«خاصّ الخاصّ في الأمثال»... معاني حكمة وملامح مجتمع

باحثان لبنانيان يعودان إلى الثعالبي

TT
20

«خاصّ الخاصّ في الأمثال»... معاني حكمة وملامح مجتمع

إنّ المهتمّ بالثعالبي ومصنّفاته سيتوقّف مليّاً عند باحثين ارتبطا به في الحقل الأكاديمي، وهما د. رمزي بعلبكي ود. بلال الأرفه لي، اللذين حقّقا سابقاً كتابين للثعالبيّ: كتاب زاد سفر الملوك: في السفر ومدحه وذمّه ومحاسن الأخلاق فيه، وكتاب مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الأوصاف وغرائب التشبيهات، فضلاً عن دراسة للدكتور الأرفه لي حول الكتاب الأشهر للثعالبي «يتيمة الدهر» نشرت بالإنجليزية.
إنّ عناية هذين الباحثين بأبي منصور الثعالبي ليست محطّ غرابة، فهو الأديب الناقد المتذوّق للأدب كثير التصنيف فيه. وهو في كتبه ينقل عن مصادر أدبيّة من القرنين الثالث والرابع، لكنّه يرتكز أكثر على ما سمعه من روايات في أثناء ترحاله الكثير، مما يجعل مصنّفاته خزانة أدبيّة أمينة لنتاج عصره وما سبقه. ولا تقتصر أهمّيتها على مضمونها الأدبي، شعراً كان أم نثراً، فالثعالبي معروف بتجديده المنهجيّ، وهو في تبويبه للمادّة وترتيبها يثير لدى الدارسين عدداً من التساؤلات. ويقدّم معرفة بطبقات المجتمع وتراتبيّتها، أو بجغرافية البلاد الإسلاميّة وتقسيمها.
وإنّ كتاب الثعالبي المعنون «خاصّ الخاصّ» قد حُقّق ونشر مراراً، لكنّه ليس الكتاب محطّ حديثنا. فالأخير هو «خاصّ الخاصّ في الأمثال»، ولم يغفل المحقّقان عن الإشارة إلى مواطن التشابه بين الكتابين في موضعها. ويندرج كتابنا ضمن كتب المختارات الأدبيّة، وقد جعله الثعالبي في الأمثال التي كان مولعاً بها، إذ ليس هذا الكتاب مصنّفه الوحيد فيها. ويكشف التحقيق عن أوجه تكرار مادّته في غير مؤلّفٍ له، وهو الذي عدّه المحقّقان دلالة على براعته في التأليف وإعادة التأليف وتقديم مؤلّفاته هدايا.
ويقع الكتاب في ثلاثة أقسامٍ مبوّبة حسب الموضوعات، ويختار الثعالبي لكلّ قسمٍ طريقة خاصّة في عرض المادّة، مبتعداً بذلك عن النسق المعجمي الذي عُرفت به كتب الأمثال. وقد جعل القسم الأوّل فيما يُتمثّل به من ألفاظ القرآن، ويستغرق هذا القسم نصف الكتاب تقريباً. ويبدأ الكاتب كلّ بابٍ من أبوابه السبعين بآية أو أكثر، ثمّ يدرج تحتها ما جاء في معانيها من الخبر وأمثال العرب والعجم وكلام الخاصّة والعامّة. وهو في هذه التوليفة يجمع بين الأمثال القديمة التي أبقى عليها الإسلام - مغيّراً في دلالتها أحياناً - والأمثال النبويّة، والأمثال المولّدة أو المحدثة بعد نزول القرآن.
ويحافظ القسم الثاني على هذا التنوّع في مصادر المادّة، ويجمع فيه الثعالبي أمثال طبقات الناس وذوي المراتب المتباينة والصناعات المختلفة. ويعتمد التدرّج الطبقي، بدءاً بالأمثال السلطانيّة والملوكيّة، انتقالاً إلى الأمثال المعنيّة بالوزراء والكتّاب والبلغاء، وانتهاءً بأمثال النساء فالصبيان فالعبيد. وهذه ليست المرّة الأولى التي يتخطّى فيها الثعالبي نظرة الأديب المتمكّن واسع الاطّلاع إلى نظرة الناقد الاجتماعيّ، فيمنح القارئ تصوّراً لمكانة كلّ طبقة في السلّم الاجتماعي آنذاك، وموقعها بالمقارنة مع غيرها من الطبقات.
أمّا القسم الثالث - وهو الأقصر - فيجمع فيه مختارات من الأمثال التي جاءت على أفعل من كذا، ولم يتضمّنها كتاب أبي عبد الله حمزة بن الحسن الأصبهانيّ. ويقع في ثلاثة أبواب: الأوّل أمثال منسوبة إلى أربابها، والثاني غرر من رجز الشعراء، أمّا الثالث ففيه يدلي الثعالبي بدلوه، غير مكتفٍ بالجمع والترتيب، منتقلاً إلى الابتداع والتأليف. فيخصّصه لما جمعه بنفسه واخترعه وابتدعه، واللافت أنّ بعض العناوين في هذا الباب يشابه عناوين سبقت في القسمين الأوّل أو الثاني، ولكن يبدو أنّ المؤلّف أراد بإفرادها أن تحظى بعناية القارئ وملاحظته.
لقد تحمّل المحقّقان - في جميع ما سبق - عناء ردّ كلّ مثلٍ إلى مصدره العربي أو الفارسيّ، ومواطن وروده في مظانّ الكتب. وألحقا بالكتاب فهارس بالآيات، والأحاديث، وأبيات الشعر، وأشطار الأبيات، والأعلام والأماكن، الأمر الذي يجعل البحث فيه والإفادة منه أيسر وأعظم. وإنّ المطّلع اليوم على ما يُنشر من مخطوطات، يدرك بشكلٍ بدهي أنّ للتحقيق درجات، ولعلّ دأب المحقّقين كان بلوغ أعلاها.
وأخيراً، فإنّ الأمثال بما تشتمل عليه من معاني الحكمة، وإيجاز اللفظ وشيوعه، تعكس ملامح المجتمع الذي أنتجها أو تداولها، وتغري الباحثين من مجالاتٍ عدّة بدراستها. وإنّ كتاب «خاصّ الخاصّ في الأمثال» إضافة جديدة إلى هذا الحقل، من شأنها أن تستقطب إلى جانب أهل الاختصاص الهواة من قرّاء الأدب.
- طالبة دكتوراه
- الجامعة الأميركية في بيروت


