مركز لتنمية الإيرادات غير النفطية في السعودية العام المقبل

توجيه الجهات الحكومية برفع بيانات العوائد المحصَّلة لوزارة المالية

السعودية تعمل على تفعيل مصادر زيادة العائدات غير النفطية (الشرق الأوسط)
السعودية تعمل على تفعيل مصادر زيادة العائدات غير النفطية (الشرق الأوسط)
TT

مركز لتنمية الإيرادات غير النفطية في السعودية العام المقبل

السعودية تعمل على تفعيل مصادر زيادة العائدات غير النفطية (الشرق الأوسط)
السعودية تعمل على تفعيل مصادر زيادة العائدات غير النفطية (الشرق الأوسط)

كشفت معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» أن مركز الإيرادات غير النفطية المزمع قيامه في السعودية منذ الإعلان عنه في 2018، سيرى النور خلال العام المقبل 2020، حيث يُعوَّل عليه كمبادرة تنفيذية على المدى المتوسط للقيام بدور دعم الجهات الحكومية، وبرامج تحقيق الرؤية في المبادرات والمقترحات المتعلقة بزيادة الإيرادات غير النفطية.
ويُنتظر أن يعمل المركز على تهيئة البرامج المقررة والمقترحة في الجهات الحكومية بما يكفل الموافقة عليها وتنفيذها على الوجه الأكمل، في وقت سيقوم بمتابعة تنفيذ المبادرات المعتمدة، وتذليل الصعوبات التي قد تواجهها الجهات الحكومية، والعمل على تطويرها.
ويعمل المركز على تطبيق معايير لتقييم المبادرات غير النفطية، وفي مقدمتها حجم الإيرادات والتكلفة المتوقعة من تطبيق المبادرة، وحجم الوفورات بحيث تشمل حجم المبلغ المتوقع توفيره على الخزينة العامة للدولة من تطبيق المبادرة واستدامتها، بالإضافة إلى مدى سهولة تنفيذ المبادرة من الناحية الفنية، والتشريعية، والبنية التحتية، والاستفادة من التجارب السابقة.
ووجهت السعودية، أمس، جميع الجهات الحكومية التي لديها إيرادات غير نفطية بضرورة تقديم تفاصيل الإيرادات إلى وزارة المالية موضَّح فيها جميع بيانات الإيرادات المتحصلة، حيث سيتم تصنيف تلك الإيرادات وحدودها الدنيا والقصوى والمبالغ المحصَّلة والفروق الناتجة عن التحصيل خلال العام، والسند النظامي لكل إيراد.
وستقوم الجهات الحكومية بتزويد مركز تنمية الإيرادات غير النفطية ببيانات الشركات التابعة، وأي طرف ذي علاقة ويترتب على هذه العلاقة تحصيل الإيرادات، والقوائم المالية وطبيعة التعاقدات والاتفاقيات التي تقدمها تلك الشركات نظير تقديمها للخدمات، وجميع البيانات من مصادر وآلية تحصيل الإيرادات واستقطاعاتها، وذلك خلال 30 يوماً.
ومعلوم أن مجلس الوزراء السعودي وافق العام الماضي، على تحويل وحدة تنمية الإيرادات غير النفطية إلى مركز باسم «مركز تنمية الإيرادات غير النفطية»، والموافقة على الترتيبات التنظيمية للمركز.
وإلى تفاصيل أكثر حول الأسباب التي دفعت المملكة إلى التوجه إلى إنشاء هذا المركز في خضم هذا التقرير.
القطاع غير النفطي
دقت أسواق النفط خلال عام 2019 ناقوس الخطر للدول والاقتصادات التي ما زالت تعتمد على النفط بشكل كامل، حيث شهدت أسواق النفط تقلبات كبيرة، وتراوحت أسعار خام برنت بين نحو 69 دولاراً للبرميل خلال الربع الثاني 2019، لتعود وتنخفض إلى 62.8 دولار للبرميل في سبتمبر (أيلول) المنصرم.
وفيما يتعلق بالإنتاج؛ تُشير تقارير منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) إلى أن جهود دول «أوبك» والمنتجين خارجها (أوبك+) لدعم استقرار أسواق النفط، أسهمت في انخفاض إنتاج دول المنظمة خلال الربع الثاني من 2019 بنحو 510 آلاف برميل يومياً ليصل إلى 29.9 مليون برميل يومياً مقارنةً بالربع الأول من 2019.
تحركات مُبكرة
ولم تنتظر حكومة المملكة حتى الوصول لمرحلة الخطر؛ إذ بدأت التحرك مبكراً، ونفَّذت العديد من المبادرات لتنمية الإيرادات غير النفطية بهدف تنويع موارد الدولة للحد من تقلُّبات الإيرادات العامة ومن ثم الإنفاق العام.
وكان من أهم هذه المبادرات؛ تطبيق ضريبة القيمة المضافة، والمقابل المالي على الوافدين، والضرائب الانتقائية (التبغ ومشتقاته والمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة)، حيث ساهمت هذه الإصلاحات في نمو الإيرادات غير النفطية بشكل ملحوظ، بالإضافة إلى إجراءات التصحيح التدريجي لأسعار الطاقة المحلية من خلال ربط المنتجات بالأسعار المرجعية التي من أهدافها ترشيد استخدام الطاقة.
وقامت الحكومة بتنفيذ عدد من الإصلاحات في العام الحالي 2019، من أهمها: تخفيض حد التسجيل الإلزامي في ضريبة القيمة المضافة، والزيادة المعتمدة للمقابل المالي على الوافدين، والضريبة الانتقائية على المشروبات المحلاة، وتحصيل مبالغ من تسويات زكاة البنوك وتسويات قطاع الاتصالات.
وعززت هذه الإصلاحات الإيرادات غير النفطية بشكل ملحوظ، حيث بلغ متوسط الإيرادات غير النفطية قبل الإصلاحات (منذ عام 2012 إلى عام 2016) نحو 140 مليار ريال (37 مليار دولار)، بينما تضاعف متوسطها بعد الإصلاحات (منذ 2017 إلى عام 2019) إلى 288 مليار ريال (76.8 مليار دولار)، ومن المتوقع ارتفاع نسبة الإيرادات غير النفطية إلى الناتج المحلي غير النفطي لتصل إلى نحو 16% في عام 2019 مقابل 7% فقط في عام 2012.
الاستقرار الاقتصادي
من جهة أخرى، وعلى الرغم من تأثر الإيرادات النفطية هذا العام بالتقلبات في الأسعار العالمية بالإضافة إلى اتفاقية «أوبك+» لخفض الإنتاج؛ فإن نمو الإيرادات غير النفطية أسهم في تعويض جزء من هذا الانخفاض.
وتتميز الإيرادات غير النفطية بالاستقرار نتيجة ارتباطها بالنشاط الاقتصادي، حيث أسهم تعافي نمو النشاط الاقتصادي في عامي (2018 - 2019) في تحسن أداء الإيرادات غير النفطية.
وتنصبّ جهود الحكومة على رفع كفاءة الإنفاق والحفاظ على الاستدامة المالية، بالإضافة إلى التركيز على السياسات المحفزة للقطاع الخاص وتحسين بيئة الأعمال، بما يسهم في انخفاض النفقات الحكوميَّة عن المعتمدة في الميزانية لهذا العام.
القطاع الخاص
وشهد القطاع الخاص غير النفطي نمواً إيجابياً خلال النصف الأول من عام 2019 بمعدل 2.9%، مدعوماً بسياسات تحفيز القطاع الخاص، فيما استمرت معدلات الاستهلاك الخاص لنفس الفترة في النمو الإيجابي لتبلغ 4.4%، مقارنةً بمعدل نمو قدره 2.6% للفترة نفسها من العام السابق مدعومةً بالمبادرات التي نفّذتها الحكومة لمساندة قطاع الأسر والقطاع الخاص.
وساهمت مبادرة تحفيز القطاع الخاص، والاستمرار في تنفيذ بعض المشاريع الكبرى في تحسن أداء عدة قطاعات أهمها قطاع التشييد والبناء، حيث عاد لمعدلات النمو الإيجابية خلال عام 2019 بعد تراجعٍ لمدة ثلاثة أعوام متتالية.
وحققت الأنشطة الاقتصادية بشكل عام معدلات نمو حقيقي إيجابية ومرتفعة، حيث سجل نشاط تجارة الجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق، ونشاط خدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال معدلات نمو بلغت 3.8 و5.1% على التوالي خلال النصف الأول من العام الجاري مقابل الفترة المماثلة من العام السابق.
تقديرات 2020
تواصل الحكومة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية متوسطة وطويلة الأجل الهادفة إلى تنويع النشاط الاقتصادي وتحقيق الاستدامة المالية في إطار «رؤية المملكة 2030»، مع التركيز على دور القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وتركز الحكومة على تنمية ورفع معدلات نمو الناتج المحلي غير النفطي باعتباره مقياساً رئيساً لحركة النشاط الاقتصادي والقدرة على تنمية فرص العمل في الاقتصاد، حيث تنفذ الحكومة خططاً على المدى القصير لتحفيز الناتج المحلي غير النفطي وكذلك على المدى المتوسط بهدف استدامة معدلات النمو وتنويع مصادره بما يحقق كفاءة أعلى في نوعية النمو الاقتصادي، ويمكّن أداء الاقتصاد من تحقيق تطلعات المواطنين، حيث إن نمو القطاع غير النفطي هو المحرك الرئيس لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعام الحالي 2019 والمدى المتوسط.
ويتوقع أن يسهم إنجاز عدد من المشاريع الكبرى التي تستهدف دعم البنية التحتية، بالإضافة إلى المشاريع الأخرى التي يجري تنفيذها في قطاعات حيوية لدعم نمو الناتج المحلي غير النفطي على المدى المتوسط من برامج ومبادرات في العام المقبل.
وتعمل السياسة المالية في الوقت الحالي وعلى المدى المتوسط على تطوير هيكلي للإيرادات والنفقات معاً، بحيث يتم رفع نسبة الإيرادات غير النفطية إلى إجمالي الإيرادات تدريجياً، مع مواصلة الإنفاق على برامج تحقيق الرؤية والمشاريع الكبرى وبرامج تنمية وتحفيز القطاع الخاص، وفي الوقت نفسه التأكد من تخفيف أعباء الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية من خلال برامج مساندة اجتماعية موجهة.


مقالات ذات صلة

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

خاص صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

موفق محمد (دمشق)
الاقتصاد مسافرون في مطار الملك عبد العزيز بجدة (واس)

الخدمات في صدارة المشهد الاقتصادي... السعودية تواصل توسيع نفوذها الدولي

كشفت بيانات حديثة عن أداء قوي لقطاع تجارة الخدمات في السعودية خلال الربع الرابع من عام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

خاص القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

أصبح القطاع الخاص لاعباً أساسياً في دفع عجلة السياحة السعودية، مسهماً بنحو 219 مليار ريال من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد عدد من الحاويات في ميناء الملك عبدالعزيز (واس)

دعم لوجستي... السعودية تمدِّد إعفاء الحاويات في ميناء الملك عبد العزيز والجبيل التجاري

أعلنت «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)» عن إطلاق مبادرة تمديد فترة الإعفاء للحاويات الفارغة الواردة عبر ميناء الملك عبد العزيز بالدمام وميناء الجبيل التجاري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز» نقلاً عن مصدر مطلع، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.