بان كي مون يعلن من غزة انطلاق إعادة الإعمار.. وإسرائيل تؤكد أنها عملية تجريبية

600 طن من الإسمنت وعشرات شاحنات الحديد تدخل القطاع تحت الرقابة

شاحنات محملة بالإسمنت تدخل قطاع غزة لبدء عملية إعمار القطاع (أ.ف.ب)
شاحنات محملة بالإسمنت تدخل قطاع غزة لبدء عملية إعمار القطاع (أ.ف.ب)
TT

بان كي مون يعلن من غزة انطلاق إعادة الإعمار.. وإسرائيل تؤكد أنها عملية تجريبية

شاحنات محملة بالإسمنت تدخل قطاع غزة لبدء عملية إعمار القطاع (أ.ف.ب)
شاحنات محملة بالإسمنت تدخل قطاع غزة لبدء عملية إعمار القطاع (أ.ف.ب)

أعلن بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، من قطاع غزة، أمس، انطلاق عملية إعادة إعمار القطاع مع دخول أول شاحنة محملة بمواد البناء إلى غزة، داعيا مرة أخرى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى العودة إلى طاولة المفاوضات من أجل استمرار العملية وبناء «غزة أفضل»، وحذر في الوقت ذاته من اندلاع جولة عنف جديدة، في وقت أكدت فيه إسرائيل دخول شاحنات إلى غزة محملة بمواد البناء في عملية تجريبية.
وقال بان كي مون، في مؤتمر صحافي عقده في غزة، بعد أن تفقد مشاهد الدمار، إنه يسره أن يبشّر سكان قطاع غزة بأن أول شاحنة محملة بمواد البناء دخلت القطاع اليوم. كما أعلن أن موظفي القطاع العام في الحكومة السابقة (حماس) سيتلقون قريبا هبات مالية. لكنه أكد أن ذلك ليس كافيا، وأنه يجب حل مشاكل المعابر، في إشارة إلى تسلم السلطة الفلسطينية لهذه المعابر من أجل الاستمرارية.
وقال بان كي مون بهذا الخصوص «إن إدارة المعابر في قطاع غزة أمر مهم جدا، وهذه العملية ستمكن من التحكم والتبادل التجاري بين الضفة وقطاع غزة.. أنا ركزت في حواراتي مع الحكومة الإسرائيلية على أنه لا يمكن حل مشاكل قطاع غزة دون حل هذه المشاكل، وهذا سيشمل لاحقا رفع الحصار عن قطاع غزة، وفق الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، ويجب على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي العودة إلى المفاوضات وحل كل هذه المشاكل، وإلا سيعود العنف مرة أخرى».
وعبر بان كي مون عن الحزن مما شاهده من دمار في غزة بعد زيارته حي الشجاعية، وقال متأثرا «أنا هنا في مهمة ثقيلة على قلبي، الدمار الذي رأيته هنا يفوق الوصف. هذا الدمار الذي رأيته أكثر بكثير من الدمار الذي رأيته في 2009 عندما أتيت إلى غزة».
وكان بان كي مون قد تفقد أحياء في غزة تهدمت بفعل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة. كما وجه تعازيه إلى أهالي الضحايا، مشددا على تعاطفه وتعاطف المجتمع الدولي مع القطاع وأهله وما حل به من دمار. وقال بان كي مون بهذا الخصوص «أنا هنا لكي أقول للشعب الفلسطيني: أنتم لستم وحدكم أنا أقف بجانبكم.. وأعضاء وموظفو الأمم المتحدة سيقفون إلى جانبكم دائما، بل كل المجتمع الدولي يقف معكم». وأضاف «أريد أن أوجه تعازي الحارة لكل العائلات التي فقدت أبناءها ولكل الذين فقدوا أحباءهم، وأتمنى الشفاء العاجل لكل الذين أصيبوا».
وعد بان كي مون نجاح مؤتمر الإعمار في جلب وعود بتمويل غزة بمبلغ 5.4 مليار دولار يمثل رسالة مهمة لغزة. وقال في هذا الشأن «هناك إشارات من الأمل أطلقها المجتمع الدولي بعد أن تعهد بتمويل القطاع.. لقد وجه المجتمع الدولي رسالة مهمة مفادها أنه يتعاطف مع فلسطين، هذه الرسالة كانت عبر المنح بقيمة 5.4 مليار دولار، وأرسلت رسالة قوية للعالم، وهناك رسالة مهمة جدا من حكومة الوفاق، التي عقدت اجتماعا هنا برئاسة رئيس الحكومة رامي الحمد الله. أنتم تبنون فلسطين واحدة، وهذا مهم جدا». وأضاف موضحا «المجتمع الدولي يساند الحكومة الفلسطينية لعودة الاستقرار والأمن في قطاع غزة، وهذه فرصة مهمة لإعادة الوحدة تحت قيادة فلسطينية واحدة.. وأنا هنا لأعبر عن تضامنا الكبير مع الشعب الفلسطيني في سبيل مستقبل أفضل واقتصاد أفضل، دعونا نبن غزة للأفضل، وكل شخص يعيش بطمأنينة كبيرة».
ووصل بان كي مون إلى قطاع غزة عبر معبر بيت حانون «إيرز»، شمال القطاع، قادما من إسرائيل التي التقى فيها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومسؤولين آخرين، ومن ثم غادر في جولة على مدن وتجمعات إسرائيلية في غلاف غزة. وقال بان كي مون إنه أجرى خلال جولته عدة مباحثات، خصوصا مع الجانب الإسرائيلي، من أجل تخفيف الحصار عن قطاع غزة وتقديم تسهيلات أكثر للفلسطينيين.
من جهتها، أعلنت إسرائيل، أمس، أنها سمحت بإدخال أكثر من ألف طن من مواد البناء لغزة في إطار الاتفاق الذي جرى مع الأمم المتحدة على إدخال مواد الإعمار، إذ قال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي «بدأت عملية تجريبية لإدخال مواد بناء مخصصة لإعادة إعمار قطاع غزة». وأضاف «إدخال مواد البناء يأتي وفقًا للآلية الدولية للإشراف والمراقبة المتفق عليها، وبالتنسيق مع إدارة ممثلي الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية وفقا لما تم الاتفاق عليه مع الميجور جنرال يوآف مردخاي، منسق أعمال الحكومة في المناطق. والآلية الدولية تهدف إلى التأكد من أن مواد البناء ستستعمل لإعادة إعمار البيوت والمنشآت العامة لصالح سكان قطاع غزة، مع الحفاظ على أمن دولة إسرائيل».
وأوضح أدرعي أن «الآلية الدولية للإشراف والمراقبة تشتمل على خطة مفصلة لمواد البناء والعتاد الهندسي، ورجال الأعمال المختصين الذين ستنقل إليهم المواد لإعادة إعمار المباني السكنية والبنية التحتية، بالإضافة إلى فرق إشراف ومراقبة تابعة للأمم المتحدة ستشرف في الميدان».
ودخلت إلى غزة أمس 600 طن من الإسمنت، و50 شاحنة محملة بالحصمة، وعشر شاحنات محملة بالحديد. وأكد أدرعي أنه في إطار «سلسة خطوات مدنية اقتصادية لسكان قطاع غزة والضفة الغربية، ستبدأ في الأسابيع المقبلة عملية تصدير منتجات زراعية من قطاع غزة إلى الضفة الغربية. وسيتم في المرحلة الأولى تسويق 15 طنا من المنتجات الزراعية، خاصة التمر والبطاطا الحلوة. وفي المراحل المقبلة سيتم إصدار أنواع أخرى من المنتجات الزراعية وحتى السمك».
وأكد رائد فتوح، رئيس لجنة إدخال البضائع إلى قطاع غزة، أن مواد البناء المخصصة لإعادة الإعمار دخلت إلى القطاع عبر معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم)، وفق الآلية الدولية المتفق عليها وبالتنسيق مع الأمم المتحدة. أما حسين الشيخ، وزير هيئة الشؤون المدنية في حكومة التوافق الفلسطينية، فقد أعلن في تصريح مكتوب أن مواد البناء ستوزع من خلال القطاع الخاص، وفقا لآليات متفق عليها. كما قالت مصادر فلسطينية إن جزءا من مواد البناء قد تم شراؤه من إسرائيل.
من جهتها، دعت حركة حماس بان كي مون إلى اتخاذ خطوات جادة لإنهاء معاناة أهالي قطاع غزة، وعدم الاكتفاء بزيارة القطاع والاطلاع على معاناته، إذ قال الناطق باسم الحركة سامي أبو زهري في بيان «المطلوب عدم الاكتفاء بالزيارات وإنما اتخاذ خطوات جادة لإنهاء معاناة غزة».
واتهم أبو زهري، الأمين العام للأمم المتحدة، بالمشاركة «في التغطية على مجزرة الاحتلال في رفح»، مطالبا إياه «بالتكفير عن تصريحاته ومواقفه التي أدلها بها أثناء الحرب على غزة، وذلك من خلال تحمل المسؤولية تجاه ضحايا العدوان الصهيوني، والتوقف عن ازدواجية المعايير وسرعة تنفيذ ما تعهد به من خطوات للتخفيف عن شعبنا».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.