«تويتر»... سلاح ترمب داخل البيت الأبيض وخارجه

الانتخابات الرئاسية الأميركية تنظّم بعد عام في بلد منقسم

ترمب يخاطب الصحافيين لدى وصوله إلى البيت الأبيض أمس (أ.ب)
ترمب يخاطب الصحافيين لدى وصوله إلى البيت الأبيض أمس (أ.ب)
TT

«تويتر»... سلاح ترمب داخل البيت الأبيض وخارجه

ترمب يخاطب الصحافيين لدى وصوله إلى البيت الأبيض أمس (أ.ب)
ترمب يخاطب الصحافيين لدى وصوله إلى البيت الأبيض أمس (أ.ب)

«إنه يحتاج إلى (تويتر)، كما نحتاج نحن إلى الطعام»، هكذا وصفت مستشارة البيت الأبيض كيليان كونوي علاقة الرئيس دونالد ترمب بـ«تويتر» في إحدى المقابلات. وعكست بذلك العلاقة غير المسبوقة وغير التقليدية لمن يوصف بـ«أقوى رئيس في العالم» بإحدى أهم منصات التواصل الاجتماعي في عصرنا الحديث. فقد استخدمها أداة انتخابية فعالة في عام 2016 قبل الوصول إلى البيت الأبيض، ثم حوّلها أداة سياسية منذ تسلمه منصبه لمهاجمة خصومه، والتباهي بإنجازاته، وأخيراً الدفاع عن نفسه وتطمين قاعدة أنصاره.

