مدونات تتجول بالنتاج الأدبي وتقيم جسورا للتواصل

ناشرة وناقلة تعمم النصوص الإبداعية على القارات الخمس

«آسيان ريفيو أوف بوكس»  -  «أراب ليتريتشر»  -  «وورلد ليتريتشر توداي»
«آسيان ريفيو أوف بوكس» - «أراب ليتريتشر» - «وورلد ليتريتشر توداي»
TT

مدونات تتجول بالنتاج الأدبي وتقيم جسورا للتواصل

«آسيان ريفيو أوف بوكس»  -  «أراب ليتريتشر»  -  «وورلد ليتريتشر توداي»
«آسيان ريفيو أوف بوكس» - «أراب ليتريتشر» - «وورلد ليتريتشر توداي»

ثلاثة مواقع «أون لاين»، تضيء مناطق مهمة في النتاج الثقافي؛ الأدبي والفني، في الساحات الثقافية في العالم، منتجة للمنتج الثقافي في بلد ما، أو مساهمة في إنتاجه، أو جامعة للمهمتين في إطار ما تنشره، كما هي حال مدونة «آسيان ريفيو أوف بوكس»، التي «تحتكر» لنفسها، إعادة نشر بعض نتاج بلدان شرق آسيا وجنوب شرقيها، من مراجعات الكتب؛ شعرا ورواية بصورة خاصة، وما ينشر من مراجعات لنتاج آسيوي، في صحف البلدان الأخرى، وبالذات في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وتكاد الأميركية مارشا لينكس - كوايلي، «تحتكر» بدورها، لمدونتها المهمة، متابعة النتاج الثقافي العربي وما يترجم منه إلى أي من لغات العالم، بينما ينفتح موقع «وورلد ليتريتشر توداي» على اسمه الذي يشكل لافتة عريضة لما ينشره.
هذه المواقع، وبعضها في عداد المدونة، تجمع حولها مئات آلاف المهتمين بالنتاج الأدبي من جنوب شرقي آسيا إلى المكسيك وقرى جبال الإنديز، ومن سيبيرا إلى جنوب أفريقيا، تاركة لمجلة وموقع «واسافيري» حيزا ليشكل حاضنة أوسع لنتاج أفريقيا الثقافي ودول الكاريبي. والموقع يستحق تجوالا خاصا به. وتلتقي هذه المواقع أيضا، في متابعتها الأنشطة الثقافية التي تحظى باهتمام عالمي، كجوائز الفن والأدب، والمؤتمرات الثقافية والفنية، والمناسبات ذات الصلة عموما.

* «أراب ليت (بالإنجليزية)»
عام 2009، أطلقت الأميركية، مارشا لينكس - كوايلي، مدونتها «أراب ليتريتشر (بالإنجليزية)»، ولم تكن تتخيل أن يتحول ما بدأته على أنه مدونة صغيرة، إلى «أرضية للباحثين عن فضاء للنقاش والتفاعل وزيادة معرفتهم بالثقافة العربية». ينتمي متابعو المدونة، إلى النقاد والمترجمين، والناشرين، والمؤلفين، من بلدان تتحدث الإنجليزية، ومن مصر والهند وإندونيسيا، وآلاف القراء المهتمين بالأدب ومتابعي الحياة الثقافية. يتصفح المدونة شهريا، أكثر من 40 ألف زائر (حتى قبل عامين). يصعب تحديد ماهية المتصفحين, لكن مارشا تظن أن نسبتهم من العرب الذين يقرأون بالإنجليزية، تبلغ 30 في المائة، بينما يتابعها 70 في المائة من بلدان لغتها الأصلية هي الإنجليزية، أو ترتبط الثقافة السائدة فيها بالإنجليزية. تتولى مارشا تحديث المواضيع المنشورة في مدونتها بنفسها، بشكل يومي تقريبا. لكنها تتعاون أيضا، مع عدد من المراسلين في كل من القاهرة، والجزائر، ولندن، وبيروت، وعمان، وبوسطن، ونيويورك، وتتشارك في نشر بعض النتاج الأدبي، مع موقع «حبر» الأردني (ينشر بالعربية)، أحيانا.
«أراب ليتريتشر» مدونة تعد بكل المعايير مؤسسة ثقافية كاملة. وكما يشي اسمها، تنشط محررتها لتكون سبّاقة في نشر أهم الأخبار الثقافية على مستوى ترجمة الأعمال الإبداعية العربية إلى الإنجليزية ولغات أوروبية أخرى، ومتابعة تناول هذه الأعمال أو بعضها في الصحافة العالمية، والمنشورات الأدبية المتخصصة، بالإضافة إلى نقل أبرزها أو إعادة نشره وتعميمه. هي أيضا بوتقة بمعنى ما، تصب فيها روافد الحركة الثقافية، وتحولها إلى منتدى ثقافي يلتقي فيه العديد من المثقفين العرب وغير العرب المهتمين بالاطلاع على النتاج العربي، في فضاء مجاني.
مارشا التي تقيم في القاهرة وتتحدث العربية، بدأت حياتها ناشطة في الصحافة الإلكترونية في منتصف تسعينات القرن الماضي، وتعمل صحافية مستقلة مع «المصري اليوم» (النسخة الإنجليزية)، وموقع «وورلد ليتريتشر توداي»، والـ«غارديان» البريطانية، ومنشورات أخرى.

