رغم حصولها على البراءة... حكومة غزة تستأنف حكماً ضد الصحافية هاجر حرب

نفت لـ«الشرق الأوسط» علمها بإعادة فتح القضية

أثناء عملها كمراسة غطت مسيرات العودة
أثناء عملها كمراسة غطت مسيرات العودة
TT

رغم حصولها على البراءة... حكومة غزة تستأنف حكماً ضد الصحافية هاجر حرب

أثناء عملها كمراسة غطت مسيرات العودة
أثناء عملها كمراسة غطت مسيرات العودة

وقفت بكل هدوء وثقة بثوبها الفلسطيني المطرز وسط حضور من مختلف الدول وقالت: «زميلي سيترجم للإنجليزية». هناك في جلسة عن تحديات الصحافة في منطقة الشرق الأوسط ضمن فعاليات مؤتمر لندن للحريات الصحافية الذي أقيم مطلع يوليو (تموز) الماضي، استطاعت الصحافية الفلسطينية هاجر حرب أن تكشف عن تجربتها القاسية في غزة. وأضافت: «للأسف نحن في القطاع وفي الأراضي الفلسطينية بالمجمل نعاني من الملاحقات الأمنية على خلفية أعمالنا الاستقصائية، وكنت أنا من الذين دفعوا الثمن».
كلمتها تركت وقعاً في نفوس الحضور، وقصتها التي تحولت إلى قضية رأي عام ما زالت تتفاعل يوماً بعد يوم.
«الشرق الأوسط» التقت حرب على هامش المؤتمر اللندني. الهم الذي سكنها كان واضحاً رغم الابتسامة التي لم تفارق وجهها. وقالت: «فوجئت بدعوة من وزارتي الخارجية البريطانية والكندية للمشاركة في مؤتمر حرية الإعلام، الدعوة أفرحتني ثم أرهبتني، فبطبيعة عملي الصحافي كان إصدار تصريح الخروج صعباً للغاية، لكنني استطعت تأمينه بعد عناء».
رحلة هاجر من غزة إلى لندن عن طريق معبر رفح تضمنت مرورها بنحو 40 ثكنة وحاجزا عسكريا في سيناء. تركت منزلها في السابعة صباحا، ووصلت القاهرة في الثامنة صباحا من اليوم التالي. نامت في الشارع ولم تستطع اللحاق بموعد طائرتها، حتى وصلت لندن أخيرا بعد عناء وتعب في اليوم التالي. عن ذلك قالت: «رغم العناء، سعيدة جداً لأن فلسطين حاضرة في المؤتمر. التقيت بزملاء من فلسطين والقدس لم ألتقِ بهم من قبل. ذلك الإحساس منحني الشعور بأن هنالك جزءا ثانيا من الوطن».
قامت الصحافية حرب خلال السنوات الأربع الماضية بإعداد مواد استقصائية من داخل غزة رغم القيود والتضييقات كونها امرأة في مجتمع «محافظ». واستطاعت الكشف في أحد تحقيقاتها عن الفساد الذي يشوب ملف العلاج في الخارج التابع لوزارة الصحة الفلسطينية. وقالت: «كشفت في تحقيقي بعض أوجه الفساد في هذا الملف، وفي أعقاب نشره وتحوله إلى قضية رأي عام بدأ الناس ينقسمون بين مؤيد ومعارض». وتشير إلى أن «هذا الملف يتبع لإدارة السلطة الفلسطينية في رام الله ولا يتبع لحماس، لكن الأخيرة متضررة كونها هي من تحكم القطاع وتدير المستشفيات».
أصيبت حرب بعد هذا التحقيق بفترة وجيزة بمرض السرطان، وذهبت إلى العاصمة الأردنية عمان لتلقي العلاج. وأثناء تلقي جرعات الكيماوي هناك تفاجأت عبر نشطاء ومتابعين لها على «الفيسبوك» بأن الحكومة في غزة أطلقت عليها حكما بالسجن لمدة ستة أشهر سارية النفاذ مع غرامة مالية تقدر بنحو 400 دولار.
عادت حرب إلى غزة بعد رحلة العلاج، وبدأت تمثل أمام القضاء وحضرت 13 جلسة. وعن ذلك قالت: «أكثر شيء أزعجني بالموضوع أنني صحافية ولو كنت في بلد يحترم الحريات، لكان من المفروض تكريمي لا معاقبتي».
