد يتم تنفيذه «من خلال الدائرة القانونية في رئاسة الجمهورية»، بحسب تقرير الوكالة.

ووفقا للحكومة الإيرانية، تضررت أكثر من 20 جامعة في إيران جراء الضربات منذ بدء الحرب، كما تم استهداف أكاديميين فيما تزعم طهران أنها محاولة لإضعاف الأسس العلمية والثقافية للبلاد.

وصرح أفشين بأن «الهجمات على البنى التحتية العلمية والجامعية ليست مجرد اعتداء على الممتلكات والمعدات، بل هي هجوم على أسس إنتاج المعرفة، وتدريب الموارد البشرية الماهرة، ومستقبل التنمية في البلاد».

وأضاف أن السلطات الإيرانية تجمع «كافة الوثائق الفنية، وتقارير الخبراء، والأدلة الميدانية" تمهيدا لتقديمها "عبر القنوات القانونية المتاحة إلى الهيئات الدولية ذات الصلة»، وفقا لما ذكرته وكالة مهر.


انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
TT

انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

صعّدت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط مع اقتراب حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» من مسرح العمليات، في وقت عادت فيه «يو إس إس جيرالد فورد» إلى المنطقة، لتنضم إلى «يو إس إس أبراهام لينكولن».

ويضع هذا التحرك ثلاث حاملات طائرات أميركية في نطاق عملياتي واحد أو على مقربة منه، مع مجموعة ضاربة ثالثة تضيف نحو 5000 عنصر وثلاث مدمرات مرافقة، في أكبر حشد بحري من هذا النوع منذ عام 2003، في سياق توسيع الحصار البحري المفروض على إيران.

وتشير المعطيات إلى أن البحرية الأميركية تعمل على تشكيل طوق بحري متدرج يمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب والمحيط الهندي، بما يتيح التحكم بخطوط الملاحة المؤدية إلى الموانئ الإيرانية، مع إبقاء وحدات قتالية في حالة جاهزية للتحرك السريع نحو الخليج العربي ومضيق هرمز.

عودة «فورد» إلى المنطقة

عادت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى الشرق الأوسط بعد عبورها قناة السويس إلى البحر الأحمر برفقة مدمرتين، لتدخل مجدداً نطاق العمليات بعد توقف سابق بسبب حريق اندلع في مارس (آذار) في أحد مرافقها الداخلية. واستأنفت الحاملة انتشارها بعد إصلاح الأضرار، لتلتحق بالمسرح العملياتي ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية.

وانضمت «فورد» إلى «أبراهام لينكولن» العاملة في شمال بحر العرب، ما يعني وجود حاملتي طائرات قادرتين على تنفيذ عمليات جوية وبحرية متزامنة، تشمل الطلعات القتالية والاستطلاع والدعم اللوجيستي، إضافة إلى تغطية عمليات الحصار البحري.

«لينكولن» وغطاء بحر العرب

تواصل «أبراهام لينكولن» العمل في شمال بحر العرب، حيث تؤدي دوراً محورياً في العمليات الجوية والرقابة البحرية. وتعمل الحاملة ضمن مجموعة ضاربة تضم سفناً مرافقة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي، ما يوفر لها قدرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل الحماية البحرية، ومرافقة السفن، وتقديم الإسناد لعمليات الاعتراض والتفتيش.

ويتيح وجود «لينكولن» في هذا القطاع تغطية مساحات واسعة من المجال البحري الممتد بين بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي، مع قدرة على دعم عمليات الحصار البحري المستمرة على الموانئ الإيرانية.

اقتراب «بوش» من مسرح العمليات

تتحرك حاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» نحو الشرق الأوسط عبر المسار الجنوبي حول رأس الرجاء الصالح، بدلاً من المرور عبر مضيق باب المندب. ويُتوقع أن تصل إلى بحر العرب خلال أيام، ما يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية إلى ثلاث مجموعات ضاربة في المنطقة أو على مقربة منها، بحسب ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز».

وترافق «بوش» ثلاث مدمرات، ما يعزز قدرات الحماية والهجوم والدفاع الجوي للمجموعة. ويتيح هذا الانتشار تغطية متداخلة للبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، مع قدرة على إعادة التموضع السريع نحو الخليج العربي في حال تطلبت العمليات ذلك.

وسيضيف وصولها نحو خمسة آلاف عنصر إلى المنطقة ضمن مجموعة ضاربة ثالثة، ما يرفع مستوى الحشد البحري الأميركي إلى أكبر مستوى له منذ حرب العراق عام 2003.

أظهرت بيانات التتبع عبر موقع «فلايت رادار24» تحليق طائرة لوجستية من طراز «في - 22 أوسبري» قرب جزر القمر، في مؤشر على وجود أو اقتراب الحاملة «بوش» من مسرح العمليات. وتُستخدم هذه الطائرات لنقل الأفراد والبريد والحمولات وقطع الغيار بين القواعد البرية وحاملات الطائرات في البحر.

ويُعد ظهور هذه الطائرات على أنظمة التتبع المدني مؤشراً غير مباشر على مواقع المجموعات البحرية، في ظل التزام السفن العسكرية عادةً بإجراءات تقليل البصمة الإلكترونية وعدم بث مواقعها بشكل مباشر.

قوات برمائية وانتشار بحري موسع

بالتوازي مع حاملات الطائرات، دفعت الولايات المتحدة بقوات إنزال بحرية كبيرة إلى المنطقة؛ فقد وصل نحو 3500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم 2200 من عناصر الوحدة الاستكشافية 31، على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس تريبولي» والسفينة «يو إس إس نيو أورليانز»، ثم انضمت إليهما لاحقاً سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور».

كما تتحرك مجموعة برمائية ثانية تضم نحو 4500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم عناصر الوحدة الاستكشافية 11، على متن مجموعة «بوكسر» التي تضم «يو إس إس بوكسر» وسفينتين مرافقتين. وكانت هذه المجموعة قد غادرت بيرل هاربر في الأول من أبريل (نيسان)، ويُتوقع وصولها إلى المنطقة في نهاية الشهر.

طائرة من طراز «في - 22 أوسبري» (أ.ب)

نفذت قوات من مشاة البحرية عمليات إنزال انطلاقاً من «تريبولي»، حيث استخدمت مروحيات لنقل عناصر سيطرت على سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب. وتعد هذه العملية أول عملية مصادرة لسفينة منذ بدء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

وتوفر هذه القوات قدرة على تنفيذ عمليات صعود على متن السفن أو إنزال مباشر من البحر باستخدام مروحيات وزوارق إنزال ومركبات برمائية، بما يعزز من فاعلية الحصار البحري وقدرته على فرض السيطرة على خطوط الملاحة.

قوات برية وجاهزية تدخل

أمر البنتاغون بنشر ما يصل إلى 3000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي قوة مظلية قادرة على الانتشار السريع باستخدام طائرات نقل عسكرية من طراز سي-17 وسي-130. كما تم نشر نحو 10 آلاف جندي مدربين على عمليات الاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها.

وتتمتع هذه القوات بقدرة على تنفيذ عمليات إنزال جوي خلال ساعات، مع إسقاط الأفراد والمركبات والمدفعية في مناطق العمليات. وتعمل هذه الوحدات بالتوازي مع القوات البرمائية، ما يوفر خيارات متعددة للانتشار الميداني.

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 25 فبراير الماضي (رويترز)

شبكة حصار بحري متكاملة

يشمل الانتشار الأميركي مدمرات وسفن إنزال ومنصات استطلاع وطائرات دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون»، إضافة إلى طائرات تزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135». وتؤدي هذه الشبكة دوراً محورياً في مراقبة السفن واعتراضها، وتأمين خطوط الملاحة، وتنفيذ عمليات الإنفاذ البحري.

ويغطي هذا الانتشار الممرات البحرية الرئيسية، بما في ذلك مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب، مع قدرة على متابعة السفن الداخلة والخارجة من نطاق الملاحة المرتبط بإيران.

ويمنح وجود ثلاث حاملات أو ما يقارب ذلك الولايات المتحدة قدرة كبيرة على توزيع الطلعات الجوية ومهام الحماية البحرية والاستطلاع بعيد المدى. وتوفر الحاملات غطاءً دائماً لعمليات التفتيش والاعتراض، وتدعم القدرات اللوجستية والقتالية للقوات المنتشرة في البحر.

ومع استمرار الحصار، تتحول هذه الحاملات إلى منصات لفرض ضغط متواصل على إيران، من دون الحاجة إلى إعلان حملة هجومية جديدة. كما يسمح هذا الانتشار بالحفاظ على الجاهزية إذا فشلت المساعي السياسية واضطرت واشنطن إلى توسيع العمليات مجدداً.

زورق على متن سفينة الهجوم البرمائية «يو إس إس بوكسر» «واسب» خلال عمليات الإنزال من السفينة إلى الشاطئ في المحيط الهادئ، في 18 مارس 2026 (البحرية الأميركية)

جاهزية عملياتية مستمرة

توفر الوحدات الاستكشافية البحرية قدرة على تنفيذ إنزال سريع من السفن إلى الساحل باستخدام زوارق ومروحيات و«في - 22 أوسبري»، مع نقل الوقود والإمدادات مباشرة من البحر. وتتيح هذه القدرات استمرار العمليات لفترات ممتدة مع دعم لوجستي من السفن القريبة.

في المقابل، تعتمد قوات الفرقة 82 المحمولة جواً على إسقاط سريع مع إمدادات تكفي من يوم إلى يومين، قبل الحاجة إلى إعادة الإمداد عبر الجو أو من خلال خطوط دعم إضافية.

تؤمّن هذه التشكيلات العسكرية قدرة على تنفيذ عمليات بحرية وجوية وبرية متزامنة، تشمل الحصار البحري، وعمليات الاعتراض، والإنزال، والتدخل السريع. ومع وجود ثلاث حاملات طائرات ومجموعتين برمائيتين وقوات محمولة جواً، يكتمل انتشار عسكري متعدد الأبعاد يغطي كامل مسرح العمليات البحري المحيط بإيران، مع جاهزية مستمرة لتنفيذ المهام العملياتية المختلفة.

يأتي هذا الحشد ضمن عملية «ملحمة الغضب»، حيث بلغ عدد المصابين في صفوف القوات الأميركية 400 عنصر، بينهم 271 من الجيش و64 من البحرية و19 من مشاة البحرية و46 من سلاح الجو. كما بلغ عدد القتلى 13 عسكرياً، سقطوا في المراحل الأولى من الحرب.

وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق العمليات العسكرية وتعدد أذرعها البرية والبحرية والجوية، في ظل استمرار الانتشار العسكري واسع النطاق.

قدرات إيرانية ما زالت قائمة

في المقابل، تشير تسريبات من مسؤولين أميركيين نقلتها شبكة ـ«سي بي إس نيوز» إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لا تزال أكبر مما أعلنته الإدارة الأميركية؛ فبحسب هذه التقديرات، بقي نحو نصف مخزون الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاقها سليماً عند بداية وقف إطلاق النار، فيما لا يزال نحو 60 في المائة من الذراع البحرية لـ«الحرس الثوري» قائماً، بما في ذلك الزوارق السريعة الهجومية.

كما يعتقد أن نحو ثلثي القوة الجوية الإيرانية لا تزال قابلة للعمل، رغم الحملة الجوية المكثفة التي استهدفت آلاف المواقع. ويعني ذلك أن الانتشار الأميركي لا يواجه فراغاً عسكرياً، بل خصماً ما زال يحتفظ بقدرات كافية لإرباك الملاحة ورفع كلفة الحصار.