مدربان من ذوي البشرة السمراء يتحدان في ملعب ماراكانا لمواجهة العنصرية في البرازيل

مدربان من ذوي البشرة السمراء يتحدان في ملعب ماراكانا لمواجهة العنصرية في البرازيل

تعانقا بجوار خط التماس وهما يرتديان قميصين عليهما عبارات مناهضة للتمييز العرقي
الأربعاء - 16 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 13 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14960]

تعمل كرة القدم في بعض الأحيان كنقطة انطلاق لمحادثات يمكن أن تؤثر على المجتمع ككل، وهذا هو ما حدث بالفعل في البرازيل مؤخراً. فقبل بداية المباراة بين فلومينينزي وباهيا على استاد ماراكانا الشهير، تعانق المديران الفنيان للفريقين بجوار خط التماس وهما يرتديان قمصاناً عليها عبارات مناهضة للعنصرية.

ويجب الإشارة إلى أن الرجلين من أصحاب البشرة السمراء، ومن النادر أن ترى مديرين فنيين من أصحاب البشرة السمراء يقودان فريقين يلعبان في الدوري البرازيلي الممتاز.

ورغم أن أكثر من نصف السكان في البرازيل من أصحاب البشرة السمراء، أو من أصول مختلطة، فلا يوجد سوى اثنين فقط من المديرين الفنيين من أصحاب البشرة السمراء في الدوري البرازيلي الممتاز!

وكانت قمصانهما مزينة بشعار «مرصد مكافحة التمييز العنصري في كرة القدم»، وهي منظمة تعمل بكل قوة من أجل القضاء على العنصرية في عالم كرة القدم.

وقال المدير الفني لنادي فلومينينزي، ماركاو، في المؤتمر الصحافي قبل بداية المباراة: «أعرف ما أمثله، كمدير فني لنادي فلومينينزي، للأشخاص ذوي البشرة السمراء».

ولا يزال بعض الناس في البرازيل يزعمون أن لون البشرة ليس له أي تأثير على فرص الشخص في الحياة، لكن هذا الأمر بعيد كل البعد عن الحقيقة.

وخلال المؤتمر الصحافي الذي عقد بعد انتهاء المباراة، تحدث المدير الفني لنادي باهيا، روجر ماتشادو، بكل وضوح حول هذا الأمر، قائلاً: «المواجهة بين مديرين فنيين من أصحاب البشرة السمراء أمام المدرجات لا ينبغي أن تحظى باهتمام استثنائي. ورغم أن أكثر من 50 في المائة من السكان هم من أصحاب البشرة السمراء، فإن هذه النسبة ليست ممثلة بالشكل السليم هنا، لذلك يجب علينا أن نفكر ونسأل أنفسنا عن السبب وراء ذلك».

وأضاف: «إذا لم يكن هناك تحيز في البرازيل، فلماذا يتلقى أصحاب البشرة السمراء تعليماً أقل جودة؟ وما السبب وراء حقيقة أن 70 في المائة من السجناء هم من أصحاب البشرة السمراء؟ ولماذا يكون الشباب السود أكثر عرضة للقتل في البرازيل؟ ولماذا يحصل الرجال والنساء من أصحاب البشرة السمراء على رواتب أقل من نظرائهم من أصحاب البشرة البيضاء؟ ولماذا تكون النساء من أصحاب البشرة السمراء أكثر عرضة للقتل مقارنة بالنساء من أصحاب البشرة البيضاء؟ وكم عدد النساء من أصحاب البشرة السمراء اللائي يعملن في مجال الصحافة الرياضية؟ إذا لم يكن هناك تحيز في البرازيل، فما هي الإجابة على كل تلك الأسئلة؟»

وتابع: «نحن نعيش في تحيز هيكلي ومؤسسي، والإهانات والهتافات العنصرية ما هي إلا أعراض لهذا المرض المستشري. المسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً، لكن المسؤولية عن هذا التخلف والتراجع بعد مُضي 388 عاماً على انتهاء العبودية تقع على عاتق الدولة.

لدينا نظام من المعتقدات والقواعد التي وضعتها السُلطة، وهي القواعد التي تنظم سلطات الدولة ووسائل الإعلام والكنيسة.

عندما لا ترغب هذه القوى في وجود العنصرية، وعندما ترى أن هناك حاجة إلى تصحيح المسار، فسوف يتغير الوضع.

لكن الحقيقة الآن تتمثل في أن هناك 10 ملايين شخص وأكثر من 25 جيلاً تم استعبادهم. لقد بدأ هذا الأمر في البرازيل الاستعمارية، واستمر بعدما أصبحت البرازيل إمبراطورية، ثم تمت التغطية عليه عندما تحولت البرازيل إلى جمهورية. نحن بحاجة الآن إلى الانتهاء من مرحلة الإنكار، والاعتراف بأن هناك مشكلة حتى يمكننا حلها».

وأضاف ماتشادو: «إن الإنكار والسكوت هما بمثابة تأكيد على العنصرية. في الحقيقة، لا تعد الإهانات أو الهتافات العنصرية هي أكبر تحيز أشعر به، لكنني أشعر بهذا التحيز عندما أذهب إلى مطعم وأجد أنني الشخص الوحيد من أصحاب البشرة السمراء.

وعندما ذهبت إلى الجامعة، كنت أنا الشخص الوحيد هناك من أصحاب البشرة السمراء.

يقول الناس إن وجودي هنا هو دليل على أن العنصرية غير موجودة، لكن العكس هو الصحيح، حيث إن الدليل على وجود العنصرية هو وجودي بمفردي في هذا المكان».

