مدونات تتجول بالنتاج الأدبي وتقيم جسورا للتواصل

ناشرة وناقلة تعمم النصوص الإبداعية على القارات الخمس

«آسيان ريفيو أوف بوكس»  -  «أراب ليتريتشر»  -  «وورلد ليتريتشر توداي»
«آسيان ريفيو أوف بوكس» - «أراب ليتريتشر» - «وورلد ليتريتشر توداي»
TT

مدونات تتجول بالنتاج الأدبي وتقيم جسورا للتواصل

«آسيان ريفيو أوف بوكس»  -  «أراب ليتريتشر»  -  «وورلد ليتريتشر توداي»
«آسيان ريفيو أوف بوكس» - «أراب ليتريتشر» - «وورلد ليتريتشر توداي»

ثلاثة مواقع «أون لاين»، تضيء مناطق مهمة في النتاج الثقافي؛ الأدبي والفني، في الساحات الثقافية في العالم، منتجة للمنتج الثقافي في بلد ما، أو مساهمة في إنتاجه، أو جامعة للمهمتين في إطار ما تنشره، كما هي حال مدونة «آسيان ريفيو أوف بوكس»، التي «تحتكر» لنفسها، إعادة نشر بعض نتاج بلدان شرق آسيا وجنوب شرقيها، من مراجعات الكتب؛ شعرا ورواية بصورة خاصة، وما ينشر من مراجعات لنتاج آسيوي، في صحف البلدان الأخرى، وبالذات في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وتكاد الأميركية مارشا لينكس - كوايلي، «تحتكر» بدورها، لمدونتها المهمة، متابعة النتاج الثقافي العربي وما يترجم منه إلى أي من لغات العالم، بينما ينفتح موقع «وورلد ليتريتشر توداي» على اسمه الذي يشكل لافتة عريضة لما ينشره.
هذه المواقع، وبعضها في عداد المدونة، تجمع حولها مئات آلاف المهتمين بالنتاج الأدبي من جنوب شرقي آسيا إلى المكسيك وقرى جبال الإنديز، ومن سيبيرا إلى جنوب أفريقيا، تاركة لمجلة وموقع «واسافيري» حيزا ليشكل حاضنة أوسع لنتاج أفريقيا الثقافي ودول الكاريبي. والموقع يستحق تجوالا خاصا به. وتلتقي هذه المواقع أيضا، في متابعتها الأنشطة الثقافية التي تحظى باهتمام عالمي، كجوائز الفن والأدب، والمؤتمرات الثقافية والفنية، والمناسبات ذات الصلة عموما.

* «أراب ليت (بالإنجليزية)»
عام 2009، أطلقت الأميركية، مارشا لينكس - كوايلي، مدونتها «أراب ليتريتشر (بالإنجليزية)»، ولم تكن تتخيل أن يتحول ما بدأته على أنه مدونة صغيرة، إلى «أرضية للباحثين عن فضاء للنقاش والتفاعل وزيادة معرفتهم بالثقافة العربية». ينتمي متابعو المدونة، إلى النقاد والمترجمين، والناشرين، والمؤلفين، من بلدان تتحدث الإنجليزية، ومن مصر والهند وإندونيسيا، وآلاف القراء المهتمين بالأدب ومتابعي الحياة الثقافية. يتصفح المدونة شهريا، أكثر من 40 ألف زائر (حتى قبل عامين). يصعب تحديد ماهية المتصفحين, لكن مارشا تظن أن نسبتهم من العرب الذين يقرأون بالإنجليزية، تبلغ 30 في المائة، بينما يتابعها 70 في المائة من بلدان لغتها الأصلية هي الإنجليزية، أو ترتبط الثقافة السائدة فيها بالإنجليزية. تتولى مارشا تحديث المواضيع المنشورة في مدونتها بنفسها، بشكل يومي تقريبا. لكنها تتعاون أيضا، مع عدد من المراسلين في كل من القاهرة، والجزائر، ولندن، وبيروت، وعمان، وبوسطن، ونيويورك، وتتشارك في نشر بعض النتاج الأدبي، مع موقع «حبر» الأردني (ينشر بالعربية)، أحيانا.
«أراب ليتريتشر» مدونة تعد بكل المعايير مؤسسة ثقافية كاملة. وكما يشي اسمها، تنشط محررتها لتكون سبّاقة في نشر أهم الأخبار الثقافية على مستوى ترجمة الأعمال الإبداعية العربية إلى الإنجليزية ولغات أوروبية أخرى، ومتابعة تناول هذه الأعمال أو بعضها في الصحافة العالمية، والمنشورات الأدبية المتخصصة، بالإضافة إلى نقل أبرزها أو إعادة نشره وتعميمه. هي أيضا بوتقة بمعنى ما، تصب فيها روافد الحركة الثقافية، وتحولها إلى منتدى ثقافي يلتقي فيه العديد من المثقفين العرب وغير العرب المهتمين بالاطلاع على النتاج العربي، في فضاء مجاني.
مارشا التي تقيم في القاهرة وتتحدث العربية، بدأت حياتها ناشطة في الصحافة الإلكترونية في منتصف تسعينات القرن الماضي، وتعمل صحافية مستقلة مع «المصري اليوم» (النسخة الإنجليزية)، وموقع «وورلد ليتريتشر توداي»، والـ«غارديان» البريطانية، ومنشورات أخرى.

* من هونغ كونغ.
في الشرق الأقصى، ينشط بيتر غوردن، في تحرير ونشر مواد مدونة صغيرة، أطلق عليها «آسيان ريفيو أوف بوكس»، تتسع لنماذج من نتاج دول آسيا كلها تقريبا. والمدونة كما يشير اسمها، تختص بـ«مراجعة كتب آسيوية»، وتتميز بتغطيتها النشاطات الثقافية في الصين، واليابان، وماليزيا، والهند، وفيتنام، وسريلانكا، وبلدان أخرى في جنوب شرقي آسيا، وتعرج أحيانا على الشرق الأوسط والنتاج العربي منقولا عن صحف غربية. وقد أقدم بيتر خلال العام الحالي على مبادرة في هذا الاتجاه، حين نشر مراجعة أعدها هو لرواية «السيدة من تل أبيب»، التي تنتمي، مثل كاتبها، إلى منطقة الشرق الأوسط. سألت بيتر عن مدى اهتمام مدونته بالرواية العربية، فقال إنها لا تغطيها كما ينبغي. وأرجع ذلك جزئيا، إلى نقص الخبرة والمعلومات. وأوضح بيتر: «لقد حددنا آسيا مجالا لنشاطنا، لكن ليس بشكل كامل، وبينما نستطيع توسيع المجال قليلا، إلا أننا لا نستطيع تغطية العالم العربي».
ويقوم موقع «آسيا بوك أوف ريفيو»، بتزويد متصفحيه بروابط للمواد التي جرى اختيارها من صحف في بلدان آسيوية، مثل «جابان تايمز»، أو في الصحافة الغربية مثل «نيويورك تايمز»، و«كريستيان ساينس مونيتور»، و«تورنتو ستار». ويقدم بذلك خدمة للمهتمين في تلك البلدان وخارجها، ممن لا تتوفر لهم فرص الاطلاع على تلك الصحف ونشاطاتها وتغطياتها الثقافية، خصوصا في مجال عرض الكتب، الصادرة بلغاتهم وتنتمي إلى ثقافاتهم. وكذلك للراغبين في بلدان في قارات أخرى في التعرّف على ما يصدر في تلك البلاد البعيدة.
في عددها للشهر الماضي سبتمبر (أيلول)، قدمت المدونة على سبيل المثال، مراجعة للرواية الأخيرة للصينية غوو كسياولو «أنا الصين»، قام بها لُهْ سو هسنغ الذي وصف العمل بـ«المحاولة المهمة»، وهي أطول عمل روائي لغوو. وقالت كسياولو في مقابلة أجريت معها، إن الرواية هي «أكثر أعمالي التي اشتغلت عليها، حتى الآن، بطئا وتطلبا»، لم لا، فغوو «تتصدى لثيمات الحب، والمنفى، والترجمة، والسياسات الصينية، والفن، وتحاول تقديم الثيمات في قصة تعتمد أسلوب الرسائل»، كما قال هسنغ.
وفي المدونة نقرأ، نقلا عن «هندوستان تايمز» و«جابان تايمز»، مراجعة لرواية باري لانسيت الثانية، «Tokyo kill» (طوكيو قتل)، التي تتفاعل فيها قضايا فنية واجتماعية وثقافية، وأخرى تتعلق بالحرب وكل ما يقسم المجتمع. وهي رواية «مثيرة، عن تاجر التحف جيم برودي الذي ورث عن والده شركة للتحقيقات الخاصة والحماية الشخصية، ومقرها طوكيو».
في «طوكيو قتل»، يغوص لانسيت عميقا في تعقيدات الثقافة الآسيوية، من خلال أحداث درامية حبكت بطريقة مقنعة. عالم تاجر التحف برودي يعج بالتحف النادرة «التي لا تقدر بثمن، لكنها تخفي أسرارها أيضا، وتقود إلى الجشع الذي يتحول إلى حافز قوي للعنف».