* من هونغ كونغ.
في الشرق الأقصى، ينشط بيتر غوردن، في تحرير ونشر مواد مدونة صغيرة، أطلق عليها «آسيان ريفيو أوف بوكس»، تتسع لنماذج من نتاج دول آسيا كلها تقريبا. والمدونة كما يشير اسمها، تختص بـ«مراجعة كتب آسيوية»، وتتميز بتغطيتها النشاطات الثقافية في الصين، واليابان، وماليزيا، والهند، وفيتنام، وسريلانكا، وبلدان أخرى في جنوب شرقي آسيا، وتعرج أحيانا على الشرق الأوسط والنتاج العربي منقولا عن صحف غربية. وقد أقدم بيتر خلال العام الحالي على مبادرة في هذا الاتجاه، حين نشر مراجعة أعدها هو لرواية «السيدة من تل أبيب»، التي تنتمي، مثل كاتبها، إلى منطقة الشرق الأوسط. سألت بيتر عن مدى اهتمام مدونته بالرواية العربية، فقال إنها لا تغطيها كما ينبغي. وأرجع ذلك جزئيا، إلى نقص الخبرة والمعلومات. وأوضح بيتر: «لقد حددنا آسيا مجالا لنشاطنا، لكن ليس بشكل كامل، وبينما نستطيع توسيع المجال قليلا، إلا أننا لا نستطيع تغطية العالم العربي».
ويقوم موقع «آسيا بوك أوف ريفيو»، بتزويد متصفحيه بروابط للمواد التي جرى اختيارها من صحف في بلدان آسيوية، مثل «جابان تايمز»، أو في الصحافة الغربية مثل «نيويورك تايمز»، و«كريستيان ساينس مونيتور»، و«تورنتو ستار». ويقدم بذلك خدمة للمهتمين في تلك البلدان وخارجها، ممن لا تتوفر لهم فرص الاطلاع على تلك الصحف ونشاطاتها وتغطياتها الثقافية، خصوصا في مجال عرض الكتب، الصادرة بلغاتهم وتنتمي إلى ثقافاتهم. وكذلك للراغبين في بلدان في قارات أخرى في التعرّف على ما يصدر في تلك البلاد البعيدة.
في عددها للشهر الماضي سبتمبر (أيلول)، قدمت المدونة على سبيل المثال، مراجعة للرواية الأخيرة للصينية غوو كسياولو «أنا الصين»، قام بها لُهْ سو هسنغ الذي وصف العمل بـ«المحاولة المهمة»، وهي أطول عمل روائي لغوو. وقالت كسياولو في مقابلة أجريت معها، إن الرواية هي «أكثر أعمالي التي اشتغلت عليها، حتى الآن، بطئا وتطلبا»، لم لا، فغوو «تتصدى لثيمات الحب، والمنفى، والترجمة، والسياسات الصينية، والفن، وتحاول تقديم الثيمات في قصة تعتمد أسلوب الرسائل»، كما قال هسنغ.
وفي المدونة نقرأ، نقلا عن «هندوستان تايمز» و«جابان تايمز»، مراجعة لرواية باري لانسيت الثانية، «Tokyo kill» (طوكيو قتل)، التي تتفاعل فيها قضايا فنية واجتماعية وثقافية، وأخرى تتعلق بالحرب وكل ما يقسم المجتمع. وهي رواية «مثيرة، عن تاجر التحف جيم برودي الذي ورث عن والده شركة للتحقيقات الخاصة والحماية الشخصية، ومقرها طوكيو».
في «طوكيو قتل»، يغوص لانسيت عميقا في تعقيدات الثقافة الآسيوية، من خلال أحداث درامية حبكت بطريقة مقنعة. عالم تاجر التحف برودي يعج بالتحف النادرة «التي لا تقدر بثمن، لكنها تخفي أسرارها أيضا، وتقود إلى الجشع الذي يتحول إلى حافز قوي للعنف».

* من كل الثقافات
أما «وورلد ليتريتشر توداي» فهي مدونة تلف العالم بحثا عن النتاج الثقافي والإبداعي. من حيث الشكل والتصميم، تقترب المدونة من مواقع الصحف الورقية على الإنترنت، وإن تميزت بفضاءات مريحة بين النصوص. تبويب الموقع مريح أيضا، وتوزيع النصوص على المساحات المعروضة يسهل تجوال القارئ على المدونة.
في الموضوعات الرئيسة نقرأ خبرا عن احتفال جائزة «نيوستادت» (أو «نوبل الكندية» كما يطلق عليها)، بمرور 10 سنوات على إطلاقها. وكذلك «السنونوات»، وهي قصيدة لـ«جي مند - وويو»، من ترجمة سايمون ويكام - سميث عن المنغولية. والنص مرفق بتسجيل للقصيدة بصوت الشاعر وويو. هناك أيضا موضوع مثير كتبه جيه ماديسون ديفيز، حول أفضل 10 من روايات الجريمة التي شكلت علامات بارزة خلال عقد من الزمن نشرت بلغات مختلفة. الأكثر أهمية في المقال من عناوين الروايات نفسها وتعليقات الكاتب عليها، ما طرحه من تساؤلات حول ما يحكم مثل هذه الخيارات عادة. يقول ديفيز، إنه لا يعد تلك الروايات «الأفضل»، ويستعير من دبليو إتش أودن، قوله: «الأدب ليس سباق أحصنة، بالإضافة إلى العوائق التي تنشأ عن صدورها بلغات مختلفة عدة، حيث المعايير مطاطة. هل نقيس النوعية وفقا لتأثير الرواية علينا؟ أم بالنجاح التجاري؟ بالابتكار والإبداع؟ أم بمعايير تقليدية؟ أم بالقوة العاطفية أو الفلسفية؟ أم بلوغاريتمات حسابية؟ هل نفضل جوهرة نقية فوق جمرة متقدة؟ النصيحة التي يقدمها العديد من زملائي الكتاب حول العالم، هي: أن هناك احتمالات – لروايات - أخرى جديرة تستحق انتباها مماثلا».
ونقرأ أيضا، قصيدتان (مسجلتان) لميكياس صانشيز، المكسيكية، كتبتها بلغتها الأم، المسماة «زوك»، التي يتحدث بها 70 ألفا فقط من سكان ولاية شياباس الأصليين في جنوب المكسيك.
ومن المكسيك إلى كوريا، ينقل الموقع قصيدة «دابي» لكيم ميونغ وُن. ودابي هو طقس حرق الجثة الاحتفالي لإعادة الجسد من حيث أتى، وفقا للديانة البوذية.
يقول مترجم القصيدة من الكورية إلى الإنجليزية «إي جيه كوه» إن القصيدة هي فعل «الدابي» نفسه، أي طقوسه؛ إذ يبدأ المقطع الأول فيها مع النجوم، ثم ينتقل إلى الوجود الزمني في المعبد، وأخيرا إلى السجود الكاذب، إلى أن يعود القارئ إلى حرق الحطب، والنجوم، حيث تعيد الشاعرة القارئ إلى البداية. وفي الوقت عينه، تحمل الراوية – الشاعرة - جثة والدها وتنتقل بها داخل الدائرة نفسها.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.