وفي اليوم نفسه الذي أقيمت فيه هذه المباراة، عبر لاعب سيسكا موسكو الروسي، لوكاس سانتوس، عن رأيه في وفاة كيلفن غوميز كافالكانتي، البالغ من العمر 17 عاماً، الذي قتل مؤخراً بعدما أطلقت عليه الشرطة 6 رصاصات في صالون حلاقة في منطقة بارا بيدرو، على بُعد 15 كيلومتراً من ملعب ماراكانا الشهير.

وتم تداول مقطع فيديو على موقع «تويتر» لأحد ضباط الشرطة العسكرية وهو يوجه سلاحاً أوتوماتيكياً إلى الأبرياء، ويركل المارة، ويطلق ذخيرة حية في الهواء.

أعاد لوكاس نشر الفيديو، وقال: «لقد وقع هذا الحادث في الحي الذي ولدت ونشأت فيه، وتعلمت كثيراً من أمور الحياة هناك. ومحل الحلاقة الذي شهد هذه الواقعة هو المحل نفسه الذي كنت أقص فيه شعري، وبالتالي فأنا أعرف الضحايا، والجميع يعرف شخصياتهم جيداً. لكن بالنسبة لويلسون فيتزل، حاكم ولاية ريو دي جانيرو، فإن كونك أسود وفقيراً يكفي لكي تتعرض للإبادة الجماعية».

وقد وصل فيتزل إلى هذا المنصب عن طريق ركوب موجة الهستيريا اليمينية المتطرفة التي أوصلت جايير بولسونارو إلى منصب رئيس البلاد.

وبعد وصوله إلى منصب حاكم ولاية ريو دي جانيرو، شن فيتزل حملة دامية من غارات الشرطة في أفقر أحياء الولاية. ومن الناحية النظرية، فإن الهدف من تلك الحملة هو كبح جماح عصابات المخدرات، لكن آثار هذه الحملة كانت مدمرة.

وفي الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى يونيو (حزيران) من هذا العام، قتلت الشرطة في ولاية ريو دي جانيرو 885 شخصاً، وهو أكبر عدد من القتلى خلال 6 أشهر، منذ أن تم جمع مثل هذه البيانات لأول مرة في عام 1998.

وخلال الشهر قبل الماضي، قُتلت الطفلة أغاتا فيليكس، البالغة من العمر 8 سنوات، على يد ضابط شرطة، وهي في طريقها إلى المنزل من المدرسة، واحتلت هذه الحادثة عناوين الصحف الدولية. وذكرت مجلة «فيجا» المحافظة أنه بعد إطلاق النار، ذهب نحو 20 ضابطاً من ضباط الشرطة العسكرية إلى المستشفى التي توفيت فيها فيليكس، وطالبوا الموظفين بالمستشفى بتسليمهم الرصاصة!

وأعرب كثير من لاعبي كرة القدم، الحاليين والسابقين، بما في ذلك فيليبي ميلو ورونالدينيو وكاكا ولوكاس مورا وكافو، عن دعمهم لبولسونارو، لكن الأحداث التي وقعت في نهاية هذا الأسبوع أظهرت أن هناك أشخاصاً آخرين غير رجعيين في كرة القدم البرازيلية، حيث تابع لوكاس، البالغ من العمر 20 عاماً، في تغريدته التالية قائلاً: «بحر هائل من دماء الفقراء، لكنني أعتقد أنك رجل قوي يا فيتزل، لأنك المحرض الرئيسي على ذلك، ومع ذلك تتمكن من النوم ببال هادئ! في الحقيقة، لم يكن بإمكاني النوم لو كنت في مكانك».

ولم تكن هذه هي القضية الاجتماعية الأولى التي تتبناها كرة القدم البرازيلية هذا العام. ففي أغسطس (آب) الماضي، أوقف الحكم أندرسون دارونكو مباراة بين فاسكو دا غاما وساو باولو لأن مشجعي فاسكو دا غاما كانوا يرددون أغنية يقولون فيها إن ساو باولو «فريق من المثليين».

وأشار دارونكو إلى أن المباراة لن تستأنف حتى تتوقف الجماهير عن كل الهتافات المعادية للمثلية، وقد صدر إعلان بهذا الشأن في الاستاد. وطالب المدير الفني لفاسكو دا غاما، فاندرلي لوكسيمبورغو، الجماهير بالتوقف عن ترديد مثل هذه الهتافات. وبالفعل، توقفت الجماهير على الفور، وتم استئناف المباراة. ومع ذلك، لا يزال كثير من الأشخاص في البرازيل يدافعون عن الإهانات العنصرية وكره النساء بصفتها «مقبولة» أو «مزاحاً» داخل الملعب، لكن هذا الموقف يتغير ببطء.

وفي ظل وجود كثير من الدعم لأشخاص مثل فيتزل وبولسونارو من داخل لعبة كرة القدم، فغالباً ما يتم النظر إلى مثل هذه الأوقات المظلمة في كرة القدم البرازيلية على أنها وسيلة للمقاومة الاجتماعية.

لكن كما فعلت الديكتاتورية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، فإن التهديد الذي يفرضه النظام القمعي العنصري قد يخلق المناخ المناسب لشن هجوم مضاد، وهو ما يُمكن البعض في هذه الرياضة التي يجب أن تتسم بالتنوع والانفتاح من إعادة اكتشاف ضمير سياسي تقدمي.

وفي بعض الأحيان، تبدو حملات مثل تلك التي كانت شعاراتها مكتوبة على قمصان كل من روجر وماركاو خالية من الحياة، لأنها مجرد لفتة أخرى «فارغة» لن تغير من الأمر شيئاً، فالمطلوب هو اتخاذ إجراءات قوية لمواجهة هذه العنصرية المستشرية في الملاعب والمجتمع البرازيلي ككل.


برازيل العنصرية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة