وزارة الثقافة السعودية تعيد «صناجة العرب» وقريته «منفوحة» إلى الواجهة

ضمن مشروعها لإحياء التراث العربي والاحتفاء برموزه

TT

وزارة الثقافة السعودية تعيد «صناجة العرب» وقريته «منفوحة» إلى الواجهة

أعاد مشروع وزارة الثقافة السعودية لإحياء التراث العربي، والاحتفاء برموزه، كثيراً من الشعراء إلى الواجهة، حيث ستنطلق إحدى فعاليات المشروع في شهر مارس (آذار) المقبل، وقد خصصت للشاعر الجاهلي ميمون بن قيس، أو الأعشى، أو صناجة العرب، أو أبي بصير، الذي عاش في قرية «منفوحة»، بإقليم اليمامة، بالقرب من «حجر اليمامة» (الرياض حالياً). وأضحت قرية الشاعر اليوم حياً من أحياء العاصمة السعودية: منفوحة القديمة حيث سكن الشاعر، ومنفوحة الجديدة. ولم يتبق من آثار الشاعر الكبير سوى مسمى يحمل اسمه يقع جنوب المنفحوتين، افتتح قبل 60 عاماً بعد أن اندثرت كل آثار الشاعر، وحاصرت قريته المعامل ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي.
«الشرق الأوسط» زارت منفوحة، التي احتضنت الشاعر وفتقت نخيلها وزروعها ووديانها الخصيبة ومناخها العليل قريحته، وجعلته واحداً من ألمع الوجوه في سوق عكاظ التاريخي. لكن القرية بعد أن زحفت نحوها المباني، وتحولت مع مرور الزمن إلى حي للعمالة والمستودعات، اندثرت آثارها، ومنها آثار الشاعر، كقصره القديم في درنا، الذي هدم وبنيت فوقه مبانٍ سكنية؛ بالإضافة إلى بئر الحضرمية التي كانت مربطاً لناقة الأعشى التي جال بها الممالك والأمصار، ومدح ملوكها ونال عطاياهم، قبل أكثر من 14 قرناً؛ وبئر الارتواء التي كان يرتوي منها بصحبة ندمائه.
عاش الأعشى بين وديان «منفوحة» الخصبة وأجوائها لطيفة المناخ التي اشتهرت بزروعها ونخيلها. وعندما شب، بدأ سياحته الطويلة في الأرض، بما يمكن وصفه بـ«سندباد العصر الجاهلي»، وكان سلاحه لسانه الذي أخاف الملوك والسادة والعظماء، وجعلهم يتسابقون لكسب رضاه تجنباً لهجائه لهم. لكن الشاعر كان أقرب إلى المديح منه إلى الهجاء، بل جعل مديحه سبيلاً حتى إلى تزويج البنات بالتشبيب بهن. وارتحل الأعشى في سبيل بلوغ هذا الهدف إلى كل الأمم المتحضرة في وقته، إذ زار اليمن ونجران وعدن، وعرّج على الحجاز، وانتقل إلى المشرق والبحرين والعراق، ووصل إلى بلاد الفرس، وزار الشام، وتاخم الروم، كما كانت الحبشة وحضارتها محطة لشاعر منفوحة الذي أصبح في وقته من ألمع الشعراء، وشخصية صاخبة ضاجة في ديوان الشعر العربي.
ومن المعروف أن الشاعر قد لقب بالأعشى لضعف في بصره، وقد حدث ذلك في شبابه. وأشار إلى ذلك في قصيدته الشهيرة في محبوبته هريرة التي قال فيها:

ودّعْ هريرة إن الركـبَ مرتحلُ
وهلْ تطيقُ وداعاً أيها الرجل؟
غَرّاءُ فَرْعَاءُ مَصْقولٌ عَـوَارضها
تَمشِي الهُوَينا كما يَمشِي الوَجي الوَحِلُ
كَأنّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جارَتِهَا
مرّ السّحابة لا ريثٌ ولا عجلُ

لقد أكبر النقاد القدماء في الأعشى شاعريته، مع أنهم أخذوا عليه أشياء كثيرة، خصوصاً سلوكه الإباحي، وجاء لقب «صناجة العرب» لكثرة مراودته مجالس الشرب والطرب، ولما في شعره من غزل وتغنٍ بالمرأة والخمرة والمتعة.
وقال عنه النقاد المتأخرون إن الأعشى سعى إلى إعطاء نزواته الحسية أبعد أفق لها، دون اعتبار لـ«رقابة القيم العامة». ومن ينظر إلى مطالع قصائد الأعشى يلحظ أنها صريحة دائماً في غزلها.
ويعد الأعشى أول شاعر نهج أسلوب التكسب بالشعر، وكان دافعه الحصول على المال حتى يغطي به نفقات مجونه مع رفاق الليل، وهذا الأسلوب لم يمنعه من أن يكون شاعراً استطاع أن يخطو بالشعر الجاهلي خطوات كثيرة، من حيث الصياغة وفنون البلاغة والتشبيه التصويري، وإدخال ما يشبه القصة والحوار، وتفننه في أوصاف المرأة، ومعاقرة الخمر في مجالسها المختلفة، ومع توابعها من المغنين والعازفين.
وكان الأعشى رحالة بين أطراف الجزيرة العربية، جوالة بين ملوك الغساسنة والمناذرة واليمن والحبشة، واختلط بالفرس والروم والأحباش، وغيرهم من الشعوب المتاخمة للأرض العربية. ولقد وفرت له هذه الرحلات الاحتكاك بأجواء نصرانية والحضارات شبه الوثنية المتقدمة. ورغم ذلك، لم تبدُ لديه أي نزعة عقائدية تنعكس على تأملات معينة في الحياة والإنسان، ولعل السبب أن الشاعر كان مشغولاً عما وراء ذلك بالتمتع بظواهر الحياة الحسية المباشرة ببساطة وتلقائية غريبة، ليست فيها سذاجة البدوي أسير الرمل والناقة والشظف.
واشتهر الأعشى بمديحه الذي كان سبيلاً حتى لتزويج البنات بالتشبيب بهن، ومنها قصته الشهيرة عندما كان الشاعر متوجهاً كعادته السنوية إلى سوق عكاظ، فإذا رجل يتلاقاه ويأخذ الخطام، فقال الأعشى: من هذا الذي غلبنا على خطامنا؟ قال: المحلّق. قال الأعشى: شريف كريم. ثم سلم إليه، فأناخه، ونحر له ناقته، وكشط له عن سنامها وكبدها، ثم سقاه. وأحاطت به بناته يغمزننه ويمسحننه، فقال الأعشى: ما هذه الجواري حولي؟ قال المحلق: بنات أخيك، وهنّ ثمانٍ شريدتهم قليلة. وخرج الأعشى من عنده ولم يقل فيه شيئاً، فلما وافى سوق عكاظ إذا به بسرحة قد اجتمع الناس عليها، فأخذ ينشدهم:

لعمري لقد لاحت عيون كثيرة
إلى ضوء نار في يفاع تحرق
تشب لمقرورين يصطليانها
وبات على النار الندى والمحلق
يداك يدا صدق فكف مفيدة
وأخرى إذا ما ظن بالزاد تنفق

ولما انتهى الأعشى من إنشاد القصيدة، تقدم المحلق وسلم عليه، فقال له الشاعر: مرحباً بسيد قومه. ونادى: يا معشر العرب، هل فيكم مذكار يزوج ابنه إلى الشريف الكريم؟ فما قام من مقعده وفيهن مخطوبة إلا وقد زوجها.
ويوضح الباحث راشد بن محمد بن عساكر، في دراسته المتكاملة عن منفوحة، حيث ولد وعاش ومات شاعرها الأعشى، أن القرية كانت لها في السابق استقلاليتها وكيانها وتاريخها الخاص، وتحولت اليوم إلى حي صغير من أحياء مدينة الرياض الكبرى.
وحدد الباحث ابن عساكر معالم منفوحة وتاريخها وأعلامها في كتابه القيم «منفوحة في عهد الدولة السعودية الأولى والثانية»، وضمنه معلومات وصوراً في غاية الأهمية عن المواقع التاريخية، ومنها ما يتعلق بالأعشى، موضحاً أنه على جنبات وادي العرض، الذي يعد أهم أودية اليمامة، تقع عدة قرى وبلدات متفرقة تمتد من الشمال إلى الجنوب. وفي قلب هذا الوادي ووسطه، تقع أهم بلدتين فيه، وهما: حَجْر اليمامة، ومنفوحة. فبين الجانب الشرقي: الوتر (البطحاء)، والغربي (وادي حنيفة)، وجنوب حَجْر اليمامة، تقــع منفوحة، وهي بذلك تمثل مثلثاً لمكانها الذي تقع فيه بالنسبة إلى هذين الواديين المهمين، ومطابقة لوصف الأعشى عندما ذكرها مع عدد من الأمكنة والمواقع، مبتدئاً بشمالها إلى جنوبها في شعره السابق.
وأشار ابن عساكر أن آراء علماء اللغة والجغرافيين تتـفق في أصل الاشتقاق لهذه التسمية، فمنفوحة: اسم مفعول من النفح، وذلك لوقوعها في مهب الصبا، حيث تنفح منها الرياح التي تهب من مطلع الشمس. ونَفَح الطيبُ ينفُح نفحاً ونُفـُوحاً؛ أي: أرجَ وفاح. ومنفوحة، بفتح الميم وإسكان النون، بعده فاء وواو، وحاء مهملة. ومنفوحة اسم مفعول من نفح الطيب: إذ فاح. ونـفحت الصبا: إذا هبت، كأنها الريح الطيبة، أو الهواء الطيب موجود فيها. ويتفق الأصفهاني مع غيره على أن هذه التسمية جاءت من أجل قولهم: انفـح لنا، أي هب لنا، فسميت منفوحة. وعند الحموي أن هذا الاسم مأخوذ من قول زعيم بني حنيفة، عبيد بن ثعلبة، لبني قيس بن ثعلبة، لما طلبوا النـزول والجوار حوله، فأجابهم بقوله: ما لي من فضل، غير أني سأنفحكم. ثم علل الحموي ذلك بأنه أُخذ من قولهم: نفحه بشيء؛ أي أعطاه. ومن النفح، قول الأعشى:

لما أتيتك أرجو فضل نائلكم
نفحتني نفحة طابت لها العرب

- في مدح الرسول
قدم الشاعر الأعشى للحجاز لمقابلة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لكن صناديد قريش الذين عارضوا النبوة، وكانوا في هدنة مع محمد، وقفوا له في الطريق، وحاولوا إثنائه عن مقابلته، لقناعتهم بأن إعلان إسلامه سيجعل أكثر العرب يعلنون إسلامهم، وأغروه بالمال، وطلبوا منه العودة إلى منفوحة لأنهم كانوا في هدنة مع محمد، كما أنهم قالوا إن محمداً يحرم الخمر، وكانت لدى الشاعر صبابة تكفيه لمدة عام في مخمرته (مهراس). وعند عودته إلى منفوحة، ووصوله إلى مشارفها، سقط من فوق الناقة، ودق عنقه، فمات ولم يحظ بإعلان إسلامه، مع أن النية كانت موجودة لديه. وقد نظم الشاعر قصيدة طويلة في مدح الرسول، منها:

ألا أيهذا السائلي: أين يممت
فإن لها في أهل يثرب موعدا
نبي يرى ما لا ترون وذكره
أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تُغب ونائل
وليس عطاءُ اليوم مانعه غدا
أجِدَّكَ لم تسمع وصاة محمد
نبي الإله حين أوصى وأشهدا

ولأن التاريخ لا يكذب، حتى وإن كان يكتبه المنتصرون، فإن هذا التاريخ يقدم لنا نماذج لشعراء في أزمان متقاربة تابعوا الفلسفة الشائعة التي تقف من أحياء الدنيا وأشيائها موقف المتأمل لجوهر الاستمرار، ثم كيف كان للطغاة في زمانهم صولات وجولات بسطوتهم المرهبة، وتحكمهم في أرزاق الناس وأعناقهم، دون احتجاج أو تمرد من قبل الشعب المنكوب به، والمنكوب أكثر بذله في نفسه، ثم مصير الطاغية الذي تنتهي حياته إما بالقتل أو الموت داخل السجن.
الأعشى في إحدى قصائده التي خصصها في مدح المحلق التي انفردت بمضمون فكري، وتعمقها في ذكر خلق الملك النعمان وصولته وجولته الكبرى وسطوته المرهبة، وتحكمه في أرزاق الناس وأعناقهم، دون احتجاج أو تمرد من قبل المحكومين، عبر عن الظلم وخضوع الشعب البائس.

ولا الملكُ النعمان يوم لَقِيتُه
بإِمَتِه يعطي القُطُوط ويَأْفِقُ
ويَقْسِمُ أمرَ الناس يوماً وليلة
وهم ساكتون والمنية تنطق

لقد كان الملك النعمان الذي التقاه الشاعر له يوم بؤس ويوم نعمى، يوزع عطاياه وهباته على من يلتقيهم. لقد كان يقسم أمر الناس بين السعادة والشقاء، والشعب ساكت لا يتكلم ولا يحتج، ولا يتذمر ولا يثور، لكن مصير الطاغية صاحب الصولة والجولة كان في السجن، سجن ساباط، حيث حبس كسرى النعمان فيه وهو «محزرق»؛ أي مضيق عليه.

فذاك وما أنجى من الموت ربَه
بساباط حتى مات وهو محزرقُ

ولم ينس الأعشى بعد هذا المقطع الحكمي أن يوحي للمستمع أنه ما دام هكذا حال الدنيا، فلا يبقى للمرء إلا تمتعه بحياته إلى أقصى ما يستطيع، وأنه يريد أن ينسى طول يومه بين فتية في اللهو والشراب تحت خبأ أظله رواق مديد.

وقد أقطع اليوم الطويل بفِتْيَة
مَسامِيحَ تُسْقَى والخِباءُ مُرَوَقُ



مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
TT

مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)

في معرضه الجديد «شذرات من الفن والروح»، يفتح الفنان التشكيلي المصري مصطفى الرزاز أبواب عالم بصري حافل بالبشر والأزهار، والكائنات المألوفة والعجيبة في آن واحد. لتبدو الأعمال، التي تتجاوز مائة عملٍ فني، كأنها ومضات من حلم طويل مشبع بالروح الشعبية، تتجاور فيه الأسطورة مع الحياة البسيطة، تذوب فيه الحدود بين الإنسان والطبيعة والعناصر الزُخرفية.

في المعرض الذي يستضيفه غاليري «ببليوتك» (غرب القاهرة) حتى نهاية مايو (أيار) الحالي، يُعزز الدكتور مصطفى الرزاز عبر لغته التشكيلية حالة الحساسية البصرية الخاصة بالفن الشعبي؛ تلك البراءة المقصودة، والتبسيط، والمبالغة في الملامح، والزخارف المُكررة، بوصفها لغة جمالية تخاطب المتلقي، فلا تبدو أعماله وكأنها تستعيد التراث الشعبي بقدر ما تعيش وتتفاعل داخله.

من زوار المعرض (إدارة الغاليري)

تتفاوت مساحات اللوحات المعروضة بشكل كبير، ومن اللافت حضور أعمال بأحجام صغيرة تصل لحجم «المنمنمات» التي يقول الرزاز إنه استلهم فكرتها خلال إعداده للمعرض، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «وجدت نفسي أعود إلى حصيلة ستين عاماً من العمل الفني، فوجدت أعمالاً بمساحات صغيرة لم تكتمل، وظلّت أعمالاً مفتوحةً عبر سنوات طويلة، فعندما عدت إليها لإعداد المعرض، بدأت أنجزها بسعادة طفل دخل غرفة ألعابه». ولعل هذه الروح «الطفولية» قد وجدت صداها في أعمال المعرض، بما تحمله من فانتازيا، وتجاور حميم للكائنات، والعلاقة التلقائية بين اللون والزخرفة والأحلام.

يظهر بوضوحٍ المزج بين البراءة الكامنة في العناصر الشعبية والعوالم الأسطورية، فالوجوه هادئةٌ، واسعة العينين أو مغمضةٌ كأنها في حالة تأمل أو إنصات داخلي، فيما تبدو الكائنات المحيطة بها من طيور وخيول ونباتات وكأنها امتدادٌ لتلك الوجوه.

تكوينات النباتات والطيور في حوار بصري مع بطلة اللوحة المركزية (إدارة الغاليري)

وفي بعض الأعمال، خصوصاً تلك التي تحضر فيها الأسماك والنساء الريفيات، يبدو أن الرزاز يستدعي ذاكرةً مصريةً قديمةً مرتبطةً بالنهر والخصب والحياة اليومية، لتتجاور البيوت الطينية والخلفيات الريفية مع شخصيات أقرب إلى الأيقونات الشعبية.

من اللافت اعتماد الفنان على الموتيفات التي تمنح الأعمال روح الجداريات الشعبية ورسوم الحكايات القديمة، حتى الألوان نفسها تبدو حرارتها مشتقةً من فانتازيا الأساطير، مستدرجةً طاقات الطبيعة الحرة.

أيقونات شعبية ذات طابع فانتازي (إدارة الغاليري)

ولا تبدو العلاقات بين الكائنات والعناصر داخل اللوحات ناتجةً عن بناء صارم أو تخطيط مسبق، بقدر ما تتولد تدريجياً على سطح اللوحة، فكما يقول الرزاز: «أحياناً قد أبدأ برسم عصفور، أو نباتٍ يتسلّق عبر اللوحة، ثم تتداعى العناصر لاحقاً وفق حالة شعورية أريد أن أعكسها مثل التقابل أو التعاطف، فأرسم عبر ارتجالاتٍ تلتئم فيما بعد لتبني عناصر ومشاهد اللوحة»، وربما يفسر حديث الفنان ذلك الإحساس العضوي الذي تمنحه الأعمال، إذ تبدو العناصر وكأنها تنمو داخل اللوحة لا تُفرض عليها.

من أعمال الفنان التشكيلي مصطفى الرزاز (إدارة الغاليري)

كما يشير الفنان إلى انشغاله بتوجيه عين المتلقي داخل العمل، ليس من باب الإبهار البصري المباشر، بل عبر «خلق مسارٍ داخلي للحركة والتأمل، بحيث تتحرك العين وفق الفكرة الرمزية وراء اللوحة، لذلك تبدو نظرات البشر والكائنات الأخرى متشابكةً داخل شبكة من العلاقات، كأن الكائنات جميعها تتبادل النظر والإشارات، وتدعو المشاهد إلى الدخول في هذا النسيج البصري الهادئ، لا مجرد التطلع إليه من الخارج».

ففي إحدى اللوحات، على سبيل المثال، تبدو بطلة اللوحة وكأنها تخرج من قلب الطبيعة؛ فيتحوّل شعرها إلى خطوطٍ زخرفيةٍ، والطيور تكاد تحط على كتفيها أو تخرج من جسدها نفسه.

أعمال بحجم صغير تلفت الأنظار (إدارة الغاليري)

ينطلق الدكتور مصطفى الرزاز، الحائز على جائزة «النيل» الرفيعة في مصر عام 2017، في ممارسة الفن التشكيلي من الثقافة الموسوعية الواسعة، فقد تشكّل وعيه عبر قراءات ممتدة في التراث العربي القديم؛ عبر شغف مبكر بكتب مثل «الأغاني» للأصفهاني و«عجائب المخلوقات» للقزويني، كما يشير. وهي عوالم مشبعة بالحكايات والكائنات الغريبة والأساطير، بما جعل مخيلته البصرية تتكوّن بوصفها امتداداً لذاكرة سردية وشعبية طويلة.


«فلسطين 36»... الملحمة المنسية التي سبقت النكبة

الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
TT

«فلسطين 36»... الملحمة المنسية التي سبقت النكبة

الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)

أياً تكن الانتقادات التي توجه إلى فيلم آن ماري جاسر «فلسطين 36» سيبقى لوقت طويل محطةً أساسيةً في مسار السينما الفلسطينية، لا بل يستشهد به لفهم تأثير الفن في تشكيل الوعي، وتحولات الإدراك الجماعي.

الفيلم وصل إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار، وصفق له جمهور «مهرجان تورنتو السينمائي» ربع ساعة وهم يهتفون «فلسطين حرّة». وقد بدأ عروضه في لبنان هذا الأسبوع بعد افتتاحٍ جامعٍ في سينما «متروبوليس». حضر العرض الأول وزراء ونواب، برعاية ودعم «مؤسسة دلّول للفنون» والدكتور باسل دلّول الذي قال بضرورة «الحفاظ على الإرث الثقافي العربي وتعزيزه عبر الفن والسينما»، وأن هذا الفيلم تحديداً «يشكّل إنجازاً فنياً مهماً يستحق أن يصل إلى الجمهور في لبنان وخارجه».

مشهد من الفيلم أثناء إطلاق إذاعة القدس (مؤسسة دلول للفنون)

«فلسطين 36» تاريخي روائي، تتأتى أهميته من الجانب التوثيقي. فقد عكفت كاتبة الفيلم ومخرجته على البحث لمدة ثماني سنوات، وهو ما أعفاها من تقديم عمل سريع، على طريقة الأفلام التأريخية التقريبية. ثمة حرص على أن تحكى القصة كما هي، مع تفاصيل تجعل الصورة أقرب ما تكون إلى الواقع. بالتالي فنحن أمام محاولة لإعادة تركيب حكاية فلسطين قبل النكبة بسنوات، لنكتشف أن اللحظة المفصلية لم تكن عام 1948 وإنما سابقة عليها، مع إحكام الاحتلال البريطاني سيطرته على البلاد.

تبدأ الحياة في الفيلم وادعة عام 1936، كل شيء يشي بأن الناس منشغلون بأرزاقهم، بمحاصيلهم، بقمحهم، بقطنهم، بقصصهم الصغيرة، لكنهم يشعرون أن ثمة حولهم ما يتغير. موجات اليهود تصل تباعاً، الأسلحة تهرّب عبر المرافئ. الإنجليز يستبدلون بالعمال الفلسطينيين اليهود الوافدين، البطالة تتفشى، ومصادرة الأراضي تتسع.