بعض من تغريدات ترمب

ورصدت صحيفة «نيويورك تايمز» وتيرة «تغريد» الرئيس ترمب منذ تسلمه الرئاسة، في تقرير نشرته على موقعها أمس، وحلّل أكثر من 11 ألف تغريدة نشرها على مدى 33 شهراً. وقالت الصحيفة إنه استخدم «تويتر» 1159 مرة للمطالبة باعتماد سياساته المتعلقة بالهجرة والجدار مع المكسيك، و521 مرة للدفع باتجاه اعتماد سياسة الرسوم في إطار الحرب التجارية مع الصين وغيرها. كما لجأ ترمب إلى «تويتر»، بدل البيت الأبيض، لإعلان استقالة أو إقالة نحو 24 مسؤولاً في إدارته.
وجاء في تحليل الصحيفة لتغريدات الرئيس، أن أكثر من نصف إجمالي التغريدات (أي نحو 5889 منشوراً)، كرّسها ترمب لمهاجمة خصومه ومنافسيه وتحقيقات تستهدفه، بما يشمل «تحقيق مولر» في اتهامات التواطؤ المزعومة مع روسيا، وإجراءات العزل التي يقودها ديمقراطيو مجلس النواب حالياً، ومدناً كاملة حُكّامها ديمقراطيون، والاحتياطي الفيدرالي، ورياضيين انتقدوه. في المقابل، خصص ترمب ألفي تغريدة لمدح نفسه.
وارتفع استخدام الرئيس الأميركي لـ«تويتر» بشكل كبير منذ انتهاء التحقيق في «الصلات الروسية» الذي برّأ ترمب من التواطؤ مع الحكومة الروسية، لكنّه لم يُصدر حكماً فيما إذا عرقل الرئيس العدالة، وانطلاق إجراءات التحقيق التي قد تُفضي إلى إدانته في مجلس النواب. و«غرّد» ترمب 500 مرة في أول أسبوعين من أكتوبر (تشرين الأول)، ما ضاعف معدل استخدامه لمنصة التواصل الاجتماعي 3 مرات.
ويثق الرئيس الأميركي في إتقانه فن استخدام «تويتر» لحشد دعم أنصاره، ودفع أولوياته، ومهاجمة خصومه. وأكّد ترمب ذلك الأسبوع الماضي عند إعلانه في مؤتمر صحافي مقتل زعيم «داعش»، الإرهابي أبو بكر البغدادي. وقال ترمب أمام عدد من وسائل الإعلام وملايين المتابعين عبر العالم: «إنهم (داعش) يستخدمون الإنترنت أفضل من الجميع تقريباً»، وتابع: «باستثناء دونالد ترمب».
وفي وقت مبكر من رئاسته، بحث كبار المساعدين في البيت الأبيض مطالبة «تويتر» بفرض تأخير لمدة 15 دقيقة على تغريدات ترمب، قبل أن يتراجعوا عن ذلك. ووجدت الصحيفة عبر تحليلها سيل التغريدات الرئاسية أن فترة الرئيس المفضلة لاستخدام «تويتر» هي بين السادسة والعاشرة صباحاً، أي قبل توجّهه إلى المكتب البيضاوي واجتماعه مع مساعديه.
كما كشف تقرير «نيويورك تايمز» أن الرئيس لا يحب نشر تغريدات عندما لا يكون وحيداً، والسبب هو أنه لا يحب ارتداء نظارات القراءة التي يحتاجها لاستخدام هاتفه «آيفون». واعتاد ترمب إملاء تغريداته على مساعده ومسؤول وسائل التواصل الاجتماعي في البيت الأبيض، دان سكافينو، الذي يقوم بمراجعتها مع الرئيس قبل نشرها. ويطبع سكافينو أحياناً التغريدات بخط كبير حتى يقرأها الرئيس ويوافق عليها قبل النشر. وذكرت الصحيفة أن هذه المهمة حوّلت سكافينو من مسؤول عادي في البيت الأبيض إلى شخصية ذات نفوذ، إذ أصبح المساعدون والمشرعون الجمهوريون يتوجّهون إليه باقتراحات لتغريدات رئاسية.
ولا تقتصر طباعة التغريدات بالخط الكبير على منشورات الرئيس، بل إن مساعديه اعتادوا على طباعة تغريدات مؤيدة لخطاباته وتقديمها له. وفي إحدى المرات، أرسل البيت الأبيض كلمة شكر إلى تومي لاهرن وهي معلّقة على شبكة «فوكس نيوز»، وقّعها الرئيس ترمب على ورقة جمع فيها مساعدوه سلسلة تغريدات مؤيدة له. ونشرت لاهرن على حسابها الخاص صورة لكلمة الرئيس، وشكرته بدورها.