مقالات ذات صلة

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

كتب تشارلي إنجلش

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

يبدو اسم كتاب صحافي «الغارديان» البريطانية تشارلي إنجلش الأحدث «نادي الكتاب في وكالة المخابرات المركزية» أقرب لعنوان رواية جاسوسيّة منه لكتاب تاريخ

ندى حطيط
كتب العالم اللغوي الهولندي سترومر ينجز قاموساً لـ«لغة الشلوح»

العالم اللغوي الهولندي سترومر ينجز قاموساً لـ«لغة الشلوح»

صدر حديثاً أول وأضخم قاموس شامل (التشلحيت - الفرنسية) في مارس (آذار) عام 2025 عن دار «بريل» للنشر (لايدن)، وهو ثمرة 4 عقود من العمل الدؤوب للعالم ، هاري سترومر.

نجاة تميم (امستردام)
ثقافة وفنون «الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

يستدعي عنوان رواية «الليلة الكبيرة» للكاتب محمد الفولي حالة من الحنين أو «النوستالجيا» لأوبريت مسرح العرائس الأشهر الذي يحمل الاسم نفسه وتربت عليه الأجيال

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون عبد العزيز المانع

كرسي عبد العزيز المانع... إضافات ثريَّة إلى اللغة العربية

وأنا أكتب عن كرسي الدكتور عبد العزيز المانع في جامعة الملك سعود، وما أضافه هذا الكرسيُّ من إنجازات لهذه الجامعة العريقة، وبالتالي إلى لغتِنا العربية

عبد الجليل الساعدي
ثقافة وفنون «أغالب مجرى النهر» تؤرّخ لنصف قرنٍ من تاريخ الجزائر

«أغالب مجرى النهر» تؤرّخ لنصف قرنٍ من تاريخ الجزائر

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «أغالب مجرى النهر» للكاتب الجزائري سعيد خطيبي. وفيها يصوّر الكاتب أناساً انتهتْ بهم الحياة أسرى أقدارهم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«أرسطو في ثوبه العربي»... تجليات فلسفية في عصر العباسيين

«أرسطو في ثوبه العربي»... تجليات فلسفية في عصر العباسيين
TT
20

«أرسطو في ثوبه العربي»... تجليات فلسفية في عصر العباسيين

«أرسطو في ثوبه العربي»... تجليات فلسفية في عصر العباسيين

يتناول كتاب «أرسطو في ثوبه العربي» الصادر عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة للباحث د. عمار العساف تأثر الثقافة العربية في عصر العباسيين، نتيجة حركة الترجمة الهائلة، بفكر الفيلسوف اليوناني المعلم أرسطو، لا سيما فيما يتعلق بأفكاره في المنطق والجدل والمحاججة، فضلاً عن تصوراته لدور الإنسان والحيوان على كوكب الأرض.

ويشير المؤلف إلى أن شخصية أرسطو لم تكن مجهولة تماماً قبل العصر العباسي، بل كانت حاضرة في الثقافة العربية وإن بصورة مختلفة عما هي عليه في الواقع، فقد رُسمت له صورة أسطورية تبالغ في قدراته السياسية باعتباره وزير الإسكندر المقدوني الذي يجمع بين الحكمة والدهاء.

وفي بداية العصر العباسي، تُرجمت مؤلفات أرسطو الأخرى وبذلك نضجت صورته حكيماً وفيلسوفاً ومنطقياً ليجسد شخصية العالم الموسوعي الذي تخطى حدود التخصص، فكان له من كل علم نصيب وتعاظمت شهرته شيئاً فشيئاً حتى أضحى شخصية مرموقة عند العرب.

ولم يلق تعاظم تأثيره العربي مقاومة في البداية، لأن نتاجه لم يوظف في القضايا ذات الصبغة الفقهية، بيد أن سياسة الخليفة المأمون التي اتبعها في الحكم أثرت في موقف العرب من أرسطو، فقد تم إقحام المنطق في البحوث والقضايا الفقهية فأصبح الفيلسوف الإغريقي بمثابة المرجع الأول في الجدل والحوار حتى في المسائل شبه الدينية التي اتسم البحث فيها بالطابع العقلاني والأسس المنطقية.

في عهد المأمون تحديداً، حاول البعض استنتاج الأحكام الفقهية انطلاقاً من أسس فلسفية ومرجعيات منطقية وكان ذلك مصدر قلق للفقهاء ومنهم الإمام الشافعي الذي كان أول من عبر عن قلقه من تعاظم دور أرسطو في العالم العربي، فأراد أن ينأى بالفقه عن نتاج المنطق، وقام بوضع الأساس العلمي والديني لعلم أصول الفقه.

بذلك كان الشافعي أول من وضع حداً لتدخل المنطق الأرسطي في القضايا التي كان يخوضها المعتزلة الذين استلهموا تراث اليونان، وراحوا يتناقشون في قضاياه، ويمزجون بينها وبين شواغل الفقه الإسلامي.

ويكشف المؤلف كيف كان الجاحظ في كتابه الرائد «البيان والتبيين»، الذي يبرز فيه مزايا البلاغة العربية وتفوقها على غيرها، على دراية كافية بأفكار أرسطو حتى أنه هاجمه شخصياً، واتهمه بعدم البلاغة وعدم الفصاحة قائلاً: «ولليونانيين فلسفة وصناعة ومنطق، وكان صاحب المنطق نفسه بكيّ اللسان، غير موصوف بالبيان، مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه وبخصائصه».

وحسب الجاحظ، فإن أرسطو لم يكن يهتم بالإجادة الفنية في كتاباته كأفلاطون مثلاً، وإنما كان عالماً قبل كل شيء، يهجم على موضوعه هجوماً دون أن يدور حوله بالحوار والمناقشة، ويُعنى بالفكرة قبل أن يُعنى باللفظ الذي يصوغها فيه. ومن هنا لم تكن كتب أرسطو ككتب أفلاطون نموذجاً فنياً للإجادة البلاغية، وإنما هي نموذج خالد للإجادة في البحث العقلي. ولكن هذا لا يعني أن أرسطو، كما يقول المؤلف، لم يكن يعي فنون البلاغة، فهو صاحب فلسفة ومنطق بالأخير، وجل ما يقصده الجاحظ التأكيد على عدم اكتراثه بترصيع الكلام وزخرفته.

واشتد عود أنصار اليونانيين في القرن الرابع الهجري، لا سيما بعد أن استوعبوا نتاج أرسطو فبدأوا بالترويج لمؤلفاته وعقدوا الحلقات الأدبية وتدارسوا الموضوعات الفلسفية والمنطقية والأدبية في تراثه. واستفاد هؤلاء من المنطق الأرسطي في نثرهم الفني ومناظراتهم التي انتعشت في العصر العباسي. واكتسب المتناظر أداة فعالة في إفحام الخصوم، كما استخدم بعض المتناظرين القياس المضمر فكان سلاحاً عظيماً في المناظرات التي مالت إلى التفكير المجرد. وكان من نتائج ذلك أن أصبح «التلوين العقلي» صفة لبلاغة المتناظرين وسمة تميزهم عن غيرهم.

واستلهم بعض مشاهير النثر العربي موضوعات عديدة ومتنوعة من مؤلفات أرسطو، فكتب التوحيدي عن «الصداقة» متأثراً بمفهوم الفيلسوف الإغريقي عنها، كما كتب نوادر عن عالم الحيوان فأكثر من النقل من كتاب أرسطو «الحيوان». ولم يكتف بعضهم بهذا النقل، وإنما استلهم أفكاراً كاملة من أرسطو مثلما فعل مسكويه عندما وضع كتاب «تهذيب الأخلاق»، محاكياً بذلك أرسطو في كتاب «الأخلاق».