مواجهة حادة بين نتنياهو والنواب العرب على خلفية التوتر في غزة

اتهمهم بمناصرة الإرهاب وردوا بأن {عائلاتنا تتعرض للتهديد بسببك}

جندي إسرائيلي يسارع إلى مظاهرة احتجاجية لفلسطينيين في بيت لحم أمس (رويترز)
جندي إسرائيلي يسارع إلى مظاهرة احتجاجية لفلسطينيين في بيت لحم أمس (رويترز)
TT

مواجهة حادة بين نتنياهو والنواب العرب على خلفية التوتر في غزة

جندي إسرائيلي يسارع إلى مظاهرة احتجاجية لفلسطينيين في بيت لحم أمس (رويترز)
جندي إسرائيلي يسارع إلى مظاهرة احتجاجية لفلسطينيين في بيت لحم أمس (رويترز)

شهدت الهيئة العامة للكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، مواجهة حادة بين رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وبين أعضاء الكنيست العرب من «القائمة المشتركة»، وذلك على خلفية قيام مظاهرة في تل أبيب ضده وضد اغتيال زعيم الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، بهاء أبو العطا، وما تبعها من صدامات حربية. وقد أسفر الصدام عن إخراج النائب أحمد الطيبي، رئيس الكتلة عن الجلسة ومغادرة بقية النواب العرب احتجاجا.
وكانت مكونات «القائمة المشتركة» (أربعة أحزاب عربية وطنية) قد عبرت عن رفضها الاغتيال والعمليات الحربية بمختلف الأشكال، من خلال مظاهرات وبيانات وتصريحات للإعلام. وخرجت مظاهرة في تل أبيب، الليلة قبل الماضية، تحت شعار «أولاد غزة العرب وأولاد سدروت اليهود لا يريدون حربا بل يريدون السلام».
وبادرت إلى المظاهرة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. وتكلمت فيها النائبة عايدة توما سليمان، فدعت الإسرائيليين إلى عدم تصديق ما يقال له. لا تدعوا نتنياهو يضللكم، «إنه لا يريد الخير لكم. يريد فقط الأمان لمنصبه كرئيس حكومة. في سبيل ذلك لا يتردد بأي وسيلة. يدوس الجثث. وأولئك الذين سارعوا لتأييد الاغتيال يسيرون كالغنم وراءه، لا يدركون أنهم بهذا التصرف وأنهم يقووا نتانياهو ويبعدهم عن الحكم». وقالت إن الاغتيالات السياسية هي جرائم حرب ينبغي على من يقوم بها أن يدفع الثمن.
وقد استغل نتنياهو هذه المظاهرة ليهاجم النواب العرب ويؤجج العداء القائم لهم في الشارع الإسرائيلي، وغرضه في ذلك تخويف بيني غانتس، رئيس «كحول لفان»، من تشكيل حكومة أقلية تستند على أصوات نواب القائمة المشتركة من خارج الائتلاف.
وكان نتنياهو قد حضر للكنيست لكي يدلي ببيان الحكومة عن التوتر الحربي على الحدود مع قطاع غزة واحتمالات توسعها إلى ما هو أكبر. وبعد الانتهاء من الإدلاء بالإعلان الرسمي، طلب أن يضيف بعض الجمل، فقال وهو يوجه كلماته إلى النواب العرب: «لقد تلقيت عدة طلبات من جهاز الأمن للقيام بعمليات لكنني لم أصادق عليها. فقد فحصنا احتمالات إصابة أشخاص أبرياء غير متورطين في العداء لنا، ومرة تلو الأخرى بما في ذلك في الأشهر الأخيرة بما في ذلك في الأسابيع الأخيرة لم أصادق على أي عملية، وذلك لأننا نريد أن نقلص إلى الحد الأدنى الإصابات في صفوف الأبرياء. هذا الأمر مختلف بشكل جوهري عما يقوم به الإرهابيون، الذين يجدون من يدافع عنهم هنا في الكنيست. إنهم يقومون بشكل متعمد ومع سبق الإصرار بتوجيه ضرباتهم للمواطنين، ويتعمدون توجيه صواريخهم إلى الأحياء السكنية».
وتوجه نتنياهو إلى أحمد الطيبي مباشرة، وقال له: «أمس سمعت عن مظاهرة لكم ظهرت فيها عضو الكنيست (عايدة توما)، وطلبت إدانتنا كمجرمي حرب». ورد عضو الكنيست أحمد الطيبي وهو يصرخ باتجاه نتنياهو: «أنت تكذب من دون خجل، أنت تحرض، أنت كاذب، بسببك عائلتي وغيرها من عائلات النواب المعارضين تتلقى التهديدات».
وعلى أثر ذلك أبعد عضو الكنيست أحمد الطيبي من الهيئة العامة، واحتجاجا على ذلك خرج جميع أعضاء القائمة المشتركة وهم يرددون «الحرب على غزة هي حرب مفاوضات ائتلافية على تشكيل الحكومة»، و«الحملة العسكرية لإنقاذ نتنياهو».
وعندها خلت الساحة لنتنياهو ليتكلم من دون مقاطعة، قائلا: «أعتقد أن الوقت قد حان لقول الحقيقة أيضا بخصوص ما نقوم به وأيضا بخصوص ما يروجون عنا وما نفعل. نحن نقوم بكل الجهود الممكنة من أجل الامتناع عن إلحاق الأذى بغير المتورطين وبالأبرياء. نحن نقوم بجهود لا يقوم بها أي جيش في العالم. نحن نحاول توجيه ضربات جراحية لا مثيل لها، وقد أثبتنا ذلك في الأمس. العملية العسكرية في قطاع غزة أول من أمس هي عملية سوف تدرس ويدرسونها في جيوش العالم في محاولة لفهم التمييز بين الأبرياء وبين المتورطين. وأعتقد أنه في حال تشويه هذا التمييز، بسبب وجود إصابات من حين لآخر في صفوف غير المتورطين، فإن ذلك عمليا سوف يتسبب بقلب فكرة قوانين الحرب رأسا على عقب، لأنه عندها لا يمكن العمل ضد الإرهابيين، وهم سيختبئون دائما خلف الأبرياء بطريقة لا نستطيع فيها أبدا محاربتهم».
وأضاف نتنياهو «للأسف فإن ما يقوم به قسم من أعضاء الكنيست هنا، هو أمر غير معقول». واقتبس جملة من رسالة كان أعضاء الكنيست من كتلة العربية للتغيير - الموحدة قد بعثوا بها إلى المستشار القضائي خلال عدوان سابق على قطاع غزة، عملية «الجرف الصامد» سنة 2014، وطلبوا من خلالها فتح تحقيق رسمي ضد نتنياهو، ووزير دفاعه في حينه، موشيه يعالون وقائد هيئة أركان الجيش في حينه، بيني غانتس، بدعوى «تنفيذ جرائم حرب ضد الإنسانية في قطاع غزة. للأسف فإن هذا الأمر يتكرر ويعود على نفسه من قبل عدة جهات. يوجد هنا ظلم مضاعف، أيضا بحق جنود جيش الدفاع الإسرائيلي وقادته، والأمر الثاني هو تقويض الدعائم الإنسانية التي يجب على الإنسانية جمعاء أن تلتف حولها من أجل محاربة الجهات الإرهابية».
وكان النائب أيمن عودة، رئيس «القائمة المشتركة» قد كتب على حسابه في «تويتر»، قائلا إنه يدين جريمة الاغتيال قادها نتنياهو شخصياً، وهاجم أيضا رئيس الحكومة المكلف، بيني غانتس: «الذي يسابق اليمين بهرولته «الأمنية»، وهو أكثر من يدرك أن الأمن الحقيقي لن يكون إلا برفع الحصار عن غزة وإنهاء الاحتلال عن الشعب الفلسطيني». وقال عودة: «هذه الحكومة تكذب على مواطنيها، فمنذ الصباح مئات الصواريخ توجه لجنوب البلاد والمركز، وبوقاحة تعتبر عملياتها أمنية. أمنية لمن؟ فقط لكرسي نتنياهو».



اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

تسعى الحكومة اليمنية إلى نقل التنسيق مع المملكة المتحدة من مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي إلى إجراءات أكثر تأثيراً في مواجهة الميليشيات الحوثية، تشمل تصنيف الجماعة منظمة إرهابية، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، وتشديد الرقابة على التقنيات والمكونات التي تستخدمها في تطوير قدراتها العسكرية، بالتزامن مع تحركات دولية مرتقبة لحشد الدعم الاقتصادي والإنساني لليمن.

وجاءت هذه الملفات خلال لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط ستيفن دوتي، الذي بحث معه تطورات الأوضاع اليمنية والتهديدات التي تمثلها الجماعة الحوثية على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية، إلى جانب الترتيبات الجارية لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية الشهر الحالي.

وأكد العليمي أن حماية الملاحة الدولية لا يمكن تحقيقها بمعزل عن إنهاء مصادر التهديد الحوثية، داعياً إلى دعم قدرات الدولة اليمنية في حماية أراضيها ومياهها الإقليمية، ومشدداً على ضرورة اقتران المواقف السياسية والقانونية بإجراءات عملية تستهدف شبكات التمويل والتسليح والتهريب التي تمد الجماعة بقدراتها العسكرية.

رشاد العليمي يطلب دعماً بريطانياً أوسع لمواجهة الحوثيين (سبأ)

وطالب رئيس مجلس القيادة اليمني المملكة المتحدة بدور أكثر فاعلية في حشد موقف دولي لتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحظر الجماعة وفق القانون البريطاني، مؤكداً أن استمرار التعامل مع تهديداتها دون تدابير رادعة يترك مصادر قوتها خارج دائرة الاستهداف.

تهديد يتجاوز اليمن

وضع العليمي أمام الوزير البريطاني صورة التصعيد الحوثي، مشيراً إلى استهداف مطارَي عدن والريان المدنيين، والهجمات المتواصلة على مدينة تعز، وما تتعرض له أحياؤها السكنية والمنشآت المدنية والأسواق والمدارس والمنازل من قصف، فضلاً عن الاعتداءات على الأعيان المدنية في السعودية وتهديد الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية.

وربط رئيس مجلس القيادة اليمني بين أمن المنطقة واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية قدرتها على بسط سلطتها، عادَّاً أن دعم الحكومة في هذا الاتجاه يمثل الضمانة المستدامة لحماية الممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من مسلحيهم لاقتحام محافظة تعز (إ.ب.أ)

كما أثار العليمي ملف الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، في ضوء وفاة موظف في المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أثناء احتجازه، وما وصفه باستمرار الاعتقال التعسفي لأكثر من 70 شخصاً من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب تعطيل المبادرات الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية.

وفي الجانب الاقتصادي والإنساني، أطلع الوزير دوتي رئيس مجلس القيادة اليمني على زيادة الدعم البريطاني لمواجهة تداعيات الأزمة الإنسانية في اليمن، مؤكداً استمرار مساندة بلاده للقيادة السياسية والحكومة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

وتناول اللقاء التحضيرات لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، والجهود المبذولة لإنجاحه وتوجيه الاستجابة نحو الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

وثمّن العليمي المواقف البريطانية الداعمة لليمن، خصوصاً دور لندن بوصفها حاملة القلم بشأن الملف اليمني في مجلس الأمن، كما أشاد بالدعم السعودي عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بما في ذلك الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في تعز والمحافظات الأخرى.


الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
TT

الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

​ضاعف الحصار الذي يفرضه الحوثيون على مدينة تعز اليمنية معاناة مئات الآلاف من سكانها، بعدما ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى 5 أضعاف مستوياتها المعتادة، وسط استمرار إغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، وتعثر الجهود الإنسانية الرامية إلى فتح ممر آمن لإيصال المساعدات، في وقت تتسع فيه موجة النزوح من مناطق القتال غرب البلاد وجنوبها.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة، إن التصعيد العسكري الأخير والقتال الناتج عنه تسببا في ارتفاع حاد لأسعار المواد الأساسية في تعز؛ حيث زادت تكلفتها ما بين 3 و5 أضعاف، نتيجة قطع طرق الوصول إلى المناطق المحيطة بالمدينة، الأمر الذي جعل حتى المواد الغذائية الضرورية بعيدة عن متناول كثير من العائلات.

وأضافت المنظمة أن أكثر من 300 ألف شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم مع تصاعد القتال في غرب اليمن، وأن معظم عمليات النزوح وقعت خلال الشهرين الماضيين، وسط صعوبات متزايدة تواجه الأسر في العثور على مأوى وتأمين احتياجاتها الأساسية، بالتزامن مع قيود تعرقل وصول وكالات الإغاثة إلى المتضررين.

الحوثيون يفرضون حصاراً على مدينة تعز منذ 4 أسابيع (إعلام محلي)

وقال رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة، عبد الستار إيسويف، إن العائلات اليمنية تجد نفسها، بعد سنوات من الصراع، مضطرة إلى النزوح مجدداً، وغالباً لا تملك سوى الملابس التي ترتديها، مؤكداً حاجتها العاجلة إلى المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

وحذر إيسويف من أن نقص التمويل قد يترك آلاف العائلات دون المساعدة التي تحتاج إليها بشدة، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الإنسانية مع اتساع رقعة المواجهات والنزوح.

ومنذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، نزح أكثر من 43 ألف شخص من مديرية المضاربة والعارة في محافظة لحج، وهو أعلى عدد مسجل في مديرية واحدة على مستوى اليمن، وفق المنظمة. وفي المقابل، تزداد حركة النزوح داخل محافظة تعز، بينما تتجه عائلات كثيرة إلى مدينة عدن التي تستضيف حالياً أكثر من 56 ألف نازح.

وفي محاولة لتخفيف التداعيات الصحية للأزمة، تشغِّل المنظمة 5 فرق طبية متنقلة في 4 محافظات، هي مأرب ولحج وعدن وتعز، بينها فريقان في الأخيرة، لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية والاستشارات الطبية والصحة الإنجابية، إلى جانب معالجة سوء التغذية الحاد والتطعيم والإحالات الطبية وخدمات الصحة النفسية والحماية والرعاية الطارئة.

وقدمت الفرق الخمسة نحو ألف استشارة طبية خلال الأسبوع الماضي، في المناطق التي تعاني نقصاً في الخدمات أو تتأثر بالأزمات الإنسانية.

45 مليون دولار للاحتياجات العاجلة

في ظل اتساع الاحتياجات، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن الاستجابة الإنسانية لا تزال بحاجة إلى تمويل إضافي، رغم المساهمات التي تلقَّتها لتوسيع نطاق تدخلاتها، محددة احتياجاتها بنحو 45 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة.

ويُفترض أن يغطي التمويل المطلوب المساعدات المنقذة للحياة، بما فيها المأوى والمساعدات النقدية الطارئة والمواد الأساسية غير الغذائية والحماية والرعاية الصحية والمياه النظيفة والصرف الصحي، فضلاً عن تنسيق مواقع النزوح وتتبع حركة السكان.

موجة نزوح مستمرة جرَّاء استهداف الحوثيين التجمعات السكنية (إعلام محلي)

وتأتي هذه التدخلات ضمن خطة الاستجابة لأزمة اليمن التي تستهدف الأسر النازحة والمجتمعات المضيفة، إلى جانب خطة الاستجابة الإقليمية للمهاجرين في القرن الأفريقي واليمن، المعنية بمساعدة المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي عبر الأراضي اليمنية.

ورغم أن الحوثيين يفرضون الحصار على مدينة تعز، ويواصلون استهداف التجمعات السكانية في أريافها ومناطق غرب لحج، اكتفت المنظمة الدولية للهجرة بدعوة جميع أطراف النزاع إلى حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة ودون عوائق؛ خصوصاً إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها في محافظة تعز.

استهداف القرى

في سياق متصل، أفادت مصادر حكومية يمنية «الشرق الأوسط» باستمرار تدفق الفارين من مناطق سيطرة الحوثيين في غرب محافظة لحج ومناطق التماس مع تعز، نتيجة استمرار استهداف القرى السكنية بالقذائف الصاروخية والطائرات المُسيَّرة؛ خصوصاً في مديريتي المقاطرة والمضاربة.

أكثر من 300 ألف نازح يمني جرَّاء العدوان الحوثي المستمر منذ سبتمبر الماضي (إعلام محلي)

وذكرت المصادر أن الحوثيين، بعد إغلاق الطرق المؤدية إلى أرياف محافظة تعز، صعَّدوا استهداف التجمعات السكانية في أطراف مديرية المقاطرة، بالتزامن مع مواصلة إطلاق القذائف والطائرات المُسيَّرة على قرى مديرية المضاربة، التي تشهد أطرافها مواجهات متواصلة مع القوات الحكومية منذ أكثر من شهر.

وتضيف هذه التطورات ضغوطاً جديدة على السكان في المناطق الريفية؛ حيث يتزامن إغلاق الطرق واستهداف القرى مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص الحصول على الغذاء والمياه والخدمات الصحية، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المتضررين.


«كرامات» مصطنعة في صنعاء لتوسيع التجنيد الحوثي

مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
TT

«كرامات» مصطنعة في صنعاء لتوسيع التجنيد الحوثي

مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)

​لجأت الميليشيات الحوثية إلى أساليب دعائية لاستقطاب مزيد من المقاتلين إلى صفوفها، عبر رش العطور وروائح المسك والعنبر والعود على قبور قتلاها، قبل تنظيم زيارات للسكان إليها، في محاولة لتصوير الروائح المنبعثة منها بوصفها «كرامات» دينية، وإضفاء هالة من القداسة على الموتى، بما يخدم حملات التعبئة والتجنيد، ويقدم الانخراط في جبهات القتال بوصفه طريقاً إلى منزلة استثنائية.

وكشفت مصادر مطلعة في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، عن صدور تعليمات من زعيم الجماعة إلى أتباعه، تقضي بتوفير العطور ورشها على قبور عدد من قتلاها؛ خصوصاً المنتمين إلى سلالته المزعومة، قبل تنظيم زيارات ميدانية للسكان إلى المقابر، يُجبَر كثيرون، بينهم طلاب مدارس، على المشاركة فيها ضمن الفعاليات السنوية التي تقيمها الجماعة تحت اسم «أسبوع الشهيد».

وحسب المصادر، تتعمد الجماعة استغلال الروائح المنبعثة من القبور، بعد إغراقها بالعطور، للترويج لروايات عن «كرامات» مزعومة، وإيهام الزوار بأنها دليل على منزلة استثنائية لقتلاها، في مسعى للتأثير على مشاعر ذويهم وتوظيف المعتقدات الدينية للسكان؛ خصوصاً الشباب وصغار السن، ودفعهم إلى الالتحاق بجبهات القتال.

تربويون وطلاب يمنيون أجبرهم الحوثيون على تنظيم زيارة لمقابر قتلاهم (إكس)

وخصصت ما تسمى «مؤسسة الشهداء» و«الهيئة العامة لرعاية الشهداء»، التابعتان للجماعة، أموالاً لشراء العطور ورشها على قبور القتلى، في مقابر استحدثتها خلال السنوات الماضية في أحياء متفرقة من صنعاء، بينها عصر والجراف ومسيك، في مديريات معين والثورة وآزال.

وسبقت هذه التحركات أعمال تزيين وتوسعة لعدد من المقابر، تمهيداً لتنظيم الزيارات والفعاليات الدعائية المرتبطة بالمناسبة. وأوضحت المصادر أن هذه الممارسات ظلت خلال السنوات الماضية محصورة إلى حد بعيد في صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة، قبل أن تتجه الجماعة إلى تعميمها في صنعاء ومدن أخرى، بالتزامن مع تصعيد حملات التجنيد، لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وتسعى الجماعة، من خلال هذه الأنشطة، إلى تحويل مقابر قتلاها إلى منصات للتعبئة الآيديولوجية واستقطاب مقاتلين جدد، وتوظيف مشاهد الموت ومآسي الأُسَر لتسويق القتال في صفوفها، وتصوير القتلى بوصفهم نماذج يُحتذى بها، بينما لا تحصد عائلاتهم -وفقاً للمصادر- سوى الفقد والتشرد وتفاقم الأعباء الاجتماعية والإنسانية.

استياء من استغلال المقابر

أثارت هذه الممارسات موجة من السخرية والاستياء في أوساط سكان صنعاء، الذين اعتبروا رش العطور على القبور ثم تقديم روائحها بوصفها «كرامات» محاولة للتضليل والاستخفاف بعقول المواطنين، واستغلال الحزن الذي تعيشه أُسَر القتلى، لتحويل المقابر إلى أدوات دعائية تخدم حملات التجنيد والتحشيد.

وقال تربوي، أُجبر مع طلاب مدرسة حكومية في صنعاء، قبل أيام، على زيارة إحدى مقابر الجماعة، إن مشرفين حوثيين حاولوا إقناع الزوار بوجود روائح طيبة تنبعث من بعض القبور، وقدموا ذلك بوصفه دليلاً على ما وصفوه بـ«الكرامات».

جانب من زيارات قيادات حوثية لمقابر قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وأضاف أن المشرفين تعمدوا لفت انتباه الطلاب والزوار إلى تلك الروائح، في محاولة لترسيخ روايات الجماعة حول قتلاها، والتأثير على قناعات الأجيال الصغيرة. وقال: «من المعيب جداً أن تتحول قبور القتلى إلى وسيلة لخداع الناس والتأثير على عقولهم، عبر خرافات مصطنعة تخدم أهدافاً ترمي إلى استدراج مزيد من المقاتلين إلى الجبهات».

من جهته، يقول ناصر -وهو صاحب متجر في صنعاء- إن الميليشات الحوثية لم تكتفِ بمصادرة حياة السكان وفرض الضغوط عليهم؛ بل امتدت ممارساتها إلى استغلال المقابر ومآسي الأُسَر لتسويق مشروعها القتالي، وإقناع الشباب وصغار السن بأن الالتحاق بصفوفها غاية تستحق التضحية بالحياة.

وأضاف أن الجماعة تنفق الأموال على سكب العطور وتزيين القبور وتنظيم الفعاليات الدعائية حولها، بدلاً من توجيهها إلى رعاية أسر القتلى، وتعويض الأطفال الذين فقدوا آباءهم في حروبها. وقال: «من السهل سكب العطور على القبور، ولكن الأصعب هو مواجهة أُسَر القتلى بحقيقة ما خسرته».