ويأتي ارتفاع وتيرة التغريدات الرئاسية بينما بدأ العدّ التنازلي لانتخابات الرئاسة الأميركية في عام 2020. وفي حين يعول ترمب على قاعدة أنصاره القوية لانتزاع ولاية ثانية، اختار الديمقراطيون المجازفة بسلك طريق إطلاق إجراءات عزل الرئيس التي أصبحت تطغى على النقاشات في انتخاباتهم التمهيدية. وحتى الآن، لم يظهر مرشح ديمقراطي واضح للاقتراع من أصل عدد قياسي من الطامحين للرئاسة.
وقال ترمب الجمعة، بينما كان محاطاً بعدد من مؤيديه: «لم نكن يوماً نتمتع بهذا القدر من الدعم الذي نلقاه حالياً»، مستبعداً بذلك الفكرة التي تفيد بأن إجراءات عزله قد تحرمه من ولاية رئاسية ثانية. بل إنه رأى أن هذه الإجراءات يمكن أن تثير حماس أنصاره الذين يشكلون «أغلبية غاضبة» متفقة على إدانة ما تعدّه «حملة شعواء» ضده. وفي لهجة تكشف أن الحملة ستكون قاسية، هاجم الرئيس بعنف «الديمقراطيين الذين لا يفعلون شيئاً»، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
ومن التأمين الصحي إلى حيازة الأسلحة والهجرة، يحاول كثير من المرشحين الديمقراطيين دفع حزبهم إلى الانعطاف يساراً. لكن رغم جهودهم، انتقلت القضايا السياسية العامة إلى المرتبة الثانية بحكم الأمر الواقع.
وشهدت عضوة مجلس الشيوخ إليزابيث وارن، التي تعد من المرشحين الأوفر حظاً للفوز بترشيح حزبها الديمقراطي للانتخابات الرئاسية، مشروعها للتأمين الصحي العام خلال الأسبوع الحالي يغرق تحت زخم أول تصويت في الكونغرس في إطار إجراءات الاتهام.
وكانت زعيمة الديمقراطيين نانسي بيلوسي تقاوم لفترة طويلة طلبات فتح تحقيق حول ترمب في مجلس النواب الذي يهيمن عليه حزبها، خوفاً من أن تواجه المعارضة تبعات إجراءات تسبب انقساماً ولا تلقى شعبية. وبالفعل، كشفت استطلاعات للرأي أن 49 في المائة من الأميركيين يؤيدون إجراءات العزل، و47 في المائة يعارضونها، في نسب تعكس تماماً ميولهم الحزبية.
وما يجعل الخطوة تنطوي على مخاطر أكبر، هو أن مجلس الشيوخ، حيث يشكل الجمهوريون أغلبية، سيبرئ الرئيس ترمب على الأرجح. ويخشى الديمقراطيون أن يواجهوا صدمة تبرئته قبل الانتخابات.
واقتنعت بيلوسي بهذه الخطوة في 24 سبتمبر (أيلول) بعد الكشف عن محادثة هاتفية طلب ترمب خلالها من رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي التحقيق بشأن نائب الرئيس السابق الديمقراطي جو بايدن وابنه. وكان بايدن المرشح الأوفر حظاً للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية، لكن الجدل حول هذه القضية وتعاملات ابنه هانتر المشبوهة في أوكرانيا أثّر على صورته، وأدى إلى تراجع الفارق بينه وبين المرشحين الآخرين، خصوصاً لمصلحة إليزابيث وارن. ويأتي بعد ذلك السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، ثم رئيس البلدية المعتدل بيت بوتدجيدج النجم الصاعد للديمقراطيين.
وللمرة الأولى، وضع استطلاع للرأي بايدن في المرتبة الرابعة بين المرشحين المفضلين للناخبين الديمقراطيين في أيوا، أول ولاية ستصوت في الانتخابات التمهيدية بعد الشاب بيت بوتدجيدج الذي لم يكن معروفاً قبل عام واحد فقط.
الأمر الغامض الثاني الذي يؤثر على الحملة هو البرنامج الزمني لإجراءات العزل. فمن غير المعروف كم سيستغرق هذا التحقيق ولا متى سيؤثر على الحملة، بينما تبدأ عمليات التصويت الأولى في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين مطلع فبراير (شباط). أما ترمب، فسيحاول تكرار استراتيجيته الرابحة في 2016، أي الاعتماد على قاعدته في بعض الولايات الأساسية التي تسمح له بالحصول على أغلبية من كبار الناخبين، والفوز في الاقتراع غير المباشر حتى إذا هزم في مجموع الأصوات.


مقالات ذات صلة

ما مبادرة «درع الأميركتين» الأمنية الجديدة التي أطلقها ترمب؟

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ) p-circle

ما مبادرة «درع الأميركتين» الأمنية الجديدة التي أطلقها ترمب؟

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب مبادرة أمنية جديدة تحمل اسم «درع الأميركتين»، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون بين الولايات المتحدة وحلفائها في أميركا اللاتينية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أرشيفية - رويترز)

ترمب: أؤيد دخول قوات كردية إيرانية إلى إيران

شجع الرئيس الأميركي القوات الكردية الإيرانية في العراق على مهاجمة إيران مع اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية ترمب يحمل هدية قميص انتر ميامي مكتوباً عليه اسمه ورقمه الرئاسي (البيت الأبيض)

ترمب يستقبل ميسي وإنتر ميامي في البيت الأبيض… والحديث عن «حرب إيران»

استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الخميس النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي وفريقه إنتر ميامي في البيت الأبيض احتفالاً بفوز النادي بلقب الدوري الأميركي.

The Athletic (واشنطن)
الولايات المتحدة​ كريستي نويم (أ.ف.ب)

ترمب يقيل وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، إقالة وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، إحدى مهندسات سياسة ترحيل المهاجرين غير النظاميين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)

ترمب يضع «فيتو» على مجتبى خامنئي

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يرفض تسمية مجتبى خامنئي مرشداً لإيران، مؤكداً رغبته في المشاركة شخصياً في اختيار المرشد الجديد.


الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية
TT

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

قالت الشرطة الدنماركية، على موقعها الإلكتروني، اليوم الخميس، إنها بصدد تفتيش سفينة حاويات موجودة في مضيق كاتيجات بين الدنمارك والسويد كانت في طريقها إلى ميناء آرهوس.

ووفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، أكدت الشرطة لهيئة الإعلام الدنماركية «تي في 2» أن روسيا هي بلد منشأ السفينة، المعروفة باسم «نورا»، ولم يجرِ الكشف عن أسباب التفتيش.

ووفقاً لموقع «فيسل فايندر»، يبلغ طول السفينة «نورا» 227 متراً، وكانت آخِر مرة رست فيها في ميناء سانت بطرسبرغ.

وذكرت وكالة الأنباء الدنماركية «ريتزاو» أن السلطات الملاحية الدنماركية كانت قد احتجزت السفينة، في فبراير (شباط) الماضي، ومنذ ذلك الحين وهي ترسو في الجزء الشمالي من مضيق كاتيجات.

وذكرت أن السفينة «نورا» كانت ترفع عَلم جزر القمر، لكنها مسجلة في إيران.

وأفادت «ريتزاو» أيضاً، بناء على معلومات من وزارة الخزانة الأميركية، بأن السفينة «نورا» كانت مرتبطة بشركة «ريل شيبينج إل إل سي» وتخضع لعقوبات دولية.

وتردَّد أن الشركة يسيطر عليها محمد حسين شمخاني، الذي كان والده علي شمخاني مستشاراً رئيسياً للمرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي.

ولقي كلاهما حتفهما في هجمات شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في نهاية فبراير.


اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
TT

اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

قال اتحاد رائد للبحارة ومجموعات في قطاع الشحن، الخميس، إن للبحارة الحق في رفض الإبحار على متن السفن التي تمر عبر الخليج، بما في ذلك مضيق هرمز، بعد ارتفاع التهديد في المنطقة إلى أعلى مستوى له.

ويوجد نحو 300 سفينة راسية على جانبَي المضيق في الوقت الذي تتصاعد فيه الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران. ومنذ 28 فبراير (شباط)، تعرضت تسع سفن لأضرار، ولقي بحار واحد على الأقل مصرعه، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وكجزء من الترتيبات التي تم التوصل إليها، الخميس، بين البحارة وشركات الشحن التجاري، والمعروفة باسم «المنتدى الدولي للتفاوض»، يمكن للبحارة رفض الإبحار في المنطقة، مع إعادة ترحيلهم على نفقة الشركة وتعويضهم بمبلغ يعادل أجرهم الأساسي لمدة شهرين.

وذكر الاتحاد الدولي لعمال النقل في بيان أنه بالإضافة لما هو مقرر، سيحصل البحارة على أجر أعلى، وسيتم مضاعفة التعويض في حالة الوفاة أو العجز.

وقال ستيفن كوتون، الأمين العام للاتحاد الدولي لعمال النقل: «يضمن التصنيف الحالي أن البحارة على السفن المشمولة باتفاقيات (المنتدى الدولي للتفاوض) يتمتعون بحماية أساسية إذا كانوا يعملون في هذه المنطقة الخطرة».

وأضاف: «اضطرارنا لاتخاذ هذه التدابير في حد ذاته دليل قاطع على الوضع الذي يواجهه البحارة اليوم. لا ينبغي أن يتعرض أي عامل لخطر القتل أو التشويه لمجرد قيامه بعمله...».


انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
TT

انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)

في الحروب الحديثة، لا تُحسم المعارك بالاستراتيجيات العسكرية والقدرات القتالية وحدها، بل تلعب الموارد اللوجستية ومخزونات الأسلحة دوراً حاسماً في تحديد مسار الصراع ومدته؛ فكلما طال أمد المواجهة، أصبح السؤال حول قدرة الأطراف المتحاربة على الحفاظ على وتيرة العمليات العسكرية وتوفير الذخائر والمعدات مسألة محورية قد تؤثر بشكل مباشر في مآلات الحرب.

وفي هذا السياق، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن بلاده تمتلك «إمدادات غير محدودة تقريباً» من الأسلحة الرئيسية. في المقابل، تؤكد وزارة الدفاع الإيرانية أن لديها «القدرة على مقاومة العدو» لفترة أطول مما خططت له الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن مخزونات الأسلحة والإمدادات لا يمكن أن تحسم نتيجة الصراع بمفردها؛ فالتاريخ الحديث يبيّن أن التفوق في العتاد لا يضمن بالضرورة تحقيق النصر، كما ظهر في الحرب بين روسيا وأوكرانيا؛ حيث تمتعت موسكو بتفوق واضح في العدد والعدة، ومع ذلك استمر الصراع لفترة طويلة دون حسم سريع. ومع هذا، تبقى الموارد العسكرية عاملاً مهماً في استدامة العمليات القتالية، وفقاً لتقرير لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)».

ومنذ بداية الحرب الإيرانية الحالية، كانت وتيرة العمليات العسكرية مرتفعة للغاية، ما يعني أن كلا الجانبين يستهلكان الأسلحة والذخائر بوتيرة أسرع من القدرة على إنتاجها.

ويقدّر «معهد دراسات الأمن القومي (INSS)»، في تل أبيب، أن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا بالفعل أكثر من ألفي ضربة عسكرية، استخدمت في كل منها عدة أنواع من الذخائر.

في المقابل، يشير المعهد إلى أن إيران أطلقت 571 صاروخاً و1391 طائرة مسيّرة، وقد تم اعتراض العديد منها. وبالنسبة لكلا الطرفين، سيصبح الحفاظ على هذا المستوى المرتفع من العمليات القتالية أكثر صعوبة، كلما طال أمد الحرب، بحسب «بي بي سي».

آثار الصواريخ في سماء نتانيا الإسرائيلية تظهر وسط وابل جديد من الهجمات الصاروخية الإيرانية (أ.ف.ب)

الوضع الإيراني

يقول مسؤولون غربيون إنهم لاحظوا انخفاضاً في عدد الصواريخ التي تطلقها إيران؛ حيث تراجع المعدل من مئات الصواريخ في اليوم الأول للحرب إلى عشرات الصواريخ فقط في الوقت الحالي.

وقبل اندلاع الحرب، كان يُقدَّر أن إيران تمتلك مخزوناً يزيد على ألفي صاروخ باليستي قصير المدى. ومع ذلك، لا تنشر الجيوش عادة أرقاماً دقيقة حول عدد الأسلحة التي تمتلكها؛ إذ تُبقي هذه المعلومات سرية بهدف عدم كشف قدراتها الحقيقية للخصوم.

وفي هذا الإطار، صرّح القائد الأعلى للقوات الأميركية، الجنرال دان كين، أمس (الأربعاء)، بأن إطلاق إيران للصواريخ الباليستية انخفض بنسبة 86 في المائة مقارنة باليوم الأول للقتال يوم السبت. كما تقول «القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)» إن هناك انخفاضاً بنسبة 23 في المائة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية فقط.

ويُعتقد أن إيران أنتجت عشرات الآلاف من طائراتها المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه «شاهد» بكميات كبيرة، قبل اندلاع الحرب. وقد صدّرت هذه التقنية إلى روسيا، التي تستخدم نسختها الخاصة من «شاهد» بفعالية مدمرة في أوكرانيا. وحتى الولايات المتحدة قامت بنسخ هذا التصميم.

