أحمد عبد السلام «إمبراطور السكريات» على متن البواخر السياحية

من بين أفضل 20 «شيفاً» وفق مجلة أميركية

TT

أحمد عبد السلام «إمبراطور السكريات» على متن البواخر السياحية

قَبِل الشيف أحمد عبد السلام بأن يجازف بالعمل في عرض البحر، أخذ بالنصيحة وأكل من التفاح الأخضر في كل مرة أصابه دوار البحر.
التحق الشيف أحمد عام 2017 بأكبر باخرة بالعالم MSC Meraviglia، حيث يركب على متنها نحو 5600 زبون، و1700 عامل، ويتوزع بين أرجائها 17 مطعماً تتنوع بين مطاعم إنجليزية ومكسيكية وهندية وإيطالية، والشاهد في القصة أنه قبل قدوم الشيف المصري كان يعمل أربعة طهاة (إيطالي وفرنسي وألماني ونمساوي)، إلا أنهم رفعوا الراية البيضاء قبل مرور أربعة أسابيع، نتيجة الضغط الهائل الذي وقع على عاتقهم، لا سيما أن الحد الأدنى لعدد ساعات العمل 12 ساعة لستة أشهر متواصلة، من دون الحصول على إجازة ولو ليوم واحد.
لكن ماذا فعل أحمد؟ لقد نجح بامتياز مع مرتبة الشرف، ليغدو أول عربي يتولى لاحقاً منصب الشيف التنفيذي للحلويات في شركة ملاحة عالمية Norwegian cruise line تتألف من 16 باخرة، حاملاً مسؤولية التدريب والإشراف على لائحة الطعام فيها، ومحققاً قفزة عالية في قسم الحلويات.

- عائلة «حَلوانية»
بدأت رحلته الخاصة أولاً بتعليم نفسه لأصول المهنة التي أحبها، فقد كان يدخر من راتبه على مدار السنة للالتحاق بكورس واحد في الخارج يختص بـ«فن السكر»، في حين كانت عائلته تلومه بأن أولاده أولى بهذا المال، إلى أن أدرك الجميع ما كان يصبو إليه عندما رفع الكأس كأول بطل «حلواني» لأفريقيا عام 2011، ليظفر بالسبق مع فريقه بفوزهم ببطولة قارية لمصر. تجدر الإشارة إلى أنه شارك بكأس العالم في أعوام 2013 - 2015 - 2017 - 2019.
يستهل أحمد عبد السلام حديثه لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «نشأت في بيئة كلها (حَلوانية) بالتعبير المصري، والدي كان عضواً في نقابة (حلو من عجين) عام 1948، أي أنه يُعدّ من قدامى هذه المهنة ولم يكن في مصر حينها سوى 300 شخص يجيد تحضيره (الجاتوه)، فعائلة عبد السلام ولله الحمد شهيرة في هذا المجال، حتى إن إخوتي الأربعة (حلوانية)، ويعملون حالياً في أهم فنادق بمصر».
لمعة براءة تألقت في عينيه، عندما تذكر المخبز الذي امتلكته عائلته في طفولته، حيث تعلَّم طريقة تحضير «العيش البلدي» و«الفينو»، والمفارقة في الأمر أن والده كان يمنعه وإخوته من دخول المطبخ للطهي، ويستشيط غضباً إذا ما اجترأوا على خطه الأحمر، حسب قوله.
إلا أن اكتشافه لحقيقة شغفه بدأ عندما عمل مع أخيه سعد في «فندق شيراتون المطار»، فراقت له فكرة أن «الشيف» يحظى باحترام من مديريه وزبائنه، وتتاح له فرصة الاحتكاك بالأجانب.