* من كل الثقافات
أما «وورلد ليتريتشر توداي» فهي مدونة تلف العالم بحثا عن النتاج الثقافي والإبداعي. من حيث الشكل والتصميم، تقترب المدونة من مواقع الصحف الورقية على الإنترنت، وإن تميزت بفضاءات مريحة بين النصوص. تبويب الموقع مريح أيضا، وتوزيع النصوص على المساحات المعروضة يسهل تجوال القارئ على المدونة.
في الموضوعات الرئيسة نقرأ خبرا عن احتفال جائزة «نيوستادت» (أو «نوبل الكندية» كما يطلق عليها)، بمرور 10 سنوات على إطلاقها. وكذلك «السنونوات»، وهي قصيدة لـ«جي مند - وويو»، من ترجمة سايمون ويكام - سميث عن المنغولية. والنص مرفق بتسجيل للقصيدة بصوت الشاعر وويو. هناك أيضا موضوع مثير كتبه جيه ماديسون ديفيز، حول أفضل 10 من روايات الجريمة التي شكلت علامات بارزة خلال عقد من الزمن نشرت بلغات مختلفة. الأكثر أهمية في المقال من عناوين الروايات نفسها وتعليقات الكاتب عليها، ما طرحه من تساؤلات حول ما يحكم مثل هذه الخيارات عادة. يقول ديفيز، إنه لا يعد تلك الروايات «الأفضل»، ويستعير من دبليو إتش أودن، قوله: «الأدب ليس سباق أحصنة، بالإضافة إلى العوائق التي تنشأ عن صدورها بلغات مختلفة عدة، حيث المعايير مطاطة. هل نقيس النوعية وفقا لتأثير الرواية علينا؟ أم بالنجاح التجاري؟ بالابتكار والإبداع؟ أم بمعايير تقليدية؟ أم بالقوة العاطفية أو الفلسفية؟ أم بلوغاريتمات حسابية؟ هل نفضل جوهرة نقية فوق جمرة متقدة؟ النصيحة التي يقدمها العديد من زملائي الكتاب حول العالم، هي: أن هناك احتمالات – لروايات - أخرى جديرة تستحق انتباها مماثلا».
ونقرأ أيضا، قصيدتان (مسجلتان) لميكياس صانشيز، المكسيكية، كتبتها بلغتها الأم، المسماة «زوك»، التي يتحدث بها 70 ألفا فقط من سكان ولاية شياباس الأصليين في جنوب المكسيك.
ومن المكسيك إلى كوريا، ينقل الموقع قصيدة «دابي» لكيم ميونغ وُن. ودابي هو طقس حرق الجثة الاحتفالي لإعادة الجسد من حيث أتى، وفقا للديانة البوذية.
يقول مترجم القصيدة من الكورية إلى الإنجليزية «إي جيه كوه» إن القصيدة هي فعل «الدابي» نفسه، أي طقوسه؛ إذ يبدأ المقطع الأول فيها مع النجوم، ثم ينتقل إلى الوجود الزمني في المعبد، وأخيرا إلى السجود الكاذب، إلى أن يعود القارئ إلى حرق الحطب، والنجوم، حيث تعيد الشاعرة القارئ إلى البداية. وفي الوقت عينه، تحمل الراوية – الشاعرة - جثة والدها وتنتقل بها داخل الدائرة نفسها.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.