طائرة إيرانية مسيرة من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا تحلق في السماء قبل ثوانٍ من اصطدامها بالمباني في كييف (أ.ب)

غير أن كين قال إن عمليات إطلاق الطائرات المسيّرة الإيرانية انخفضت أيضاً بنسبة 73 في المائة، منذ اليوم الأول للصراع، ما يشير إلى أن إيران قد تواجه صعوبة في الحفاظ على وتيرة عمليات مرتفعة لفترة طويلة.

ومع ذلك، لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون هذا التراجع الحاد محاولة متعمدة للحفاظ على المخزونات العسكرية. لكن استمرار الإنتاج سيصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

وفي الوقت الراهن، تتمتع الطائرات الأميركية والإسرائيلية بتفوق جوي واضح فوق إيران.

وتقول القيادة المركزية الأميركية إن المرحلة التالية من الحرب تركز على ملاحقة منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى استهداف مخزونات الأسلحة وتدمير المصانع التي تُنتجها.

ورغم أن التفوق الجوي قد يسهل على الولايات المتحدة وإسرائيل إضعاف القدرة القتالية الإيرانية، فإن تدمير جميع مخزونات أسلحتها سيظل مهمة صعبة للغاية، بحسب تقرير «بي بي سي».

أنظمة الدفاع الجوي تعترض طائرة مسيرة بالقرب من القنصلية الأميركية ومطار أربيل الدولي (إ.ب.أ)

الولايات المتحدة... والجيش الأقوى

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم؛ إذ يفوق مخزونها من الأسلحة التقليدية مخزون أي دولة أخرى.

ومع ذلك، يعتمد الجيش الأميركي بدرجة كبيرة على الأسلحة الدقيقة التوجيه باهظة الثمن، التي تُنتج عادة بكميات محدودة. وتشير التقارير إلى أن ترمب دعا إلى اجتماع مع شركات المقاولات الدفاعية في وقت لاحق من هذا الأسبوع للضغط عليها من أجل تسريع الإنتاج، وهو ما قد يشير إلى أن موارد الولايات المتحدة نفسها قد تتعرض لضغوط إذا استمر الصراع لفترة طويلة.

وقد خفّ بعض هذا الضغط مؤخراً، بعد أن باتت أميركا تتمتع بحرية نسبية في تنفيذ ضربات قريبة المدى.

طائرة مقاتلة تستعد للهبوط في قاعدة جوية تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة بالقرب من ليماسول بقبرص (أ.ب)

وأوضح كين أن واشنطن تخلّت بالفعل عن استخدام «الأسلحة بعيدة المدى» في هذه المرحلة من العمليات، وهي أسلحة أكثر تكلفة وتطوراً، مثل صواريخ «توماهوك كروز».

وبدلاً من ذلك، يستخدم سلاح الجو الأميركي الآن أسلحة «بديلة» أقل تكلفة، مثل قنابل JDAM التي يمكن إسقاطها مباشرة فوق الهدف.

ويقول مارك كانسيان، العقيد السابق في مشاة البحرية الأميركية، الذي يعمل في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)» في واشنطن، إنه بعد الهجوم الأولي من مسافة بعيدة «يمكن للولايات المتحدة الآن استخدام صواريخ وقنابل أقل تكلفة».

ويضيف أن واشنطن قادرة على مواصلة هذا المستوى من القتال «إلى أَجَل غير مسمى تقريباً». ومع ذلك، فكلما طالت الحرب تقلّصت قائمة الأهداف العسكرية المحتملة، وهو ما يؤدي عادة إلى تباطؤ تدريجي في وتيرة العمليات.

وتشكل الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تطوراً لافتاً ومؤثراً، ليس على واقع طهران فحسب، بل قد تنعكس تداعياتها على أكثر من صعيد في المنطقة.

ومنذ أيام، نفذت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل سلسلة ضربات قوية أدَّت إلى مقتل قادة بارزين في إيران، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي. وفي المقابل، أطلقت إيران سلسلة صواريخ ومسيَّرات باتجاه إسرائيل، لكن العديد منها طالت عدة دول عربية، وتسببت في حرائق وخلقت ضحايا وسط موجة إدانات ضد النظام الإيراني.