استمرار أنقرة في التصعيد بعد «اتفاقية السراج وإردوغان» يهدد بإشعال المنطقة

«النواب» الليبي يدعو لجلسة طارئة... وأثينا تحيل اعتراضها للأمم المتحدة... والاتحاد الأوروبي يحسم موقفه غداً

TT

استمرار أنقرة في التصعيد بعد «اتفاقية السراج وإردوغان» يهدد بإشعال المنطقة

لا تزال الاتفاقية التي وقّعها رئيس المجلس الرئاسي بحكومة «الوفاق» فائز السراج، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، تثير حالة من الغضب والاحتقان في عدد من دول أوروبا، وداخل الأوساط السياسية والاجتماعية بمناطق شرق ليبيا. فيما يتوقع عدد من المحللين السياسيين أن يؤدي استمرار التصعيد التركي إلى اشتعال الأوضاع أكثر فأكثر.
ففي ليبيا رأى عضو مجلس النواب الدكتور أبو بكر بُعيرة، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أمس، أن «أنقرة تودّ في ظل أزمتها الاقتصادية الراهنة الوصول إلى الكعكة الليبية المغرية، في حين أن سلطات طرابلس، الواقعة تحت ضغط الحرب، تحتاج إلى منقذ يحميها من السقوط».
وذهبت قوى سياسية ليبية، موالية لـ«الجيش الوطني»، إلى أن الاتفاق المبرم بين السراج وإردوغان «لا قيمة له، وسيسقط مع سقوط العاصمة في قبضة القوات العامة، فضلاً عن أنه مخالف لدستور البلاد».
وقال بعيرة بهذا الخصوص: «ما كان ينبغي لكل من تركيا وطرابلس أن تدخلا منطقة البحر المتوسط في هذا الهرج والمرج، خصوصاً أن الأمر تحكمه اتفاقية البحار التي أصدرتها الأمم المتحدة منذ عام 1982»، مشيراً إلى أنه «كان الأجدر بهما عند قيام مشكلة ما الدعوة إلى اجتماع لكل دول المتوسط لوضع الحلول».
في السياق ذاته، قال عضو مجلس النواب إبراهيم الدرسي: «إن الطرفين (أنقرة وطرابلس) اختلفا في التسمية. فتركيا سمّتها (وثيقة أمنية) على اعتبار أن البرلمان التركي كان قد صادق عليها، لكن حكومة (الوفاق) تتهرب من التزاماتها القانونية عبر عرض المذكرة على مجلس النواب وسمّتها (مذكرة تفاهم)».
وأضاف الدرسي، وفقاً لقناة «218» الليبية، أن «تركيا لديها مصالح كبيرة من وراء التوقيع على هذه المذكرة، تكمن في تأمين أمنها الاقتصادي، لكنّ هناك رفضاً داخل دول الاتحاد الأوروبي لهذه الاتفاقية». ورأى أن «مصر هي المعنيّ الأول والأخير من هذه المذكرة، فالغاية من الجدل الذي خلّقته الوثيقة هي فرض أجندة معينة وجلب مصر للتفاوض وتقاسم النفط والغاز شرق البحر المتوسط».
وطالب أعضاء بمجلس النواب الليبي بعقد جلسة طارئة لبحث الرد المناسب على الاتفاقية في البرلمان، الذي قال إنه لا يحق لحكومة السراج أو غيرها توقيع أي اتفاقية مع دولة أجنبية، دون موافقته واعتماده لها، لأنه السلطة التشريعية في البلاد.
وكانت حكومة «الوفاق» الليبية والحكومة التركية في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قد وقّعتا في إسطنبول بحضور إردوغان والسراج، على مذكرتين تنص أولاهما على تحديد مناطق النفوذ البحري بين الطرفين، والأخرى على تعزيز التعاون الأمني بينهما.
من جهته، وفي خطوة تصعيدية جديدة، جدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، تأكيده استعداد تركيا لإرسال قوات إلى ليبيا «إذا طلبت حكومة الوفاق ذلك»، لافتاً إلى أن تركيا والحكومة الليبية ستبدآن أنشطة التنقيب عن النفط والغاز في منطقة الحدود البحرية، التي تم تحديدها بموجب مذكرة التفاهم الموقّعة بينهما في 27 نوفمبر الماضي.
وقال إردوغان، خلال فعالية في جامعة بلكنت في أنقرة، أمس، إنه «إذا طلبت الحكومة الليبية إرسال جنودنا فسنرسلهم... وإذا وجّه الشعب والحكومة الليبية دعوة إلى تركيا فإن ذلك يمنحنا الحق في إرسال قوات. لدينا اتفاقيات حول الحقوق البحرية والأمنية العسكرية». لافتاً إلى أن الأمم المتحدة تفرض حظراً على بيع السلاح لليبيا منذ 2011، لكن أنشطة إرسال الجنود بطلب من حكومة الوفاق الليبية «لا تندرج في هذا الإطار».
وكان إردوغان قد ذكر في مقابلة تلفزيونية ليلة الاثنين، أن من حق تركيا إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا في حال تمت دعوتها من «الشعب الليبي»، مشيراً إلى أنه يخطط لعقد لقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل زيارته المرتقبة لتركيا في يناير (كانون الثاني) المقبل، لبحث الأوضاع في ليبيا.
وحسب مراقبين فإن المباحثات مع بوتين التي تحدث عنها إردوغان، تستهدف تغيير موقف الرئيس الروسي المؤيد لحفتر والجيش الوطني الليبي.
وعدّ إردوغان مذكرة التفاهم مع حكومة السراج «أقوى رد على محاولات اليونان وقبرص تطويق وعزل تركيا في شرق المتوسط»، قائلاً إنه لا يمكن للاعبين الدوليين الآخرين القيام بأنشطة بحث وتنقيب في المناطق، التي حددتها تركيا بموجب الاتفاق مع ليبيا دون الحصول على موافقة أنقرة.
كما رأى إردوغان أن منطقة السيادة البحرية لتركيا «ارتفعت إلى أعلى المستويات عبر مذكرة التفاهم مع ليبيا، قبل إعلان اليونان منطقة سيادتها البحرية من جانب واحد، ودخولها حيز التنفيذ من أجل حصرنا بين حدود شمال قبرص والمياه الإقليمية لتركيا».
وفي اليونان، وفي هجوم دبلوماسي مضاد، تجلى في إرسال رسالتين إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، شرعت أثينا في محاولة تعطيل الاتفاقية البحرية التركية - الليبية، وأدانتها بقوة باعتبارها غير صالحة، وطالبت مجلس الأمن بـ«دعوة تركيا وليبيا إلى الامتناع عن أي عمل من شأنه أن ينتهك الحقوق السيادية» لليونان وقبرص.
وقالت الحكومة اليونانية، أمس، إن الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا باطل، لأنه «جرى التفاوض عليه بسوء نية»، موضحة أنه يمثل تهديداً للاستقرار الإقليمي، وأنها أحالت إلى الأمم المتحدة اعتراضاتها بشأن هذا الاتفاق، كما شددت على ضرورة وضع إطار عمل يتعلق بعقوبات يفرضها الاتحاد الأوروبي على تركيا وليبيا.
ووفقاً للمتحدث الرسمي باسم الحكومة اليونانية ستيليوس بيتاس، فقد أرسل الممثل الدائم لليونان لدى الأمم المتحدة، بناءً على تعليمات من وزير الخارجية بشأن موضوع «الاتفاق» التركي - الليبيـ، رسالتين: الأولى موجهة إلى رئاسة مجلس الأمن، والأخرى إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وقد أشارت الرسالة الأولى إلى أن الاتفاقية التركية - الليبية «أُبرمت بسوء نية وتنتهك قانون البحار»، على اعتبار أن المناطق البحرية في تركيا وليبيا ليست متجاورة، ولا توجد حدود بحرية مشتركة بين الدولتين. كما أن الاتفاق لا يأخذ بعين الاعتبار الجزر اليونانية، وحقها في إنشاء مناطق بحرية (الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة).
أما في الرسالة الثانية فقد أكدت اليونان أن اليونان «ترفض هذا الاتفاق باعتباره غير صالح، ويمس الحقوق السيادية اليونانية، كما أنه يقوض السلام والأمن في المنطقة».
وأشار المتحدث الرسمي باسم الحكومة اليونانية إلى قيام وزير الخارجية بعرض الحجج اليونانية أمام مجلس الشؤون الخارجية الأوروبية، عارضاً حجم الانتهاكات التركية في بحر إيجة، وقبرص وشرق البحر المتوسط. وقال إنه دعا إلى «الإدانة الصريحة لهذا الاتفاق، وعمل إطار يتعلق بعقوبات يفرضها الاتحاد الأوروبي على تركيا وليبيا، إذا لم تمتثل أنقره وحكومة طرابلس للقانون الدولي، وبالطبع كان هناك دعم واضح من مجلس الشؤون الخارجية الأوروبية لليونان وقبرص».
ووفقاً لبيتاس، فإن وزير الخارجية نيكوس ديندياس، أكد أن اليونان ستفعل «كل ما يتطلبه الأمر للدفاع عن سيادتها وحقوقها السيادية»، في حين أن رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس سيثير القضية في القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة المقبلين.
من جانبه، أوضح الرئيس اليوناني بروكوبيس بافلوبولوس أمس، أن الاتفاق الأخير بين تركيا وحكومة «الوفاق» الليبية حول الحدود البحرية يعد باطلاً بسبب ما وصفه بـ«مشكلة في مسألة الشرعية لدى الأخيرة». وقال بافلوبولوس، عقب اجتماعه مع الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش في أثينا، إن هذا الاتفاق «يعد باطلاً من الناحية القانونية والدستورية».
من جهته، قال الاتحاد الأوروبي، أمس، إنه من المنتظر أن يرفض في بيانه الختامي، المنتظر صدوره عن القمة الأوروبية المقررة غداً في بروكسل، الاتفاق الذي أبرمته تركيا مع ليبيا بشأن مناطق النفوذ في البحر المتوسط، وذلك حسب مسودة البيان الذي حصلت وكالة الأنباء الألمانية على نسخة منها. لكنه قال إنه «لا يوجد سقف زمني للانتهاء من دراسة وتحليل مذكرة التفاهم، التي وقّعتها تركيا وليبيا»، والتي أثارت انتقادات إقليمية ودولية.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.