نكتشف قرية «البسمة»؛ اسم يحمل مفارقة مع قدرها المأساوي. يوسف ابن القرية يعمل في القدس، ويسمح لنا تنقله بأن نكتشف عالمين متباعدين. عالم المزارعين الكادحين المرتابين بسبب الاستيلاء على أراضيهم، والمستعمرات تزنرهم والعسكر يحاصرهم، ومجتمع النخبة المدنية الفلسطينية، وهي تتماهى مع النموذج الغربي وتتعايش معه، وتستقبل عسكر الإنجليز وضباطه في أمسياتها المترفة.

كاميرا بارعة واختيارات موفقة للممثلين والمواقع، رغم أن الفيلم باغتته أحداث السابع من أكتوبر، وحرمته من تصوير مشاهده في فلسطين، بعد أن شيدت له قرية متكاملة وجهزت سيارات، وآليات، إلا أن الانتقال إلى الأردن لإنجاز غالبية المشاهد كان اضطراراً.

الصحافية التي تكتب ما يدور في ضمير المعذبين والشريك المتخاذل (مؤسسة دلول للفنون)

طوال ما يقارب ساعتين تشاهد ملحمة لشعب يباد بأقسى الأدوات. الاحتلال الإنجليزي يمارس عنفاً لا يمكن تصديقه على المزارعين وأصحاب الأرض.

مع تصاعد الأحداث، تصير الصورة كأنها متلحفة بغلالة، لندخل في أجواء تؤلم حد النزف لكنها لا تسمح للمتفرج بالبكاء. إنها النسخة الأولى عما نشاهده في فلسطين هذه الأيام، لكن بإيدٍ إنجليزية. في مقابلة لها، تقول المخرجة: «لم أكن أعلم أن الإنجليز كانوا سبّاقين إلى ممارسة ما ترتكبه إسرائيل، وهم من مهدوا لها الطريق».

يركز الفيلم على يوسف وعائلته وهي تحاول أن تجد توازنها رغم الصعاب، كذلك شقيقه الصغير الذي يعتقله الانتداب ولا يخرج من السجن إلا شاباً، إلا أننا نجد أنفسنا أمام قصة كاهن القرية وابنه الصغير، ثم تتعدد الوجوه وتتكاثر القصص. إنها حكاية الجماعة الفلسطينية. وكلما حاولت المخرجة أن تركز كاميرتها على نواة صغيرة، تعود لتوسع المشهد. إنها إحدى ثغرات الفيلم، بحيث يبقى المشاهد مشتتاً بين التفاصيل الكثيرة، لأناس كلهم مأزومون. إنما في النهاية، يستسلم المتفرج أمام هول الأحداث المتلاحقة، ونبض الشعب المنتفض من أجل حرية تفوح من المشاهد.

لكن المخطط هائل ويصعب استيعابه. خمسة أحزاب فلسطينية تتكتل وتعلي الصوت ضد التقسم، مقابل الهيئة الإسلامية التي يتبين أن بريطانيا هي من صنعتها. صحافية فلسطينية تكتب مقالات ضد الإنجليز يرد عليها كاتب آخر، ويفند حججها، يتبين أنه اسم وهمي عربي من صناعة إنجليزية.

كاهن القرية الذي لن يرحمه الاحتلال (مؤسسة دلول للفنون)

الكلمات منتقاة، النص مكتوب بعناية، الأحداث محطات يجدر تأملها. فبعد وصول اللجنة الملكية من بريطانيا، تصدر تقريراً صادماً، نسمعه يتلى بصوت مرتفع في ما تمر الكاميرا على الوجوه الفلسطينية المذهولة وهي تدرك للمرة الأولى أن التقسيم واقع. التقرير يستحق أن يتمعن بكلماته، لشدة استفزازيتها: «إن التقسيم يفسح مجال الأمل للعرب واليهود معاً بنيل نعمة العيش في ظل السلام... العرب لم يكونوا طوال تاريخهم مجردين من كره اليهود فحسب، بل إنهم برهنوا على الدوام على أن روح التساهل متأصلة في عروقهم». وكأنما إنجلترا جلبت اليهود لعلمها المسبق بتسامح العرب وطيبتهم. فأي مكافأة، وأي مأساة! يضيف التقرير أن المشكلة اليهودية تعكر صفو العلاقات الدولية وتقف حائلاً في سبيل السلام، «فإذا كان في إمكان العرب أن يساعدوا على حل هذه المشكلة متحملين في سبيل ذلك بعض التضحية فإنهم لا يكسبون بذلك ثناء اليهود فحسب بل ثناء العالم الغربي بأسره».

بعض التضحية التي يتحدث عنها التقرير، تتحول جحيماً. وفي مواجهة عقاب جماعي غير مسبوق، كل يحاول أن يقاوم بما يملك. تهريب لأسلحة بدائية، طباعة مناشير، اختباء في الجبال والتلال والمغاور. القرية كلها بأطفالها ونسائها وشيوخها تسجن في العراء خلف أسلاك شائكة يمنع عنها الماء والطعام والظل. رغم بدائية أسلحتهم، يبدأ الفلاحون بتسجيل انتصارات واستعادة أراضٍ. حينها يدرك الإنجليز أن عليهم أن يستنفروا قواهم كلها. هي مناسبة لنشاهد الفرق بين جيش مدجج بأحدث المعدات من طائرات استطلاع، وآليات كبيرة، وسيارات مقابل مجموعة من القرويين العزّل.

حين يهاجم عساكر الإنجليز قرية «البسمة» بحثاً عن أسلحة، يبلغ العنف حداً مريعاً. تفتيش، توقيف، ضرب، إهانات، تخويف، تصاريح مرور عند كل نقطة، مداهمة منازل، سجن، نفي. يعترف الكاهن بمخبأ الأسلحة لينجو بنفسه وعائلته، لكن النتيجة أنه يوضع مع رجال القرية في حافلة، تفجّر بهم بمجرد أن تنطلق. مشهد فظيع آخر حين يعاقب مسن وزوجته بتلغيم منزلهما وتفجيره، وهما في داخله على مرأى من أهل القرية ليكون عبرة لهم.

مع تصاعد الأحداث الدموية، تصبح الكاميرا أسرع، وأكثر حيوية. نرى الناس يحرقون مع زرعهم وضرعهم، وكل مواطن مدفوع لأن يستخدم ما يتوفر ليدافع عن نفسه، أو ينتقم لحبيب فقده. هكذا ينتهي الفيلم بمشاهد تريك أن محاربة المحتل والدفاع عن الأرض والنفس لا تحتاج تنظيماً ولا حزباً. الطفل، ابن الكاهن يحمل مسدساً قديماً، يذهب به إلى القدس، ينادي جندياً بريطانياً، ويطلق عليه النار، ليثأر لوالده الذي فجّر أمام عينيه.

في لحظات تبدو تعابير الوجوه الصامتة الحزينة أبلغ من أي كلام، وصوت الريح الآتية من الجبال والوديان أفصح من الموسيقى. تبقى في الذاكرة مشاهد البيوت المحروقة والقرى المنتهكة، والوجوه المفجوعة، مقابل نظرات الشرّ والارتكابات الإجرامية للجنود الإنجليز.

جزء من تمويل الفيلم إنجليزي، وعرض في لندن، وسط استغراب متفرجين يجهلون تاريخهم الاستعماري الذي دفن في صمت، لكن الأغرب أن العرب أيضاً لا يعرفون الكثير عن تلك الفترة التي اشتعلت فيها ثورة كبرى، وإضراب هو الأطول في تاريخ فلسطين ضد المحتل، الذي انتصر لا بسلاحه بل بتقسيم الناس، تشتيتهم، وكسر وحدتهم بالحيلة والمكر والمؤامرة.

«فلسطين 36» فيه نخبة من الممثلين، بينهم هيام عباس، صالح بكري، ظافر العابدين، كامل الباشا، ياسمين المصري، يمنى مروان، بيلي هاول، روبرت أرامايو، جيريمي آيرونز، ليام كانينغهام، والراحل أحمد قعبور. القصد أن يكون فيلماً جامعاً يشارك فيه كثيرون، ليرووا حكاية لا تزال مستمرة.


برنامج فني حافل في مصر خلال إجازة الأضحى

فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)
فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)
TT

برنامج فني حافل في مصر خلال إجازة الأضحى

فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)
فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)

عبر برنامج فني حافل بالعروض المسرحية والاستعراضية والأنشطة الثقافية والفنية، وعروض «فن الشارع» و«سينما الشعب»، تنظم وزارة الثقافة المصرية العديد من الفعاليات في مختلف المحافظات خلال إجازة عيد الأضحى.

وأعلنت الوزارة في بيان، الثلاثاء، عن انطلاق برنامج فني شامل في مختلف محافظات مصر، عبر عشرات المواقع الثقافية، في إطار سعيها لنشر البهجة وإتاحة الفنون أمام الجمهور، وترسيخ دور الثقافة في تشكيل الوعي وتعزيز قيم الجمال في المجتمع.

وتسعى الفعاليات إلى تحقيق مبدأ «العدالة الثقافية» والوصول بالخدمة الثقافية إلى جميع ربوع مصر، عبر مبادرات متنوعة من بينها «مسرح التجوال» و«شارع الفن» و«المكتبات المتنقلة» و«سينما الشعب» والفعاليات الفنية في محطات المترو، إلى جانب العمل على إطلاق مبادرات جديدة، وفق تصريحات لوزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي.

وأعدت الهيئة العامة لقصور الثقافة، برنامجاً يتضمن أكثر من 65 عرضاً فنياً، و3 عروض مسرحية، و3 أفلام سينمائية جديدة، إلى جانب 40 نشاطاً ثقافياً وفنياً للأطفال والكبار، ويشهد برنامج الاحتفالات هذا العام مشاركة فرق الموسيقى العربية والفنون الشعبية والإنشاد الديني، فضلاً عن استمرار مشروع «سينما الشعب» في 21 موقعاً ثقافياً بـ17 محافظة، لعرض أحدث أفلام عيد الأضحى يومياً من العاشرة صباحاً حتى منتصف الليل، بسعر موحد 40 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً).

فعاليات فنية متنوعة تقيمها وزارة الثقافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)

ويشارك «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» في الاحتفالات من خلال باقة متنوعة من العروض الفنية والترفيهية التي تجمع بين فنون السيرك والعروض الشعبية والمسرحية على عدد من مسارحه بالقاهرة والمحافظات.

وأعلن قطاع المسرح عن برنامج عروضه وأنشطته لشهر يونيو (حزيران) 2026، الذي يضم مجموعة متنوعة من العروض المسرحية والاستعراضية على مسارح القاهرة والمحافظات، ضمن خطة وزارة الثقافة لتنشيط الحركة المسرحية وتقديم محتوى فني يجمع بين الترفيه والتنوير.

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن «موسم عيد الأضحى يشهد تنوعاً في الاحتفاليات الفنية والثقافية»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أولاً لدينا احتفالات (شارع الفن) التي تقام في وسط البلد بالقاهرة، وتشهد تفاعلاً كبيراً من المارة الذين ينجذبون للفنون التي يتم تقديمها أمامهم مباشرة وفي أماكن تجوالهم ونزهتهم»، وأضاف: «من المعروف أن عيد الأضحى بالأساس موسم سينمائي، ولذلك عادة ما تكون أسعار التذاكر مرتفعة، لذلك من الجيد أن يزداد نشاط (سينما الشعب) في هذا الموسم لما تقدمه من تذاكر مخفضة».

فعاليات سابقة من «شارع الفن» في وسط القاهرة (وزارة الثقافة المصرية)

وينظم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، احتفالية لإحياء ذكرى زكريا الحجاوي يوم 5 يونيو المقبل، على مسرح السامر، تتضمن توزيع جوائز مسابقة زكريا الحجاوي لدراسات الفنون الشعبية.

وأعلن المركز القومي للسينما، برئاسة الدكتور حسين بكر، عن برنامج للعروض السينمائية والأنشطة الثقافية، يتضمن عروضاً لأفلام محمد شعبان وسمير عوف وشادي عبد السلام، إلى جانب فعاليات نادي السينما المستقلة ونادي سينما المرأة.

وفي الحديقة الثقافية للأطفال بالسيدة زينب، يُنظم برنامج فني وترفيهي متنوع خلال الفترة من 29 إلى 31 مايو (أيار) الجاري، يتضمن ورشاً فنية للأطفال، وعروض الأراجوز والماريونت والمهرج، إلى جانب العرض المسرحي «سجين الهواء والورق»، وعروض فرق «بنات وبس» و«كنزنا»، وكورال «بنكمل بعض» لذوي الهمم.

وعَدّ سعد الدين الفعاليات التي تنظمها وزارة الثقافة «تعطي الفرصة للشباب ولفئات اجتماعية كثيرة للاحتفال والاستمتاع بالفن في وسط القاهرة وفي المواقع الثقافية المختلفة بالمحافظات، مجاناً أو بأسعار رمزية».