لم تتوقف الصحافية الفلسطينية عن عملها الاستقصائي خلال محاكمتها بل قامت بإعداد تحقيق جديد كشف عن الفساد في ملفات الإعمار في غزة التي تعاني من الدمار جراء الحروب والعدوان المتتالي. قالت: «ممولون بملايين الدولارات دخلوا غزة لهذا الغرض وعملت على ملف المشروع العماني وقتها». وأضافت: «سلطنة عمان كانت تمول مشروعا إسكانيا لمائة وحدة سكنية للأشخاص المصنفين أنهم الأشد فقرا في غزة، وتم تنفيذ هذا المشروع من قبل وزارة التنمية الاجتماعية». وكشفت أنها تلقت شكاوى من الناس المظلومين والأشخاص الذين أجبروا على التوقيع على عقود وهمية على أساس أنهم استفادوا من هذه المساكن إلا أن ذلك لم يتحقق. وأشارت إلى أنه «في هذا التحقيق التزمت بتوثيق كل معلومة بوثائق وسندات وشهادة الشهود والمواجهة، حيث واجهت الفاسد وأعطته حق الرد».
بعد هذا التحقيق، أصبحت هاجر تتلقى مئات الرسائل على «الفيسبوك» من أناس مظلومين بقضايا أرادوا أن تصبح هي صوتا لها.
كما دفعت ثمن خسارة عملها كمراسلة في قناة «المسيرة» اليمنية بسبب هذا التحقيق. وعن ذلك قالت: «القناة يملكها أحد قيادات حماس، وبمجرد نشر هذا التحقيق رفع تقريرا للقناة في بيروت أن الصحافية ليست جديرة بتمثيل القناة وتصاحبها المشاكل وقرروا إيقافي عن العمل».
فقدت مصدر رزقها، لكنها لم تستسلم، بل كصحافية مستقلة وكان تحقيقها الثالث عن «ظاهرة تسول النساء في غزة». قالت: «ارتديت ملابسهن وتسولت معهن، وعشت حياتهن واستطعت أن أرصد بعض التفاصيل». وكشفت حرب: «أهم موضوع في هذا الملف كان التحرش الجنسي الذي تتعرض له السيدات المتسولات، فعندما نزلت لأتسول، في أقل من ساعة تعرضت لعشر محاولات تحرش واضحة بألفاظ صريحة وبمبالغ مالية».
أصدرت حرب برومو قصيراً عن هذه المادة على «اليوتيوب» وسرعان ما قدم جهاز المباحث في القطاع شكوى ضدها للنائب العام بادعاء أن هذه الصحافية تريد تشويه سمعة حماس وتعمل لأجندات خارجية.
عمل هاجر لم يتوقف خلال محاكمتها، بل تم تشكيل لجنة من قبل عدد من الصحافيين الكبار في غزة والصحافيات بالتعاون أيضا مع الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان مطالبة ببراءتها. وفي 25 مارس (آذار) الماضي، صدر حكم براءتها. ومن بعدها سافرت هاجر للمؤتمر، وثم اتجهت للأردن لاستكمال علاجها.
خلال تلك الأثناء صدرت أقاويل عن استئناف براءة الصحافية الفلسطينية. ولذلك، تواصلت «الشرق الأوسط» مع محامي حرب السابق للتحري عن صحة الموضوع. وبدوره، يذكر المحامي بكر التركماني، المُوكل من قِبل الصحافية حرب لمتابعة قضيتها في الفترة التي سبقت حصولها على حكم البراءة، ومنسق وحدة الشكاوى في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، أنّهم كجهة حقوقية غير مخولين بالاطلاع على الأسباب التي دفعت النيابة العامّة، لاستئناف الحكم الذي حصّلته هاجر، من محكمة الصلح في مدينة غزة.
ويفسّر خلال كلامه لـ«الشرق الأوسط» أنّ السبب في عدم اطلاعهم على الحيثيات ولائحة الاستئناف، «هو أنّهم كانوا وكلاء في الجزء الأول من القضية، وفي الفترة الحالية ليس لهم أي دور؛ لأنّ صاحبة الشأن لم تتواصل معهم مجدداً، والمحكمة هي من أبلغتهم بقرار الاستئناف»، لافتاً إلى أنّ تدخلهم بالقضية مستحيل طالما لم يُسند لهم توكيل رسمي، لأنّ القانون لا يجيز لهم هذا الحق.
«الاستئناف يتطلب وجود محامٍ لاستكمال عملية الدفاع والمرافعة عن الصحافية حرب» يزيد التركماني، منبّهاً إلى أنّ عملية الاستئناف قد تذهب بالقضية في اتجاه واحد من أصل ثلاثة، الأول هو تأييد حكم البراءة الصادر عن المحكمة الأولى، أمّا الثاني فهو نقض الحكم ويعني إعادة المحاكمة مرّة أخرى، والثالث يتعلق بإمكانية إصدار حكم جديد يقضي بالإدانة والتجريم.
وفيما يخص مدى تأثير هكذا إجراء على بيئة الحريات الإعلامية والعامّة في فلسطين، يعلّق بقوله: «بالأساس نحن كهيئة مستقلة ورجال قانون، نرفض بشكل مطلق، فكرة مُثول أي صحافي أمام محكمة، لغرض المحاسبة على أنشطة مهنية»، شارحاً أنّ حديثه ذاك ليس تقزيماً من شأن القضاء ودوره، لكنّه يأتي في سياق تعزيز حصانة وحرية العمل الصحافي، بالشكل الذي يضمن نزاهته، ويوطد دوره اللازم في كشف الانتهاكات وقضايا الفساد.
ويشدّد التركماني، على أنّ التحقيقات الصحافية الاستقصائية، أضحت اليوم في الواقع الفلسطيني من أهم أدوات المساءلة للجهات الحكومية والأهلية، لا سيما في ظلّ حالة الانقسام والتجاذبات الفئوية التي يعيشها الناس في الشارع، والتي أدت لغياب الأدوار الفاعلة للمؤسسات الرقابية، التي يعدّ المجلس التشريعي من أهمها، «وهو معطل منذ نحو 12 سنة» يردف.
وبالعودة لقضية الصحافية حرب، يتابع: «حكم البراءة الذي حصلت عليه كان سببه انتفاء الفعل الإجرامي وليس لعدم كفاية الأدلة، وهذا يعدّ سابقة في تاريخ القضاء الفلسطيني»، مشيراً إلى أنّ المحكمة اعتبرت ما قامت به هاجر لا يشكل بالأساس جريمة أو جنحة، وذلك يدفع بالضرورة النيابة العامة للاستئناف، لأجل إثبات روايتها أمام القضاة.
وينحو التركماني بقوله لاتجاهٍ يتوقع ضمنه أنّ النيابة قد تكون وصلت خلال المدّة المنصرمة التي فصلت بين حكم البراءة وقرار الاستئناف، لأدلة تعتقد أنّها ممكن أن تدين الصحافية، لكنّه في الوقت ذاته يؤكد على أنّه لو كان وقت اكتشاف الإثبات الذي جرى على أثره الاستئناف سابق لموعد انتهاء محاكمة «الدرجة الأولى»، فذلك يعدّ خروجاً عن إطار القانون.
ويختم بقوله، إن «أمر الاستئناف يتطلب حضور الشخص بنفسه للمحاكمة، وهاجر حالياً خارج البلاد، وفي ضوء ذلك يمكن أن يصدر بحقها حكم غيابي»، مستدركاً أنّ نظرتهم لقرار المحكمة الأولى إيجابية جداً، لأنّ فيه إنصاف وتشجيع للعمل الصحافي بصورة عامّة، وبالنسبة للمحاكمة الثانية، فهم لا حق لهم بالإدلاء بأي رأي، طالما لم يطلعوا على التفاصيل بشكلٍ مباشر.
ويجدر التنويه إلى أنّ «الشرق الأوسط» حاولت التواصل مع النيابة العامّة في غزة، لأجل الحصول على تفسيرٍ يوضّح أسباب الاستئناف، لكنّها لم تجد تجاوباً أو رداً من قبلها بخصوص هذا الأمر.
من جهتها، نفت الصحافية هاجر حرب أن يكون لديها علم بما توصلت إليه «الشرق الأوسط» بعد التواصل معها للتحقق من صحة المعلومات التي ذكرها محامي الهيئة المستقلة.
قضية هاجر تمثل معاناة صحافيي فلسطين، المطاردون أمنيا من إسرائيل، والسلطة، وحماس. يعملون بظروف تهدد حياتهم في سبيل نقل الحقيقة. «من المهم أن أروي للناس معاناة الصحافيين الفلسطينيين فمنهم من لقي حتفه رغم ارتداء الشارات، كما تعرضت أنا أكثر من مرة لإطلاق مباشر لقنابل الغاز»، تقول هاجر بغصّة. وتضيف بصوت مختنق: «حياتنا دوما مهددة بالخطر، عندما تركت معبر رفح للمشاركة في المؤتمر اللندني التفتت خلفي وتساءلت... لماذا نحب غزة إلى هذا الحد فيما تصر هي على أن تكرهنا؟».


