إيران... غياب الخطوط الفاصلة بين الصحافة والسياسة

نظام الرقابة فيها من أقسى الأنظمة في العالم

من مظاهرات العاصمة الإيرانية طهران
من مظاهرات العاصمة الإيرانية طهران
TT

إيران... غياب الخطوط الفاصلة بين الصحافة والسياسة

من مظاهرات العاصمة الإيرانية طهران
من مظاهرات العاصمة الإيرانية طهران

كيف يمكنك نشر كتاب عن الرقابة في بلد يتسم بواحد من أقسى أنظمة الرقابة في العالم؟
هذا هو التساؤل الذي واجهه كل من شاروخ توندرو صالح وجويل كوهين عندما قبلا خوض تحدي دراسة نظام الرقابة داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية ـ مهمة لا تقل صعوبة عن السير على جمر ملتهب بقدمين عاريتين.
كان أول شيء فعلاه حظر كلمة «رقابة» من عنوان الكتاب، وكذلك عنوانه الفرعي. وعليه، خرج كتابهما بهذا العنوان: «ظواهرية...»، بينما خرج العنوان الفرعي على هذا النحو: «دراسة جوانب... في الإعلام».
أما النقاط «...». فتحل في العبارتين محل الكلمة التي لم تذكر: «الرقابة» ـ والتي تدعي حكومة طهران أنه لا وجود لها داخل الجمهورية الإسلامية.
في مجمله، يبدو الكتاب صغيراً ولا يتجاوز عدد صفحاته 227 صفحة فقط، لكنه في اعتقادي على الأقل يعد واحداً من أفضل الدراسات التي تناولت هذه القضية خلال السنوات الأخيرة.
يتخذ الكتاب شكل مقابلة يوجه خلالها توندرو صالح، الباحث في شؤون الإعلام، أسئلة إلى جويل كوهين، بروفسور الإعلام والمؤرخ البارز للصحافة الإيرانية.
وسعياً وراء تجنب مسؤولي الرقابة الخومينية، اعتمد الكاتبان على تكتيك آخر، فقد خصصا مساحة لتناول الرقابة في إيران قبل استيلاء الملالي على السلطة، وداخل عدد من الدول الأخرى، خاصة الاتحاد السوفياتي سابقاً.
ومن دون أن يذكر ذلك عبر الكثير من الجمل، أوضح بروفسير كوهين، أن الرقابة تجري ممارستها داخل الجمهورية الإسلامية اليوم على نحو أسوأ بكثير عما كان عليه الحال في ظل حكم الشاه، بل وحتى الاتحاد السوفياتي.
ومن بين السمات الأساسية للإعلام داخل إيران اليوم، الغموض المحيط بملكيته. في ظل حكم الشاه، امتلكت الدولة وسيطرت على «الإعلام الكبير»، أي شبكات الإذاعة والتلفزيون (مع استثناءات صغيرة قليلة).
في المقابل، خضعت الصحف المطبوعة لملكية خاصة، وبالتالي كانت مجبرة على تركيز اهتمامها على القراء الذين شكلوا مصدر دخلها الأساسي. وأدى هذا إلى خلق توتر بين الصحف التي حاولت التحايل على القواعد المفروضة عليها بأقصى درجة ممكنة والدولة التي حاولت فرض هذه القواعد بأكبر قدر ممكن من الصرامة.
وقد عبّر عبد الرحمن فرماوي، أحد الآباء المؤسسين للصحافة الحديثة في إيران، في ظل حكم الشاه، عن هذا الأمر بقوله، إن الصحافيين يواجهون نمطين من الرقابة: رقابة «اكتب هذا!» ورقابة «لا تكتب هذا!» فيما يخص الصحافة ذات الملكية الخاصة، فإنها تمتعت بقدرة أفضل على تجنب رقابة «اكتب هذا!» عبر تجنب أو تعديل النصوص التي تفرضها الدولة عليهم. أما فيما يخص نمط «لا تكتب هذا!»، فقد تمكنت الصحافة ذات الملكية الخاصة من الالتفاف عليه أيضاً عبر سبل وحيل متنوعة تمكن الصحافيون المخضرمون من إتقانها.
في المقابل، نجد أنه في ظل حكم الملالي، اختفى تماماً الجزء الخاضع للملكية الخاصة من الصحافة الإيرانية. على سبيل المثال، تجري الإشارة إلى إسحق جاهانغيري، المساعد الأول للرئيس حسن روحاني، باعتباره مالك الكثير من الصحف والمجلات. إلا أنه عند إلقاء نظرة أكثر إمعاناً على مصادر رأس المال الخاص بتلك المطبوعات، سرعان ما تتضح صورة مختلفة تضم بنوكاً مملوكة للدولة وشركات على صلة بالكثير من الوزارات أو الحرس الثوري الإسلامي، تقدم جميعها أموالاً ولها حق السيطرة الأولى والأخيرة على تلك المنشورات.
وكان لهذا الغموض المسيطر على ملكية وسائل الإعلام تداعيات كبرى، ذلك أن وسائل الإعلام لم تعد مهتمة بصورة أساسية بالقراء أو جمهورها كمصادر للدخل، وإنما انصب اهتمامها الرئيسي على الترويج لأجندة سياسية دعماً لهذا الفصيل أو ذاك في إطار الصراع على السلطة الدائر في طهران.
ويخلق هذا الأمر بدوره مستوى جديداً من الرقابة يتجاوز الرقابة التي تفرضها الدولة ككل، مصمماً لحماية الفصيل المعني على وجه التحديد، مع العمل على إيذاء الفصائل المنافسة.
ويتمثل اختلاف كبير آخر في تماهي، إن يكن الاختفاء الكامل، للخطوط الفاصلة بين الصحافة والسياسة. في ظل الشاه، استغل بعض الأفراد بالفعل الصحافة سبيلاً مختصراً للولوج إلى عالم السياسة والحصول على منصب سياسي، وظل الكثير من الصحافيين على قوائم أجور ورواتب مناصب رسمية. ومع هذا، ظل يجري النظر إلى الهياكل الأساسية الصحافية باعتبارها مهنة متميزة، وبالتالي أكثر احتمالاً للدفاع عن نفسها في مواجهة الزحف الخارجي عليها، بما في ذلك من خلال أدوات الرقابة.
بيد أنه في ظل حكم الملالي، غالباً ما تحولت الصحافة إلى ما يزيد قليلاً على ممر من منصب سياسي لآخر. مثلاً، نجد شخصاً مثل سعيد حجريان، المفكر البارز في صفوف فصيل «الإصلاح» كان مراسلاً صحافياً ومحققاً مع السجناء السياسيين، ومحللاً لدى جهاز أمني ومستشاراً رئاسياً وكاتب عمود في الكثير من الصحف اليومية.
ومع ذلك، يرى كوهين أن المشكلة الكبرى مع الرقابة في إيران اليوم تكمن في عدم إمكانية الاعتماد على أي قواعد مفروضة في أي وقت معين. وقال: «يدفع هذا الصحافي إلى حالة من الاضطراب، أقرب إلى الاحتضار يومياً، فهو غير قادر على تحديد ما إذا كان ما يمكنه كتابته اليوم سيكون مسموح به غداً».
ويتعزز هذه المناخ العام القلق والمضطرب جراء الحملات المناهضة للإعلام من حين إلى آخر التي تسفر عن أعمال إلقاء قبض وفصل من العمل ونفي إجباري، بل وفي بعض الأحيان الاغتيال. وفي الكثير من الحالات، تصبح الرقابة الذاتية هي القاعدة كآلية دفاعية في مواجهة هذا المناخ العام المضطرب.
وأخيراً، تبعاً لما ذكره كوهين، فإن الرقابة داخل الجمهورية الإسلامية اكتسبت سمة جديدة تتمثل في أنه أصبحت تجري ممارستها نيابة عن السياسة والدين.
يقول: «في حد ذاتها، تشكل الجمهورية الإسلامية كياناً يقوم على الحكم الديني الاستبدادي. وعليه، من المتوقع تماماً أن يمارس هذا الكيان رقابة على المواد التي يعتبرها مضرة أو غير ملائمة للعقيدة الإسلامية».
إلا أن المشكلة تكمن في أن التصور الذي تطرحه الجمهورية الإسلامية للعقيدة الدينية في حالة تغير مستمر، فما يعتبر مباحاً قد يصبح غير مباح في غضون ساعات قليلة، والرجل الذي تجري الإشادة به كنموذج للورع والتقوى اليوم قد يشنق غداً باعتباره مرتداً. وفي الكثير من الحالات، غالباً ما يجري الترويج للمصالح السياسية للنظام، سواء كانت حقيقية أو مفترضة، باعتبارها اهتمامات ترتبط بالدين.
ما من شك في أن كوهين وتوندرو صالح من الأصوات التي تتزعم قضية حرية الصحافة، ويرفضان الرقابة باعتبارها محاولة لتقييد الحريات الأساسية. ومع هذا، نجد في بعض الأحيان أن رؤيتهما الحالمة للصحافة باعتبارها مهمة مقدسة، وليس مهنة تدفعهما إلى رفض ما يعتبرانه «صحافة صفراء».
على سبيل المثال، أشارا إلى عدد من الصحف الإيرانية الموالية للثورة مثل «شفق سورخ» و«مارد إمروز» والتي طرحت موضوعات مثيرة وعنيفة عبر صفحاتها. ويبدو أن كوهين وتوندرو صالح يعتقدان أن مثل هذه الإصدارات لا ينبغي السماح لها بالظهور. ويمكن للمرء بسهولة الاختلاف معهما في هذا الشأن باعتبار أن حظر أي منشور بأي ذريعة يمكن أن يصبح ذريعة لفرض الرقابة وممارسة الديكتاتورية.
عام 1945. قاضى الشاه «مارد إمروز» بتهمة السب والقذف عبر سلسلة من المقالات العنيفة التي نشرتها الصحيفة ضده وضد أسرته. ولم يصدر حكم في القضية لأن ناشر الصحيفة ورئيس تحريرها محمد مسعود تعرض للاغتيال على يد قاتل شيوعي. المثير في الأمر، أن الدعوى القضائية التي رفعها الشاه طالبت باعتذار من الصحيفة، وليس منع صدورها.
ومن بين النقاط الكثيرة المهمة التي طرحها كوهين في الكتاب، أنه في أي وقت وفي أي مكان يجري سن قانون يطلق عليه «قانون الصحافة»، فإنه يجب أن تنطلق أجراس الإنذار المعنية بحرية الصحافة. وعليه، يحق لنا افتراض أن البروفسور البارز غير راضٍ عن وضع الصحافة في ظل الجمهورية الإسلامية التي سنّت قانوناً للصحافة ومحكمة للصحافة ونظام ترخيص للصحف، بل ومثلما اتضح على مدار العقود الأربعة الماضية، وحدة خاصة لاختطاف، بل واغتيال الصحافيين الذين يرى النظام أنهم يثيرون المشكلات.



«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».