- الدخول إلى «عالم أليس»
لم يعرف أحمد عبد السلام أن الحياة ستبتسم له كثيراً؛ ليصبح فيما بعد أول شيف عربي تختاره مجلة Chicago‘s school of mold making الأميركية، كواحد من بين أفضل 20 «شيفاً» على مستوى العالم لعام 2008. ناهيك بأنه أول شيف عربي يتجول بين أكثر من 120 دولة في أربع قارات.
«ماذا عن شرارة البداية الحقيقة في حياتك المهنية؟»... يزيل فضولي بإخباري أنه في عمر الـ23 التقى بصديق مهندس، واندهش بحاسوبه الذي كان في بداية التسعينات بمثابة «اختراع جديد»، فأخذ يطلعه على المواقع الإلكترونية التي تتناول كأس العالم في مجال الحلويات والسكر والشوكولاته، واصفاً مشاعره في ذلك اليوم: «انبهرت إلى درجة أني شعرتً بأنني أعيش في عالم (أليس) حيث بلاد العجائب أو ربما (ديزني لاند)، لم أصدق أن هناك أشخاصاً بمقدورهم صُنع تحف فنية بهذا الشكل، ولا أبالغ إن قلتُ إن النوم طار من عيني لأسبوع كامل».
لم يجد أحمد مفراً من شراء حاسوب في ذلك الوقت بتقاسم ثمنه مع إخوته. إنها أول خطوة صغيرة خطاها من أجل المشاركة يوماً في (كأس العالم للحلواني)، كان يوصي أصدقاءه الطهاة الأجانب بشراء كتب حلويات عند سفرهم، وتبلورت نقطة التحول عندما عمل في أحد الفنادق الكبرى بالسعودية، وصار بوسعه ادخار المال طوال العام من أجل الالتحاق بدورة مدتها شهر في سويسرا، بلغت تكاليفها نحو 6000 يورو، إذ تمكن عام 2004 من السفر إليها لتعلم الشوكولاته ثم عاد مجدداً عام 2006 للالتحاق بدورة في السكر، وفي العامين التاليين انضمّ إلى دورات أخرى ليروي عطشه لتعلم تكنيك السكر الذي صار لعبته المفضلة ليل نهار.
وبابتسامة مرحة يضيف: «تطور أدائي بشكل لافت، وأصبحتُ أول شيف عربي يلمع في هذا الجانب، حتى إن زملائي يطلقون عليّ لقب (إمبراطور السكر)، أعترف لكم بأن متعتي أجدها في أفلام الكرتون التي أشاهدها مع أطفالي، فكل شخصية تبعث الابتسامة تلهمني وتحرضني على صنع حلوى السكر منها».
إذن لا عجب أن أحمد اليوم يمارس دوره كمحكّم دولي في المسابقات التي يبذل لها طاقته لأجل النهوض بالهواة من شباب مصر إلى مستوى الاحتراف، وذلك بعد أن اغتنت تجربته بالتنقل بين ليبيا وباريس وغينيا وإثيوبيا، مستمراً في الوفاء بوعده بإنتاج فيديوهات بالعربية لتعليم المهتمين مجاناً؛ لأنه أراد أن يوفر عليهم المعاناة التي مر بها. وها هو وجه «القبطان» يضحك كلما تذكّر زيارته للمغرب، مفصحاً بالقول: «رآني مجموعة من الشباب، وإذ بهم يشيرون بأصابعهم إليَّ بلهفة (الشيف أحمد أهو!)، وتبين لاحقاً أنهم يتابعون فيديوهاتي ليتعلموا منها فن السكر... حقاً فرحت بهم».

- بدائل المكونات «احتواء للموقف»
الحديث عن عمله في البحر بدا مشوقاً ومليئاً بالمغامرات، يروي أحمد عبد السلام هذا الفصل من الحكاية: «لم يكن الأمر سهلاً البتّة، في أيامي الأولى لم أستطع النوم؛ بداية خضعت لتدريبات مكثفة، ثم كان يجب أن أتدبر أمر الفريق، فوزعتُ المهام على أفراده وفقاً لقدراتهم، بما أن إجراءات التعيين في البحر تطول، كنتُ صبوراً في تدريبهم، وبعدها اتجهت إلى التطوير في بوفيهات الشوكولاته والسكر، أتذكر أني مكثت ستة أشهر في الباخرة ولم أخرج سوى مرتين من أجل شراء ما يلزمني من أدوات للعمل، مررتُ بفترات ضغط شديد تعلمت خلالها التعامل بنجاح مع أي مشكلة طارئة، وبفضل الله صنعتُ اسماً مهماً في مجال المراكب، وبالمختصر، فإن تحديات هذه التجربة جعلت من أي تحدّ آخر في حياتي (مقدوراً عليه)».
سألته أيضاً عن وجه الاختلاف بين العمل في البر والبحر، فقال: «الطاهي في البحر يتوجب عليه التمتع بمهارات (أدناها إجادة اللغة الإنجليزية) للتعامل مع مختلف الجنسيات والثقافات والديانات، بحيث يتم التعاطي مع الجميع بإنصاف، كما أن الالتزام بإجراءات السلامة مسألة حساسة ولها تفاصيلها التي قد يصعب فهمها عند البعض، ناهيك بالقدرة على إدارة الأزمات عند حدوث الخطر من خلال التدريب على أنشطة ضرورية، والفشل فيها يؤدي إلى أشد العقوبات، لأن الأمان أولوية هنا، حيث تكون الباخرة بمثابة دولة، بالإضافة إلى الإلمام بقواعد الصحة العامة وسلامة الأغذية، لأن أقل خطأ في هذا الشأن يعرض صاحبه للفصل الفوري».
وينوه باختلافٍ آخر على صعيد أخذ الاحتياطات اللازمة لتوفير المكونات والتصرف الأمثل عند نقص الاحتياجات، يوضح الآلية بشيء من التفصيل: «نشتري الدقيق والسكر والزبدة وما شابه من الموانئ، لكن ماذا لو وصلنا إلى وجهتنا متأخرين، وبطبيعة الحال نحن ملزمون بتقديم لائحة محددة! على سبيل المثال، قد يحدث نقص أحياناً في الدقيق الألماني، عندئذ نستبدل به حبوباً مثل العدس أو الذرة بعد النقع، في حين أن السكر الخاص بمرضى السكر، الذي نجلبه من ألمانيا أو البرازيل لو نفد، فلا مفر من تحضير بديل يدوي بسلق 20 كيلو تفاح وأخذ عصارته، ومن ثم نضيفه للكيك، مما يضاعف وقت العمل، ولو واجهت نقصاً في الشوكولاته نعوضها بزبدة الكاكاو أو النوتيلا أو البندق المحمصّ، بمعنى أن احتواء الموقف وصناعة البدائل يتأتى بالخبرة، أما إن كان هناك مكون ملحّ نتواصل مع الهيلكوبتر لتجلبه من أي مكان في العالم، وإن كانت التكلفة عالية».


مقالات ذات صلة

«رقية أوجعت قلوب العراقيين»… طفلة من كربلاء شيّعتها حلبجة بالورد

المشرق العربي صورة متداولة في مواقع التواصل للطفلة العراقية رقية التي لقت حتفها بمنتجع سياحي شمال البلاد

«رقية أوجعت قلوب العراقيين»… طفلة من كربلاء شيّعتها حلبجة بالورد

بعد 9 أيام من البحث والترقب، عُثر على جثة الطفلة العراقية رقية (11 عاماً) في وادٍ بمنطقة أحمد آوا السياحية بمحافظة حلبجة، بعد حادث غرق أثار تعاطفاً واسعاً.

«الشرق الأوسط» (السليمانية)
يوميات الشرق المتحف المصري الكبير يُشكّل منطقة سياحية مفتوحة على الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

مصر تطمح إلى طفرة سياحية مع تراجع «صراعات المنطقة»

تعوّل مصر على إنهاء الصراعات بمنطقة الشرق الأوسط لتحقيق طفرة في السياحة الوافدة

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق تراهن مصر على السياحة الثقافية وأنماط أخرى لجذب السائحين (وزارة السياحة والآثار)

مصر تراهن على تنوع مقوماتها السياحية لاجتذاب الصرب

تراهن مصر على التنوع في مقوماتها السياحية لاجتذاب السائحين، ولا سيما زيادة الحركة السياحية الوافدة من صربيا إلى مصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
أوروبا طائرة ركاب تابعة لشركة «لوفتهانزا» تصل إلى مطار فرانكفورت بألمانيا يوم 5 مارس 2026 (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يتفق على قواعد جديدة لحقوق ركاب الطائرات

أقرّ الاتحاد الأوروبي قواعد جديدة لحقوق المسافرين جواً تتيح للعائلات حجز مقاعد متجاورة مجاناً، وتعزز شفافية أسعار التذاكر.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد السياحة الثقافية في مصر تحظى باهتمام واسع (وزارة السياحة والآثار)

مصر: ارتفاع معدلات السياحة الوافدة رغم «الظروف الإقليمية»

أعلن وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن زيادة معدلات السياحة الحركة السياحية الوافدة إلى مصر بنسبة 4 في المائة.

محمد الكفراوي (القاهرة )

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
TT

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)

مشهد المطاعم اللبنانية حالياً في لندن متقلب وغير مستقر، حيث سمعنا منذ أيام قليلة عن إقفال عدد كبير من مطاعم «مروش» التي تُعد من أبرز الأسماء التي ساهمت في ترسيخ حضور المطبخ اللبناني في العاصمة البريطانية على مدى أكثر من أربعة عقود. وجاء هذا الخبر بعد اختفاء أسماء معروفة أخرى من الساحة اللندنية مثل «عبد الوهاب» و«نورا»، وهي مطاعم لعبت دوراً أساسياً في التعريف بالمطبخ اللبناني واستقطاب أجيال من الزبائن من العرب والبريطانيين على حد سواء.

ديكورات تذكرك ببيوت لبنان العتيقة (الشرق الأوسط)

لكن الصورة ليست سوداوية بالكامل، فبالتوازي مع هذه الإغلاقات، تشهد لندن افتتاح مطاعم لبنانية جديدة تسعى إلى تقديم تجربة مختلفة تجمع بين الأصالة والحداثة، ومن بينها مطعم «كينز» وغيره من المشاريع التي تعكس استمرار جاذبية المطبخ اللبناني وقدرته على التجدد. وبين أفول أسماء صنعت تاريخاً طويلاً وولادة علامات جديدة تحمل رؤى مختلفة، يبرز سؤال جوهري حول التحولات التي يشهدها قطاع المطاعم اللبنانية في لندن ومستقبله في سوق تتغير ملامحه باستمرار، مع إقرار بأن البقاء سيكون للأقوى بينها. وفي ظل هذا المشهد، أصبح افتتاح أي مطعم لبناني جديد يحمل رؤية واضحة حدثاً يستحق التوقف عنده. من هنا يأتي مطعم «كينز» (Kinz) في منطقة نوتينغ هيل، الذي يسعى إلى إعادة تقديم المطبخ اللبناني كما يعرفه أبناؤه: مطبخاً قائماً على المشاركة والكرم والنكهات الأصيلة، ولكن ضمن إطار عصري يواكب الذائقة اللندنية المعاصرة.

الكبة من الأكلات اللذيذة في "كينز" (الشرق الأوسط)

كنا من بين أوائل الزوار الذين قصدوا «كينز» بعد يومين فقط من افتتاحه. والمفارقة أن اللافتة الخارجية للمطعم لم تكن قد رُكبت بعد، إلا أن ذلك لم يمنع عشاق الطعام من العثور على العنوان الجديد. فالمكان كان مكتظاً بالكامل، فيما تنوعت جنسيات الحاضرين في مشهد يعكس الفضول الكبير الذي أثاره المطعم منذ أيامه الأولى.

ويحتل المطعم مبنى تاريخياً كان سابقاً فرعاً لبنك «لويدز» يعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، من تصميم المعماري البريطاني الشهير السير إدوارد موف. وقد نجح القائمون على المشروع في الحفاظ على الكثير من الملامح المعمارية الأصلية للمبنى، مع إعادة توظيفها ضمن تصميم داخلي أنيق يجمع بين الحداثة والتراث، واللافت هو أن هناك تفاصيل صغيرة تعيد إلى ذاكرة اللبنانيين حيثيات صغيرة يرونها كل يوم في شوارع بيروت ودكاكينها مثل الخيم المقلمة التي تظلل مدخلها وواجهاتها وأرضية وبلاط بيوتها القديمة الأملس من كثرة المشي عليه، فيُخيَّل للناظر أن الزمن أذابه من كثرة المشي عليه، والزهرة التي رسمت على فناجين القهوة التراثية التي حولها «كينز» إلى شعار على شكل دبوس يضعه الندل على زيهم وأسياخ توضع عليها المشويات.

ديكور بسيط وجميل (الشرق الأوسط)

منذ اللحظة الأولى يلفت الانتباه المدخل الواسع والأسقف المرتفعة التي تمنح المكان إحساساً بالرحابة. كما جرى الحفاظ على عدد من التفاصيل الأصلية في الجدران، ومنها بقايا كلمات إنجليزية تعود إلى متجر كان ملاصقاً للبنك في الماضي، في لمسة تضيف بعداً تاريخياً للمكان.

ويقود سلم طويل إلى الطابق العلوي حيث تتوزع جلسات مريحة تطل على القاعة الرئيسية، بينما يوفر الطابق الأعلى مساحة أكثر خصوصية للراغبين في أجواء هادئة. وعلى امتداد السلم تتزين الجدران بصور فوتوغرافية كبيرة توثق مشاهد من لبنان بعدسات مصورين محليين.

جلسات جميلة ومتوزعة بشكل مريح (الشرق الأوسط)

أما أبرز مفاجآت التصميم فتتمثل في غرفة الطعام الخاصة الموجودة في الطابق العلوي، والتي تتسع لمجموعة محدودة من الضيوف. وتلفت الأنظار فيها وحدات الإضاءة المصممة على شكل أزهار بيضاء، والتي قامت شركة لبنانية بتصميمها وتنفيذها في بيروت خصيصاً لهذا المشروع.

وعند العودة إلى الطابق الأرضي، تبدو العناية بالتفاصيل واضحة في توزيع الطاولات؛ إذ تفصل بينها مساحات مريحة تتيح للزبائن الاستمتاع بوجباتهم من دون الشعور بالازدحام. كما تسود المكان ألوان هادئة مستوحاة من طبيعة البحر المتوسط وحقول الزيتون.

أما لمن يرغب في استكشاف تاريخ المبنى، فيمكنه اختيار الجلوس داخل الغرفة الخلفية التي كانت في السابق خزنة البنك. ولا يزال الباب الحديدي السميك والثقيل قائماً حتى اليوم، شاهداً على الوظيفة الأصلية للمكان قبل تحوله إلى أحد أكثر العناوين الجديدة إثارة للاهتمام في نوتينغ هيل.

أصحاب مطعم "كينز" الجديد (الشرق الأوسط)

ويقف وراء المشروع رشا خوري بروزو، الشريكة المالكة لمطعم «أكوب»، بالتعاون مع الشقيقين جاد وكريم لحود، في رؤية مشتركة ترتكز على الكرم والدفء العائلي وتقاليد الضيافة اللبنانية الأصيلة.وتعتمد قائمة الطعام على مفهوم المشاركة، حيث تنقسم الأطباق بين مجموعة من المقبلات اللبنانية التقليدية وأطباق رئيسية أكبر حجماً مستوحاة من وصفات توارثتها الأجيال.

وفي حديث مع رشا خوري بروزو وجاد لحود، أوضحت رشا أن الفكرة الأساسية للمطعم تقوم على تقديم أطباق لبنانية تشبه «أكل البيت» بأسعار معقولة. وقالت إنها لا تؤمن بالمبالغة في أسعار الطعام إلى درجة تحول دون تمكين الناس من الاستمتاع بمكونات جيدة وأطباق محضرة بعناية.

من جهته، أوضح جاد لحود أن معظم الوصفات المدرجة على قائمة الطعام تعود إلى والدته إيلين لحود، التي لا تزال تشرف بنفسها على إعداد عدد من الأطباق داخل المطبخ، بمساعدة فريق متعدد الجنسيات، حفاظاً على النكهة المنزلية الأصيلة التي يقوم عليها مفهوم المطعم.

ويولي «كينز» اهتماماً خاصاً بالأطباق النباتية المستوحاة من مطبخ القرى اللبنانية. ومن أبرزها فتة الباذنجان الغنية باللبن والرمان والمكسرات والخبز المقرمش، إضافة إلى الملفوف المحشي.

وعند المدخل، سيكون بإمكان الزوار شراء المأكولات الجاهزة مثل الكبة والفطاير وخلطات التوابل والمعلبات المنزلية.

ديكورات جميلة وبسيطة بنفس الوقت (الشرق الأوسط)

وعندما سألنا رشا وجاد عن شعورهما بعد الإقبال الكبير الذي شهده المطعم خلال أيامه الأولى، بدت الدهشة واضحة على وجهيهما. وقالت رشا: «الأمر لا يصدق. لا توجد حتى الآن لافتة تحمل اسم المطعم فوق الباب، ومع ذلك لم نكن نتوقع هذا الكم من الزبائن. بعض الأطباق نفدت اليوم لأننا لا نخزن الطعام ولا نثلجه، وكل شيء يُحضّر طازجاً وفي وقته».

ومن التفاصيل المحببة أيضاً أن المطعم يحيي جانباً من الثقافة الاجتماعية اللبنانية من خلال دمج طاولات الزهر والطاولة في تصميم البار وبعض المساحات المشتركة، في استحضار لذكريات الجلسات الطويلة التي تجمع الأهل والأصدقاء.

غرفة طعام خاصة للمجموعات الباحثة عن الخصوصية (الشرق الأوسط)

ويحمل المطعم اسم «كينز» أو «كِنز» بكسر الكاف، في إشارة إلى الكنز الثقافي والغذائي الذي يمثله المطبخ اللبناني. وهو اسم يعكس فلسفة المشروع القائمة على الحفاظ على الوصفات التقليدية والنكهات الأصيلة، مع تقديمها برؤية معاصرة تناسب جمهور لندن المتنوع.

في وقت أصبحت فيه المطاعم اللبنانية المتميزة أقل عدداً مما كانت عليه في السابق، يبدو «كينز» إضافة مرحَّباً بها إلى المشهد الغذائي في العاصمة البريطانية. فالمطعم لا يراهن على الفخامة أو الاستعراض بقدر ما يراهن على وصفات عائلية صادقة، ومكونات جيدة، وأجواء تذكر بزمن كانت فيه مائدة الطعام اللبنانية مساحة للقاء والمشاركة والكرم. وربما لهذا السبب بالتحديد، امتلأت طاولاته منذ أيامه الأولى.


كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟
TT

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

لا يكاد مطبخ في العالم يخلو من الملح، ذلك المكون البسيط الذي يملك قدرة استثنائية على إبراز النكهات ومنح الأطعمة توازناً محبباً.

رشَّة صغيرة تُبرز نكهة الطبق ومكوناته، إلا أنه من الناحية الصحية يُخفي الملح جانباً مقلقاً وفق الأطباء وخبراء التغذية؛ إذ يرتبط الإفراط في تناوله بارتفاع ضغط الدم ومضاعفات صحية تؤثر في القلب والأوعية الدموية، لا سيما لدى أصحاب الأمراض المزمنة.

الملح يتسلل إلى النظام الغذائي اليومي عبر أطعمة كثيرة

تقول إخصائية التغذية الدكتورة بسنت أحمد: «رغم التحذيرات الطبية المتزايدة، لا يزال الملح يتسلل إلى النظام الغذائي اليومي عبر أطعمة كثيرة لا تبدو شديدة الملوحة».

وتتابع: «ومن ذلك المخبوزات، والصلصات الجاهزة، واللحوم المصنعة، والشوربات المعلبة، والوجبات السريعة»، وتضيف: «لذلك فإن الحل لا يكمن فقط في إبعاد (المملحة) عن المائدة، بل في إعادة اكتشاف مكونات طبيعية تمنح الأطباق النكهة الكاملة دون الإضرار بالصحة».

الأعشاب الطازجة تضيف شخصية حقيقية للطعام

وتلفت إلى أن «الملح يظل عنصراً ضرورياً للجسم عند تناوله باعتدال؛ لاحتوائه على الصوديوم والكلوريد اللذين يلعبان دوراً مهماً في توازن السوائل ووظائف الأعصاب والعضلات». وتتابع: «لكن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد التوازن، وهو ما يتحقق عبر التدرج في تقليل الملح، والاعتماد على مكونات طبيعية تعزز النكهة بطريقة أكثر تنوعاً وثراءً».

وبينما يظن البعض أن تقليل الملح يعني التخلي عن النكهة، يؤكد خبراء الطهي أن هناك بدائل طبيعية قادرة على منح الطعام مذاقاً غنياً ومتنوعاً دون الاعتماد المفرط على الصوديوم. ويقول الشيف المصري علي عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط» إن «الطعام المتوازن لا يعتمد على الملح وحده، بل على تناغم النكهات بين الحموضة، والأعشاب، والتوابل، والمكونات الطازجة، وهذه العناصر قادرة على إبراز مذاق الطبق بصورة أكثر أناقة وعمقاً».الحموضة... السر الأقرب إلى تأثير الملح

من أكثر البدائل التي يعتمدها الطهاة المحترفون لإبراز النكهات، المكونات الحمضية مثل الخل وعصير الليمون؛ فالحموضة تمتلك تأثيراً قريباً من تأثير الملح في إيقاظ المذاق وإضفاء الحيوية على الطبق.

بدائل للملح تفتح المجال لنكهات أكثر تنوعا وأناقة على المائدة من شيف علي عبد الحميد (الشرق الأوسط)

ويعد خل البلسميك وخل التفاح من الخيارات المفضلة في هذا المجال، لما يتمتعان به من مذاق متوازن يجمع بين الحلاوة الخفيفة والحموضة الناعمة، ويمكن استخدامهما في تتبيلات السلطات، وتتبيل اللحوم والأسماك، أو إضافتهما إلى الشوربات واليخنات لمنحها عمقاً إضافياً.

ويشير عبد الحميد إلى أن «غلي خل البلسميك على نار هادئة يمنحه كثافة ونكهة مركزة تصلح لوضعها فوق الخضراوات المشوية أو شرائح الطماطم الطازجة؛ وهو ما يخلق مذاقاً غنياً يقلل الحاجة إلى الملح». ويتابع: «أما الحمضيات، وفي مقدمتها الليمون و(برش الليمون) والبرتقال، من أكثر العناصر قدرة على إنعاش النكهات في أطباق مثل السمك والخضار مثل البروكلي والسبانخ المطهوة لأنه يخفف المذاق المر في بعضها».

الأعشاب الطازجة... نكهات متوسطية منعشة

تلعب الأعشاب العطرية دوراً أساسياً في المطابخ العالمية لروائحها الذكية، ولقدرتها كذلك على بناء طبقات معقدة من النكهات تغني عن الإفراط في استخدام الملح، على حد قوله. ويأتي الريحان في مقدمة هذه الأعشاب، بفضل مذاقه الذي يجمع بين الحلاوة الخفيفة والدفء العطري؛ مما يجعله مثالياً مع صلصات الطماطم والمعكرونة والبيتزا والشوربات، كما أنه ينسجم بشكل مفاجئ مع بعض الفواكه الصيفية مثل الفراولة والبطيخ.

أما الشبت فيتميز بنكهة منعشة تحمل لمسات قريبة من الكرفس والشمر؛ وهو ما يجعله مناسباً لأطباق السمك والبطاطا والسلطات الباردة، كذلك تمنح أعشاب مثل الأوريغانو وإكليل الجبل والبقدونس أبعاداً مختلفة للأطباق، وتضفي عليها طابعاً أقرب إلى مطابخ البحر المتوسط. ويرى عبد الحميد أن «الأعشاب الطازجة تضيف مذاقاً لذيذاً للطعام، وتجعل الطبق أكثر توازناً وتعقيداً دون الحاجة إلى كميات كبيرة من الملح».

البابريكا والتوابل... دفء يُثري المذاق

تشمل بدائل الملح أيضاً مجموعة واسعة من التوابل القادرة على منح الطعام عمقاً ودفئاً ونكهات متعددة الطبقات. وتُعد البابريكا من أبرز هذه الخيارات، سواء بنسختها الحلوة أو الحارة أو المدخنة؛ فهي تضفي لوناً جذاباً ومذاقاً غنياً يناسب اليخنات والمخللات وأطباق البيض والخضراوات المشوية.

يقول عبد الحميد: «تمنح توابل مثل الكمون، والكزبرة، والهيل، والقرفة، وجوزة الطيب دفئاً إضافياً للأطباق وطابعاً أكثر ثراءً للأطعمة؛ إذ تمنح كل منها شخصية مختلفة للطبق وتساعد على تقليل الحاجة إلى الملح».

الثوم والبصل... أساس النكهة العميقة

يُنظر إلى الثوم والبصل بوصفهما من أهم أسرار الطهي في المطابخ الشرقية والعالمية؛ فكلاهما يمنح الطعام مذاقاً غنياً ومركباً، ويقلل الحاجة إلى إضافة كميات كبيرة من الملح وفق عبد الحميد، ويقول: «يتميز الثوم بقدرته على منح الصلصات والشوربات والمقليات نكهة قوية ومحببة، سواء استُخدم طازجاً أو مشوياً».

أما مسحوق البصل أو البصل المجفف، فيوفر نكهة أكثر تركيزاً من البصل الطازج مع لمسة خفيفة من الحلاوة، ويمكن إضافته إلى الحساء، واليخنات، والصلصات، وأطباق القلي السريع لمنحها مذاقاً متكاملاً دون الحاجة إلى الكثير من الملح. ويشير إلى أن «الاعتماد على الثوم والبصل في بناء النكهة يجعل الطعام أكثر دفئاً وغنى، ويمنح المكونات الأخرى فرصة للتألق».

الخميرة الغذائية... مذاق يشبه طعم الجبن

من البدائل الحديثة التي بدأت تجد طريقها إلى المطابخ الصحية، الخميرة الغذائية، وهي رقائق أو مسحوق يتميز بمذاق قريب من الجبن المعتق. وتستخدم عادةً مع المعكرونة، والفشار، والحبوب، والصلصات؛ حيث تضيف نكهة لذيذة وعميقة دون احتوائها على منتجات الألبان أو نسب مرتفعة من الصوديوم. وبات كثير من الطهاة يفضلون استخدامها إرضاءً لمحبي الخيارات النباتية لأنها تمنح الطعام مذاقاً أكثر ثراءً، حسب الشيف المصري.


السعودية في مهرجان «نكهة لندن»

يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)
يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)
TT

السعودية في مهرجان «نكهة لندن»

يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)
يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)

تستضيف لندن مهرجان «تيست أوف لندن» أو «نكهة لندن» أحد أبرز الفعاليات العالمية المتخصصة في فنون الطهي، إذ يجمع نخبة من المطاعم والطهاة والعلامات الغذائية من مختلف أنحاء العالم، ويستقطب آلاف الزوار سنوياً في حديقة «ريجنت بارك»، ما يجعله منصة مهمة للتعريف بالثقافات الغذائية وتبادل الخبرات والتجارب الطهوية.

وتشارك هذا العام هيئة الفنون الطهوية السعودية، إحدى الهيئات الإحدى عشرة المتخصصة التابعة لوزارة الثقافة، بالمهرجان من خلال جناحها الرسمي «مذاق الثقافة السعودية»، وذلك بهدف تعريف زوار المهرجان بالمطبخ السعودي وتقاليده العريقة وقيم الضيافة الأصيلة التي تميزه، خلال الفترة من 17 إلى 21 يونيو (حزيران) 2026.

يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)

ويتيح الجناح للزوار فرصة استكشاف الموروث الطهوي السعودي من خلال مجموعة من الأطباق التقليدية والمشروبات والمنتجات المحلية المتنوعة.

يستقطب المهرجان الذواقة في لندن (الشرق الأوسط)

وتشمل عروض التذوق أطباقاً بارزة مثل الحنيذ والبليلة والمطبق، إلى جانب مشروبات مستوحاة من الهوية السعودية، ونكهات آيس كريم تعتمد على مكونات محلية من بينها الكليجة وعسل السدر.

يعتبر المهرجان من أهم الفعاليات التي تستضيفها لندن سنوياً (الشرق الأوسط)

كما يضم الجناح تشكيلة من العلامات التجارية السعودية في مجالي الأغذية والحرف اليدوية، تشمل الفخار والعطور والشوكولاته والتمور والشاي والقهوة والفواكه المجففة والمكسرات. وتمنح هذه التجربة الزوار فرصة أوسع للتعرف على الثقافة السعودية من خلال منتجات مستوحاة من تراث المملكة وتقاليدها الحرفية الراسخة، بما يعكس قيم الضيافة السعودية الأصيلة.

يقام مهرجان «تيست أوف لندن» في حديقة ريجنت بارك (الشرق الأوسط)

وتجسد هذه المشاركة جهود هيئة الفنون الطهوية في إبراز الإرث الطهوي للمملكة على الساحة الدولية، وتعزيز حضور المطبخ السعودي عالمياً، إلى جانب إتاحة فرص للتبادل الثقافي والتواصل مع جمهور دولي واسع.