مقالات ذات صلة

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)

تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

بعد 15 عاماً على الثورة التونسية، التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، تجد حرية الصحافة، إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية نفسها أمام اختبار صعب.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم استخدمت إحدى الحملتين سبع هويات صحافية وهمية لنشر نحو 100 مقال في منصات إعلامية حول العالم وفق شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تحبط حملتَيْ تأثير مرتبطتَيْن بروسيا وإيران

حظرت «أوبن إيه آي» حسابات استخدمتها حملتان مرتبطتان بروسيا وإيران لإنشاء هويات صحافية وهمية ومركز أبحاث للترويج سراً لرسائل سياسية ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج يشمل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الإعلام الرقمي ومنصات التواصل والمعلنين ووكالات الأنباء والمراسلين وشركات الإنتاج والسينما والحفلات والإعلانات (كونا)

قانون جديد لتنظيم الإعلام الكويتي يمدُّ سلطته على منصات التواصل وصناعة المحتوى

يمثل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الجديد إعادة صياغة شاملة للمنظومة الإعلامية؛ حيث يوحِّد في تشريع واحد تنظيم الصحافة والمطبوعات والإعلام المرئي والمسموع.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
تحليل إخباري زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

تحليل إخباري التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

في زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي.

أنطوان الحاج

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات


تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
TT

تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)

في خطوة نحو مزيد من «التقييد»، تختبر شركة «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر.

ورغم أن الناشرين الإخباريين مستثنون من التجربة حتى الآن، غير أن خبراء أعربوا عن قلقهم من هذه الخاصية، وحذروا من أن «الاستثناء قد يكون مؤقتاً»، وأنه على الناشرين الاستعداد من الآن لمرحلة جديدة من «تضييق الخناق على الوصول للجمهور».

كانت شركة «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي عن توفر خدمة «ميتا ون» للاشتراك، التي تتضمن مزايا مثل شارات التوثيق وتحليلات أوسع للجمهور وأدوات أكثر لجدولة المحتوى.

لكن أبرز ما في هذه الخاصية هو استخدامها عملياً لفرض مقابل مالي على حق نشر الروابط الخارجية، إذ تختبر «ميتا» حداً شهرياً لعدد الروابط على صفحات «فيسبوك» و«إنستغرام» التجارية. ومن دون اشتراك، قد تصطدم الصفحة بسقف يبلغ رابطين فقط شهرياً على «فيسبوك».

وحسبما نشرت صحيفة «بريس غازيت» البريطانية، أخيراً، يُطبق القيد حتى الآن على صفحات مختارة فقط، تشمل حسابات الأنشطة التجارية وبعض صُناع المحتوى ممن فعّلوا «الوضع الاحترافي»، بينما يواصل آخرون النشر بلا قيود.

ووفق الصحيفة، فإن «الناشرين الإخباريين مستثنون من القيود، دون أن توضح (ميتا) كيف تعرّفهم»، مشيرةً إلى أن ناشرين صغاراً «أُبلغوا ببلوغ الحد المجاني». واللافت أن القيود لا تقتصر على الروابط في المنشور، بل تمتد إلى حيلة «الرابط في التعليقات» أيضاً. وأفاد مستخدمون في التجربة بأن «روابطهم تظهر كنص عادي غير قابل للنقر بعد بلوغ الحد».

ويرى مدير جامعة أبو ظبي - فرع دبي، أستاذ الأعمال الرقمية المشارك أنس النجداوي، أن «قرار (ميتا) الجديد بمنزلة تحوّل جوهري في النموذج الاقتصادي لمنصات التواصل الاجتماعي، وليس مجرد فرض رسوم على نشر الروابط الخارجية». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك» الذي استفاد لسنوات من المحتوى الإخباري لجذب المستخدمين، أصبح يسعى إلى تعظيم عوائده من خلال التحكم في حركة الجمهور وإبقائه داخل المنصة لأطول فترة ممكنة. وهذا يعكس تحوّل العلاقة مع المؤسسات الإعلامية من شراكة في توزيع الأخبار إلى علاقة تجارية تتحكم فيها المنصة بشروط الوصول إلى الجمهور».

وفي تقدير النجداوي، «قد يستمر استثناء المؤسسات الإخبارية مرحلياً لتجنب الضغوط الإعلامية والتنظيمية، لكنه ليس ضمانة دائمة، خصوصاً إذا أثبت نموذج الاشتراكات جدواه الاقتصادية». ويشير إلى أن «الأهم أن المؤسسات الإخبارية قد تتأثر حتى مع استمرار استثنائها، نتيجة تراجع قدرة المستخدمين والصفحات الأخرى على مشاركة روابط أخبارها».

وعن الآثار المتوقعة لهذا القرار على الناشرين، يقول النجداوي إن «الخطر الحقيقي لا يقتصر على تراجع زيارات المواقع الإخبارية وخسارة العوائد الإعلانية، بل يمتد إلى جودة المعلومات ومصداقيتها، إذ قد يكتفي المستخدم بالعناوين والمقتطفات المتداولة دون الرجوع إلى المصدر الأصلي والتحقق من التفاصيل والسياق».

تختبر «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر


كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم