نفّذت أجهزة الأمن الإيطالية، في ساعة متأخرة من ليل الخميس الماضي، أكبر عملية ضد المافيا منذ أربعة عقود، ألقت القبض خلالها على 334 شخصاً، ينتمي معظمهم إلى المنظمة المعروفة باسم «ندرانغيتا» (Ndrangheta)، وبينهم عدد من المسؤولين السياسيين ورجال الأعمال الذين كانوا يشكّلون شبكة عالمية تمتدّ في عدد من الدول الأوروبية.
وتعتبر هذه العملية، التي شارك فيها ما يزيد عن 2500 من عناصر الدرك تدعمهم وحدات خاصة من الشرطة القضائية وجهاز مكافحة الإرهاب، أكبر ضربة تتعرّض لها المافيا منذ المحاكمة الكبرى ضد زعماء «كوزا نوسترا» أواخر ثمانينات القرن الماضي بإشراف القاضيين الشهيرين جيوفانّي فالكوني وباولو بورسالينو، اللذين اغتيلا فيما بعد على يد المافيا.
واستهدفت العملية، بشكل أساسي، مجموعة «مانكوزو دي ليمبادي» ضمن المنظمة الإجرامية التي نشأت في إقليم كالابريا الواقعة عند أقصى الجنوب الإيطالي، ثم تمدّدت في جميع أنحاء البلاد، وهي مجموعة معروفة باختراقاتها الواسعة للمؤسسات الإيطالية، ونشاطها في عدد من الدول الأوروبية الأخرى. وأفادت الشرطة بأن من بين المعتقلين عدداً من السياسيين الذين ينتمون إلى حزب «فورزا إيطاليا» وإلى «الحزب الديمقراطي» الذي يشارك في الحكومة الحالية، إضافة إلى عدد من رجال الأعمال المعروفين والمحامين.
كان القضاء الإيطالي قد أصدر مذكرات جلب في حق 416 شخصاً متهمين بالانتماء إلى المافيا والقتل والابتزاز والربا وغسل الأموال، والتحضير لعمليات اغتيال في الأسابيع المقبلة. تجدر الإشارة إلى أن هذه المنظمة التي تعتبر الأعنف في تاريخ المافيا الإيطالية، والسبّاقة في الخروج عن المواثيق التاريخية بعدم التعرّض للنساء والأطفال في الصراع الداخلي بين العائلات، تقوم على أواصر الدم وتشترط للدخول إلى حلقتها الضيّقة قتل أحد الأقرباء، ما جعل منها الأشدّ عنفاً والأكثر خطورة في تاريخ المافيا.
وتزامنت نشأتها مع الضعف الذي أصاب «كوزا نوسترا» في صقلية، مطلع ثمانينات القرن الماضي، عندما أعلنت الحرب على الدولة، ونفّذت عمليات دموّية ضد مسؤولين كبار، ومع تشرذم المافيا في نابولي (كامورا)، وتحوّلها إلى عصابات محليّة تتنازع السيطرة على أحياء المدينة. وبعد أن تغلغلت في الشمال الإيطالي، وسيطرت على جميع أنحاء البلاد، توسّع نشاطها وترسّخ في عدد كبير من البلدان، أبرزها أستراليا وكندا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا.
وخلال مثوله صباح أمس الجمعة أمام وسائل الإعلام، قال المدّعي العام المكلّف مكافحة المافيا نيكولا غراتّيري: «أكثر ما أدهشني في التحرّيات التي سبقت هذه العملية، هو مستوى اختراق (ندرانغيتا) للسياسة ولمؤسسات الدولة». يذكر أن بين الموقوفين أيضاً عدة قياديين في الأجهزة الأمنية.
ويقول الصحافي والكاتب الإيطالي روبرتو سافيانو، الذي يعيش منذ سنوات تحت حراسة مشددة دائمة، بعد أن أهدرت المافيا دمه بسبب كتاب نشره، ويتضمّن معلومات دقيقة عن أنشطتها، إن هذه المنظمة التي نشأت في كالابريا، وتحولّت إلى شركة إجرامية متعددة الجنسيات، بدأت بسرقة الماشية، ثم بعمليات الخطف والابتزاز، قبل أن تنتقل إلى تبييض أرباحها في مشروعات كبرى للبنى التحتية في أقاليم الجنوب، لتصبح بعد ذلك المحتكرة لتوزيع الكوكايين بالجملة في أوروبا.
وتقدّر الأجهزة الإيطالية أن عدد المنتسبين إلى «ندرانغيتا» حالياً يتجاوز 30 ألفاً في كالابريا وحدها، وأن قيمة أنشطتها تزيد عن 45 مليار دولار. ويقول غراتّيري، الذي يعتبر من أكبر الخبراء في مكافحة هذه المنظمة التي تكاد تشكّل دولة داخل الدولة، كما وصفها الصحافي الشهير أوجينيو سكالفاري مؤخراً، الذي يعيش داخل مكتبه المصفّح وراء باب من الفولاذ السميك: «هذه العملية هي ثمرة جهود تدوم منذ سنوات عديدة، أتاحت لنا أن نكشف مصالح هذه المنظمة، وتشعّباتها في أوساط السياسة والأعمال، وبيّنت لنا طبيعة تركيبتها الداخلية وتراتبية السلطة فيها، وكيف تمكنّت من السيطرة بشكل كامل على سوق المخدرات في إيطاليا، لتحتكر بعد ذلك التوزيع في معظم الدول الأوروبية الأخرى».
ويفيد تقرير وضعته مؤخراً مؤسسة إيطالية تضمّ رجال أعمال، وترصد منذ 13 سنة أنشطة المافيا وتأثيرها على الاقتصاد الإيطالي، أن قيمة الأنشطة التي تقوم بها منظمات المافيا الرئيسية الثلاث: «ندرانغيتا» و«كوزا نوسترا» و«الكامورا»، تقدرّ بنحو 150 مليار دولار سنوياً، وأن أرباحها الصافية تتجاوز 100 مليار، أي أن هذا المبلغ يكفي في غضون 20 سنة، لسد العجز المالي للدولة الإيطالية، وهو الثاني في العالم، وكعب إخيل الاقتصاد الإيطالي الذي يعاني من ركود يدوم منذ مطلع القرن الحالي.
ويحذّر التقرير من الخطورة المتنامية لنشاط المافيا على القطاع المصرفي الإيطالي، الذي تراجعت قدرته الإقراضية كثيراً منذ الأزمة المالية العالمية الأخيرة، التي كانت فرصة أمام المنظمات الإجرامية كي تزيد نشاطها في مجال الرِبى الذي أصبح المصدر الأساسي لأرباحها. وبينما تواجه معظم المصارف الإيطالية أزمة سيولة، يقدّر أن السيولة المتوفرّة حالياً لدى المافيا تزيد عن 70 مليار دولار، وأن الذين لجأوا إليها للاقتراض يتجاوزون 200 ألف بين أفراد ومؤسسات.
ومن بين الأنشطة الأخرى التي ركّزت عليها المافيا في السنوات الأخيرة، ألعاب الميسر، المشروعة والمحظورة، والنفايات، خصوصاً السّامة منها، كما وسّعت أنشطتها لتشمل قطاعات جديدة مثل الصحة، حيث تملك عيادات خاصة ومراكز للتشخيص والتحليل، ودوراً للعجزة، إضافة إلى تملّكها لعدد من النوادي الرياضية الصغيرة.
8:30 دقيقه
ضربة تاريخية للمافيا الإيطالية تطيح بمئات السياسيين ورجال الأعمال
https://aawsat.com/home/article/2046891/%D8%B6%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B7%D9%8A%D8%AD-%D8%A8%D9%85%D8%A6%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84
ضربة تاريخية للمافيا الإيطالية تطيح بمئات السياسيين ورجال الأعمال
أنشطتها تزيد عن 45 مليار دولار... ومنتسبوها يتجاوزون 30 ألفاً
أسلحة ضبطها الأمن الإيطالي في عمليته ضد المافيا مساء الخميس (أ.ف.ب)
- روما: شوقي الريّس
- روما: شوقي الريّس
ضربة تاريخية للمافيا الإيطالية تطيح بمئات السياسيين ورجال الأعمال
أسلحة ضبطها الأمن الإيطالي في عمليته ضد المافيا مساء الخميس (أ.ف.ب)
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
